Полный текст (765 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
منزلة العقل عند الله وأثره في الحياة .
وظاهر من الآيات القرآنية -كما هو الواقع- أن الإنسان لو لم يمنحه الله العقل، لكان أضل من الحيوان، ولما كان خليفة وسيدا في الأرض.
ولو أن أهل العقول أعملوها وفكروا بها في المجالات التي وجدت من أجل إعمالها والتفكير بعقولهم فيها، وعملوا بمقتضى النتائج التي تتوصل إليها على أساس سليم، لسعد الناس بذلك في الدنيا والآخرة.
ومن تلك الميادين: الكون الذي أبدعه الله في السماوات والأرض وما بينهما، مما يمكن للعاقل أن يتناوله بالتفكير فيه بعقله، وهو كتاب الله المفتوح الذي فيه من الدقة والإحكام والإتقان ما يذهل العقول ويجعلها تستسلم للخالق وتستفيد من مخلوقاته في تسخيرها لصالح الأمم، بقوانينها ونواميسها التي أودعها الله تعالى فيها.
стр. 37
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ
стр. 38
تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [النحل: ١٠-١٨] ولا تفكير، ولا تذكر، ولا شكر لمن لا عقل له!!!
فترى القرآن الكريم يجول بالعقل في السماء -شمسها وقمرها ونجومها وكواكبها- وفي الأرض -بخيراتها، من زروعها وأشجارها وبحارها وأنهارها وجبالها وسهولها- ويجعل ذلك كله مجالا للعقل ليتفكر فيه ويتذكر ويهتدي ويشكر، ومن شُكْر ذلك استغلالُ هذا الكون في مصالح العباد على أساس هدي الله تعالى.
ومن تلك الميادين: فقه نصوص القرآن والسنة، والتعمق في فهمها واستنباط ما تحتاج إليه البشرية منها، لتتقي ربها وتسير في تصرفاتها على منهجه، مع فهم أسراره وحكمه حيث أمكن ذلك، وإلا فالتسليم المطلق لشرع الله تعالى، فإن التسليم لشرع الله هو عين الفقه والعقل، وعدم التسليم لذلك هو عين الجهل والخطل.
стр. 39
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . [التقوى تكليف بدون عقل]
стр. 40
فهذه الوصايا العشر الجامعة، لو تأملها الناس وفكروا في مصالحها التي لا سعادة لهم بدونها، وفهموا معانيها والآثار المترتبة على تطبيقها والعمل بها، لعاشوا عيشة هنيئة في ظلال شرع الله العظيم.
وقد ختم الله الخمس الأولى منها بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إشارة إلى أن هذه الأمور لا بد أن يسلم العقل بضرورة مراعاتها، وأن من لم يفقه الحكمة من هذه التكاليف ولا يستسلم لشرع الله ويطبقه، ليس من العقلاء الأسوياء بل هو أضل من الحيوان.
وختم الوصايا الأربع الأخرى بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والتذكر لا يكون إلا من عاقل يفهم خطاب الله ويعلم أنه لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر.
وختم الوصية العاشرة -وهي أشمل الوصايا وأعظمها- بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ والتقوى هي المقصودة؛ لأن صاحبها يتورع عن ترك الأمر وفعل النهي، تعظيما لله ورغبةً فيما عنده وخشية من عذابه.
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . [التوبة: ١٢٢]
стр. 41
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . [النساء: ٨٣]
والاستنباط: الاستخراج والبحث.
والبحث والاستنباط هنا يعنيان الاجتهاد من أهله للوصول إلى الحكم الواجب تطبيقه العائد بالخير على الأمة، الْمُرضي لله تعالى، وهذا لا يكون إلا من ذوي العقول النيرة التي صاغها شرع الله.
ولولا أن الله تعالى هيأ للأمة الإسلامية أمثال هؤلاء العقلاء الذين يستنبطون لها أحكام الله من شريعته، لكان الشيطان قائدهم إلى كل سوء، ولعل ذلك من حكمة هذا التعقيب الرباني في هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
فالعقل السليم له أثره العظيم في حياة الناس؛ لأن أهل العقول السليمة يفكرون في مصالح الأمة ويدعونها إليها، كما يفكرون في المفاسد التي يجب اجتنابها وينهونهم عنها.
