← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

القسم الثاني: مؤتمرات شعبية . وهي المؤتمرات التي تقوم بها جماعات إسلامية منظمة - في الجملة - أو جمعيات خيرية، أو فئة معينة تجمعها رابطة خاصة، مثل فئة علماء الشريعة الإسلامية المتنوعة، كالفقهاء والمحدثين، ومثل علماء التاريخ الإسلامي، أو علماء الاجتماع الإسلاميين أو الأطباء الإسلاميين، أو النقابات المتلزم أعضاؤها بالإسلام، كالمحامين والصحفيين والمهندسين، والإعلاميين، وغيرهم كالطلاب. وقد تكون المؤتمرات المنعقدة على مستوى مدينة أو محافظة أو قطر، أو على مستوى إقليمي يجمع عدة أقطار متقاربة جغرافيا أو متشابهة نظاما، أو على مستوى قومي محدد كالدول العربية، أو على مستوى قارة كآسيا وإفريقيا.. أو على مستوى عالمي. وقد يكون المؤتمر المعقود محدد الوقت والهدف، كالدعوة إلى عقده مرة واحدة لمناسبة خاصة، وقد يراد له الاستمرار بأن يعقد دوريا: في كل عام أو خمسة أعوام أو أكثر أو أقل.

стр. 457

والفرص المتاحة للمؤتمرات الإسلامية الشعبية تختلف من قطر إلى آخر، ففي بعض الأقطار تحظر حكوماتها التجمعات الصغيرة فضلا عن الكبيرة بإذن وبدون إذن، وفي بعض الأقطار قد تأذن دولها بعقد بعض المؤتمرات بقيود تجعل ثمارها محدودة جدا - أعني بذلك دول الأقطار الإسلامية - ومن النادر أن توجد دولة في الأقطار الإسلامية تتيح فرصة للمؤتمرات الشعبية تكون لها حرية كاملة. ولكن الفرص قد تتاح في بعض البلدان غير الإسلامية في الغرب وتتوافر فيها الحرية أكثر من الأقطار الإسلامية. والواجب أن يغتنم الإسلاميون الفرص المتاحة لهم في كل مكان، قلت أو كثرت.

стр. 458

غايات المؤتمرات الإسلامية. والغايات العامة للمؤتمرات الإسلامية، يجب أن تكون غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وقد سبق الحديث عنها. ويضاف إلى تلك الغايات غايات أخرى عامة وخاصة، وغالبها يدخل ضمنا في الغايات المذكورة سابقا. غايات للمؤتمرات العامة . هناك غايات عامة ينبغي أن يجعلها المشاركون في أي مؤتمر نصب أعينهم، مهما تنوعت موضوعات تلك المؤتمرات، ومن أهمها ما يأتي: أولا: السعي الجاد في جمع كلمة الأمة الإسلامية على الحق. ويبدأ ذلك بمحاولة تخفيف حدة الصراع والخلاف الشديدين المستمر ين بين المسلمين، على المستويين: الرسمي، وهو الخلاف بين الدول الحاكمة في الأقطار الإسلامية، على أسس الإصلاح الإسلامية التي أمر بها الله تعالى رسوله ﷺ . وتتلخص هذه الأسس في ركنين أساسين: الركن الأول: أن يكون الإصلاح بالعدل. ولا يجوز أن يتعمد القائمون بالصلح الوقوف بجانب القوي، ضد الضعيف المظلوم، كما جرت عادة كثير من الناس. الركن الثاني: مناصرة المظلوم المعتدى عليه على ظالمه إذا لم يقلع عن ظلمه له.

стр. 459

وقد جمعت هذين الركنين آية الحجرات، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) . وكذلك الاختلاف الحاصل على المستوى الشعبي، كالاختلاف بين الجماعات والأحزاب الإسلامية أو القبائل، يجب أن يكون من أهداف المؤتمرين العناية بالصلح بين هذه الفئات - وإن كان المؤتمر في الأصل عقد لغرض آخر، فإن التمزق الذي أصاب الأمة الإسلامية في هذا العصر سبب لها كوارث وأضعف كيانها، ولم يبق شعب أو دولة أو دول متجاورة أو متباعدة، إلا أصابها هذا الداء العضال، ولهذا كان جديرا بالعناية والاهتمام. وهذه الغاية تحتاج - مع طرقها في كل المؤتمرات - إلى عقد مؤتمرات خاصة بها، لوضع مشروع كامل وعمل متواصل ولجان متنوعة من رجال أكفاء يكونون محل ثقة يسعون لجمع كلمة المسلمين بحكمة وتجرد وصبر، لوجود عقبات كأداء في طريقهم، منها الذاتي الداخلي ومنها الخارجي.

стр. 460

ثانيا: التذكير المستمر بتحقيق الإخوة بين المسلمين. بحيث يحب بعضهم بعضا، ويحب بعضهم لبعض ما يحب لنفسه من الخير، وذلك يقتضي التعاون فيما بينهم والتناصر والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثالثا: التنبيه على الأخطار التي تحيط بالمسلمين. ويجب إقناع المسلمين بوجوب الوقاية من تلك الأخطار، أو دفعها بالوسائل الممكنة التي يجب أن تتخذ لها. رابعا: الدعوة إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين. الأفراد منهم والأسر والشعوب والدول وعدم التفريط في شيء منه. وتكرار العناية بهذه الغايات، ينبه الحاضرين وغيرهم ممن تبلغهم مناقشات المؤتمر وبحوثه وتوصياته وقراراته على أهميتها، وعلى أن الواجب عليهم جعلها من الأوليات التي يجب البدء بها، فيكون في ذلك وسيلة من وسائل السبق بالحق إلى العقول، وسوف لا يعدم المؤتمرون مناسبات في مؤتمراتهم تسوغ لهم طرق هذه الغايات ولو إجمالا.

