← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

السباق إلى العقول تأليف الدكتور / عبد الله قادري الأهدل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . [الأحزاب: ٧٠-٧١]

стр. 2

ما يراد السباق به إلى العقول . أما بعد: فإن ما يراد السباق به إلى العقول هو الحق أو الباطل، فأهل الحق يسابقون بالحق إلى العقول، وأهل الباطل يسابقون بالباطل إلى العقول.

стр. 3

خلق الله الكون كله بالحق . والحق جل وعلا خلق الكون كله: السماوات والأرض، وما بينهما وما فيهما وما فوق ذلك بالحق، وقوله تعالى هو الحق، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وقال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣] وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] وقال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨]

стр. 4

وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣]

стр. 5

أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالحق . وأرسل الحق جل وعلا رسله، وأنزل كتبه بالحق. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣-٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ . [النساء: ١٧٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٨، والصف: ٩]

стр. 6

سعادة أهل الحق بقبول الحق وشقاوة أهل الباطل برفضه . وقد سعد قوم بهذه الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله بالحق لإيمانهم بها، كما سعدوا بأولئك الرسل الذين أرسلهم بالحق لطاعتهم لهم واتباع منهجهم، ففازوا بالفلاح في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١-٥] وشقي آخرون بإنزال تلك الكتب وإرسال أولئك الرسل، لعدم إيمانهم بالحق الذي نزلت به تلك الكتب، وعدم طاعتهم لأولئك الرسل الذين جاءوهم بالحق من ربهم. كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]

стр. 7

وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] والحق ضد الباطل والضلال. جاء الرسل بالحق ودعوا إليه وجاء الشيطان وأتباعه بالباطل والضلال ودعوا إليه، والحق تعالى يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل.

стр. 8

كما قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] وقال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] ويعترف أهل الحق بالحق عندما ينالون رضا الله اعتراف شكر وغبطة وسرور في جنات عدن. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢ - ٤٣]

стр. 9

ويعترف أهل الباطل بالحق، عندما ينالون جزاء إنكارهم له في الدنيا، وهم في نار جهنم يتمنون أن يجدوا شفيعا ينفعهم أو إذنا لهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا عملا يكون أساسه الحق وليس الباطل. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣] والذي كانوا يفترونه، هو الباطل الذي آمنوا به في الدنيا، والكفر بالحق الذي أقروا به بعد دخولهم النار كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] والباطل هو الضلال الذي يقابل الحق والهدى، وكل ما عدا الحق والهدى فهو باطل وضلال. كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]

стр. 10

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] والحق يطلق على الثابت المستقر، والباطل يطلق على نقيض الحق، وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه [المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني. الطبعة الهندية ص٥٠] والضلال أيضا ضد الهداية، وهو العدول عن الصراط المستقيم والزائل المضمحل. [المرجع السابق، ص٢٩٩، وكتب اللغة مادة (ض ل ل] وحيث إن الباطل هو ضد الحق -وكذلك الضلال- فإن بيان الحق يوضح معنى الباطل -وكذلك الضلال. وقد فصل الإمام [العلامة الحسين بن محمد بن المفضل الملقب بالراغب الأصفهاني المفسر اللغوي، المتوفى سنة ٥٠٢هـ] ﵀ معاني الحق في القرآن الكريم، فقال: (أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رِجْل الباب في حُقه لدورانه على استقامة. والحق يقال على أوجه:

стр. 11

الأول: يقال لموجِد الشيء، بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ وقيل بعد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٠-٣٢] والثاني: يقال: للموجَد، بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وقال في القيامة: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وقوله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧، آل عمران: ٦٠] ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق، قال الله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]

стр. 12

والرابع: للفعل والقول، بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حق، وقولك حق. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣] وقوله : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصح أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أحققت كذا، أي أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٨] فإحقاق الحق على ضربين: أحدهما بإظهار الأدلة والآيات، كما قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] أي حجة قوية. والثاني: بإكمال الشريعة وبثها في الكافة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الفتح: ٢٨، الصف: ٩] انتهى كلام الأصفهاني.

