← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وبدهي أن المسؤولية الأولى في اتخاذ هذه الوسيلة سُلَّما للحق إلى عقول الناس، تقع على من تولوا أمور المسلمين من الملوك والرؤساء وأعوانهم؛ لأن إمكانات الشعوب الإسلامية كلها بأيديهم وتحت تصرفهم، فالوسائل المادية من إذاعة وتلفاز وصحف ومجلات، كلها تحت سيطرتهم، لا يذاع شيء ولا يعرض ولا يكتب إلا ما أقروه وأذنوا به. وتهيئة الكفاءات البشرية بتأهيلها وتدريبها وتوظيفها، كلها لا توجد على الوجه المطلوب، إلا إذا قاموا هم بدعمها، وإذا وجدت فلا يختارون منها إلا من هم عنه راضون، لعلمهم أنه لا يخرج عن دائرة ما يرسمون له. والمناهج الإعلامية والمواد التي تذاع وتعرض وتنشر وتطبع كلها مرهونة بموافقة رقبائهم عليها.

стр. 422

وإذا كانت بعض البلدان الإسلامية تعطي مساحة جيدة للمواد الإسلامية - مع مواد أخرى لا تنسجم معها - فإن أغلب أجهزة الإعلام في أغلب البلدان الإسلامية الأخرى، تقدم بها مواد قليلة جدا عن الإسلام، لا تخلو من تشويه ظاهر أو خفي، وما يعلق منه من الخير في أذهان الناس تمحوه المواد الأخرى المضادة للإسلام، في الجوانب الإيمانية والأخلاقية والأحكام المتعلقة بالحلال والحرام، حيث إن هذه المواد تنال من الدعم والتمكين، ما لا يتاح لجزء قليل جدا من الإسلام. ومما يزيد الطين بلة أن أجهزة الإعلام محتكرة بيد الحكومات في كل الشعوب الإسلامية، وإن وجدت في بعضها مؤسسات صورية، فإنها في الواقع فروع لأجهزة الإعلام الحكومية، وهذا بخلاف كثير من البلدان الغربية التي يجد فيها الإعلام من الحرية، ما يجعله يسقط زعماء وحكومات وأحزابا. لهذا كانت المسؤولية في الشعوب الإسلامية تقع على حكوماتها، لاستغلال وسائل الإعلام واتخاذها سُلَّما للحق، ليصل إلى عقول الناس في العالم الإسلامي وغيره.

стр. 423

وهذا لا يعفي العلماء وأهل الرأي، من القيام بواجب النصح للحكام ومطالبتهم بوضع مناهج ذات أهداف ووسائل لأجهزة الإعلام، يتحقق بها - مع تطبيقها فعلا - سبقُ الحق الذي تضمنه الإسلام إلى عقول المسلمين وغير المسلمين، ولا يكفي وضع أنظمة ولوائح لأجهزة الإعلام يُنَص فيها على مواد دينية لا يتحقق بها ذلك السبق، أو تكون أنظمتها نظرية دون تطبيق في واقع الأمر.

стр. 424

الأساليب الإعلامية المطلوبة لسبق الحق إلى العقول . ولا يشترط في نقل الحق بأجهزة الإعلام أن يكون دائما بالأسلوب المباشر، كالمحاضرات والمواعظ وسرد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو أحكام فقهية وما شابه ذلك، بل يكون بذلك وبغيره من الأساليب المستحدثة المؤثرة، كأفلام الكرتون للأطفال، والقصص والتمثيليات والمسلسلات والمسرح، والأناشيد وغيرها، فإن أثر هذه الأساليب في عقول الناس صغارا وكبارا مما يسمع ويشاهد ويقرأ ويرسم، أثرٌ فعال مشاهد استغله أعداء الإسلام في سبقهم بباطلهم إلى عقول الناس وأصبح ذريعة في بلدان المسلمين أنفسهم لذلك الباطل. وإذا كان علماء المسلمين يخافون - ولهم الحق أن يخافوا - من اختلاط المشروع بغير المشروع في بعض هذه الأساليب، فإن عليهم أن يدرسوا كل أسلوب وما يمكن أن يشتمل عليه، من مخالفات شرعية واضحة، ويقرروا ما هو مشروع وما هو غير مشروع من المواد المعروضة، على أن لا يراعى في الإذن والترخيص المبالغة والتشدد في منع ما لا نص في منعه من الشارع، وينبغي مراعاة باب المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة الإسلامية في ذلك.

стр. 425

وبهذا يتمكن المسلمون من منافسة أعداء الإسلام في وسيلة هي من أهم الوسائل للسباق إلى العقول. ومما يجب التنبيه عليه، أن المواد التي تتخذ وسيلة الإعلام لنقلها وإبلاغها إلى العقول، ليست قاصرة على موضوعات دينية معينة، كما قد يتبادر إلى الأذهان عند عامة الناس، ومنهم العلمانيون الذين يظنون أن هذه الأجهزة إذا سيطر عليها دعاة الإسلام وأتباعهم سيكون مجالها ضيقا، لا يخرج عن الوعظ والإرشاد والدعوة إلى بعض شعائر الإسلام، وتفسير آي من القرآن الكريم أو أحاديث من السنة الشريفة ونحو ذلك، بحسب فهمهم الضيق للدين الإسلامي، وكذلك ظن بعض المتدينين الذين ضاقت آفاقهم عن الفقه الشامل للإسلام ومقاصده وعن المساحة الواسعة للمباحات التي ترك الإسلام للناس أن يرتعوا فيها دون حرج ولا إثم، فلا ينبغي أن يضيقوا دائرة ما أباحه الله ويبالغوا في منعه؛ لأن تحريم المباح منهي عنه شرعا كتحليل الحرام ... إن هذا التبادر الحاصل من الطرفين غير صحيح، وإن الإسلام أشمل مما يظنون، كما أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما ورد به نص من الكتاب والسنة، أو ما يصادم مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية.