стр. 461

غايات المؤتمرات الخاصة . أما غايات المؤتمرات الخاصة، فإنها تتحدد بطبيعة كل مؤتمر على حدة. فقد يكون المؤتمر دعويا، وقد يكون تعليميا تربويا، وقد يكون اقتصاديا، وقد يكون سياسيا، وقد يكون اجتماعيا، وقد يكون صناعيا، وقد يكون إصلاحيا، - يعني للإصلاح بين الناس - وقد يكون علميا شرعيا - يجتهد فيه علماء الشريعة في بعض القضايا الطارئة التي تحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها ... وهكذا ... فطبيعة كل مؤتمر تحدد غايته التي عقد من أجلها، وموضوعاته التي تكتب فيها البحوث ويناقشها المؤتمرون، والأشخاص الذين يدعون لحضوره أصلا أو تبعا، وينبغي أن يكون لعلماء الإسلام وجود في كل المؤتمرات، حتى ولو كانت متخصصة كالمؤتمرات الطبية والهندسية، فالغالب أن تشتمل موضوعات المؤتمرات على ما قد يحتاج إلى فتوى فيه وبيان موقف الإسلام منه، وحضور العلماء الشرعيين يحقق غرضين: الغرض الأول: صحة تصورهم وإدراكهم للقضايا التي يبحث فيها المتخصصون، وصحة الإدراك والتصور أساس في الحكم الشرعي على المدركات والمتصورات. الغرض الثاني: بيانهم للحكم الشرعي في القضية المطروحة، ليستفيد منهم المتخصصون الذين لا يدرون الحكم الشرعي في القضية.

стр. 462

ثم إن وجود علماء الإسلام الشرعيين مع المتخصصين في العلوم الأخرى، يتيح لهؤلاء الاستفادة من أولئك في مجالات متنوعة من الموضوعات الإسلامية، يسألونهم عما يشكل عليهم في الحلال والحرام، وفي قضايا معاصرة سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها، وفي اجتماعهم بهم في المؤتمرات فرصة قد لا يجدونها في غيرها لكثرة أشغالهم وتفرقهم. وينبغي في المؤتمرات الخاصة إبراز ما يتصل بها من الموضوعات الإسلامية، في إعداد بحوث يتعاون على إعدادها ذوو الاختصاص في العلوم الكونية والطبية وعلماء الشريعة الإسلامية، ويبرز ذوو الاختصاص الحقائق العلمية، ويشرح علماء الشريعة الإسلامية ما وردت به النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة، ويبينون مدى موافقة الحقائق العلمية لما تضمنته النصوص، ليظهر بذلك معنى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، كما هو الحال في علم الأجنة وأطوار الجنين في القرآن الكريم. وعندما يكون المؤتمر يتعلق بالقوانين والأحكام تبين الأحكام الشرعية، ومدى صلاحيتها في الماضي والحاضر والمستقبل، مع سموها وشمولها والنتائج التي تتحقق بتطبيقها.

стр. 463

وعندما يتعلق المؤتمر بحقوق الإنسان تبرز الحقوق الإنسانية في الإسلام، المنصوص عليها في الكتاب والسنة والمراجع الإسلامية، وكونها قد طبقت في واقع الحياة، ونالت البشرية من تطبيقها السعادة والرخاء، وحاجة البشرية اليوم إليها، مع التنبيه على أنها قد جربت كل النظم والمبادئ البشرية فلم تنل من غالبها إلا الشقاء تلو الشقاء. وعندما يتعلق المؤتمر بالمحافظة على البيئة تبرز النصوص الواردة في عمارة الأرض واستغلال خيراتها، وغرس الأشجار فيها والمحافظة على نظافة الظلال بل طهارتها وعدم تنجيسها، وكذلك الطرق والشوارع وأجر من أزال الأذى عن الطريق، وأن ذلك من شعب الإيمان، وكون الإسلام أمر بالاقتصاد في الأكل والشرب، ونهى عن الإسراف والتبذير، حتى إنه أمر بمتابعة ما في الإناء من الطعام وأكله، حتى لا يبقى فيه شيء، ونهى عن البول في المياه، ونهى عن تعاطي كل ضار بالإنسان وتناول كل خبيث، ويدخل في ذلك شرب الدخان ونحوه، مما يلوث باطن الإنسان وظاهره، ويلوث الأجواء المحيطة به، وأمر بنظافة الجسم والثوب والأرض وطهارتها، حتى إن الصلاة لا تصح مع ملامسة نجاسة في ذلك كله.

стр. 464

وهكذا لا يوجد موضوع من الموضوعات التي تعقد لها المؤتمرات، إلا وللإسلام فيه قول، من ذلك الصناعات بأنواعها، فالسهم الواحد يؤجر عليه صانعه والرامي به ومنبله، والرفق بالحيوان الذي يغفر الله بسببه لساقي الكلب العطشان ذنوبه. وهكذا الشؤون الاجتماعية كالعناية بالأسرة والحياة الزوجية والأولاد والآباء، والجيران، وصغار السن وكبار السن والمعوقين والفقراء واللاجئين ... وكذلك قضايا الأمن بمعناه العام الواسع الذي يشمل الأمة في كل شؤونها، كما أشار إلى ذلك سيد قطب ﵀ في كتابه: السلام العالمي والإسلام (١) . فيجب أن ينبه على أن المحافظة على البيئة المعنوية، وهي الحرص على الطاعات والبعد عن الفواحش والمنكرات، من أهم ما جاءت به الشريعة ... وهو يتلخص في قوة الإيمان والعبادة والعمل الصالح، والتربية الإسلامية السليمة، والعمل بالأحكام الشرعية، وغرس الأخلاق الإسلامية، ثم تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تُجدِ فيه التربية الإيمانية والعبادية والأخلاقية ...

