فقد أجمعت على محاربتها دول الغرب وجواسيسه وأذنابه، وفتح جنود الباطل لأعضاء الجبهة السجون والمعتقلات ونصبوا المشانق وأنزلوا الدبابات وعاثوا في الأرض فسادا، ملغين في سبيل نصرة الباطل ومحاربة الحق أهم مبدأ يتغنون به ويدعون إليه وهو ما يسمى بالديمقراطية، وللجواسيس في ذلك دور عظيم كما هو معلوم.
ولخطر الجاسوسية ومساوئها التي تقوم عليها، وهي - كما مضى - سوء الظن، والغيبة، والنميمة، وتتبع العورات، والتحريش، وإيجاد الفرقة والأحقاد بين الناس، جاء الإسلام بالنهي عنها وعن تلك المساوئ كلها.
فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) .
стр. 597
وقال الرسول ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا» . (١)
وقال: «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم» . (٢)
وقد شرع الله تعالى الاستئذان على أهل المنازل، صيانة لأسرارهم وحماية لعوراتهم، ولهذا «قال الرسول ﷺ لمن اطلع من بعض حجره: [لو أعلم أنك تنظر لطعنت به (٣) في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر] .» (٤)
وقال ﷺ : «لا يدخل الجنة نمّام» . (٥) .
стр. 598
والخلاصة أن قادة الباطل يحشدون كل الطاقات ويحشرون كل فئات الشعوب التي تستجيب لهم، ليسبقوا بباطلهم وصولَ الحقّ إلى عقول الناس، أو يصدوا عقول الناس عن سماع الحق والاستجابة له، فقد يدخل في تلك الفئات الصناع الذين يصنعون لهم الآلات والأدوات التي تستعمل لنشر الباطل أو لتعذيب أهل الحق أو تشويه الحق، وكذلك يستعملون الفئة الجاهلة، وهي جماهير الشعوب المتخلفة، لتأييد الباطل ومحاربة الحق، بالتجمهر والهتافات والمظاهرات الصاخبة، التي يطلقون فيها ألسنتهم بالسب والشتم لدعاة الحق ووصفهم بأقبح الصفات، للتنفير منهم ومن الحق الذي يدعون إليه، كل ذلك من باب التقليد والخفة والاستجابة الطائشة للدعوات المضللة، ألا ترى الجماهير الفرعونية كيف استجابت للتجمهر الذي لا تدري لمن تكون الغلبة فيه، كما قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ (١) .
وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (٢) .
стр. 599
الوسيلة الرابعة: تخويف الناس من الحق وأهله .
أهل الحق معروفون أنهم أرحم الناس بالناس؛ لأن الحق الذي يحملونه ويدعون الناس إليه ويريدون تطبيقه في الأرض، إنما جاء من عند الله والله هو أرحم الراحمين ودينه كله رحمة - وإن بدا أحيانا في بعض أحكامه شيء من المشقة - فإنها في حقيقتها وغايتها وثمارها رحمة، ولكن طغاة الباطل يصورون أهل الحق بأنهم مصدر قلق وشقاء، وأن لهم من وراء دعوتهم مآرب تضر الأمة وتحرمها من أمنها واستقرارها في أرضها، ومن الخيرات التي تنالها قبل انتصار أهل الحق، وأنهم سيقضون على مرافق الأمة ومقوماتها.
فقد حذر فرعون ملأه من موسى وما جاء به، كما قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ (٢) .
стр. 600
وقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١) .
وهكذا تجد أعداء الحق الذين يقودون الناس بالباطل، يحذرون الناس من قيادة أهل الحق، ويخوفونهم بأنهم سيعاملونهم بقسوة، ويغصبونهم حقوقهم، ويخرجونهم من ديارهم، ويفقدونهم مناصبهم، ويزيدون في هذا العصر أنهم سيقضون على حرية المرأة ويحرمونها حقوقها، وسيصبح كثير من الناس مقطعي الأيدي والأرجل، وستلهب ظهورهم بالسياط، وستقطع رقابهم بالسيوف بسبب إقامة الحدود، كما أن الاقتصاد - وهو هنا الاقتصاد الربوي - سينهار، وسيحرم الناس من تناول ما يرغبون فيه من الملذات والشهوات، كشرب المسكرات وممارسة البغاء المرخص به قانونا، حتى في بعض الشعوب الإسلامية التي يتولى شؤونها من يحاربون حكم الله ويطبقون حكم الطاغوت.
стр. 601
بل بلغ الأمر بقادة الباطل من المنتسبين إلى الإسلام أن يحذروا قادة الباطل من غير المسلمين، من انتصار دعاة الحق من المسلمين، بأنهم مثل السرطان سيقضون على الحضارة الغربية، حتى يتم التعاون بينهم جميعا - أي بين قادة الباطل من أبناء المسلمين وقادة الباطل من غير المسلمين - على القضاء على دعاة الحق ومحاربته من الداخل ومن الخارج.
هذا مع علم أعداء الحق وطغاة الباطل أن كل ما يخوفون به الناس من انتصار الحق ودعاته، ما هو إلا افتراء قصدوا به الحفاظ على بقائهم قادة للناس بباطلهم الذي ذاق الناس في ظله كل ألوان الشقاء والتعاسة والذلة، ويعلمون أن قادة الحق ودعاته لو تولوا شؤون الناس، لانكشف لهم ما لدى دعاة الحق من الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وتبين لهم زيف دعاية قادة الطغيان الذين خدعوهم بباطلهم وبالتنفير من الحق الذي حرموا الناس من العيش السعيد في ظله.