стр. 426

وإن بعض النصوص قابلة للاجتهاد الصادر من أهله، فالفتوى كما هو معروف تقدر زمانا ومكانا وشخصا ... لذلك فإن مواد أجهزة الإعلام، ستكون شاملة للكون والحياة والإنسان، وسيجد فئات الناس صغارا وكبارا ورجالا ونساء، وأدباء وفقهاء ومفسرين ومحدثين وقصاصا وكتابا، وأطباء ومهندسين ورجال فضاء، وعلماء طبقات الأرض، وسياسيين واقتصاديين، واجتماعيين وعلماء نفس، وعسكريين، مجالا رحبا في هذه الوسيلة وسيكون ذلك كله سلالم وجسورا لسبق الحقِّ الباطلَ إلى عقول الناس.

стр. 427

قلة القيود الإعلامية في الإسلام وثمرات الالتزام بها . ولا تقييد على نشاط هؤلاء كلهم وغيرهم في استغلال وسيلة الإعلام إلا بالأمور الآتية: الأمر الأول: التزام الصدق وتجنب الكذب والتضليل. الأمر الثاني: التزام العدل واجتناب الظلم للصديق والعدو. الأمر الثالث: حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية وعدم التفريط في شيء منها. وهي مقاصد تنشدها البشرية كلها، وتتلخص في الضروريات: حفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال. وما يكمل تلك الضروريات من الحاجيات والتكميليات. الأمر الرابع: عدم مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة. وهي قيود -كما ترى - قليلة جدا، وثمراتها النافعة عائدة على الناس كلهم، وإنه لأجدر بالمسلمين أن يكونوا سباقين إلى استغلال وسائل الإعلام المتنوعة، لإبلاغ حقهم إلى عقول العالم، قبل أن يُسبَقوا من قِبَل أهل الباطل بإبلاغ باطلهم إلى أبنائهم، ولكن الواقع المشاهد هو عكس هذا، فقد استغل أهل الباطل هذه الوسائل استغلالا لا نظير له، ولذلك عم الباطل وانزوى الحق. لقد أسمعت لو ناديت حيا!

стр. 428

وهؤلاء مفكرو المسلمين ودعاته يتنادون اليوم، منبهين المسلمين على الخطر القادم من البث المباشر الذي لم يبق جزء من الأرض خال منه عن طريق أدوات استقبال أطلق عليها في البلدان العربية "الدش" ويخطط أهل الباطل لصنع أجهزة تلفازية لا تحتاج إلى "الدش" وإنما هي مزودة بآلات استقبال ذاتية فتكون مثل التلفاز العادي لجميع الناس - وإن غلا ثمنها قليلا في أول الأمر.

стр. 429

ومما يؤسف له أن المسلمين - الغيورين منهم - لا يفكرون إلا في كيفية اتقاء خطر هذا البث، وكل فئة تفكر في الخطر من زاوية مصلحة خاصة بها - وقد لا تكون مصلحة على الحقيقة - والفئة القادرة على حشد الطاقات لدرء الخطر عن الأمة كلها، وهي فئة الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية لا تفكر - غالبا - إلا في درء الخطر عن سلطتها التي قد تزعزعها برامج ومواد البث المباشر، بما تتضمنه من هجوم على أساليب الحكم الاستبدادي وما تنتهكه من حقوق الإنسان في بلدانها، ومع ذلك فإن تفكيرها في الدفاع عن مصالحها السياسية غير جاد؛ لأن غاية ما يمكن أن تعده في برامجها هو الإكثار من مواد المدح والثناء على أنظمتها، والردود الوقتية على ما يرشقها به البث المباشر من انتقادات، وقد تعد المزيد من المواد التافهة التي تظن أنها ستلهي بها الشعوب عن التأثر بالهجوم المرتقب عليها، مثل المسلسلات الغرامية والتمثيليات والأغاني والرقص، والإكثار من اللعب الرياضي ونحوها، وهذه الثلاثة العناصر كلها - المدح المبالغ فيه، والردود الوقتية الباردة، ومواد الإلهاء المزعومة - سوف لا تغني عنهم فتيلا؛ لأن مواد البث المباشر سيوجد فيها من المواد الجادة