стр. 465

نخلص من هذا كله إلى أنه لا ينبغي أن نفوت أي فرصة تسنح في أي مؤتمر، دون أن تكون الدعوة إلى الإسلام متسللة فيه إلى عقول الناس في فقرات موضوعاته وبحوثه، ولكن ليس بمجرد الوعظ والحماس وإنما بالأساليب العلمية المناسبة للمؤتمر، حتى تكون المؤتمرات من وسائل السبق إلى العقول بالحق.

стр. 466

مؤتمرات تعليمية . ومن أمثلة المؤتمرات العالمية التي يحتاج إلى عقدها المسلمون في كل العالم - الشعوب الإسلامية والأقليات الإسلامية - مؤتمرات التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية الأهلية، لرفع مستوى التعليم فيها بمراجعة المناهج والخطط والكتب ووسائل التدريس والإيضاح وكفاءة المدرسين بها، لتكون كلها صالحة لتخريج طلاب أكفاء قادرين على استيعاب العلوم الإسلامية المتنوعة، وعلى أخذ حظ وافر من العلوم الكونية وغيرها، كما مضى في فقرة: وسيلة التعليم.

стр. 467

إن الذين يتولون شؤون التعليم الخاص في الشعوب الإسلامية، توجد بينهم فروق كبيرة جدا في مناهج التعليم التي وضعوها وخططه وكتبه ووسائله، فتجد بعض المدارس تهتم بالعلوم الرياضية والطبية والمهنية وغيرها من علوم الحياة، ولا تهتم بالعلوم الإسلامية، بحيث تجد طلابها لا يفقهون فروض العين التي لا يسع المسلم جهلها، وتجد في الجانب الآخر مدارس تهتم بتدريس بعض العلوم الإسلامية، بمناهج قديمة وكتب معينة وبوسائل تدريس عقيمة، وترى مدرسيها لا يدري كثير منهم شيئا يذكر عن الثقافات المعاصرة، فيتخرج من هذه المدارس طلاب يحفظون بعض المتون وبعض الأحكام لا يفقهون معناها حق الفقه، أما ما يتعلق بثقافة العصر ومشكلات المسلمين وما يجب أن يتخذ لها من حلول، فإن عقول كثير منهم قد حجزت عن معرفتها والتفكير فيها، على عكس الصنف الأول الذين عندهم ثقافة معاصرة وعلوم من الحياة الدنيوية، ولكن كثيرا من المشكلات التي يتعرض لها الإسلام تكمن فيهم، إذ الأفكار التي زرعت في عقولهم أفكار علمانية أو غير سليمة عن الإسلام.

стр. 468

ومن النادر أن تجد مدارس جمعت بين الحسنيين: حسنى الدراسات الإسلامية الشاملة التي يتمكن طلابها من التفقه في الدين، تفقها يعتقدون به أن الإسلام منهج شامل لحياة الإنسان كلها ويطبقونه في حياتهم على هذا الأساس، وحسنى معرفة ما ينفع المسلمين في حياتهم الدنيا من العلوم والثقافة لاتخاذه وسيلة لقوتهم وتقدمهم، ومعرفة ما يضرهم فيجتنبونه ويتخذون من الوسائل ما يقيهم شره. لهذا تظهر الحاجة إلى عقد مؤتمرات تعليمية، يجتمع فيها علماء مسلمون من ذوي التخصصات المتنوعة وخبراء تعليم إسلاميون، مع زعماء المؤسسات التعليمية الإسلامية في العالم الإسلامي، لتدارس شؤون التعليم ومحاولة توحيد المناهج - ولو في إطارها العام في أول الأمر - ووضع المواد اللازمة في العلوم الدينية والعلوم الكونية الأخرى.

стр. 469

ولا بد أن يسبق المؤتمرات العامة مؤتمرات قطرية - أي مؤتمر أو أكثر لكل قطر إسلامي - ومؤتمرات إقليمية - لعدة أقطار متجاورة أو متشابهة - يشترك فيها - المؤتمرات القطرية أو الإقليمية - زعماء المؤسسات التعليمية في الأقطار أو الأقاليم، وعلماء مسلمون وخبراء تعليم، يستعرضون المناهج والكتب والأساليب التعليمية الموجودة، ويضيفون ما يرون إضافته من المواد الأخرى، ويقترحون ما يرون من تعديل بزيادة أو نقص، وما يناسب من وسائل التعليم وأساليبه، ويحصرون التخصصات التي ينبغي أن تتوافر في المدرسين على ضوء منهج جديد مقترح ووسائل تحقيق تلك التخصصات، ثم تجمع تلك الدراسات في تقارير وتعرض على العلماء والخبراء الذين سيحضرون المؤتمرات العالمية، وتعد لهم عناوين الموضوعات المناسبة ليكتبوا فيها بحوثا وملخصات لعرضها في المؤتمرات. فإذا نوقشت التقارير والبحوث واتفق على قرارات أو توصيات، كونت لها لجان متابعة قطرية تقودها لجنة عالمية لمحاولة تنفيذ تلك القرارات والتوصيات.