стр. 602
ومن أوضح الأمثلة في هذا العقد من القرن الخامس عشر الهجري، والقرن العشرين الميلادي (١) أن أعداء الإسلام في الغرب قد جعلوا من أسس حضارتهم، تطبيق ما يسمونه بالديمقراطية، وتسخير مناهج تعليمهم وإعلامهم وسياستهم وعلومهم الإنسانية والعسكرية وغيرها، للدعوة إلى تطبيق الديمقراطية في العالم، ويزعمون بأنهم يعاملون الدول التي تستجيب لهذا التطبيق معاملة متميزة بالإعانات الاقتصادية والعسكرية والصناعية والمالية.
стр. 603
ولكن الواقع أثبت أن دعوة دول الغرب إلى تطبيق الديمقراطية في العالم، مقيد ومشروط بأن تكون نتائج الديمقراطية وجود حكومات علمانية متشددة ضد الإسلام والمسلمين، في بلاد الإسلام والمسلمين، أما إذا أدت الديمقراطية إلى قيام دولة إسلامية تحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن هذه الديمقراطية مرفوضة، تجب محاربتها بكل الوسائل حتى لا يحكم الإسلام البلدان الإسلامية، وهذا ما حصل في الجزائر عندما فاز الإسلاميون في الانتخابات وكادوا يحكمون البلاد، مع أن الدولة الجزائرية ودول الغرب كلها والدول العلمانية في الشعوب الإسلامية، تعاونت جميعا على عدم فوز الجماعات الإسلامية في الجزائر، هذا كله كان قبل الانتخابات، أما بعد الانتخابات فقد جن جنون أعداء الإسلام في الغرب وفي الشرق، ووقفوا كلهم صفا واحدا ضد النتائج الديمقراطية التي يدعون إليها، وأصروا على نزول الدبابات وفتح السجون والمعتقلات، لزعماء الجماعات الإسلامية ومن يؤيدهم من الشعب، وسفك دمائهم وتعذيبهم وانتهاك أعراضهم ومطاردتهم وتشريدهم، وحجتهم في ذلك كله الخوف من تولي الإسلاميين الحكم، فإنهم إذا تولوا سيقصون غيرهم من مناصب الدولة وسيحرم
стр. 604
الشعب من التمتع بالحرية والخيرات، وهم يطبقون هذه الخطة، اقتداء بفرعون وملئه عندما حذروا الناس من موسى وهارون، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في قوله: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١) .
وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها قريبا في هذه الوسيلة.
стр. 605
الوسيلة الخامسة: إغراء المؤيدين بالمناصب والأموال .
فالسحرة الذين جمعهم فرعون للاستعانة بسحرهم على موسى، سألوا فرعون هل سينالون منه أجرا إذا هم غلبوا موسى؟ فأجابهم بالإيجاب وزادهم إغراءً، بأنهم سيكونون من ذوي القرب والحظوة منه، وهذا ما يطمع فيه بائعو أنفسهم لذوي السلطان، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٢) .
وهكذا يسابق دعاةُ الباطل دعاةَ الحق إلى عقول الناس بالمال والمنصب والجاه بدلا من الحجة والبرهان، وما أكثر المتهافتين على المال والمنصب والجاه ممن باعوا أنفسهم وعقولهم، فأصبحوا وسيلة من وسائل السباق إلى العقول بالباطل، وهم يعلمون أنهم على باطل، جريا وراء المصالح الوهمية التي يغريهم بها طغاة الباطل ضد الحق.
стр. 606
ولما كان أهل الباطل يملكون - غالبا - المال والجاه والمنصب، فإنهم يستقطبون ضعاف النفوس، ممن يعلمون الحق والباطل وقد يظهرون أنفسهم بمظهر أهل الحق، من أجل أن يخدعوا الجهال من أتباع الحق، فيصرفوهم عنه إلى الباطل باسم الحق، وإنما يفعل ذلك ضعاف النفوس هؤلاء مع علمهم بالحق الذي يحاربونه والباطل الذي يؤيدونه، لما ينالونه من أهل الباطل ودعاته من مال ومنصب وجاه، لأن ضعاف النفوس هؤلاء كلما كانوا أكثر نفعا لأهل الباطل وأكثر ضررا للحق وأهله، كان أهل الباطل أكثر إغداقا عليهم بما يطمحون إليه، وبخاصة المال الذي تنشأ به مؤسسات متنوعة يكون هدفُها سبقَ الباطلِ الحقَّ إلى عقول الناس، ويكون مديرو هذه المؤسسات من أمثال هؤلاء الضعاف، ولا تجد بلدا من بلدان المسلمين - في الغالب - يخلو من أمثال هؤلاء.
ولكن الذي يبشر بالخير أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا قادة الباطل المُستَغِلِّين، وضعاف النفوس المُسْتَغَلِّين، وكشفوا أحوالهم فأصبحوا مثل مرضى الجذام ينفر المسلمون منهم ومن أفكارهم، إلا من أراد أن يهلك عن بينة.
стр. 607
الوسيلة السادسة: وضع قوانين وأنظمة تؤيد الباطل .
وهذه الوسيلة من أهم وسائل أهل الباطل في سباقهم بباطلهم إلى العقول، ذلك لأنهم إذا شعروا بظهور الحق للناس وتعلقهم به وميلهم إليه، لقوة حججه وبراهينه، ونفورهم عن الباطل ونبذهم له، لانكشاف زيفه وتهافت شبهه، أقول: إذا شعر أهل الباطل بذلك، فزعوا إلى أعوانهم من فئات الشعب يستصرخونهم، لوضع كل الوسائل التي تحول بين الحق وعقول الناس، وتمكن الباطل من الوصول إلى تلك العقول.
ومن تلك الوسائل: إصدار قوانين تحظر نشاط أهل الحق وتصد الناس عن الاستماع إليه وعن اتباعه، وتجعل كل وسيلة من وسائل وصول الحق إلى العقول جريمة، يعاقب عليها القانون، ويصبح كل من اتخذ وسيلة لإبلاغ الحق إلى عقول الناس، مجرما يستحق العقاب.