стр. 430

الموثقة، والمضللة ما يقضي على العنصر الأول والثاني، كما سيوجد فيها مواد الإغراء والإلهاء ما يشد المشاهد إليها، ويجعل الناس يهملون البث المحلي والقطري، وستكون لها نتائج خطيرة على الحكومات والشعوب في البلدان الإسلامية. وكان الأولى والأجدر بالمسلمين: مفكريهم وعلمائهم ودعاتهم وقادة السياسة فيهم، أن يفكروا بجد في استغلال البث المباشر بصورة هجومية وليست دفاعية: هجوم على عقائد فاسدة في الغرب، وهجوم على أخلاق سيئة، وهجوم على اقتصاد مدمر، وهجوم على كبرياء وعنصرية تخالف دعوة حقوق الإنسان التي يزعم الغرب رعايتها والدعوة إليها، وهجوم على معاملات أسرية واجتماعية مفككة. وهجوم بما هو أهم وأوجب، وهو إبلاغ معاني الإسلام السامية إلى عقول أهل أوروبا وأمريكا وغيرهما، من إيمان قائم على الحجة والبرهان، ومن عبودية لله تتحقق بها الحرية الصحيحة التي يزعم الغرب العناية بها والدعوة إليها، وهو في الحقيقة إنما يدعو إلى جعل الإنسان عبدا ذليلا لشهواته وملذاته، من جاه ومال ومنصب وامرأة وخمر ومخدر وغيرها، منطلقا في تصرفاته كلها من أثرته وجشعه.

стр. 431

إن هجوم البث المباشر من قبلنا بمبادئ الإسلام الإيمانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها، سيغير الصورة السيئة المشوهة عن الإسلام في عقول الشعوب الغربية، وسيكون الإسلام مع مبادئ الكفر مثل عصا موسى مع حبال وعِصي سحرة فرعون: إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر ولا أقصد بالهجوم الكلام الغليظ العنيف ضد مبادئ الغرب، وإنما أقصد أن تكون هممنا أعلى وأسمى من أن نقعد مفكرين في الدفاع عن أنفسنا ضد هجوم عدونا، بما لا يجدي شيئا أمام ذلك الهجوم الماكر القوي المنظم، بل نبدأ نحن بإبلاغ حقنا إلى عقولهم، بدلا من أن يبدءوهم بإبلاغ باطلهم إلى عقولنا. وإذا كان وضعنا الحالي لا يمكننا من البدء بهذا الهجوم، فليكن دفاعنا إيجابيا غير مهزوم، مع بدئنا بالتخطيط للهجوم، بدلا من الاستمرار في الدفاع. وقبل الهجوم والدفاع لا بد من تحصين المسلمين في بلدانهم بالتربية الإسلامية الصحيحة، حتى يكونوا قادرين ذاتيا على تجنب أخطار البث المباشر وغيره، وبدون ذلك لا أمل في توقي خطر داخلي أو خارجي.

стр. 432

استغلال إمكانات المسلمين في تحقيق رغبات أعدائهم . ومما يؤسف المؤمنَ ويحزنه أن يرى بعض أغنياء الأمة الإسلامية، يؤسسون قنوات فضائية متخصصة تستغرق أزمانا طويلة من البث المباشر وغير المباشر، في جوانب معينة من اللهو العابث واللعب التافه، يشغلون بها أوقات الشعوب الإسلامية ويفسدون بها أخلاقهم، مع علمهم بجهل أغلب تلك الشعوب بحقيقة دينها، وبعد كثير منهم عن تطبيق هذا الدين.

стр. 433

وكان الأجدر بهم أن ينافسوا بتلك القنوات غيرها من القنوات التي أعدت إعدادا محكما ووجهت توجيها مقصودا للسباق إلى عقول المسلمين، لزعزعة الإيمان في قلوبهم وتشكيكهم في ثوابته، وإفساد أخلاقهم وبث الفرقة والعداوة بينهم، كان الأجدر بهم أن ينافسوا تلك القنوات بتقوية إيمانهم بالحجج والبراهين التي تثبته في نفوسهم، وبغرس الأخلاق الإسلامية في نفوسهم، وبنشر العلم الشامل والثقافة المفيدة اللذين يقضيان على الأمية المنتشرة بين المسلمين أو يخففان منها، سواء كانت الأمية أمية القراءة والكتابة، أو أمية الفقه في الدين، أو أمية الانزواء عن عناصر المعرفة: سياسية أو اقتصادية أو إدارية أو طبية ... وباتخاذ الوسائل والأساليب التي تجمع كلمتهم على الحق وتحقق بينهم الإخوة الإيمانية التي تنشأ عنها المحبة والتعاون على البر والتقوى، كل ذلك يمكن أن يحصل بأساليب وطرق متعددة كما مضى، وليست عن طريق الوعظ والتعليم المباشرين فقط، وإن كان لا بد منهما. وكان بإمكانهم أن يستقطبوا الكفاءات الإسلامية في جميع التخصصات الإعلامية، ويدربوا شبابا مسلما على بعض الوسائل والتخصصات التي تدعو الحاجة إليها.

стр. 434

كان الأجدر بهم أن يسخروا قنواتهم لمصلحة الإسلام والمسلمين، بدلا من تسخيرها فيما سخر له كثير من القنوات الرسمية في الشعوب الإسلامية والدول الأجنبية، مما يحقق رغبات أعداء الإسلام في إيصال الباطل والسبق به إلى عقول أبناء المسلمين! فهل من آذان تصغي، ونداء يُسمع، وعقول تفكر، وحق يُدعَم!.