стр. 470

وقد يكون تنفيذها في كل الأقطار صعبا، لأسباب مختلفة، ويمكن أن يجتهد في تنفيذها في بعض الأقطار، لتكون نموذجا ومثالا يحتذى في بقية الأقطار حسب الإمكان، ويحسن أن تنفذ نماذج منها في جهات مختلفة، فيكون أحد النماذج في شرق إفريقيا، وآخر في غربها، وآخر في جنوبها، وهكذا ينفذ نموذج في شرق آسيا وآخر في جنوب شرق آسيا، وينفذ آخر في بعض دول المسلمين التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق، وآخر في شرق أوروبا، وآخر في غربها، وآخر في أمريكا الشمالية ونموذج في أمريكا الجنوبية، ليظهر أثر كل نموذج في الدول المجاورة، فتتأثر به المؤسسات التعليمية فيها، لأن الناس يتأثرون بالواقع المشاهد أكثر من المقترح النظري.

стр. 471

مؤتمرات دعوية . ومن الأمثلة للمؤتمرات العالمية التي يحتاج إليها المسلمون مؤتمرات الدعوة، وهي حاجة عامة شاملة للمسلمين وغير المسلمين في كل أنحاء العالم، وفي كل الأوقات. ومؤتمرات الدعوة العالمية تحتاج قبل عقدها إلى دراسة جادة وعميقة، من قبل مختصين يحددون أهدافها القريبة والبعيدة، ومناهجها وأساليبها ووسائلها، ويكتبون في ذلك بحوثا محددة، وهذه الدراسة وحدها تحتاج إلى مؤتمر عالمي مصغر يجتمع فيه أفذاذ العلماء والدعاة وزعماء الجماعات الإسلامية، وعلى ضوئه يحدد المكان والزمان ويحضر الأشخاص الذين ينبغي أن يُدْعَوا لحضوره وتمويله والموضوعات التي توزع على القادرين للكتابة فيها، واللجان الإدارية والتنظيمية والإعلامية وغيرها، حتى إذا ما اجتمع المؤتمرون وجدوا أمامهم موضوعات عملية محددة، تدرس لتنفذ قرارتها وتوصياتها، لا لتحفظ في ملفات يأكل عليها الدهر ويشرب كما هو واقع كثير من المؤتمرات التي تعقد الآن.

стр. 472

ويجدر بالمؤتمرين أن يبدؤوا في مؤتمراتهم بالأوليات من الموضوعات التي يترتب عليها تقدم الدعوة وانتشارها وكفاءة الدعاة، ودعوة الناس إلى ما يجهلونه من الإيمان والعبادات العينية والمعاملات اليومية، مثل فقه الأسرة وبعض أحكام الحلال والحرام. وكذلك تحذيرهم مما يحيط بهم من المخاطر الحاضرة من أعدائهم ووجوب اجتماعهم على الحق والتعاون على البر والتقوى. ويتلخص ذلك في الأمور الآتية: الأمر الأول: إعداد برامج لتدريب قادة الدعاة تؤهلهم لتخريج دعاة أكفاء.

стр. 473

وهذه البرامج تشمل التفقه في العلوم الإسلامية المتنوعة، من مصادرها وفي طليعتها الكتاب والسنة والسيرة، وكتب العقيدة السلفية السليمة من التعقيدات الكلامية والفلسفية، وعلوم التفسير وكتبه وعلوم الحديث وكتبه، وأصول الفقه وكتبه وكتب الأخلاق، والثقافة، ومعرفة شبهات الأعداء كالمستشرقين والمنصرين وغيرهم والرد عليها بالبرهان والحجة، وإجادة بعض اللغات العالمية أو بعض اللغات المحلية حسب الحاجة، ومعرفة البيئات والعادات للبلدان التي تسند إليهم شؤون الدعوة فيها، وكذلك معرفة أديان أهلها مع مقارنتها والاستعداد لكشف معايبها وإظهار محاسن الإسلام، وكونه هو الدين الحق الذي لا يوجد دين حق سواه.

стр. 474

هذا التدريب يكون - في الأصل - لذوي المؤهلات في الدراسات الإسلامية، ولكن ينبغي أن يختار عدد من ذوي المؤهلات الأخرى كالمهندسين والأطباء والكهربائيين والبيطريين وغيرهم، من ذوي المهن ممن عندهم ثقافة إسلامية محدودة وثقافة معاصرة، وتعقد لهم دورات تدريبية في العلوم الإسلامية السابقة، ليأخذوا حظا كافيا منها، ليؤهلهم لتعليم الناس فروض العين وتوعيتهم بما يجب أن يعلموه في حياتهم، ويساعدوا المحتاجين إلى علومهم من فقراء المسلمين وغيرهم بالدواء والتعمير والزراعة وتربية الدواجن والماشية وبعض المهن العملية، كالنجارة والخياطة ونحوها، ليجمع الدعاة إلى الإسلام بين بيان الإسلام والدعوة إليه وبين ترقية الناس المعاشية، ولا يتركوا هذه الأخيرة لغيرهم من المنصرين. وهؤلاء الدعاة بنوعيهم يُدَرِّبون - مع دعوتهم عامة الناس - من يرونهم ذوي قدرة على الاستيعاب في كل بلد من بلدان المسلمين أو غيرهم، لمناهج الدعوة ونقلها إلى بني قومهم بلسانهم، لما في ذلك من الانتشار السريع للدعوة بكثرة القائمين بها.