стр. 42
ويجب التنبيه هنا على عبارة شائعة متداولة بين عامة الناس، وأصبحت لكثرة تردادها وتكرارها كأنها قضية مسلمة، وأكثر من يرددها الرياضيون ومشجعوهم وهي: (العقل السليم في الجسم السليم) . ولا شك أن في اجتماع سلامة الجسم وسلامة العقل نعمة عظيمة على صاحبهما، وإذا أريد بسلامة العقل السلامة من الآفات المعنوية والمادية فالنعمة بذلك أعظم. ولكن هذه العبارة غير مطردة، لوجود كثير من ذوي الآفات الجسمية -كالعمى، والصمم، والعرج، والشلل- ممن منحهم الله عقولا سليمة قوية مخترعة مبدعة في العلوم الإسلامية وما يخدمها كاللغة والأدب والبلاغة والتاريخ وغيرها من العلوم المسماة بـ (الإنسانية) ، والعلوم الكونية المتعددة التي نفع الله بها العالم قديما وحديثا، ولوجود كثير من ذوي الأجسام السليمة القوية -كمصارعي الثيران والأقران من أبناء جنسهم، وبعض أفراد الفرق الرياضية الذين لم تتجاوز عقولهم التفكير في تقوية عضلاتهم وإشباع غرائزهم بما حل وحرم!
وكفى بالعقل منزلة عند الله معرفة الأمور الثلاثة الآتية:
стр. 43
الأمر الأول: أنه مناط التكليف وأن غير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى، ذلك أن التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق والعمل به ومعرفة الباطل وتركه، وهذا لا يمكن إلا من أهل العقول.
ولهذا تجد علماء الإسلام يذكرون في كتبهم -أصولا كانت أو فروعا- أن من أهم شروط التكليف: العقل، فلا يكلف غير العاقل ...
الأمر الثاني: أن العقل هو إحدى الضرورات الخمس التي لا تكون الحياة في الأرض مستقرة ولا قائمة بدون حفظها. وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال [راجع كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة ص ١٠٥ الطبعة الثانية. نشر وتوزيع دار المجتمع. جدة] .
الأمر الثالث: أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه لإبلاغ الناس دينه الحق، مبينا لهم بحججه وبراهينه أن ذلك الدين حق وأن ما خالفه باطل، ملجئا تلك العقول بتلك الحجج والبراهين إلى التسليم الاختياري بأن دين الله حق وأنه الهدى والرشاد، وأنه جالب لمصالحهم في الدارين، واقٍ لهم من المفاسد فيهما.
стр. 44
ومن هنا لم يأذن الله تعالى بإكراه الناس على الإيمان به، مكتفيا ببيان أن ذلك الإيمان حق، بيانا قائما على الحجة والبينة التي يقر بها عقل المخاطب -وإن كابر وعاند- ويتبين بها الرشد من الغي، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]
وقد امتلأ كتاب الله بالآيات الدالة على هذا المعنى العظيم الذي يبين عِظَمَ منزلة العقل عند الله تعالى، وحَفْزَه على التأمل والتفكر الموصلَينِ له إلى معرفة الحق والباطل.
وإن أي إنسان عاقل يستغل طاقته العقلية في تأمل بعض تلك الآيات لا بد أن يوقن بأن ما جاءت به رسل الله ونزلت به كتبه حق.
стр. 45
ولنذكر بعضا من تلك الآيات بدون تعليق، ليتأملها طالب الحق، ثم يسأل عقله بعد ذلك: هل تبين له أن الله تعالى حق وأن عبادته حق، وأن الكون كله دال على ذلك، وأن الله تعالى قد أنزل عقله منزلة عظيمة يجب عليه أن يشكرها ويصون ذلك العقل من عبث المتلاعبين به أوْ لا؟
من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]
стр. 46
وقوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد]
стр. 47
ومنها قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ
стр. 48
وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل]
стр. 49
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل]
стр. 50
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج]
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم]
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم]
стр. 51
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية]
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف]
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون]
стр. 52
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر]
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد]
وبهذا يعلم إجرام قادة الباطل وجنايتهم على أنفسهم وعلى غيرهم، وتمسكهم بتقليد الآباء والمتبوعين الذين عطلوا نعمة الله عليهم بتلك العقول، ليميزوا بها الحق ويتبعوه، ويعرفوا بها الباطل ويجتنبوه، فحرموا أنفسهم وأتباعهم من هدى الله الذي لا يُحْرمه إلا من لا عقل له، بل عطلوا بذلك كل المنافذ المحسوسة، كالسمع والبصر التي تعرض على عقولهم ما تسمع وما تبصر من آيات الله في أنفسهم وفي الكون الكبير، وأنزلوا أنفسهم منزلة أحط من منزلة الحيوان!