وبذلك يُسَهِّل قادةُ الباطل سبلَ السباق بباطلهم إلى العقول، ويفتحون لتلك السبل وأهلها الأبواب، ويمدون لها يد العون، ويحاصرون كل سبيل من سبل السباق بالحق إلى العقول، ويغلقون أمامها وأمام أهلها كل الأبواب.
وقد تكون تلك الأنظمة والقوانين ظاهرة، وقد تكون خفية، وقد يكون ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبله العذاب.
стр. 608
إن كثيرا من البلدان الإسلامية التي يحارب حكامها الإسلام، تبيح قوانينها وأنظمتها الزنا، وكل الوسائل المؤدية إليه، ولا يعد جريمة إلا في حالات استثنائية خاصة، وعقوبة هذه الحالات لا تردع مجرما ولا تشفي غيظ معتدًى عليه ممن تنتهك أعراضهم، بل إن بعض قادة الباطل في تلك البلدان ينظمون تعاطي الفاحشة وتشرف على تنظيمه بعض مؤسسات الدولة، وذلك باسم الحرية الشخصية، وتنشر فضائح تلك الفواحش في وسائل الإعلام بأساليب متنوعة ماكرة، كما تنشر وسائل التحريض عليها بالصورة والكلمة باسم حرية الصحافة أو الإعلام الحر.
وعامة البلدان الإسلامية بها قوانين وأنظمة للمعاملات الربوية التي حرمها الله في كتابه وجعلها من محاربة الله تعالى.
стр. 609
ويكمن خطر تلك القوانين المؤيدة للباطل والمحاربة للحق في أن الحكومات تفرض على الناس احترامها، وتخصص لها أجهزة تتولى تنفيذها قسرا، وتعاقب كل من يحاول بيان بطلانها ومعارضتها لحكم الله ورسوله، وتبالغ في مدحها والثناء عليها، وتنسب كل نعمة من نعم الله الدنيوية على العباد، إلى وضع تلك الأنظمة والقوانين وحمايتها وتنفيذها. ومع تطاول الزمان يألف الناس ذلك ويسهل عليهم العمل به، وتنشأ الأجيال في ظله لا تعرف سواه، فيرسخ في عقولهم أنه حق، ويعظم الخطر عندما يدعي أنصار الباطل أن ذلك من الإسلام أو لا ينافيه، فيقبله الناس على هذا الأساس، ويكون الخطر أشد عندما يجد دعاة الباطل ومؤيدوه من باع دينه بثمن بخس ممن ينتسب إلى العلم، فيفتي باسم الإسلام بأن ذلك الباطل أمر مشروع، وقد يكون ما أفتى به يخالف إجماع علماء الإسلام المبني على نصوص الوحيين، كما أفتى بعض العلماء في هذا العصر بإباحة الربا الذي هو حرب لله ورسوله، وكما أفتى بعض قادة الباطل ممن يحسبون من العلماء بأن سفور المرأة - وليس المراد بالسفور هنا كشف الوجه والكفين، بل المراد كشف غالب جسد المرأة - لا يخالف شرع الله!
стр. 610
وهكذا يضع أنصار الباطل قوانين مفصلة في كل باب من أبواب حياة الناس: الأسرية والمالية والاقتصادية والجنائية والسياسية والعسكرية والقضائية والتعليمية والإعلامية، تحاصر الحق وتطارده وتشوهه، وقد تستبيح دم أهله، وتؤيد الباطل وتنشره وتكرم كل من يدعمه ويدعو إليه.
стр. 611
الوسيلة السابعة: جعل التعليم منطلقا لتثبيت الباطل .
وهذه الوسيلة من أمضى الوسائل للسباق إلى العقول، بإبلاغ الحق أو الباطل إليها، وحجب الحق أو الباطل من الوصول إليها.
وذلك للأسباب الآتية:
السبب الأول: أن التعليم يرافق الإنسان من طفولته إلى شيخوخته، فهو مستمر باستمرار حياة الإنسان.
والتعليم يصوغ الطفل في طفولته الصياغة التي يريدها صاحب قرار التعليم، سواء أكان صاحب القرار هي الأسرة أو المدرسة أو الدولة، لأن الطفل لا يملك في طفولته إلا التلقي والتقليد والمحاكاة، ومن كان أسبق إلى إبلاغ فكره إليه، حقا كان ذلك الفكر أو باطلا، كان أملك لعقله وأقدر على قيادته بفكره.
ولهذا كان التعليم من أهم عناصر الرسالة الإلهية، كما قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
стр. 612
وكان ذلك تحقيقا لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ الضاربة في أعماق التاريخ، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) .
ولما كان الطفل قابلا للصياغة المطلوبة بالوسيلة التعليمية، اشتد سباق أهل الحق وأهل الباطل بهذه الوسيلة إلى عقله (٢) .
وقد بين الرسول ﷺ كيف يصرف أهل الباطل الأطفال عن فطرة الله التي فطر الناس عليها بتعليمهم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» ثم يقول: اقرءوا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ .
وفي رواية للبخاري: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . (٣)
стр. 613
والوسيلة الدائمة المستمرة، يدوم تأثيرها ويستمر ويُثَبِّت الفكرةَ التي يراد لها السبق إلى عقول الناس، ومعلوم دوام واستمرار وسيلة التعليم ومراحلها التي يمر بها الدارس، فقد تصل - في زماننا هذا - إلى ثلاثين عاما أو أكثر من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة العليا: الماجستير والدكتوراه، إضافة إلى ما يتعلمه الطفل في محيطه الأسري والشعبي.