стр. 475

ومن الوسائل التي تسهل تدريب الدعاة على تنوع مستوياتهم، إنشاء معاهد عليا لذوي المؤهلات في الدراسات الإسلامية - خاصة بمناهج الدعوة وأساليبها ووسائلها، لا تزيد مدتها عن سنتين ولا تنقص عن سنة، يستقدم لها علماء كبار متخصصون وذوو خبرة في هذا المجال، بحيث تكون الدراسة قوية والمواد مختارة مناسبة - مع التدريب العملي الميداني على ما يدرسون، وتقوى عندهم الجوانب العبادية ليكونوا قدوة لغيرهم فيما يدعونهم إليه. وكذلك تنشأ معاهد متوسطة لذوي الثقافة الإسلامية المحدودة من ذوي الاختصاصات الأخرى، يأخذون فيها ما يؤهلهم لمهمتهم الدعوية كما مضى، وتحدد لهم المواد التي يحتاجون إليها والمراجع والمدة المناسبة مع تدريبهم العملي.

стр. 476

الأمر الثاني: أن يبدأ الدعاة في كل بلد بالموضوعات الأهم في ذلك البلد، فإذا كان أهل البلد يجهلون فروض العين، كأصول الإيمان وقواعد الإسلام التي تضمنها حديث جبريل المشهور، والأحكام المتعلقة بها كصفة الصلاة وأركانها وشروطها، وأموال الزكاة ومقاديرها ومصارفها، وصيام رمضان وما يتعلق به من واجبات ومفطرات، ومناسك الحج، فإن على الدعاة أن يبدءوا بهذه الفروض بالترتيب الذي لقنها الرسول ﷺ لداعية اليمن معاذ بن جبل ﵁: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن عليهم خمس صلوات، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقرائهم..» . فإن وجدهم على علم بذلك ويجهلون غيره، فليعلمهم ما يجهلون الأهم فالأهم، مع مراعاة نفور النفوس عما تألف والتدرج مع أهلها في ذلك، كما هي سنة الرسول ﷺ وبخاصة مع غير المسلمين أو المسلمين بالاسم الذين يجهلون كل شيء في الإسلام، فإن مطالبتهم دفعة واحدة بأداء كل الفرائض واجتناب كل النواهي بدون تدرج حكيم، قد ينفرهم من الإسلام كله.

стр. 477

الأمر الثالث: أن يتدارس المؤتمرون الموضوعات المهمة التي يحتاج إليها المسلمون لتوعيتهم بها في أمور دينهم ودنياهم وتحصر عناوينها، ويحصر العلماء القادرون على التأليف والكتابة فيها أو إلقاء محاضرات تسجل في أشرطة كاسيت أو فيديو، أو تعقد ندوات وتسجل كذلك ويستنسخ منها أعداد كافية لنشرها وتوزيعها على العالم الإسلامي، عن طريق إدارة خاصة بنشر الدعوة، وكذلك تطبع في رسائل وكتيبات صغيرة بكميات كثيرة بلغات عالمية ومحلية وتوزع على المسلمين. وليس من الصعب أن تكتب أو تقرأ تلك الموضوعات في الأشرطة بلغات المسلمين المتنوعة، فالبلدان الإسلامية ممتدة في القارتين: الآسيوية والإفريقية من مشارق الأرض إلى مغاربها، وقلما يوجد بلد لا يوجد فيه طلبة علم قادرون على الترجمة أو التأليف أو القراءة، كما أن المسلمين منتشرون في القارات الأربع الأخرى: أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا، بل وفي أطراف العالم كله.

стр. 478

إن أي موضوع من الموضوعات التي تهم المسلمين يمكن أن يصل إلى المسلمين كلهم في العالم خلال فترة قصيرة جدا بتلك الوسائل، لسرعة المواصلات الجوية والبحرية والبرية، ولوجود الاتصالات التي تحطم حواجز الرقابة والمنع، كالقنوات الفضائية والفاكسات والإنترنت، وغيرها ... وما أحوج المسلمين اليوم إلى اتخاذ هذه الوسائل، لإبلاغ ما يهمهم إلى كل مسلم في العالم سواء كان متعلقا بالشعائر التعبدية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، حتى ينتشر الوعي ويشعروا كلهم أنهم معنيون بتلك الموضوعات والتعاون على البر والتقوى فيها.

стр. 479

مؤتمرات عملية . وينبغي أن يكون الهدف من عقد مؤتمرات العمل الإسلامي المقدور عليه، تنفيذ قرارات المؤتمر المعقود وتوصياته، وليس مجرد الاجتماعات وإلقاء البحوث والمحاضرات والمناقشات الكثيرة التي تتمخض عن قرارات وتوصيات كثيرة، قد تكرر في مؤتمرات أخرى بدون تنفيذ ومتابعة، والأولى أن تنفق الأموال التي ترصد لأمثال هذه المؤتمرات التي لا تنفذ قراراتها، في نشاطات إسلامية عملية تحتاج إلى تلك الأموال، كقوافل الدعوة، ومدارس المسلمين القائمة المحتاجة إلى المساعدة، وإنشاء مدارس جديدة، وإنشاء مساجد في أماكن يحتاج إليها المسلمون، وطبع كتيبات ورسائل ومنشورات تصل إلى الناس لتعرفهم بالإسلام وفرائضه، بدلا من إنفاق تلك الأموال الطائلة على مؤتمرات غير مجدية وإن كان الهدف منها صحيحا عند من يدعو إليها من المخلصين.