стр. 53
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة]
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال]
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف]
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس]
стр. 54
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت]
وقال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر]
ولما كانت العقول والفطر السليمة ترفض الباطل لفساده ومجافاته للحجج والبراهين التي تسند الحق وتظاهره، لجأ أهل الباطل إلى إسناده وتأييده بالقوة والإكراه والتضليل والاستخفاف.
وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة، لا تخفى على من تأملها في جميع حقب التاريخ الممتدة منذ أوجد الله الخليقة إلى يومنا هذا، وستبقى كذلك إلى قيام الساعة. كما دلت على ذلك سير قادة الباطل وأساليبهم، منذ أن خلق الله آدم ﵇ وابتلاه بقائد قادة الباطل: إبليس -لعنه الله.
стр. 55
وبهذا يظهر السبب الذي جعل أهل الحق وأهل الباطل يتسابقون إلى العقول: أهل الحق بحقهم، وأهل الباطل بباطلهم، لأن من سبق إلى العقول بما عنده ملك زمام أصحابها، وقادهم إلى غايته بوسائله المتاحة واستثمرها وحظي بنتائجها، ومن كان أكثر سبقا إلى العقول كان -في الغالب- أكثر أنصارا وأعوانا، فإن كثر أهل الحق وقويت شوكتهم أقاموا الحق في الأرض ونشروه وحموه من اعتداء أهل الباطل عليه، وإن كثر أهل الباطل وقويت شوكتهم أقاموا الباطل في الأرض ونشروه وحموه وحاربوا به وبأعوانه الحق، وأحاطوا باطلهم بِجُدُرٍ من الحواجز الحسية والمعنوية ضد هجمات الحق عليه ودحضه وكشف عواره للناس.
стр. 56
أسباب تأليف هذا الكتاب
لتأليف هذا الكتاب ثلاثة أسباب:
السبب الأول: ما حكاه القرآن الكريم، من الصراع الذي دار بين أهل الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، وبين أهل الباطل من الأمم السابقة.
إن المتأمل في ذلك الصراع يجد أن أهل الحق يسابقون أهل الباطل إلى عقول الناس بما عندهم من الحق، ويسابقونهم إلى تفريغ تلك العقول من الباطل الذي تمكن من الوصول إليها، ويسابقونهم إلى حمايتها من أن يصل إليها باطل جديد.
وأن أهل الباطل -كذلك- يسابقون أهل الحق إلى عقول الناس بما عندهم من الباطل، ويسابقونهم إلى تثبيت ما استقر منه في تلك العقول، ويسابقونهم إلى حمايتها من الحق الذي لم يصل إليها بعد.
وفي قصص الأنبياء مع أممهم بيان واضح لهذه المعاني، كما سيأتي في فصول الكتاب.
وفي سيرة الرسول ﷺ وما قام به من تبليغ رسالة الله، وموقف قادة الباطل من ذلك التبليغ أمثلة كثيرة على هذه المعاني لمن تأملها. وكذلك تاريخ أصحابه ﵃ وما قاموا به من دعوة إلى الله وجهاد في سبيله، وكل من تبعهم على ذلك من أهل الحق، ومواقف طغاة الباطل منهم في جميع العصور.
стр. 57
السبب الثاني: ما حصل في هذا العصر من الوسائل الكثيرة المؤثرة للسباق إلى العقول، ومن اهتمام أهل الباطل باختراع كثير منها واستغلالها في سبقهم بباطلهم إلى عقول الناس، وتفريغ تلك العقول من الحق الذي وصل إليها وحمايتها من أن يصل إليها الحق، وتفريط أهل الحق وتقصيرهم الشديدين في استغلال تلك الوسائل للسبق بحقهم إلى تلك العقول، وتفريغها من الباطل الذي وصل إليها وحمايتها مما لم يصل إليها منه.
