← Общие книги

Общие книги · id 1879

السباق إلى العقول

عبد الله قادري الأهدل

Полный текст (765 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فإذا ما فاز فريق من فرق البلدان الإسلامية في أي مباراة، سمعت وقرأت وشاهدت من وسائل الإعلام، من الإطراء والمبالغة في الثناء وإظهار الفرح والسرور بذلك، ما يربو على الاحتفاء بالنصر في المجالات العليا: السياسة، والاقتصادية، والجهادية، بل تشعر أنهم قد حققوا فَتْحا من الفتوحات الإسلامية التي كان يحققها سلفنا الصالح، عندما كان في قمة العزة والمجد. وترى على إثر ذلك الفوز المسيرات المزعجة في الشوارع والساحات، مع رفع البيارق والرايات والأعلام، ومع التصفيق والرقص والتزمير بأبواق السيارات إلى درجة إقلاق الناس ومضايقتهم في منازلهم، وطرقهم ومحلاتهم التجارية. وبذلك ينقدح في أذهان الناس وعقولهم، أن هذا هو النصر المؤزر الذي يجب أن يحققه شبابهم لبلدانهم التي يحتل الأجنبي اليهودي قلبها - فلسطين - دون أن تنوه وسائل الإعلام بما يجب أن يعده له المسلمون من الجهاد في سبيل الله الذي حجبت هذه الإشادة بالرياضة عقول الشباب من التفكير فيه. الأسلوب الثاني: الاهتمام المبالغ فيه بالرياضة والرياضيين.

стр. 632

ويتبين ذلك في الإنفاق السخي على مرافقها، وبحضور مناسباتها افتتاحا واختتاما، واستقبال اللاعبين بالحفاوة والتكريم وبالجوائز والهدايا التي يغدقونها عليهم، وبنقلهم في طائرات خاصة إلى أي مكان في العالم، وإنزالهم في أفخم فنادق الدرجة الأولى - ذات النجوم الخمسة! - ومستلزمات ذلك كله. وهذا الاهتمام وهذا التقدير لا ينالهما كثير من المؤتمرات والندوات والمناسبات الإسلامية في وسائل الإعلام، فيرى الأطفال والمراهقون والشباب والآباء والأمهات ما يحظى به الرياضيون من الاهتمام والتكريم، ويرون الإهمال أو شبهه لمن عداهم ممن هم عدة مستقبل بلدانهم، فيتمنى الصغار والمراهقون وكثير من الشباب وأقاربهم تلك الحظوة التي تنقلها لهم وسائل الإعلام بالصوت والصورة والسطور، وبذلك تحتل الرياضة العقول بدلا من أن تحتلها الأهداف العليا التي تحتاج الأمة الإسلامية إلى تحقيقها لإخراجها مما هي فيه من الذل والهوان. ومن ذلك ملايين الدولارات لاستئجار لاعبين مشهورين بالنجاح المنشود، لينضموا إلى فريق أو ناد لترتفع بهم سمعة الفريق أو النادي، أو مدربين أجانب من اليهود أو النصارى ليرتقي بتدريبهم اللاعبون.

стр. 633

وترى في مقابل ذلك رجال الطب، والمهندسين، وأساتذة الجامعات والمتخصصين في العلوم النادرة، كعلوم الذرة وغيرها تصرف لهم مرتبات قد لا تفي بحاجاتهم، وترى وسائل الإعلام تبرز اللاعبين والمدربين إبرازا مستمرا مبالغا فيه، وترى رجال العلم مغمورين لا يدري عنهم إلا الفئة الجادة القليلة التي عرفت قدرهم وأخذت تتلقى على أيديهم علومهم، أما عامة الناس فلا يعرفون عنهم شيئا، وبذلك يزهد الناس في هؤلاء العلماء وعلومهم، ويتجهون للاعبين والمدربين، لأن اكتساب الشهرة باتباع طريقهم والقرب منهم سهل ميسور، فلا يتعبون أنفسهم ويكدون عقولهم في تلك العلوم الصعبة التي لا ينالون منها الشهرة ولا المال الذين ينالهما اللاعبون ومدربوهم؟ وبهذا تحتل الرياضة وأهلها العقول بدلا من أن تحتلها العلوم النافعة وأربابها.! اهتمام الكاتب بالرياضة.