стр. 480

ولو نفذت قراراتها وتوصياتها لكان في ذلك نفع عظيم، ولكن تنفيذها يتوقف غالبا على دعم الحكومات في الشعوب الإسلامية، وأكثر حكوماتهم تقف ضد تحكيم شرع الله وضد الدعوة إلى تطبيقه، ولا تأذن بتطبيق جوهر الإسلام وحقائقه التي تنظم بها حياة المسلمين، بل تحاربها وتحل محلها قوانين تخالفها مخالفة صريحة، فكيف يرجى من أمثال تلك الحكومات دعم قرارات المؤتمرات الإسلامية وتوصياتها وذلك هو شأنها؟! ولو أراد باحث أن يحصي المؤتمرات الإسلامية التي عقدت في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، وأول القرن الخامس عشر الهجري، وبحوثها وتوصياتها وقراراتها ويجمع ذلك كله، لكون منها مكتبة كبيرة. ولو أحصى الأموال التي أنفقت على تلك المؤتمرات، لألفاها كافية لإنشاء مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية، المسلمون في أمس الحاجة إليها، ولو قوّم نتائجها وثمراتها الإيجابية لوجدها هزيلة بجانب ما بذل فيها من جهد ووقت ومال.

стр. 481

لذلك يجب على قادة العمل الإسلامي والمؤسسات الإسلامية، أن لا يضيعوا جهودهم وأموال المسلمين، إلا في مؤتمرات لها غايات عملية يمكن تحقيقها أو تحقيق غالبها، وأن تكون موضوعاتها ذات أولوية، وأن يسبق عقدها تخطيط وتنظيم يجعلها ذات جدوى. وإن اجتماعات مصغرة لقادة العمل الإسلامي وعلمائه، لبحث موضوعات الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي، ودراسة ما يجب اتخاذه من خطوات في ذلك دراسة هادئة متأنية يترتب عليها عمل مفيد - ولو قل - خير من كثير من المؤتمرات الجماهيرية غير المجدية عمليا. وإذا كان المقصود من تلك المؤتمرات الكثيرة، هو الوصول إلى معرفة سبل العمل للإسلام، في مجال الدعوة والتعليم والتشريع والأخلاق ومكافحة الدعوات المضللة والشبهات التي يتخذها أعداء الإسلام للطعن فيه، كالمستشرقين والمنصرين وغيرهم، فإن عشرات المؤتمرات قد عقدت في أغلب بلدان المسلمين من بلاد المغرب إلى إندونيسيا في موضوعات إسلامية شتى، وحضرها كبار العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي، وأدلى كل منهم بدلوه بحثا ونقاشا ونصحا وسجلت كلها في مجلدات وملفات وأشرطة فيديو وكاسيت، ويمكن الرجوع إليها وأخذ ما يراد العمل به منها.

стр. 482

وقد اعتدنا من بعض حكومات الشعوب الإسلامية الصبر على المؤتمرات الجماهيرية وبحوثها ومؤتمراتها وتوصياتها، ولو كانت لا ترضى عنها تلك الحكومات، لأنها تعلم أن حماس المؤتمر المعقود ينتهي بقراءة قراراته وتوصياته التي لا ترى أثرها في الواقع إلا ما ندر. فليتجه العاملون للإسلام إلى الاجتماعات والمؤتمرات المصغرة، العملية التي يمكنهم متابعة تنفيذ نتائجها، وليدلوا بدلوهم في بقية المؤتمرات من باب النصح وتبليغ الحق دون أن تستنفد أوقاتهم وأموالهم فيها. وإذا ما أحسن دعاة الإسلام وقادة العمل الإسلامي والمنظمات الإسلامية استغلال المؤتمرات بموضوعاتها المتنوعة استغلالا عمليا، فإنها ستكون من أهم وسائلهم إلى السباق إلى العقول بالحق.

стр. 483

أما ما تسير عليه المؤتمرات الآن - مع فائدتها المحدودة في الدعوة - من إنفاق هائل للأموال على عقدها، ومن أوقات طويلة تبذل لها من المضيفين والمضافين، ثم تنتهي بتوصيات وقرارات، لا تخرج من ملفاتها بعد صياغتها وتلاوتها إلى عالم الواقع، فينبغي أن يفكر المسؤولون عنها والدعاة إليها وباذلو المال لعقدها، في أسلوب آخر للعمل الإسلامي من تعليم ودعوة وغيرها، فإن الأموال التي تصرف في تلك المؤتمرات التي تتضمن قراراتها وتوصياتها، الحث على إنشاء المدارس والمعاهد والمساجد وطبع الكتب وتوزيعها وإيجاد منح دراسية لأبناء المسلمين وإعداد دعاة وضمان نفقاتهم، إن تلك الأموال التي تصرف في تلك المؤتمرات لو جمعت لكفت أو قاربت الكفاية لإبراز ما تضمنته قراراتها وتوصياتها في عالم الواقع. ولهذا تجد كثيرا من المفكرين يتساءلون عن الإصرار على عقد تلك المؤتمرات، دون تنفيذ غالب قراراتها وتوصياتها: هل أهداف تلك المؤتمرات المعلنة هي الأهداف الحقيقية وراء عقدها، أو لها أهداف أخرى؟! والجواب: أهل مكة أدرى بشعابها!.

стр. 484

خطوات استفادة أهل الحق من النوادي: والخطوات التي يجب اتخاذها لمحاولة استفادة أهل الحق من تلك النوادي كثيرة، ومنها ما يأتي: الخطوة الأولى: توجيه بعض الشباب المسلم المثقف ثقافة إسلامية جيدة والمربّى تربية إسلامية عالية، إلى الدراسة التي تؤهلهم لقيادة نشاطات تلك النوادي الرياضية والثقافية والأدبية والاجتماعية، حتى يكون تأثيرهم في أعضاء النوادي تأثيرا إيجابيا، لكونهم في مراكز توجيه فيها. الخطوة الثانية: السعي لتوظيف أولئك الشباب المتخصص في النوادي المناسبة لتخصصاتهم، حتى يكون نشاطهم مشروعا بمقتضى نظمها، وتكون غايتهم غرس الإيمان بهذا الدين في نفوس أعضاء النوادي، وتثقيفهم ثقافة إسلامية تجعلهم واعين بما يحيط بهم، وبكيفية التعامل مع الواقع تعاملا هادئا مؤثرا بدون ضجيج، وبتربيتهم تربية إسلامية تحقق فيهم معنى العبودية لله تعالى والتحلي بالأخلاق الإسلامية العالية، وتحبب إليهم التطبيق العملي للإسلام في أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم. الخطوة الثالثة: ينبغي أن يفرز عدد مناسب من الشباب الإسلامي المتربي على الإسلام، ليكونوا أعضاء في تلك النوادي من أجل التأثير في أعضائها بمعاني الإسلام.