السبب الثالث: خطاب وجهه إلي عميد شؤون الطلاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طلب مني فيه إلقاء محاضرة في قاعة المحاضرات الكبرى في الموسم الثقافي المعتاد كل عام، وطلب ذكر عنوان المحاضرة، فلبيت الطلب، وذكرت له هذا العنوان: (السباق إلى العقول - الغايات - الوسائل والنتائج) . [وقد بعث إلي بخطاب الموافقة على العنوان المذكور برقم: (١٠ / ٤١٣ / ١٩) وتاريخ: (٢٣ / ٤ / ١٤١٣هـ-) . وألقيت المحاضرة بتاريخ: ١٠ / ٥ / ١٤١٣هـ بعد صلاة المغرب حضرها كثير من أعضاء هيئة التدريس والطلاب بالجامعة. وكانت المحاضرة لا تزيد عن أربعين صفحة بخط اليد. وها هي اليوم كتاب بين يدي القارئ يزيد عن أربعمائة صفحة، وذلك من فضل الله وعونه] .
стр. 58
غاية أهل الحق العليا في السباق إلى العقول.
هنالك غاية عليا لأهل الحق تتفرع عنها كل الغايات التي يسابقون بها أهل الباطل إلى العقول، وهذه الغاية هي: رضا الله .
فهم -أي أهل الحق- يتحرون هذه الغاية العليا الشاملة لكل الغايات. أليس الله تعالى هو الحق؟ أليسوا يسابقون بالحق ومن أجل الحق؟ فماذا يريدون غير رضا الحق؟
فهذا نبي الله موسى ﵇ يقول الله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ . [طه: ٨٣-٨٤]
وقال تعالى عن سليمان بن داود ﵉: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ . [النمل: ١٩]
стр. 59
وختم تعالى حواره مع عيسى ﵇ بقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . [المائدة: ١١٩]
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ . [البقرة: ٢٠٧]
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . [البقرة: ٢٦٥]
стр. 60
وقال تعالى عن أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . [التوبة: ١٠٠]
وقال تعالى عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]
وقال عن أهل بيعة الشجرة منهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]
وقال تعالى بعد أن ذكر ما زين للناس من متاع الحياة الدنيا: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]
стр. 61
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢]
وقال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤]
وقال تعالى عن حزبه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ [الممتحنة: ١]
وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
стр. 62
وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]
فأهل الحق يرجون من كل أعمالهم الصالحة رضا الله ويتبعون رضوانه، ورضاه تعالى هو غاية كل غاية، وهو تعالى لا يرضى إلا عن أهل الحق.
ومن أجل أن رضا الله تعالى هو غاية أهل الحق، يأتي خطاب الله تعالى لهم -بعد أن يسكنهم جنته ويعطيهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر-مخبرا لهم بإحلاله هذه الغاية العظيمة عليهم، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب فقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا.) » [صحيح مسلم (٤ / ١٢٧٦) ]
فهذا الحديث يفسر أن رضوان الله عن عباده هو غاية الغايات؛ لأنه أفضل ما يعطى أهل الجنة التي لا يدخلها إلا من رضي الله تعالى عنه.
стр. 63
حصول رضا النفس وطمأنينتها في الدنيا لمن ﵁.
ويجب أن يعلم أن هذه الغاية -رضا الله- التي جعلها أهل الحق نصب أعينهم -بل جعلوها أم الغايات- للسباق إلى العقول بالحق هي التي يتحقق بها الاطمئنان والسعادة والرضا لمن حققها، ويدل على ذلك أمران:
الأمر الأول: نصوص الكتاب والسنة، ما ذكر هنا منها وما لم يذكر، وبخاصةٍ قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . [المجادلة: ٢٢ والبينة: ٨]
وإن صاحب هذه الغاية ليجد الرضا في نفسه والطمأنينة والسعادة في أشد الظروف امتحانا وابتلاء، يتضح ذلك بتأمل قوله تعالى -مخاطبا نبيه ﷺ ويدخل فيه من اقتدى به من أمته: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ . [طه: ١٣٠] وفي معنى ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . [الرعد: ٢٨]
стр. 64
الأمر الثاني: شهادة الواقع فما من أحد سعى للوصول إلى هذه الغاية -سواء كان فردا أو أسرة أو أمة- إلا وجد في نفسه الرضا والطمأنينة والسعادة، وإن الذين ينأون بأنفسهم عن هذه الغاية ليحرمون أنفسهم من الرضا والطمأنينة والسعادة، مع كدهم واجتهادهم في الحصول على الرضا والطمأنينة والسعادة، عن غير هذه السبيل العظيم.