стр. 13

ومما ذكره الإمام الأصفهاني ﵀ يتبين أن الله تعالى هو الحق، كما أطلق ذلك على نفسه في كتابه، وهو تعالى الموجد للكون كله بحسب ما تقتضيه الحكمة، أي جميع مخلوقاته تعالى قد أوجدها وفق الحكمة الكاملة التامة. وأن فعله تعالى حق لأن كل شيء أوجده إنما أوجده بالحق، وأن كل ما جاء به الرسل من عند الله تعالى حق، من عقيدة وشريعة وخلق.... وأن قوله تعالى وكلماته كلها حق.

стр. 14

المعنى الشرعي للحق والمعنى الشرعي للباطل . فالمعنى الشرعي -وأقصد هنا: المعنى الشرعي العام للحق، كما يتضح مما مضى ومن الرسالة الربانية، منذ خلق الله تعالى الخلق وشرع لهم منهاجه الذي فرض عليهم السير عليه- هو الإيمان به وبكل ما أخبر به من الغيب، وطاعته المطلقة وعبادته واتباع رسله، وعدم معصيته، والكفر بكل من يخالف منهجه، وتطبيق شرعه، والاستسلام لذلك والرضا به. أما الباطل، فمعناه الشرعي-وأقصد أيضا المعنى الشرعي العام الشامل لكل ما هو باطل عند الله- فهو الكفر بالله تعالى، أو بما أخبر به في وحيه المنزل المحفوظ، وما جاء به رسوله ﷺ من عنده، والاستكبار عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ وعدم اتباعه ومحاربة شرعه، وعدم الاستسلام لحكمه وعدم الرضا به، فكل ذلك باطل. وقد أجمل الحق المعنى الشرعي للحق وللباطل في هذه السورة القصيرة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [رقم السورة في المصحف: ١٠٣]

стр. 15

فالإيمان والعمل الصالح يدخل تحتهما كل مفردات الحق، وإنما أفرد التواصي بالحق والتواصي بالصبر لمزيد الاهتمام بهما؛ لأن الحق لا يثبت ويقوى إلا بهما، فهما من ذكر الخاص بعد العام -والعام هنا هو الإيمان الدال عليه الفعل "آمن" والعمل الصالح. والباطل هو ما كان نقيض ذلك، ولهذا أثبت لمن لم يكن عنده هذا الحق الخسران المؤكد، وبهذا يعلم عظم هذه السورة القصيرة التي قال عنها الإمام الشافعي ﵀: "لو لم ينزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم". ومن الآيات التي أجمل فيها معنى الباطل قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .

стр. 16

أيهما أسبق وجودا الحق أم الباطل ؟ وما دام الله هو الحق- و ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهو الذي خلق الكون كله بالحق، ولم يعرف من يؤمن بالباطل ويصر عليه وعلى نشره إلا إبليس لعنه الله ثم من تبعه بعد ذلك- فإن الباطل أمر طارئ والحق هو الأصل الثابت، فالحق هو الكلمة الطيبة، والباطل هو الكلمة الخبيثة.

стр. 17

والكلمة الطيبة هي كلمة الله ومنهاج رسله، والكلمة الخبيثة هي كلمة الشيطان وسبل أتباعه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٥-٢٧] تأمل هذه الآيات من سورة إبراهيم الواضحة غاية الوضوح، في ثبات الحق وطيبته ورسوخه وسموه وعلوه وامتداده ودوام آثاره التي لا يخلو زمان من قطوفها الدانية ومنحها السابغة، ومع ثبات الحق ثبات أهله في الدنيا والآخرة. أما الباطل، فهو خبيث مقطوع الجذور لا ثبات له ولا قرار، وهكذا أهله مضمحلون ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ ...