стр. 485

الخطوة الرابعة: ينبغي أن يخطط أهل الحق لإبلاغ الحق إلى أعضاء النوادي، بكل الطرق والوسائل المشروعة المتاحة، من كتيبات ونشرات وصحف ومجلات إسلامية، وشُرُطْ كاسيت أو فيديو لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية في الأعضاء. الخطوة الخامسة: يجب أن يعد أعضاء النوادي لحمل الدعوة الإسلامية إلى زملائهم في النوادي الأخرى، سواء كان في نفس بلدانهم أو في البلدان الأخرى إسلامية كانت تلك البلدان أو غير إسلامية. وقد أصبحت الفرق الرياضية وغيرها في هذا العصر تجوب العالم كله للاشتراك في المسابقات الدولية، ولو أن هذه الفرق التي تنفق على تدريبها الأموال الكثيرة اعتني بها في الثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية الشاملة، وحببت إليها الدعوة الإسلامية، والتزمت بالإسلام فكانت قدوة حسنة لغيرها، لكان لها أثر عظيم في نشر الإسلام وإظهار محاسنه، ولكانت من أهم وسائل إبلاغ الحق والسبق به إلى عقول الناس، وهكذا الفرق الثقافية والاجتماعية وغيرها.

стр. 486

الخطوة السادسة: ينبغي أن تهتم الجماعات أو الجمعيات الإسلامية بإنشاء نواد شعبية متنوعة، كتلك النوادي الرسمية أو شبه الرسمية، وتضع لها الأهداف والخطط والوسائل الممكنة، لتؤدي الدور المطلوب الذي قد يصعب تحقيقه في النوادي الرسمية، وإذا تعذّر إنشاء مثل هذه النوادي الشعبية في مَقَارَّ - جمع مقر - معينة لأسباب مادية وعسر في النفقات أو أمنية، كعدم إذن الجهات الرسمية - المحاربة للدعوة الإسلامية - بذلك، فينبغي إنشاء نواد مفتوحة متنقلة في الحدائق العامة أو الملاعب الشعبية، وهي الساحات التي توجد في الحارات أو في أطراف القرى والمدن تقام عليها المسابقات الرياضية المتنوعة بما أمكن من الأدوات والتخطيط. وكثير من الشباب يفعلون ذلك بأنفسهم، ويمكن للشباب الإسلامي أن يختلط بهم ويشاركهم في نشاطهم، ويتخذ الأساليب والوسائل المناسبة لهدايتهم وتربيتهم وحفظهم من الضياع، بترتيب أوقاتهم في هذه النشاطات، وفي المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وفي استذكار دروسهم وتحسين العلاقات معهم حتى تحصل الثقة بهم وقبول التوجيه منهم.

стр. 487

فالشباب المشتركون في هذه النشاطات يؤثر بعضهم في بعض أشد من تأثير غيرهم ممن لا يشاركهم في النشاطات، وبخاصة إذا أُحْسِنَتْ مداخل خطابهم في كل نشاط بما يناسبه من الموضوعات الإسلامية، كالفروسية وارتباطها في الإسلام بأهدافها العليا، كإعداد القوة للجهاد في سبيل الله ورفع راية الإسلام ... الخطوة السابعة: ينبغي أن يبتعد من يريد هداية الشباب في تلك النوادي، عن الدعوة إلى الحزبيات الضيقة التي تصدع صف المسلمين وتحدث التنازع بينهم، وأن يغرسوا في نفوسهم - فقط - الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، حرصا على جمع كلمة المسلمين تحت راية [لا إله إلا الله محمد رسول الله] وعملا بقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ . (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ . (٢) وفي تطبيق هذا الأمر فائدتان الفائدة الأولى: ما سبق من اجتماع الكلمة واتقاء التنازع.

стр. 488

الفائدة الثانية: سد الباب على دعاوى من يضيقون ذرعا، بالتمسك بالإسلام، حيث يحاربون من يتمسك به، بحجة الدعوة إلى الحزبية.

стр. 489

ولكن هناك أهدافا أخرى عليا يحرص عليها المؤمن التقي وبخاصة الراغب في هداية الناس بمنهج الله، ومن تلك الأهداف: ١ - تقوية المسافر إيمانه بسياحته في الأرض ونظره في الكون وتأمله فيه وأخذ العبرة منه، سواء مشى على قدميه أم استقل دابة، أم صعد إلى السماء في طائرة، أم ركب سيارة أو قطارا، أم مخر عباب البحر في سفينة. فهو عندما يسيح في الأرض يرى كل شيء في الكون كأنه جديد: البحار والأنهار، والغابات، والحيوانات، والسحاب والمطر والجبال، والكواكب، والبشر الذين تختلف ألوانهم ولغاتهم وعاداتهم وغير ذلك، كما أن في الاطلاع على آثار الماضين - صالحين أو طالحين - عبرة لمن اعتبر، فيزداد المعتبر باعتباره صلاحا، ويهرب من الاتصاف بفساد الفاسدين، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ . (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . (٢) وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . (٣)

стр. 490

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (١) وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . (٢) وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . (٣) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذه المعاني.