стр. 435

مشروع مقارنات إعلامية ميدانية ! إن الذي يتتبع وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومات في غالب الشعوب الإسلامية، ليجد غالب موادها (برامجها) تقود الأمة الإسلامية إلى المزيد من الانحطاط والتأخر والبعد عن عزتها وكرامتها، وإلى إلهائها عن أسمى الغايات ومعالي الأمور التي حققها لها أسلافها الأماجد، والتي يجب عليها أن تسعى إلى تحقيقها واستعادتها.

стр. 436

تناقضات مدمرة يجب أن تدركها الأمة! ولبيان هذا المشروع أضرب بعض الأمثال، وفي الأمثال عبر لأولي الألباب: المثال الأول: إلهاء الشعوب عن الإعداد للجهاد في سبيل الله . وهو من فروض العين الواجبة على جميع المسلمين في كل أقطارهم في هذا العصر، الذي احتل فيه أعداؤهم ديارهم، وانتهكوا أعراضهم، ودنسوا مقدساتهم، واعتدوا على حقوقهم، وأصبحوا قادة لهم، يأمرونهم وينهونهم، فيسمعون لهم ويطيعون، وحالوا بينهم وبين إعداد القوة الرادعة التي يدفعون به العدوان عن دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم ... فترى العدو اليهودي وغيره - كالصرب في البوسنة وكوسوفا - يحشد جيشه ويعد عدته، ويدرب شعبه، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، على حمل السلاح بكل أنواعه، لإرهاب المسلمين وإخضاعهم للسيطرة عليهم. ويرى المرء كيف يعامل اليهود نساء المسلمين ضربا وركلا وسحبا، واعتقالا وسجنا، كما يرى كيف يكسر اليهود أيدي وأرجل الأطفال، وكيف يصوبون رصاصهم إلى صدورهم فيردونهم قتلى، وكيف يطلقون صواريخهم على بيوتهم فيدمرونها على رءوسهم ... !

стр. 437

ويرى في مقابل ذلك قادة الشعوب الإسلامية يشيدون ملاعب الرياضة، ويزينون لشبابهم تضييع غالب أوقاتهم في مزاولتها وتشجيعها، ويجعلونها غاية حياتهم! تراهم يفرحون ويحتفلون برفسة كرة داخل شبك الأهداف، حتى يظن من يرى فرحهم واحتفالهم أنهم قد فتحوا بكلمة التوحيد بلدا إثر بلد، وحرروا القدس وأديس أبابا ومانيلا وموسكو، رافعين راية الإسلام، مقتدين بعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، ومحمد بن القاسم وصلاح الدين ... ! وتراهم يبكون ويحزنون إذا هزموا في معركة الكرة، حتى يظن من رأى حزنهم أنهم هزموا في معركة جهادية، أو طردوا من "قصر الحمراء" آخر معقل للمسلمين في الأندلس، وأنهم سيعدون العدة للانقضاض على عدوهم مرة أخرى، حتى لا تتكرر المأساة ... !

стр. 438

المثال الثاني: اليهود والسلاح النووي والمسلمون وآلات الطرب ! المسلمون كلهم يعلمون أن اليهود قد صنعوا من السلاح الهجومي ما لا طاقة لهم به في وضعهم المأساوي الحالي، إضافة إلى ما يمنحه أنصار اليهود لليهود من أسلحة هجومية فتاكة مجانا، مع التدريب العالي لجند العدو على كل تلك الأسلحة، وأن أسلحة المسلمين الدفاعية المستوردة التي يجود عليهم بها أنصار اليهود بأغلى الأثمان، وبشروط تفرض سيطرتهم على استعمالها، غير مجدية في الدفاع عن بلدانهم ورعاياهم وقت الحاجة. والأشد من ذلك أن العدو اليهودي قد ملأ ترسانته بالسلاح النووي الذي صنعه بنفسه، وأعانه على صنعه أنصاره في الغرب ... !

стр. 439

ومع هذا إذا نظرت إلى قنوات التلفاز في بلدان المسلمين، المحلية منها والفضائية، ترى جيوشا من الشعوب الإسلامية - نساء ورجالا، شبابا وكهولا، يحيون لياليهم - بل قل: يميتونها - بالرقص الفاجر، والغناء الماجن، واتخاذ كل وسيلة من وسائل الفحش والمنكر، وترى عامة الأسر والأفراد في الشعوب الإسلامية، قد اتجهوا إلى شاشات التلفاز واتخذوه قبلة لهم، يحطمون بمناهجه أخلاقهم، ويغفلون عن مصالحهم المهدرة، والمفاسد النازلة بهم المدمرة لحياتهم، بدلا من اتجاههم إلى القبلة ليقتدوا بمن ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (١) تخال بيوتهم في الليل أسواقا، وفي النهار قبورا، العدو يعد العدة لإهانتهم صباحا ومساء! يصنع السلاح النووي، وقادتهم هم يشجعونهم على الطرب بآلاته وميوعته!