стр. 18

وقبل هذه الآيات صور اضمحلال أهل الباطل وأعمالهم وباطلهم أبلغ تصوير، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨ - ١٩] ثم أتبعها بقوله تعالى مبينا أن الباطل وأهله في شذوذ عن الكون كله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ قلت: إنه لم يُعرَف من يؤمن بالباطل ويصر عليه وعلى نشره إلا إبليس لعنه الله، فالباطل إذًا طارئ طروء إبليس. وقبل أن يغري إبليسُ آدمَ ﵇ وزوجه حواء بالأكل من الشجرة التي حرم الله عليهما الأكل منها، نهاهما الله تعالى عن الأكل منها وحذرهما منه، أي إن حفظ العقول من الباطل كان أسبق من إيصاله إليها، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . [البقرة:٣٥]

стр. 19

وكان آدم ﵇ عندما أهبطه الله هو وزوجه وإبليس إلى الأرض، على الفطرة والدين والتوحيد الخالص، وكان قائما بالخلافة التي ناطها الله به وأخبر بها ملائكته، وكان إبليس وحده على الشرك والمعصية -كما سيأتي- وهذا يدل على بطلان ما يزعم المتخرصون من المؤرخين الذين يفترون على الله بدون علم ولا برهان، أن الأصل كان عبادة غير الله وأن العقيدة قد تطورت من الشرك والوثنية حتى وصلت إلى التوحيد، فهذا افتراء وتقوُّل على التاريخ وجهل بالله وبكتبه ورسله ووحيه الذي لا مستند سواه لأحد في هذا الباب، الذي هو من الغيب، ولا سبيل إليه إلا بوحي من الخالق، وقد أخبرنا الخالق أنه جعل آدم خليفة في الأرض، والخليفة الذي يمنحه الحق ﵎ الخلافة، لا بد أن يزوده الحق بالمنهاج الحق الذي يقوم بالخلافة على أساسه ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . [البقرة: ٣٨-٣٩]

стр. 20

ومما يدل على أن آدم وذريته كانوا على هدى من عند الله، ما تضمنته قصة ابني آدم الذي قتل أحدهما أخاه، فقد دلت القصة على أنهم كانوا يتقربون إلى الله بقرابين، وأن الله يتقبل من المتقي ولا يتقبل من الظالم، وأن المتقين كانوا يخافون الله ويتورعون عن معصيته، وأنهم كانوا يؤمنون بالجنة والنار والجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ . [المائدة: ٢٧-٣١]

стр. 21

فآدم وذريته كانوا على التوحيد والطاعة، وكان لهم منهج من عند الله يسيرون عليه ويتقربون إليه، وكانوا يعرفون الحلال والحرام والجنة والنار والإثم والجزاء، وكان إبليس نفسه الذي أغوى آدم وزوجه في الجنة أولا وأقسم على إضلال ذرية آدم بعد طرده من رحمة الله ثانيا، كان يعلم الحق والباطل، وارتكب الباطل وعصى أمر الله متعمدا متكبرا. ولسنا في حاجة إلى مناقشة شبهات جهلة التاريخ الغابر، فلا توجد وثيقة أصدق من كتاب الله ولا أصح منه حتى نحتاج إلى مناقشتهم على ضوئها ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]

стр. 22

من هم أهل الحق ؟ تنبيهات ثلاثة مهمة: الأول: يجب أن يعلم أن مرادي بأهل الحق في هذا الكتاب أن صاحب الحق-بل هو الحق-: الله ﷻ ، ثم أنبياؤه ورسله وكل من تبعهم واهتدى بهديهم، والمسلمون الذين يقرون ويعترفون بأن الإسلام حق ويدخلون فيه بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه يجب العمل به وتطبيقه في الأرض، وأنه لم يبق في الأرض بعد بعثة الرسول أي دين حق يقبله الله من أهله، ويدخل في زمرة أهل الحق من المسلمين الذين تلك صفتهم من حصل منهم نوع تقصير من ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الطاعات -ما عدا الشرك بالله- التي هي تحت مشيئة الله إن شاء غفرها لهم، وإن شاء عذبهم بها، ثم أدخلهم الجنة، وقد يكون عند بعض هؤلاء شيء من الباطل الذي يجب الرد عليه، ولكنهم لا يخرجون من صف أهل الحق إلا عند الخوارج ومن تبعهم في مذهبهم عالما أو جاهلا. وأن مرادي بأهل الباطل: كل من لم يدخل في الإسلام، أو انتسب إليه ولكنه ارتد عنه، أو زعم أنه مسلم وحارب تطبيق شريعة الله في حياة المسلمين وكلُّ من دعا إلى ذلك التطبيق.