وبهذا يعلم أن أهل الحق عندما يسابقون بالحق إلى عقول الناس إنما يبتغون للناس الوصول إلى هذه الغاية ليتحقق لهم الرضا والاطمئنان والسعادة، إذ كلما كثر أهل هذه الغاية زادت في الأرض هذه المعاني التي ينشدها كل الناس.
وإذا كان رضا الله هو الغاية العليا الشاملة لكل غايات أهل الحق من سباقهم إلى العقول، فما الغايات التي تتفرع عن هذه الغاية وتعتبر وسائل لتحقيقها -وإن كانت كل واحدة منها غاية بذاتها؟ [كون بعض الغايات تعتبر وسائل لغايات أخرى أمر معروف] .
стр. 65
الغايات المتفرعة عن الغاية العليا:
من أهم الغايات المتفرعة عن تلك الغاية ما يأتي:
أولا: تبليغ رسالات الله إلى الناس .
ثانيا: إقامة الحجة على الخلق.
ثالثا: إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
رابعا: تحقيق توحيد الله في الأرض.
خامسا: غرس الإيمان بالغيب في النفوس.
سادسا: تحكيم شرع الله في حياة الناس.
سابعا: تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.
ثامنا: غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.
تاسعا: طلب العزة من الله وحده..
عاشرا: القيام بالخلافة في الأرض على أساس هدى الله.
أولا: تبليغ رسالات الله إلى الناس.
والمراد إيصال تلك الرسالات ببراهينها وحججها، حتى تكون واضحة بينة تفهمها العقول فهما تقوم به الحجة على أصحابها، وهذا هو البلاغ المبين الذي هو وظيفة الرسل ﵈ ووظيفة أتباعهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ . [الأحزاب: ٣٩]
وقال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ . [الجن: ٢٨]
стр. 66
وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يعلنون لأقوامهم أنهم جاءوهم لتبليغهم رسالات الله إليهم.
قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ . [الأعراف: ٦٢]
وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ . [الأعراف: ٦٨]
وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ .الأعراف: ٧٩]
وقال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ . [الأعراف: ٩٣]
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ . [النحل: ٣٥]
وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤، والعنكبوت: ١٨]
стр. 67
وإذا كانت هذه الوظيفة هي -في الأصل- وظيفة الرسل، فإنها وظيفة أتباعهم بعدهم، وبخاصة أمة محمد ﷺ الذين لم يبق دين حق في الأرض غير دينهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . [يوسف: ١٠٨]
وإذا ما حصل تقصير أو توان في هذه الوظيفة ممن كلفهم الله القيام بها -وحاشا رسل الله أن يقصروا ويتوانوا في ذلك- فإن ذلك إخلال بالوظيفة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ . [المائدة: ٦٧]
стр. 68
ثانيا: إقامة الحجة على الناس .
حتى لا يكون لهم عذر يحتجون به على ربهم، وهذه الغاية ملازمة لما قبلها، لأن في تبليغ الرسالات إقامة للحجة، ولكن كلا منهما غاية من غايات أهل الحق في السباق إلى العقول.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . [النساء: ١٦٥]
وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ . [الأنعام: ١٥٥، ١٥٧]
стр. 69
أمثلة لحياة القوم -المتحضرين- في بعض المجالات:
المجال الأول: الحياة الإيمانية:
قلت في آخر الحلقة السابقة، إجابة على تساؤلات قد تدور في ذهن القارئ: كيف يكون الإنسان المتحضر في هذا العصر في ظلمات، يحتاج إلى من يخرجه من الظلمات إلى النور؟: والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولكن تعال معي أيها القارئ لنتأمل قليلا في أحوال الناس في هذا العصر الذي وصف السؤال قدرا ضئيلا من تقدمه المادي، لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها إلى نور أو لا؟!