стр. 440

المثال الثالث: الإسهام في إضعاف القريب وتقوية البعيد ! المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يرثي لها، حيث يرى كثيرا منهم يقطعون إخوانهم المسلمين، ويصلون غير المسلمين! يتعاونون تعاونا قويا، مباشرا وغير مباشر، مع غير المسلمين سياسيا، واقتصاديا، وتجاريا، وثقافيا، وإعلاميا، وعسكريا، ورياضيا. وفي غالب تعاونهم هذا خسارتهم وربح عدوهم. وكثيرا ما يكون تعاون المسلمين مع غيرهم ضد بعض إخوانهم المسلمين، والأمثلة على ذلك لا تحصى. ويقاطع بعضهم بعضا مقاطعة كاملة، أو شبيهة بها، وإذا حصل بينهم شيء من التعاون الذي يضطرون إليه اضطرارا، فهو بالنسبة إلى تعاونهم مع غير المسلمين كقطرة ماء عذب سقطت في محيط مالح! لهذا تجد كثيرا من المسلمين يسهمون بتلك المواقف الشاذة، في تقوية البعيد، وإضعاف القريب!

стр. 441

المثال الرابع: هذا يموت من التخمة، وذلك يموت من الجوع ! لقد أحضرت القنوات الفضائية للناظر والسامع من المتناقضات، ما يقتضي العجب. ومن ذلك ما يشاهده العالم كله من الإسراف والبذخ في حفلات الأفراح والمناسبات والنوادي والقصور. إنك لو أحصيت أثمان ملابس الأفراح، وأثمان أدوات الزينة، والمبالغ التي تنفق لإحضار الأطعمة التي يرمى كثير منها في المناسبات، وغير ذلك مما قد ينفق في المحرمات، لا في المباحات والمكروهات، لو أحصيت ذلك في مدينة واحدة من المدن الإسلامية التي من الله على بعض أهلها بالمال والغنى، ثم جلت في تلك المدينة نفسها لتتعرف على الفقراء والمحتاجين، لرأيت هنالك التخمة والترف والإسراف، ورأيت هنا الفقر والعوز والحرمان والموت ... ! فكيف لو قارنت بين بلد غني وآخر فقير؟! الوسيلة الحادية: المؤتمرات والندوات. كيف لو رأيت الأبدان السمينة التي لا يستطيع أهلها السير إلا على وسائل المواصلات، ولا يعيشون إلا بالأدوية والعقاقير، ورأيت الأطفال والنساء والشيوخ في ذلك البلد أو في بلد آخر قد يبست جلودهم على عظامهم، وأنهكتهم الأمراض لقلة الغذاء والدواء، وامتلأت الغبراء بجثثهم بسبب الجوع والعطش ... !!

стр. 442

المشروع الإعلامي الميداني؟ إن الأمثلة على المتناقضات التي يعيشها العالم اليوم، والمسلمون جزء من هذا العالم - وهم المقصودون هنا - الأمثلة كثيرة جدا ... والمشروع الإعلامي الميداني الذي أقصده هنا: أن توجد قناة فضائية أو أكثر، تقوم بتوعية المسلمين بهذه الأعمال المتناقضة مع مصالحهم، لعلهم يتنبهون للمصير الخاسر الذي ينتظرهم، إن هم استمروا على هذا الوضع المتردي ... ! وعلى سبيل المثال: تعرض نماذج لما سبق: الشباب الرياضي في ملاعبه وأفراحه بالانتصارات الرياضية وأحزانه بهزائمها، وما يلقاه من دعم وتشجيع على كل المستويات، وأطفال الحجارة الواقفين بصمود أمام العدو اليهودي الذي يتفنن في قتلهم وتعذيبهم، والمسلمين الذين يدمر الصرب بيوتهم وقراهم، ويشردهم من ديارهم، وينتهك أعراضهم، ويهدم مساجدهم، في كوسوفا، ليقارن شباب الرياضة بين أهدافه ونشاطه وبين أهداف أطفال الحجارة والمسلمين في كوسوفا، لعله يخجل ويستحي ويعرف الأهداف العليا للمسلم، والأولويات التي يجب أن يبلي فيها شبابه الذي سيسأله الله عنه.

стр. 443

وتعرض كذلك: الفتيات اليهوديات، وهن يقدن الدبابات، في أرض المعركة أمام ضباط المسلمين - كما في سيناء - وبعض صور أطفال اليهود الصغار الذين يدربهم آباؤهم على حمل السلاح والرمي، وفي مقابل ذلك تعرض بنات المسلمين في القنوات الفضائية، وهن يغنين ويرقصن مع الفتيان عاريات، وأطفال المسلمين الذين يدربون على آلات الموسيقى والطرب، أو يقضون أوقاتهم - في أيام دراستهم - في الملاعب الرياضية في الحارات، وتكون نتيجة هذه التربية السيئة السقوط في مستنقعات الشر، ومنه تعاطي المخدرات والخمور التي تعود على ضرورات الأمة بالنقض. لعل في عرض هذه المتناقضات ما يدعو الأسر الإسلامية، وأبناء المسلمين وفتياتهم إلى تأمل وضعهم المزري الذي يعيشون فيه، فيستيقظوا من سباتهم، بل من نومهم العميق، بل من موتهم الطويل، فيلوموا أنفسهم على ما فوتوه من أوقات في الباطل الذي يعود عليهم وعلى أمتهم بالخسران، وعلى عدوهم بالفائدة والقوة والنصر، وهكذا ... !