стр. 23

ولا يدخل في أهل الباطل من اجتهد من العلماء فأخطأ في نظر غيره من المجتهدين، فإن للمجتهد أجرين إذا أصاب وأجرا إذا أخطأ، وقد يكون الخطأ عند من خطَّأه. التنبيه الثاني: أني لم أقصد بأهل الحق فئة معينة من المسلمين، ولا أهل بلد معين، كما لا أقصد من أهل الباطل فئة معينة ولا أهل بلد معين، وإنما قصدت أهل الحق من حيث هم من أي فئة كانوا، وفي أي أرض من أرض الله حلوا، وقصدت أهل الباطل من حيث هم من أي فئة كانوا، وفي أي أرض حلوا. التنبيه الثالث: أن قصدي بالحق هو الحق الرباني الذي كلف الله عباده التسليم له به، والهدي الإلهي الذي أنزل به وحيه وبعث به رسله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، والذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الإسلام. وليس مرادي ما وصلت إليه الأمم من التجارب القانونية والإدارية والكونية التي قد يوجد فيها الحق والباطل، وهي أمور تشترك فيها كل الأمم في كل الأزمان، فلست أنفي وجود حقٍّ ما عن أهل الباطل، وإنما أنفي عنهم الحق الإلهي الذي جحدوه وكفروا به وحاربوه.

стр. 24

وبناء على هذا فصاحب الحق الأول هو الحق ﷻ ، فمن أسمائه الحق، كما سبق وخلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأنزل كتبه ووحيه بالحق، وبعث رسله بالحق، وكلماته كلها حق وأفعاله كلها حق. ثم أنبياء الله ورسله الذين كلفهم تبليغ رسالاته إلى الناس، ومن استجاب لهم من أقوامهم فآمن بما جاءوا به وعمل به ودعا إليه، وبخاصة من ناصرهم وصار حواريا لهم، يظهر ذلك من قصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم، وقد أمر الله تعالى نبيه ورسوله الخاتم أن يقتدي بمن سبقه من الرسل -بعد أن ذكر طائفة منهم بأسمائهم- فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهم أهل طاعته الذين أنعم عليهم، ذلك الموكب العظيم الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]

стр. 25

وخير أمم الحق أمة محمد ﷺ التي شهد الله لها بالخيرية التي نالتها بما منحها الله تعالى من المؤهلات ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . [آل عمران: ١١٠]

стр. 26

وهم حزب الله وأولياؤه الذين يجاهدون في سبيله ويحبهم ويحبونه، ولا يخافون لومة لائم ويتولونه ويتولون أولياءه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . [المائدة: ٥٤-٥٦] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [التوبة: ٧١] ﴿

стр. 27

أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . [المجادلة: ٢٢] هؤلاء هم أهل الحق.