إن المتأمل في الحياة الإيمانية لأولئك المتحضرين يجدهم يؤمنون بكل شيء مادي يدخل في نطاق علمهم الدنيوي الظاهر، وكثير منهم لا يؤمنون الإيمان الحق، وهو الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالخالق الإله المعبود.
стр. 70
فالذين يسمون بأهل الكتاب، من يدعي منهم أنه يؤمن بالله لا يؤمن به في الحقيقة، وإنما يؤمن بآلهة متعددة: الله، الابن، روح القدس، ويسمون الثلاثة إلها واحدا، مما جعل بعض الأطفال في مدارس الغرب يتساءلون: كيف يكون الثلاثة واحدا ونحن ندرس في الرياضيات أن ضرب الثلاثة في واحد يساوي ثلاثة؟! فلا يجدون من القسس والرهبان جوابا، فينصرفون عن الدين إلى الإلحاد، ولهذا تجد كثيرا ممن يسمون بالنصارى ملحدين لا يؤمنون بإله.
وتجد دولا كبيرة قامت في الأرض على الإلحاد الصريح الذي ينكر وجود الخالق -أصلا- مع أن كل ذرة في الكون تصرخ في وجوههم وتحتج وتثبت أن الله الخالق موجود، بل وتدل على أنه المعبود الحق .
وإن العقل الذي لا يقر صاحبه بذلك إنما يشهد عليه بأنه أحط من أحقر الحيوانات.
وتجد وثنيين قد ملئوا جوانب كثيرة من الأرض يقدسون كل مخلوق ويعبدونه من دون الله، كالبقر والنار والشجر والحيوان والنهر، بل حتى الفرج، وتجد كبار فلاسفتهم يعيشون مع الكلاب والقطط والدجاج في الغابات يعبدون غير الله، ويُعبَدون هم من دون الله.
стр. 71
وكنت أظن أن هؤلاء الوثنيين مثل وثنيي العرب الذين كانوا يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله، ولكني وجدتهم ينكرون إنكارا شديدا أن يكون هناك رب خلق هذا الكون، وهم في ذلك كالشيوعيين الملحدين ولا يختلفون عنهم إلا بأنهم يعبدون المخلوقات عبادة صريحة واضحة.
بل إنك لتجد جمهرة من المسلمين يعبدون القبور ويطوفون بها ويتمسحون بترابها ويدعون أهلها من دون الله!
وتجد كثيرا من أبناء المسلمين ملحدين لا يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، متبعين في ذلك ماركس ولينين وغيرهما.
نعم انهارت الدول الإلحادية ولكن الإلحاد ما زال موجودا.
والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بالغيب الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فلا يؤمن بوحي ولا رسالة ولا كتب -وآخر تلك الكتب والمهيمن عليها القرآن الكريم- ولا برزخ ولا بعث ولا حشر ولا حساب ولا صراط ولا ميزان ولا جنة ولا نار ولا ملائكة، لا شيء غير عالم الشهود.
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في مجال الإيمان يعيشون في نور أو ظلمات؟!
وفقد الإيمان بالغيب يكفي وحده للدلالة على أن صاحبه في ظلمات، وكل خير مفقود هو أثر لفقد هذا المجال.
المجال الثاني: الحياة الاجتماعية.
стр. 72
الحياة الأسرية هي نواة الحياة الاجتماعية في كل الأمم، فإذا ما قامت الحياة الأسرية على أساس متين في علاقات بعض أفرادها ببعض، ابتداء من الزوجين اللذين يكون الزواج سكنا لهما وراحة وطمأنينة، بحيث يختار كل منهما صاحبه على أساس الدين الذي لا تستقيم الحياة الزوجية، ولا يحصل السكن لكل من الزوجين وثقة كل منهما بصاحبه إلا به، وقد يكون في بعض الأديان الباطلة شيء من الوصايا والآداب الزوجية، ولكنها لا تقوم على تقوى الله والخوف منه والرغبة في ثوابه، ولا تكون بذلك مطبقة في الواقع، وبخاصة عندما يكون الهدف من الزواج لكل من الزوجين المتعة المادية فحسب أو الكسب المادي، كطمع كل منهما في مال الآخر ونحو ذلك -أي عندما تطغى الأنانية والأثرة.