стр. 444

الوسيلة الحادية عشرة: المؤتمرات والندوات. إن المؤتمرات والندوات من أهم الوسائل التي يمكن اتخاذها للسباق إلى العقول بالحق الإلهي. جوانب يبرز فيها خطر المؤتمرات والندوات. ويبرز خطر المؤتمرات والندوات في الجوانب الآتية: الجانب الأول: أن المؤتمرات والندوات تعقد - غالبا - في أوقات تشتد الحاجة إلى عقدها لتحقيق أهداف ومصالح عامة تعود على الأمة بالخير، إما لجلب مصالح وإما لدفع مفاسد واقعة أو متوقعة، فهي - في الأصل - وسيلة بحث ودراسة لخطوات التعاون على البر والتقوى، تعاونا مبنيا على تخطيط ومشاورة، وليست مجرد مواعظ وخطب حماسية، وإن كانت الخطب والمواعظ من وسائل حفز همم المؤتمرين ودفعها إلى الجد والعمل، للوصول إلى النتائج المرجوة من اجتماعهم.

стр. 445

الجانب الثاني: أن المشاركين في المؤتمرات والندوات، يكونون في الغالب من وجوه الأمة وأعيانها وخبرائها ومثقفيها، وذوي التأثير فيها، بحسب الهدف الذي عقد له المؤتمر أو الندوة، ومن ذوي الاختصاص في مجالات المؤتمر وموضوعاته.

стр. 446

الجانب الثالث: أن المؤتمرات والندوات، يعد لعقدها إعدادا مبكرا توضح به الأهداف والموضوعات، ويختار لها المشاركون، ويستكتب المتخصصون، وتُكَوَّن لذلك الإعداد اللجان الْمُنَظِّمَة والْمُمَوِّلة، والمشرفة، واللجان العلمية المتخصصة، وتختار لها عناوين البحوث التي تكتب وتقرأ وتمحص من قبل لجان تحكيم متخصصة.

стр. 447

الجانب الرابع: أن المؤتمرين يعطون الوقت الكافي، لطرح أفكارهم وتوصياتهم ومناقشتها مناقشات مستفيضة، تدون وتسجل ثم تلخص، فتكون منها خلاصة لقرائح عقول صفوة المتخصصين والمهتمين، في موضوع المؤتمر أو الندوة.

стр. 448

الجانب الخامس: أنه يختار في النهاية لجنة من ذوي التخصصات المتنوعة، للاطلاع على ما دار في المؤتمر من أفكار وتوصيات واقتراحات من أفراد ولجان فرعية لتصوغ التوصيات صياغة رصينة شاملة قابلة - في الأصل - للتنفيذ. ولهذه الجوانب كلها أثرها الفعال في نجاح المؤتمرات والندوات من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية الإعلامية.

стр. 449

الجانب السادس: أن المؤتمرين يكلفون - غالبا - لجنة لمتابعة قرارات المؤتمر وتوصياته حتى تؤتي ثمارها. ومن هنا تظهر أهمية المؤتمرات والندوات، في التأثير على العقول وسبق الحق إليها.

стр. 450

سنة متبعة. وعقد المؤتمرات للتشاور وإبداء الآراء ومناقشتها، للوصول إلى نتيجة ترضي الله تعالى سنة متبعة. فقد كان الرسول ﷺ يدعو أصحابه ويجمعهم، ليستشيرهم ويعرف رأيهم ويحاورهم بصفته ولي أمرهم، ثم يمضي ما اتفق عليه معهم، أو ما أراه الله أنه خير، كما حصل ذلك في غزوة بدر، (١) وغزوة أحد (٢) ، وغزوة حنين، في شأن غنائم أهل الطائف وسبيهم (٣) . وقد عقد أصحاب رسول الله ﷺ أول مؤتمر لهم بعد وفاته وقبل دفنه، في شأن اختيار خليفة له في سقيفة بني ساعدة، وأتبعوا ذلك بمؤتمر أعم في المسجد النبوي في اليوم الثاني، تمت في كليهما البيعة لأبي بكر الصديق ﵁ (٤) . ولما مرض أبو بكر ﵁، شاور أصحاب رسول الله ﷺ في استخلاف عمر، وكتب كتابا بذلك وقرئ على الناس في المسجد، وأشرف على الناس وقال: (أترضون بمن استخلفت عليكم ... ) (٥) . ولما طعن عمر ﵁، كلف ستة نفر بأن يشاوروا الناس في اختيار خليفة له.. انتدبوا منهم عبد الرحمن بن عوف يشاور الناس ويشاورونه حتى تمت بيعة عثمان ﵁ (٦) .

стр. 451

وعقد عمر بن الخطاب ﵁ مؤتمرا، في شأن الوباء الذي انتشر في الشام، توافد عليه في هذا المؤتمر كبار الصحابة وشاورهم في القدوم بمن معه إلى الشام وعرض كل فريق رأيه، ثم أخذ عمر بما اتضح له صوابه الذي أيده - بعد ذلك - حديث رواه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ (١) . وكذلك جمع أصحابه ﵁ في شأن أرض العراق التي رأى عدم قسمتها في الغانمين للمصلحة العامة، وخالفه بعضهم، فأخذ يستشير ويسمع الآراء ويدلي بحججه، حتى انتهى إلى ما رآه أولا، مع شدة الخلاف في ذلك (٢) . وكل تلك المؤتمرات كان الهدف منها إيصال الحق إلى العقول وإقناعها به بالحجة والبرهان.