стр. 28

هل يعد متبع الباطل عاقلا ؟ خلق الله تعالى الإنسان مزودا بآلات حسية ظاهرة للعيان، أو خفية في داخل جسمه، لتقوم تلك الآلات بما هيأها الله من عمل: أسنان تطحن ولسان يخلط ويتذوق وينظف، وجلد يحس ويتألم، ويد تبطش وتأخذ، ورجل تمشي وتسير، وأذن تسمع، وعين تبصر، وأنف تشم وتستنشق الهواء النافع للجسم من الخارج ويعبر منها الهواء الفاسد من الداخل، وحلق يدخل منه الطعام والماء والهواء، ومعدة تهضم الطعام، وقلب يضخ الدماء وينقيها، وهكذا: الرئة، والكلى، والجهاز الإخراجي والجهاز الدوري وغيرها، كل هذه الآلات وأجزائها تقوم بعمل قد هيأها الله له، فإذا فقد أي منها تعطل عملها الذي هيئت له. فإذا فقد البصر قيل لصاحبه أعمى، وإذا فقد السمع قيل لصاحبه أصم، وإذا فقد النطق قيل لصاحبه أبكم، والبصر قد يفقد والعينان في ظاهرهما سليمتان، والسمع قد يفقد والأذنان في ظاهرهما كذلك وهكذا.... وهناك آلة معنوية زود الله بها الإنسان، لا يستفيد من كثير من آلاته الحسية، إذا لم تكن هذه الآلة موجودةً، وهي العقل الذي جعله الله ميزانا لإدراك الحق من الباطل، في حدود مجاله الذي خلقه الله للعمل فيه.

стр. 29

وكل هذه الآلات إذا لم يستعملها الإنسان فيما خلقت له، أو لم يستعملها في أهم ما خلقت له، فإنها تعتبر بمنزلة الآلة المفقودة، ولذلك يصح نفيها مع وجودها فيقال: فلان لا يسمع، إذا سمع صوتا بدون أن يصغي لذلك الصوت ليفهم معناه، ويقال: فلان لا يبصر، إذا رأى شيئا دون أن تحصل فائدة من رؤيته، كما يقال: فلان لا يعقل، إذا لم يستعمل عقله فيما يعود عليه بالفائدة. ولهذا امتن الله تعالى على الإنسان بتزويده بهذه الآلات النافعة التي تستوجب من الإنسان شكر ربه تعالى عليها، فإذا لم يشكره بها وعليها فقد أصبح كفاقدها، لأن شكر الله تعالى هو أهم ما خلقت من أجله. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . [النحل: ٧٨]

стр. 30

ونفى سبحانه عمن لم يشكره بهذا الآلات منافعها، وهي: الإبصار والسمع والفقه -أو العقل- فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ . [الأنعام: [١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ . [الأعراف: ١٩٨]

стр. 31

بل إن الذين لا ينتفعون بهذه الآلات في الدنيا ينفونها هم عن أنفسهم، عندما يعاينون جزاء الله لهم في الآخرة على غفلتهم وعدم استعمالهم لها فيما خلقت له، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٧-١٠] ولهذا خص من يعقل الانتفاع بآياته الكونية والشرعية، مع أن تلك الآيات قابلة لينتفع بها كل الناس، ولكن الذي لا ينتفع بعقله من تلك الآيات ينزل منزلة من لم تكن تلك الآيات قابلة لانتفاعه منها.

стр. 32

قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . [البقرة: ١٦٤] وليس المراد هنا مجرد وجود عقل لهؤلاء القوم، وهو الذي يقابله الجنون، وإنما المراد عقل يهدي صاحبه إلى الانتفاع بتلك الآيات، بدليل نفي الله تعالى السمع والعقل عن المكلفين بتصديق الرسالة الذين أنكروها. كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . [الفرقان: ٤٣-٤٤]

стр. 33

ومثله قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . [الحج: ٤٦] فكل من كُلِّفَ خطابَ الله تعالى، فلم يستجب لذلك الخطاب الحق بل اتبع الباطل، يصح أن ينفى عنه العقل باعتبار أنه لم ينتفع بعقله في أهم ما خلق من أجله. ولهذا نَفَى عن الكافرين بالحق المؤمنين بالباطل العقلَ، فقال جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . [البقرة: ١٧١] وقال عن أهل الكتاب الذين يستهزئون بدين الله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]

стр. 34

وقال فيمن افترى على الله الكذب، فأحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله من المشركين -وغيرهم مثلهم- ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . [المائدة: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . [الأنفال: ٢١-٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ . [يونس: ٤٢-٤٣] وهكذا يصح نفي العلم عمن لم يعمل به. وبهذا يعلم أن الذي يتبع الباطل ويترك الحق غير عاقل، وإن توقّد عقله في كثير من مظاهر الحياة الدنيا. ولكنه -مع ذلك- مكلف بأمر الله ونهيه، محاسب على ذنبه، لأنه لم يستعمل عقله الذي منحه الله فيما خلق له.