وهذا ما هو حاصل اليوم في خضم الحضارة المادية.
لذلك تجد الصراع والشقاق بين الأزواج وكثرة الطلاق وتشرد الأولاد، وانتشار الأمراض النفسية، وتعاطي الكحول والمخدرات والإدمان عليها، وفقد كل من الزوجين ثقته في الآخر، وانبنى على ذلك ما لا يحصى من الآثار الخطيرة.
стр. 73
من ذلك العزوف عن الزواج للتخلص من الارتباطات القانونية وتحمل مشقات تربية الأولاد -ماديا- وأصبح الآدميون يعيشون كما تعيش البهائم.
بل إن الزوج يرى امرأته وهي ترافق غيره، والمرأة ترى زوجها وهو يرافق غيرها، وقد يتآمر أحد الزوجين وعشيقه على الآخر، فيقتلانه ليتخلصا منه ويعيشا عيشة الحيوان برهة من الزمن، ثم يستبدل كل منهما بقرينه قرينا آخر.
وقد تنجب هذه المرأة أولادا فينسبون إلى زوجها وهو يعلم أنهم ليسوا بأولاده، كما لا توجد ثقة عند الأبناء بأن هذا هو أبوهم.
стр. 74
ولهذا يحاول كل من الآباء والأبناء تخلص بعضهم من بعض إما بالقانون -إذا أمكن- أو بالاعتداء على الحياة فإذا ما بلغ الولد -ذكرا أو أنثى- السن القانونية وكان والده يكره حياته معه، طرده من بيته إلى غير رجعة وليصادف في حياته ما يصادف، وإذا كان الولد يكره الحياة مع والديه أو أحدهما غادر المنزل وقد لا يلتقيهم بعد ذلك في هذه الحياة، وقد يقتل أحدهما الآخر، وكم من شيخ فان مات في منزله فلم يعلم بموته أولاده، وهم في مدينته أو حارته أو عمارته أو في مكان آخر؟! فلا يُعرف موته إلا برائحة جثته عندما تتخلل شقوق الأبواب والنوافذ فتنبه الجيران ليستدعوا الشرطة لتريحهم من تلك الرائحة.
ولعدم ثقة كل من الزوجين في صاحبه وعدم ثقة الآباء في نسبة الأولاد إليهم، وعدم ثقة الأبناء في أن أولئك آباؤهم، ترى الغني الثري يقف ماله بعد موته على حيوانات أو غيرها، فرارا من أن يحوزها من لا يثق بنسبته إليه.
هذه بعض أحوال الأسرة التي هي نواة المجتمع، فكيف يا ترى يكون المجتمع المكون من هذه الأسر؟
стр. 75
كيف تكون الروابط بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة؟ وكيف تكون الروابط بين الجيران؟ وكيف تكون الروابط بين الإخوان والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأقارب الآخرين، إذا كانت تلك هي الروابط بين الأزواج والأبناء؟
هذا في الأقارب فما شأن الأباعد؟
إنه الدمار الذي يحطم الروابط المادية التي لا أساس لها من دين أو خلق، فلا يرحم قوي ضعيفا ولا يحترم صغير كبيرا.
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاجتماعي يعيشون في نور أو ظلمات؟!
المجال الثالث: الحياة الاقتصادية.
والاقتصاد عند المتحضرين هو محور التنافس وميدان الصراع، يحطم القوي فيه الضعيف، وتقف وراءه حفنة قليلة من البشر تمتص به عرق العالم ودماءه: عصابة يقبع أفرادها في مكاتبهم ويقعدون على كراسيهم، ويديرون الاقتصاد العالمي كله بمكالمات هاتفية أو رسائل تلكس أو فاكس، أو بريد إلكتروني، يتلاعبون بأسعار النقد وأسعار السلع ويحطمون اقتصاد دول وشعوب، وتبتلع شركاتٌ كبرى شركاتٍ صغرى، سلاحهم الأساسي في كل ذلك الربا الذي دمر العالم وحطمه.
следующие страницы →