стр. 634

هذا وليعلم أن الكاتب ليس من المستهينين بالرياضة من حيث هي، ولا بأهلها، كيف وهو أول من جد واجتهد في تكوين فرق رياضية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وطالب وألح على المسؤولين فيها، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، باستقدام مدربين رياضيين لطلاب الجامعة ونجح في ذلك فعلا، في وقت كان بعض العلماء يصرحون بتحريم كرة القدم لما يحيط بها من منكرات، ومن أهمها اللعب في أوقات الصلوات وعدم أداء الصلاة حتى يخرج الوقت، ومنها كشف العورات بلبس السراويل القصيرة وغير ذلك وسعى الكاتب - وكان مسؤولا عن شؤون الطلاب في الجامعة إلى اشتراك فرق طلاب الجامعة في المباريات مع طلاب الجامعات الأخرى في المملكة العربية السعودية، وحاول - ونجح - في إقامة الصلوات في داخل الملاعب الرياضية وإدخال نشاطات أخرى مع الرياضة، منها مسابقات القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة المطهرة، والنشاط الكشفي ومسابقة الشعر وغيرها، وكان لذلك أثره في الأوساط الرياضية لا زال بعضه موجودا إلى الآن. ولعل في ملفات شئون الطلاب القديمة في الجامعة من الوثائق ما يثبت اجتهاد الكاتب في إدخال الرياضة في الجامعة.

стр. 635

أقول: إن الكاتب ليس من المستهينين بالرياضة ولا بأهلها، بل إنه يمارسها هو بنفسه إلى وقته هذا الذي يكتب فيه هذه السطور، ويعلم ما فيها من فائدة لتقوية الأجسام وتخفيف الوزن من السمنة المتعبة، ولكنه ضد المبالغات في الرياضة إلى درجة إشغال الشعوب الإسلامية بها وتبديد أموالها فيها، وتكريم اللاعبين والمدربين أكثر من تكريم علماء الإسلام والمتخصصين في العلوم النافعة لبلدان المسلمين، بل وأكثر من الجيوش التي تحرس هذه البلدان وتدافع عنها، والإشادة بالرياضة والرياضيين والغض من شأن الجهاد والمجاهدين، مع حاجة الأمة الإسلامية إلى رفع راية الجهاد للدفاع عن أرضها ومقدساتها وأعراضها التي تنقل وسائل الإعلام صورا محزنة منها، ويناشد بعضُ المسلمين أعداءَ المسلمين من اليهود والنصارى والوثنيين - الذين هم وراء كل تلك المآسي والكوارث - أن ينصروا المسلمين ويرفعوا عنهم ذلك الاعتداء! ويوجهون شباب المسلمين إلى الملاعب الرياضية بدلا من توجيههم إلى إعداد أنفسهم إعدادا جهاديا يتدربون على السلاح وصنعه مع نية التقرب إلى الله، ليدفعوا عن أعراضهم وأراضيهم.

стр. 636

الكاتب هو ضد هذه الحالة المزرية التي لو تنبه لها شباب المسلمين الذين ألهتهم الرياضة وتسليط وسائل الإعلام الأضواء عليهم، لَخَجِلوا مما هم فيه ونأوا بأنفسهم عن هذا الإلهاء والتحقوا بالمجاهدين في سبيل الله، للدفاع عن الأعراض المنتهكة والأراضي المحتلة والمقدسات المهدمة، فهل يعي المسؤولون عن الأمة الإسلامية، وهل يعي شبابها وشعوبها هذا الخطر المحدق الذي صرف عقولهم عن معالي الأمور وعن العزة إلى سفاسف الأمور وأسباب الذلة؟!