السبب الثاني: أن التعليم توضع له مناهج معينة مدروسة، يراد بها تحقيق أهداف محددة في كل المراحل التعليمية، فإذا كانت الأهداف والمقاصد التي وضعت المناهج التعليمية لتحقيقها، هي تثبيت الباطل ونصره ونشره، ومحاربة الحق وخذلانه ومحاصرته، فإن الأجيال المتلاحقة من أبناء المسلمين تنشأ بعقول استولى عليها الباطل وحجب عنها الحق، ولذلك يحاربون الحق وأهله وغالبهم يجهله، ويؤيدون الباطل وأهله وهم يجهلون أنه باطل، وذلك مبتغى طغاة الحكم الذين لا بقاء لهم إلا ببقاء الباطل وتَوَارِي الحق، فإنهم يُسخِّرون كل إمكاناتهم لحرب الحق.
стр. 614
السبب الثالث: أن مناهج التعليم توضع لها كتب تتضمن موادها ما يناسب عقول المتعلمين في جميع مراحل التعليم، ويترتب على دراستها والنجاح في امتحانها حمل مؤهلات، لها شأنها في تقلد المناصب والبروز في الشعب، ولهذا يجتهد الدارسون في القراءة وتكرارها حتى تترسخ معانيها في عقولهم التي تصبح وعاء لتلك المعاني.
وأهل الباطل لا يفسحون المجال لغير الباطل أن يحتل صفحات تلك الكتب، ولهذا تنشأ الأجيال من أبناء المسلمين بعقول ملئت بالباطل وحجب عنها الحق.
السبب الرابع: أن التعليم يُعَدُّ له رجال متخصصون في كل علم من العلوم الإنسانية والتجريبية، يدأبون على غرس تلك العلوم في عقول الطلاب، فيحققون بذلك إيصال المعاني التي وضعت لها مناهج وأعدت لها كتب إلى عقول طلابهم، وأهل الباطل يُعِدُّون المدرسين من أنصارهم، ليحققوا بهم السبق بباطلهم إلى عقول الناس، ولا يأذنون لأهل الحق بالتدريس والتعليم، خشية من أن يستولوا على عقول المتعلمين بالحق الذي يدمغ الباطل فإذا هو زاهق.
стр. 615
السبب الخامس: أن التعليم يختار لإدارته والإشراف على مسيرته رجال مؤهلون في مجاله لديهم - مع التأهيل - الرغبة والحماس في نجاحه وبلوغه أهدافه، وأهل الباطل يختارون لإدارة التعليم والإشراف على مؤسساته المتنوعة من يؤيد باطلهم ويحارب الحق وأهله.
ولهذا نشاهد على قمة المؤسسات التعليمية في البلدان التي يحارب طغاة الحكم فيها الإسلام رجالا لا دين لهم - وإن تسموا بأسماء مسلمين - ولا خلق يجعلهم قدوة حسنة، بل يضايقون ذوي المؤهلات - سواء أكانت مؤهلاتهم إدارية أو تربوية، أو علمية في أي علم من علوم الإسلام أو العلوم الكونية والتطبيقية - كل ذلك من أجل أن يستبدوا بالتوجيه في هذا المجال الذي يصوغ العقول، ويسبقوا بباطلهم إليها ويحجبوا عنها الحق الذي يحمله أهله.
وقد يوضع على قمة التوجيه في مجال التعليم من هو فاشل في إدارته، تضيع بإدارته المصالح أو تعظم، وتكثر المفاسد، ولكن مؤهله لدى طغاة الحكم وأنصار الباطل هو محاربته للحق وتأييده للباطل، ويعلم هذا كل من عنده وعي وبصيرة واهتمام بمصالح الإسلام والمسلمين.
стр. 616
السبب السادس: أن أعداء الحق ومحاربيه وأنصار الباطل ومؤيديه يستغلون وسيلة التعليم في كل حقبة بما يتناسب معها، فإذا تغيرت أهدافهم بتغير أهوائهم أو ما يظنونه مصالح لهم، أو بتوجيه ساداتهم المستعمرين، غيروا المناهج والمواد والكتب بحسب ذلك، ويصبح ما كان عندهم محمودا أمسِ مذموما اليومَ، ويغيرون حقائق التاريخ والمولاة والمعاداة، كل ذلك بحسب أهواء نفوسهم التي لا يهدأ لها بال إلا إذا ملأت عقول الناس بباطلها، وحجرت عليها من أن يصل إليها الحق الذي يَفقِد أهل الباطل المؤهلَ بوجوده لقيادة الناس بباطلهم.
وهذا ما يفسر اتجاه بعض الحكومات في الشعوب الإسلامية إلى مراجعة مناهج التعليم وكتبه ومواده، لحذف كثير من النصوص الإسلامية من القرآن والسنة، وبعض الموضوعات في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وبخاصة ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله، والعلاقات مع اليهود والنصارى، لحاجات في نفوسهم يريدون قضاءها، ولا يتم قضاؤها إلا بصياغةٍ جديدة لعقول أبناء الأمة.
стр. 617
ومن هنا يجب على الأمة الإسلامية أن يراقب أهل الحل والعقد فيها مسيرةَ تعليم أبنائها، حتى لا يعبث أعداء الإسلام بعقول أجيالها عن طريق هذه الوسيلة الفعالة في صياغة العقول؛ لأن آثار التعليم تشمل حياة الأمة كلها، فلا يجوز أن يستبد بمناهجه ومواده وكتبه والمشرفين عليه ومعلميه ومتعلميه، من يحارب الحق ويؤيد الباطل ويفسد عقول الناس بأفكاره، لتحقيق أهدافه المضادة لمصالح الأمة.