стр. 35

وبهذا أيضا تعلم منزلة العقل المهتدي إلى الحق التارك للباطل عند الله تعالى.

стр. 36

منزلة العقل عند الله وأثره في الحياة . وظاهر من الآيات القرآنية -كما هو الواقع- أن الإنسان لو لم يمنحه الله العقل، لكان أضل من الحيوان، ولما كان خليفة وسيدا في الأرض. ولو أن أهل العقول أعملوها وفكروا بها في المجالات التي وجدت من أجل إعمالها والتفكير بعقولهم فيها، وعملوا بمقتضى النتائج التي تتوصل إليها على أساس سليم، لسعد الناس بذلك في الدنيا والآخرة. ومن تلك الميادين: الكون الذي أبدعه الله في السماوات والأرض وما بينهما، مما يمكن للعاقل أن يتناوله بالتفكير فيه بعقله، وهو كتاب الله المفتوح الذي فيه من الدقة والإحكام والإتقان ما يذهل العقول ويجعلها تستسلم للخالق وتستفيد من مخلوقاته في تسخيرها لصالح الأمم، بقوانينها ونواميسها التي أودعها الله تعالى فيها.

стр. 37

ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ

стр. 38

تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [النحل: ١٠-١٨] ولا تفكير، ولا تذكر، ولا شكر لمن لا عقل له!!! فترى القرآن الكريم يجول بالعقل في السماء -شمسها وقمرها ونجومها وكواكبها- وفي الأرض -بخيراتها، من زروعها وأشجارها وبحارها وأنهارها وجبالها وسهولها- ويجعل ذلك كله مجالا للعقل ليتفكر فيه ويتذكر ويهتدي ويشكر، ومن شُكْر ذلك استغلالُ هذا الكون في مصالح العباد على أساس هدي الله تعالى. ومن تلك الميادين: فقه نصوص القرآن والسنة، والتعمق في فهمها واستنباط ما تحتاج إليه البشرية منها، لتتقي ربها وتسير في تصرفاتها على منهجه، مع فهم أسراره وحكمه حيث أمكن ذلك، وإلا فالتسليم المطلق لشرع الله تعالى، فإن التسليم لشرع الله هو عين الفقه والعقل، وعدم التسليم لذلك هو عين الجهل والخطل.

стр. 39

قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . [التقوى تكليف بدون عقل]

стр. 40

فهذه الوصايا العشر الجامعة، لو تأملها الناس وفكروا في مصالحها التي لا سعادة لهم بدونها، وفهموا معانيها والآثار المترتبة على تطبيقها والعمل بها، لعاشوا عيشة هنيئة في ظلال شرع الله العظيم. وقد ختم الله الخمس الأولى منها بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى أن هذه الأمور لا بد أن يسلم العقل بضرورة مراعاتها، وأن من لم يفقه الحكمة من هذه التكاليف ولا يستسلم لشرع الله ويطبقه، ليس من العقلاء الأسوياء بل هو أضل من الحيوان. وختم الوصايا الأربع الأخرى بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والتذكر لا يكون إلا من عاقل يفهم خطاب الله ويعلم أنه لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر. وختم الوصية العاشرة -وهي أشمل الوصايا وأعظمها- بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى هي المقصودة؛ لأن صاحبها يتورع عن ترك الأمر وفعل النهي، تعظيما لله ورغبةً فيما عنده وخشية من عذابه. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . [التوبة: ١٢٢]
следующие страницы →