стр. 452

المؤتمرات الإسلامية في هذا العصر. وقد كثرت المؤتمرات الإسلامية (المنسوبة إلى الإسلام) في هذا العصر، وهي - على الإجمال - قسمان: القسم الأول: مؤتمرات رسمية . وهي ما تدعو إليها حكومة واحدة أو عدة حكومات، للبحث في موضوع معين يهم تلك الحكومة أو الحكومات، تحتاج فيه إلى دعم إسلامي في موقفها نحوه، سواء كان هذا الدعم المطلوب من بعض الحكومات لبعض، أو من علماء المسلمين ودعاتهم، لتظهر أنها على حق في موقفها من ذلك الموضوع. وهذه المؤتمرات تحشد لها الطاقات المالية والبشرية والوسائل الإعلامية والاتصالات والمواصلات، وكل ما تحتاج إليه لنجاحها، وتحاول الجهة الداعية إلى المؤتمر أن توجه نشاطه وبحوثه ونقاشه وقراراته وتوصياته، لخدمة الغرض الذي دعت المؤتمرين من أجله، وهذا التوجيه قد يكون مباشرا أحيانا وقد يكون غير مباشر، والغالب أن قرارات المؤتمر ونتائجه تكون في مصلحة الجهة الداعية إليه، لعوامل كثيرة معروفة، وإن كان قد يحصل فيه ما لا يعلن من الاتجاهات المضادة لبعض الأعضاء الحاضرين.

стр. 453

ومن المؤتمرات الحكومية البارزة الاجتماعات التي تعقدها منظمة المؤتمر الإسلامي الذي تنضوي تحته حكومات الشعوب الإسلامية، وإن كان بعضها قد علق عضويته في هذه المنظمة. وهذا المؤتمر يضم الدول التي تصرح في دساتيرها بأنها علمانية وهي أغلب دول المنظمة، ويضم بعض الدول القليلة التي تعلن أنها تحكم بالإسلام، ولذلك تتحكم في قرارات هذا المؤتمر ونتائجه الاتجاهات المتباينة لدى تلك الدول - وقد تتحقق فيه بعض المصالح، وإن كانت ضعيفة في مقابل ما يلاقيه المسلمون من مشكلات. وقد تدخل في ذلك المؤتمرات المتخصصة التي تدعو إليها الجامعات ومراكز البحوث العلمية الحكومية، كالمؤتمرات الطبية، والفلكية، والجغرافية، والهندسية، والصناعية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والبيئية وغيرها.

стр. 454

وينبغي أن يغتنم الملتزمون بالإسلام والدعاة إليه من ذوي الاختصاص الذين يُدعَون لحضور هذه المؤتمرات، الفرص المتاحة لهم فيها لطرح ما أمكنهم طرحه، من الموضوعات الإسلامية المناسبة لموضوعات المؤتمرات ولتخصصاتهم، كالكلام عن أضرار الخمر والمسكرات والمخدرات، وأضرار الفواحش كالزنا واللواط، والنظافة الحسية والمعنوية في المؤتمرات الطبية، والحلول التي جاء بها الإسلام للوقاية من هذه الأضرار وعلاجها، وكذا إبراز الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وفي المؤتمرات الاقتصادية يبين المتخصصون الإسلاميون الجوانب الاقتصادية في الإسلام، وما فيها من حلول للمشكلات في الاقتصاد الرأسمالي الربوي أو الاقتصاد الاشتراكي. وفي المؤتمرات السياسية يبين المتخصصون أسس السياسة الإسلامية ومزاياها، وكيف طبقت في الماضي وآتت ثمارها، وحاجة الناس إليها اليوم. وفي المؤتمرات القانونية يبين المتخصصون الإسلاميون مزايا الفقه الإسلامي وشموله وثباته وسموه، وما فيه من ثروة يمكن أن تسعد بها البشرية لو طبقت.

стр. 455

وفي المؤتمرات الأمنية يبين المتخصصون أسس الأمن في الإسلام: المعنوية منها والمادية وهكذا ... في جميع المؤتمرات التي تعقد في أي موضوع من الموضوعات يجب أن يشارك فيها العلماء والمفكرون والمتخصصون الملتزمون بالإسلام، لإظهار محاسن الإسلام ومزاياه في كل مجال لتنبيه العقول المشاركة إلى تلك المحاسن والمزايا.

стр. 456

القسم الثاني: مؤتمرات شعبية . وهي المؤتمرات التي تقوم بها جماعات إسلامية منظمة - في الجملة - أو جمعيات خيرية، أو فئة معينة تجمعها رابطة خاصة، مثل فئة علماء الشريعة الإسلامية المتنوعة، كالفقهاء والمحدثين، ومثل علماء التاريخ الإسلامي، أو علماء الاجتماع الإسلاميين أو الأطباء الإسلاميين، أو النقابات المتلزم أعضاؤها بالإسلام، كالمحامين والصحفيين والمهندسين، والإعلاميين، وغيرهم كالطلاب. وقد تكون المؤتمرات المنعقدة على مستوى مدينة أو محافظة أو قطر، أو على مستوى إقليمي يجمع عدة أقطار متقاربة جغرافيا أو متشابهة نظاما، أو على مستوى قومي محدد كالدول العربية، أو على مستوى قارة كآسيا وإفريقيا.. أو على مستوى عالمي. وقد يكون المؤتمر المعقود محدد الوقت والهدف، كالدعوة إلى عقده مرة واحدة لمناسبة خاصة، وقد يراد له الاستمرار بأن يعقد دوريا: في كل عام أو خمسة أعوام أو أكثر أو أقل.