стр. 618
وقد يحتال أعداء الإسلام من أنصار الباطل على الأمة الإسلامية التي يسوؤها صياغة عقول أبنائها بوسيلة التعليم صياغة تجعلهم عبيدا مطيعين للطغاة، قد يحتالون عليها بإيجاد مدارس يسمونها دينية يضعون لها مناهج يحصرون فيها الدين في مواد لا تتجاوز الشعائر التعبدية وبعض أحكام الأسرة، وسرد بعض الأحداث التاريخية، ويفتحون في تلك المدارس الباب لمن يرغب في دراسة الإسلام، ويُخْلون مناهج تلك المدارس من المواد التي يُسَيِّرون بها هم حياة الناس، كالإدارة والاقتصاد والشؤون السياسية والعسكرية والإعلامية والتربوية، ثم يعمدون إلى إنشاء مدارس ومعاهد وجامعات يسمونها بالمدنية، ويضعون لها مناهج مقطوعة الصلة بالإسلام، ويضعون لها مناهج تجمع بين العلوم الإنسانية التي وضعها البشر بمعزل عن منهج الله - وقد توافق بعض جزئياتها الإسلام وغالبها يخالفه - سواء منها ما يتعلق بعلم النفس أو علم الاجتماع، أو الشؤون السياسية، أو الاقتصادية، أو العسكرية، وكذلك العلوم التجريبية الكونية والطبية، وغيرها مما لا تستغني عنه الأمم، وينهل المتعلمون من تلك العلوم، وينالون بها المؤهلات التي تمكنهم من قيادة الشعوب الإسلامية بمناهج علمانية، لا
стр. 619
تهمل الدين الإسلامي وتطبيقه فحسب، بل تحاربه وتحارب كل من يدعو إليه، وقد تحارب من يلتزم به، ولو لم يدع إليه خشية من أن يكون التزامه به يدعو الناس إلى الاقتداء به، لأن الإسلام هو الحق، وما هم عليه هو الباطل، وأهل الباطل يخشون من أن يسابقهم أهل الحق إلى عقول الناس، وإذا فتح المجال لأهل الحق ليسابقوا بحقهم إلى العقول، فإنهم يغلبون أهل الباطل ويسبقونهم بالحق إلى عقول الناس، وإن كانت إمكاناتهم أقل بكثير من إمكانات أهل الباطل، لما يحمله الحق من قوة الحجة والبرهان، وما يحمله الباطل من خرافات وأوهام.
أما الدارسون في المدارس الدينية المذكورة آنفا، فإنهم يُحرَمون من الوظائف والمناصب، لعدم وجود مؤهلات توازي المؤهلات التي يحملها طلاب المدارس المسماة بالمدنية، ولو وجد من يحمل تلك المؤهلات من الملتزمين بالإسلام، فإنه لا يفسح له مجال اعتلاء مناصب مثل مناصب العلمانيين، كل ذلك لإبعاد الملتزمين بالإسلام الذي هو الحق من أن يؤثروا به على عقول الناس.
стр. 620
المظهر الأول: إسناد الوظائف العليا إلى من يسند الباطل .
الوظائف العليا هي مراكز التوجيه والتخطيط والمتابعة، وهي لا تسند إلا إلى من عُرِفُوا بحب الباطل ومناصرته ومن أُشْرِبتْ نفوسهم حب الفساد ونشره في الأرض وإشاعة الفواحش ووسائلها، كما عرفوا ببيع نفوسهم بثمن بخس لمن يمنحونهم مناصب هذه الوسيلة، واستعدادهم الكامل ليكونوا أبواقا لهم يتلمسون - ولو من بعد - ما يرضي قادتهم، فيسخرون وسائل الإعلام كلها لتحقيق ذلك الهدف، مبالغين في قلب الحقائق وتضليل الناس، ليصبح الحق عندهم باطلا والباطل حقا، ويترتب على اختيار هؤلاء الموظفين الكبار الذين هذه بعض صفاتهم، أن يجمعوا حولهم موظفين من جنسهم وعلى شاكلتهم، يبالغون في إرضائهم كمبالغتهم في إرضاء القادة الذين اختاروهم، وبذلك تصبح وسائل الإعلام - في الغالب - مصادر تضليل وكذب وقلب حقائق، تطرق عقول الناس - باستمرار - بالباطل وتحول بين تلك العقول وبين وصول الحق إليها، إلا ما ندر مما فيه مصلحة تعينهم على تثبيت الباطل، وإزالة الحق ومطاردته.
стр. 621
المظهر الثاني: فتح أبواب هذه الوسائل لذوي الأفكار الفاسدة
من أبرز هذه المظاهر: فتح أبواب هذه الوسائل كلها لذوي الأفكار الفاسدة والعقائد الكافرة والأخلاق المنحطة، لنشر أفكارهم وعقائدهم وأخلاقهم بين الناس، وإبراز أصحاب هذه الأفكار والعقائد والأخلاق، وإطراؤهم إطراء يجعلهم أمام عامة الناس قادة يُتَّبَعون وزعماء يُقتَدَى بهم، ويثنى على أفكارهم وعقائدهم وأخلاقهم، مع تكرار أفكارهم واختيار الأوقات المناسبة لنشرها، بحيث يعرض على أكبر قدر من المتلقين وهم مستعدون لاستقبال النشر.
وبنظرة عجلى إلى شاشات التلفاز في العالم - ومنه العالم الإسلامي - وبإصغاء قليل إلى جهاز المذياع، وبتصفح يسير في الصحف والمجلات، سترى وجوها، وتسمع أصواتا، وتقرأ صفحات، لأمثال أولئك المفسدين الذين أفسدوا عقول الناس بأفكارهم وعقائدهم، وجعلوهم يَسْبَحون في بحار منتنة من السلوكيات التي زينوها لهم وساقوهم إليها سوقا عن طريق وسائل الإعلام.