стр. 491

٢ - ومن الأهداف العليا للراحل والمسافر، الدعوة إلى الله وبيان الحق للناس والحث على قبوله، وبيان الباطل والحض على تركه والبعد عنه، فقد سن الله تعالى لملائكته الانتقال من مواطنهم في السماء، والهبوط منها إلى الأرض لتبليغ وحيه إلى رسله، وكذلك شرع لرسله ﵈ أن يرحلوا من أجل إبلاغ الحق إلى الناس في بلدان نائية وتوطين الحق وأهله فيها، كما سافر إبراهيم ﵇ بزوجه هاجر إلى مكان البيت الحرام، وتركها هنالك وولدت ابنه إسماعيل عليه، ثم بني بعد ذلك معه البيت، فكان ذلك نواة لانبثاق الرسالة الخاتمة بعد ذلك التي انطلقت من هناك، وهكذا كان للرسول ﷺ نصيب وافر في ذلك، حيث كان يؤم أسواق الناس ومخيماتهم بل وقراهم، مبلغا دعوة الله كما حصل له ذلك مع أهل الطائف، وهكذا هاجر هو وأصحابه إلى المدينة، حيث قامت دولة الإسلام، وقبل ذلك هاجر أصحابه إلى الحبشة، فرارا بدينهم ودعوة إليه، وقد بذروا الإسلام في الحبشة التي استوطنها قبل غيرها من مدن الجزيرة العربية بما فيها المدينة المنورة، ولا زال راسخا فيها إلى اليوم برغم كيد أعدائه له ولأهله، وهكذا انطلق الصحابة والتابعون فيما بعد

стр. 492

بالحق إلى كل أنحاء الأرض المعروفة آنذاك، فارتفعت راية الإسلام ودولته في مشارق الأرض ومغاربها. ٣ - ومن الأهداف العليا للراحل: رفع راية الجهاد في سبيل الله، لتحطيم الحواجز التي توضع للصد عن سبيل الله والدعوة إليه، ولدفع عدوان أعداء الإسلام وتحصين الثغور منهم. وقد بسطت القول في هذا في مجلدين كبيرين بعنوان: الجهاد في سبيل الله، حقيقته وغايته، وسيأتي توضيح كون الجهاد وسيلة من وسائل السباق إلى العقول، ليس لإكراه الناس على الدخول في الإسلام وإنما لفتح المجال لإبلاغ الحق وسماعه. ٤ - ومن الأهداف العليا للراحل، تفقد أحوال المسلمين، ومد يد العون لهم من ذوي اليسار والغنى، بإنشاء المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية وغير ذلك مما المسلمون في أمس الحاجة إليه في كل مكان، ولا سيما الأقليات منهم في البلدان غير الإسلامية. ٥ - ومن أهم الرحلات المؤثرة في السباق إلى العقول بالحق، الرحلات العبادية، كرحلات الحج والعمرة من بلدان المسلمين القريبة والبعيدة، فإن أجواء هذه الرحلات مهيأة للأخذ والعطاء، صاحب الحق القادر على إبلاغه يعطي، ومرافقه المحتاج إلى سماع ذلك الحق يسمع ويأخذ.

стр. 493

٦ - هذا عدا الرحلات التي ينبغي أن ينظمها أهل الحق للشباب، لتحقيق إبلاغ الحق إلى عقولهم وإقناعهم به بالطرق والأساليب الممكنة المناسبة، سواء كانت رحلات استجمام أو رحلات صيد أو رحلات رياضية، أو غيرها. إن هذه الأهداف وغيرها من الأهداف الحميدة النافعة، ينبغي أن تبين للمسلمين وأن يضعوها نصب أعينهم وهم يرحلون من بلادهم، وإذا تمكن القادرون على السباق بالحق إلى العقول من مرافقة الراحلين من إخوانهم وأبنائهم في أسفارهم، فعليهم أن يغتنموا الفرصة بتطبيق هذه الأهداف فيهم عملا.

стр. 494

ولما كان الراحل معرضا للمغريات والشهوات والتعامل مع غير أهل بلده ممن لا يعرفونه، وقد يدفعه ذلك إلى عدم الاحتراز عن مقارفة بعض الخلال السيئة في غربته، بخلاف بلده الذي يعرفه فيه أهله وجيرانه ومجتمعه، ولهم أخلاق وعادات يلتزمون بها ويعدون الخروج عنها شاذا عن ضوابط حياتهم، ولما كان الشارع يريد منه الالتزام بضوابط الشريعة في سفره كحضره، ويزيد على ذلك الإكثار من فعل الخير بما في ذلك الدعوة إلى الله وهداية الضال بإبلاغ الحق إلى العقول، فقد شرع الله له دعاء يلجأ به إليه عند سفره، ليحقق له به كل تلك الأهداف وغيرها من أعمال الخير، وهو يبدأ بهذه العبارة العظيمة التي تعتبر - مع كونها دعاء - توجيها للمسافر ليبني تصرفاته عليها: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى» ..] . وتأتي في أثنائه هذه العبارة الدالة على حرص المسافر على حفظ الله إياه حفظا يجعله هو وأهله ممن يلازمون البر والتقوى والعمل بما يرضي الله: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» ..] .

стр. 495

ثانيا: المخيمات . والمخيمات من الوسائل المهمة للسباق إلى العقول، من الناحتين النظرية والعملية.
следующие страницы →