стр. 457

والفرص المتاحة للمؤتمرات الإسلامية الشعبية تختلف من قطر إلى آخر، ففي بعض الأقطار تحظر حكوماتها التجمعات الصغيرة فضلا عن الكبيرة بإذن وبدون إذن، وفي بعض الأقطار قد تأذن دولها بعقد بعض المؤتمرات بقيود تجعل ثمارها محدودة جدا - أعني بذلك دول الأقطار الإسلامية - ومن النادر أن توجد دولة في الأقطار الإسلامية تتيح فرصة للمؤتمرات الشعبية تكون لها حرية كاملة. ولكن الفرص قد تتاح في بعض البلدان غير الإسلامية في الغرب وتتوافر فيها الحرية أكثر من الأقطار الإسلامية. والواجب أن يغتنم الإسلاميون الفرص المتاحة لهم في كل مكان، قلت أو كثرت.

стр. 458

غايات المؤتمرات الإسلامية. والغايات العامة للمؤتمرات الإسلامية، يجب أن تكون غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وقد سبق الحديث عنها. ويضاف إلى تلك الغايات غايات أخرى عامة وخاصة، وغالبها يدخل ضمنا في الغايات المذكورة سابقا. غايات للمؤتمرات العامة . هناك غايات عامة ينبغي أن يجعلها المشاركون في أي مؤتمر نصب أعينهم، مهما تنوعت موضوعات تلك المؤتمرات، ومن أهمها ما يأتي: أولا: السعي الجاد في جمع كلمة الأمة الإسلامية على الحق. ويبدأ ذلك بمحاولة تخفيف حدة الصراع والخلاف الشديدين المستمر ين بين المسلمين، على المستويين: الرسمي، وهو الخلاف بين الدول الحاكمة في الأقطار الإسلامية، على أسس الإصلاح الإسلامية التي أمر بها الله تعالى رسوله ﷺ . وتتلخص هذه الأسس في ركنين أساسين: الركن الأول: أن يكون الإصلاح بالعدل. ولا يجوز أن يتعمد القائمون بالصلح الوقوف بجانب القوي، ضد الضعيف المظلوم، كما جرت عادة كثير من الناس. الركن الثاني: مناصرة المظلوم المعتدى عليه على ظالمه إذا لم يقلع عن ظلمه له.

стр. 459

وقد جمعت هذين الركنين آية الحجرات، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) . وكذلك الاختلاف الحاصل على المستوى الشعبي، كالاختلاف بين الجماعات والأحزاب الإسلامية أو القبائل، يجب أن يكون من أهداف المؤتمرين العناية بالصلح بين هذه الفئات - وإن كان المؤتمر في الأصل عقد لغرض آخر، فإن التمزق الذي أصاب الأمة الإسلامية في هذا العصر سبب لها كوارث وأضعف كيانها، ولم يبق شعب أو دولة أو دول متجاورة أو متباعدة، إلا أصابها هذا الداء العضال، ولهذا كان جديرا بالعناية والاهتمام. وهذه الغاية تحتاج - مع طرقها في كل المؤتمرات - إلى عقد مؤتمرات خاصة بها، لوضع مشروع كامل وعمل متواصل ولجان متنوعة من رجال أكفاء يكونون محل ثقة يسعون لجمع كلمة المسلمين بحكمة وتجرد وصبر، لوجود عقبات كأداء في طريقهم، منها الذاتي الداخلي ومنها الخارجي.

стр. 460

ثانيا: التذكير المستمر بتحقيق الإخوة بين المسلمين. بحيث يحب بعضهم بعضا، ويحب بعضهم لبعض ما يحب لنفسه من الخير، وذلك يقتضي التعاون فيما بينهم والتناصر والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثالثا: التنبيه على الأخطار التي تحيط بالمسلمين. ويجب إقناع المسلمين بوجوب الوقاية من تلك الأخطار، أو دفعها بالوسائل الممكنة التي يجب أن تتخذ لها. رابعا: الدعوة إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين. الأفراد منهم والأسر والشعوب والدول وعدم التفريط في شيء منه. وتكرار العناية بهذه الغايات، ينبه الحاضرين وغيرهم ممن تبلغهم مناقشات المؤتمر وبحوثه وتوصياته وقراراته على أهميتها، وعلى أن الواجب عليهم جعلها من الأوليات التي يجب البدء بها، فيكون في ذلك وسيلة من وسائل السبق بالحق إلى العقول، وسوف لا يعدم المؤتمرون مناسبات في مؤتمراتهم تسوغ لهم طرق هذه الغايات ولو إجمالا.
следующие страницы →