стр. 622
إن المفكرين الذين يسيطرون على وسائل الإعلام بأفكارهم، هم العلمانيون الذين - لا أقول: إنهم يفصلون الدين الإسلامي عن الدولة، ولكن أقول: إنهم - يحاربون الإسلام والداعين إليه، وإن المتفلسفين الذين يلبسون ثياب الفلسفة، ومن يسمون بالأدباء والشعراء والمثقفين الذين يشككون في الوحي والرسالة واليوم الآخر، ويسخرون من أحكام الإسلام، وإن الإباحيين الذين يسمون بالفنانين، من الذين ينشرون الفاحشة، ويدعون إلى الأخلاق الفاسدة والوقوع في حمأتها، من ممثلين ومسرحيين ومغنين وراقصين وبهلوانيين وغيرهم، هؤلاء كلهم هم الذين تفتح لهم وسائل الإعلام أبوابها، وتصفهم بالنجوم والرواد والأدباء والكتاب، وهم الذين ضلت بهم الشعوب الإسلامية وتحطمت معنوياتها وانحطت أهدافها حتى أصبحت فيما أصبحت فيه من الذلة والهوان والتبعية.
стр. 623
المظهر الثالث: نشر وسائل الفواحش وإشاعة المنكرات.
وهذا المظهر في غاية الوضوح في وسائل الإعلام، فإن كثيرا مما تنشره تلك الوسائل هو من المنكرات والفواحش التي تغضب الله ورسوله والمؤمنين، ولا ترضي إلا من يحارب الله ورسوله والإسلام.
شواهد لنشر وسائل الفواحش وإشاعة المنكرات.
ومن الشواهد على نشر وسائل الفواحش، وإشاعة المنكرات ما يأتي:
الشاهد الأول: الإكثار من الأغنيات الماجنة
وهي الأغنيات التي تزين الفاحشة صراحة أو ضمنا، بأصوات نساء فقدن الحياء واستمرأن السقوط في مستنقع الرذيلة، فَيَفْتِنَّ بأغنياتهن المتضمنة للدعوة إلى المنكر، وبأصواتهن الخاضعة بقول المنكر شبابَ الأمة وشاباتها الذين يجهلون دينهم، ولم يتربوا عليه التربية التي تقيهم الفسق والعصيان.
وكذلك يفتنَّهم بتكسرهن وتمايلهن وبعريهن الفاضح المعد للفتنة، يشاهد ذلك الناس في المسارح والمراقص مباشرة، أو في شاشات التلفاز في البيوت، وقل مثل ذلك في المغنين من الرجال.
الشاهد الثاني: شغل أوقات الناس بأنواع الرقص.
والرقص يعد إعدادا يجذب إليه كل فئاتهم: الصغار "الأطفال" والمراهقين والشباب، الرجال والنساء، الحضريين والأعراب.
стр. 624
إن الذي يتتبع وسائل الإعلام التي يسيطر عليها أعداء الحق في الشعوب الإسلامية، ليهوله ما يشاهده من كثرة الرقص والراقصين وشغل الناس بذلك وإلهائهم به، هذا مع ما يصاحبه من عري فاضح، وبخاصة في الفتيات المراهقات، ومن اختلاط الشبان والشابات، واحتضان بعضهم لبعض أمام الجماهير المشاهدة في المسارح مباشرة أو على شاشات التلفاز.
الشاهد الثالث: الإشادة بأعمال مفسدي الأجيال المسلمة.
стр. 625
وهم الذين يسمونهم بالفنانين والأدباء والمفكرين (وكثير منهم إباحيون) تخصص وسائل الإعلام أوقات طويلة لإجراء مقابلات معهم، لإبراز تاريخهم المليء بالفساد الخلقي والإفساد الاجتماعي والقدوة السيئة، وللإشادة بأعمالهم الفنية العفنة وتزيينها ودعوة الناس إلى متابعتها والاقتداء بأساطينها العظام، الذين ينتقدون الدعوة إلى العفة والطهر وحجاب المرأة، والبعد عن اختلاط الرجال والنساء غير المشروع، والنهي عن خلوة الرجل بالمرأة، ويدعون إلى تعاطي كل ما يسهل فعل المنكرات والفواحش باسم حرية المرأة، وعملها، والثقة فيها، وباسم التنمية واستغلال الطاقات، وباسم إحياء التراث الشعبي، والبعد عن التزمت والجمود، وغير ذلك مما يزينون به المنكر ويظهرونه في صورة المعروف، ويشوهون به المعروف ويظهرونه في صورة المنكر، وبذلك يقلبون الحق باطلا والباطل حقا، ويضللون عقول الجهال - وما أكثرهم - بدعاياتهم.
الشاهد الرابع: نشر حوادث المنكرات والفواحش، وقصص الغرام.
والعلاقات المحرمة - أي يشيعون الفاحشة بين الناس - للإغراء بها والتحريض عليها، مع الصور التلفازية أو الفوتوغرافية.
الشاهد الخامس: الأفلام المعدة لنشر وسائل الفاحشة.
стр. 626
وقد تكون تلك الأفلام المعدة مكشوفة في نقل صورة الفواحش مباشرة، فلا يؤذن بنشرها في أجهزة الإعلام الرسمية، ولكن يعطى أهلها الذين أعدوها الضوء الأخضر لنشرها وتداولها بين الأسر وفي ملتقيات خاصة من أجل هدم الأخلاق وإشاعة قلة الحياء، وقد تكون متضمنة للدعوة إلى الفاحشة بنشر وسائلها، كأفلام الغرام والحب التي تحرض على الخلوة بالمرأة المتزينة المتبرجة، وتعرض ما يحصل بين المرأة والرجل من عناق وقبلات ونظرات وتبادل كلمات غرامية ساقطة، وهذه الأفلام إما أن تنشر كما هي في البلدان التي وصل حكامها إلى درجة من الوقاحة وقلة الحياء في محاربة الفضائل ونشر الرذائل، وإما أن تحذف منها بعض اللقطات المثيرة خشية من انتقاد بعض الغيورين من أبناء البلدان التي لا زال يوجد فيها من يقول كلمة الحق - وبخاصة إذا طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، واللقطات التي تحذف في هذه الأفلام يستطيع من يريد مشاهدتها شراء الأفلام نفسها من محلات متخصصة في بيعها ...
قد يقال: ما صلة هذه الأمور بالسباق إلى العقول؟
والجواب أن المقصود بالسباق إلى العقول عند أهل الباطل، هو شغلها بالباطل الذي يصدها عن الحق، وهذه الأمور كلها تؤدي إلى هذا الهدف.
стр. 627
فإذا راقبت كثيرا من الناس وجدت هذه الأمور قد استولت عليهم وشغلتهم وألهتهم فلا يفكرون في الخير والفضيلة - إلا من هداه الله وتفقه في الدين واتجه إلى الله - لأن هذه الأمور قد وضعت حواجز بينهم وبين الخير والفضيلة والتفكير فيهما
стр. 628
المظهر الرابع: المبالغة في شغل عقول الناس بالرياضة.
المحلية منها - في المحافظات والقرى - والقطرية - على المستوى القطري - والإقليمية - على مستوى مجموعة الدول الإقليمية - والعالمية، وإبراز ذلك في جميع وسائل الإعلام: المقروءة والمسموعة والمشاهدة.
أساليب المبالغة في شغل عقول الناس بالرياضة.
ويتخذ هذا المظهر أساليب متعددة:
الأسلوب الأول: الإشادة بالرياضة.
стр. 629
وبخاصة كرة القدم - إشادة تجعلها أعلى وأسمى - عند الناس وبخاصة الناشئة - من الجهاد في سبيل الله (١) ، ومن ارتياد المساجد والتفقه في الدين وحفظ كتاب الله، وإذا أردت أن تعرف مدى تأثير هذه الإشادة، فتجول في أحياء كثير من مدن المسلمين وشوارعها، وانظر يمنة ويسرة لترى فرق الشباب والأطفال الصغار الذين يتبارون في كرة القدم، وانظر إلى ملابسهم والشارات التي تزينها وتدل على تشجيع وتأييد النوادي التي استولت على عقولهم، فلا تجدهم يفكرون إلا في شراء ملابس الرياضة، واقتناء عدد من الكرات وإصلاح ملاعب في تلك الأحياء والمباراة فيها، للوصول إلى أعلى ما يمكن من التدرب والمران، لا يملون من تضييع أوقات طويلة في هذا العمل الذي أشربته قلوبهم، ثم فتش عن نشاطهم المدرسي ومذاكرة دروسهم وإتقانها، فستجد كثيرا منهم أصفارا إلى اليسار، حتى يضطر المسؤولون في المدارس إلى نقلهم من صف إلى آخر وهم لا يستحقون ذلك، فيتخرج جيل ممسوخ هو المسؤول عن تنمية بلدان المسلمين!
стр. 630
وقبل ذلك تجد كثيرا من هؤلاء لا تتجه أبصارهم إلى المساجد وقد لا يصلون حتى في منازلهم، وكل ما يتمناه أن يصبح يوما من الأيام من نجوم الرياضة التي تشيد بها وسائل الإعلام تلك الإشادة.
ومن الإشادة بالرياضة وأهلها وجعل الناس يفتنون بها، ما تلقاه من الدعم المالي والإنفاق السخي على النشاط الرياضي في وسائل الإعلام، حيث تأخذ فيها حيزا واسعا وأوقاتا طويلة قبل المباراة وأثناءها وبعدها، من مقابلات مع المسؤولين عن الأندية الرياضية والمدربين الرياضيين واللاعبين، وفي كل تلك الأوقات الطويلة تظهر الرياضة في مظهر الأهداف العليا التي تستحق الاهتمام والدعم من كل فئات المجتمع، وتنفق الأموال الكثيرة على وسائل الإعلام التي تنقل ذلك للناس وبخاصة عن طريق التلفاز وبثه المباشر عن طريق الأقمار الصناعية من أقصى نقطة في العالم أو إليها.
стр. 631
فإذا ما فاز فريق من فرق البلدان الإسلامية في أي مباراة، سمعت وقرأت وشاهدت من وسائل الإعلام، من الإطراء والمبالغة في الثناء وإظهار الفرح والسرور بذلك، ما يربو على الاحتفاء بالنصر في المجالات العليا: السياسة، والاقتصادية، والجهادية، بل تشعر أنهم قد حققوا فَتْحا من الفتوحات الإسلامية التي كان يحققها سلفنا الصالح، عندما كان في قمة العزة والمجد.
وترى على إثر ذلك الفوز المسيرات المزعجة في الشوارع والساحات، مع رفع البيارق والرايات والأعلام، ومع التصفيق والرقص والتزمير بأبواق السيارات إلى درجة إقلاق الناس ومضايقتهم في منازلهم، وطرقهم ومحلاتهم التجارية.
وبذلك ينقدح في أذهان الناس وعقولهم، أن هذا هو النصر المؤزر الذي يجب أن يحققه شبابهم لبلدانهم التي يحتل الأجنبي اليهودي قلبها - فلسطين - دون أن تنوه وسائل الإعلام بما يجب أن يعده له المسلمون من الجهاد في سبيل الله الذي حجبت هذه الإشادة بالرياضة عقول الشباب من التفكير فيه.
الأسلوب الثاني: الاهتمام المبالغ فيه بالرياضة والرياضيين.
стр. 632
ويتبين ذلك في الإنفاق السخي على مرافقها، وبحضور مناسباتها افتتاحا واختتاما، واستقبال اللاعبين بالحفاوة والتكريم وبالجوائز والهدايا التي يغدقونها عليهم، وبنقلهم في طائرات خاصة إلى أي مكان في العالم، وإنزالهم في أفخم فنادق الدرجة الأولى - ذات النجوم الخمسة! - ومستلزمات ذلك كله.
وهذا الاهتمام وهذا التقدير لا ينالهما كثير من المؤتمرات والندوات والمناسبات الإسلامية في وسائل الإعلام، فيرى الأطفال والمراهقون والشباب والآباء والأمهات ما يحظى به الرياضيون من الاهتمام والتكريم، ويرون الإهمال أو شبهه لمن عداهم ممن هم عدة مستقبل بلدانهم، فيتمنى الصغار والمراهقون وكثير من الشباب وأقاربهم تلك الحظوة التي تنقلها لهم وسائل الإعلام بالصوت والصورة والسطور، وبذلك تحتل الرياضة العقول بدلا من أن تحتلها الأهداف العليا التي تحتاج الأمة الإسلامية إلى تحقيقها لإخراجها مما هي فيه من الذل والهوان.
ومن ذلك ملايين الدولارات لاستئجار لاعبين مشهورين بالنجاح المنشود، لينضموا إلى فريق أو ناد لترتفع بهم سمعة الفريق أو النادي، أو مدربين أجانب من اليهود أو النصارى ليرتقي بتدريبهم اللاعبون.
стр. 633
وترى في مقابل ذلك رجال الطب، والمهندسين، وأساتذة الجامعات والمتخصصين في العلوم النادرة، كعلوم الذرة وغيرها تصرف لهم مرتبات قد لا تفي بحاجاتهم، وترى وسائل الإعلام تبرز اللاعبين والمدربين إبرازا مستمرا مبالغا فيه، وترى رجال العلم مغمورين لا يدري عنهم إلا الفئة الجادة القليلة التي عرفت قدرهم وأخذت تتلقى على أيديهم علومهم، أما عامة الناس فلا يعرفون عنهم شيئا، وبذلك يزهد الناس في هؤلاء العلماء وعلومهم، ويتجهون للاعبين والمدربين، لأن اكتساب الشهرة باتباع طريقهم والقرب منهم سهل ميسور، فلا يتعبون أنفسهم ويكدون عقولهم في تلك العلوم الصعبة التي لا ينالون منها الشهرة ولا المال الذين ينالهما اللاعبون ومدربوهم؟
وبهذا تحتل الرياضة وأهلها العقول بدلا من أن تحتلها العلوم النافعة وأربابها.!
اهتمام الكاتب بالرياضة.
стр. 634
هذا وليعلم أن الكاتب ليس من المستهينين بالرياضة من حيث هي، ولا بأهلها، كيف وهو أول من جد واجتهد في تكوين فرق رياضية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وطالب وألح على المسؤولين فيها، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، باستقدام مدربين رياضيين لطلاب الجامعة ونجح في ذلك فعلا، في وقت كان بعض العلماء يصرحون بتحريم كرة القدم لما يحيط بها من منكرات، ومن أهمها اللعب في أوقات الصلوات وعدم أداء الصلاة حتى يخرج الوقت، ومنها كشف العورات بلبس السراويل القصيرة وغير ذلك وسعى الكاتب - وكان مسؤولا عن شؤون الطلاب في الجامعة إلى اشتراك فرق طلاب الجامعة في المباريات مع طلاب الجامعات الأخرى في المملكة العربية السعودية، وحاول - ونجح - في إقامة الصلوات في داخل الملاعب الرياضية وإدخال نشاطات أخرى مع الرياضة، منها مسابقات القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة المطهرة، والنشاط الكشفي ومسابقة الشعر وغيرها، وكان لذلك أثره في الأوساط الرياضية لا زال بعضه موجودا إلى الآن.
ولعل في ملفات شئون الطلاب القديمة في الجامعة من الوثائق ما يثبت اجتهاد الكاتب في إدخال الرياضة في الجامعة.
стр. 635
أقول: إن الكاتب ليس من المستهينين بالرياضة ولا بأهلها، بل إنه يمارسها هو بنفسه إلى وقته هذا الذي يكتب فيه هذه السطور، ويعلم ما فيها من فائدة لتقوية الأجسام وتخفيف الوزن من السمنة المتعبة، ولكنه ضد المبالغات في الرياضة إلى درجة إشغال الشعوب الإسلامية بها وتبديد أموالها فيها، وتكريم اللاعبين والمدربين أكثر من تكريم علماء الإسلام والمتخصصين في العلوم النافعة لبلدان المسلمين، بل وأكثر من الجيوش التي تحرس هذه البلدان وتدافع عنها، والإشادة بالرياضة والرياضيين والغض من شأن الجهاد والمجاهدين، مع حاجة الأمة الإسلامية إلى رفع راية الجهاد للدفاع عن أرضها ومقدساتها وأعراضها التي تنقل وسائل الإعلام صورا محزنة منها، ويناشد بعضُ المسلمين أعداءَ المسلمين من اليهود والنصارى والوثنيين - الذين هم وراء كل تلك المآسي والكوارث - أن ينصروا المسلمين ويرفعوا عنهم ذلك الاعتداء! ويوجهون شباب المسلمين إلى الملاعب الرياضية بدلا من توجيههم إلى إعداد أنفسهم إعدادا جهاديا يتدربون على السلاح وصنعه مع نية التقرب إلى الله، ليدفعوا عن أعراضهم وأراضيهم.