стр. 637

المظهر الخامس: عدم ثبات الولاء والبراء . إن الأصل في المسلم أن يكون ثابت الولاء للحق - لله ولرسوله وللمؤمنين - ثابت البراء من الباطل - من الشيطان وأوليائه الكافرين - ملتزما بالإيمان الصادق والعلم النافع والعمل الصالح، مناصرا للحق واقفا ضد الباطل في كل الأحوال، ولكن غالب وسائل الإعلام لا عقيدة لها ثابتة، ولا ولاء لها دائم، ولا تلتزم الصدق في كثير من الأمور. فالعدو الذي تصب عليه جام غضبها فترة طويلة من الزمن، لكفره - في نظرها - أو عدوانه، أو فساد مبدئه أو فسقه أو سوء سياسته وقبح تصرفه، يصبح صديقا حميما بين عشية وضحاها، وهو لا يزال على ما هو عليه من المبدأ والفسق وسوء السياسة وقبح التصرف.

стр. 638

والصديق المؤمن - في نظرها - المنصف ذو السياسة الحسنة والتصرف الحميد الذي ظلت تلك الوسائل تثني عليه وتمدحه وتبالغ في الثناء عليه ومدحه، يصبح بين عشية وضحاها عدوا لدودا، وهو لا يزال على إيمانه وإنصافه وسياسته الحسنة وجميل تصرفه، والعداء للأول ينقلب ولاء، والولاء للثاني ينقلب عداء، جريا وراء إرضاء أهواء أعداء الحق المتقلبة - حسب المصالح التي يظنون أنهم يحققونها من تلك التقلبات التي قد تكون في حقيقة الأمر إرضاء لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى في الدول الغربية. وهذه التصرفات الإعلامية المتقلبة تؤثر على عقول عامة الناس، بل إنها تبلبل عقول بعض من يظنون أنفسهم مثقفين، وتجعلها تضطرب وتوالي من والته أجهزة الإعلام، وتعادي من عادته بشعور وبغير شعور، والذي يتابع الأحداث في تلك الوسائل لا يخفى عليه هذا الأمر.

стр. 639

ولعل مثالا واحدا نذكره باختصار يكفي لإيضاح هذا المظهر، فالحكومات في الشعوب الإسلامية ظل إعلامها - غالبا، ولو في الظاهر - يذكر دولة اليهود بالعدو المحتل، أو العدو الإسرائيلي وينقل - هذا الإعلام - القرارات المتكررة بمقاطعة جميع الشركات اليهودية أو المتعاملة مع اليهود - وإن كانت بعض الدول المتسلطة على الشعوب الإسلامية تتعامل في واقع الأمر مع الدولة اليهودية مباشرة أو بوساطة شركات - وكان - هذا الإعلام - يصرح بأنه لا مكان للعدو اليهودي في قلب العالم الإسلامي أو العربي. ثم جاءت فترة تراجع فيها هذا الإعلام، فأخذ يصرح بأنه لا اعتراف بالدولة اليهودية ولا سلام إلا بانسحابها من الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧م وحصول الفلسطينيين على تقرير مصيرهم بإقامة دولتهم في أرضهم: الضفة الغربية وقطاع غزة، على غرار ما حصل للمسلمين في الهند: باكستان الشرقية وباكستان الغربية اللتين تفصل بينهما الهند بمسافات شاسعة كانت نتيجتها انفصال الدولتين بترتيب هندي....

стр. 640

ثم انتقل الإعلام الحكومي في كثير من الدول الحاكمة للشعوب الإسلامية للرضا بمدينة (أريحا أولا!) وبعض الأميال من غزة، مع ما زرع فيهما من مستوطنات يهودية مسلحة، ومع إحاطة الجيش اليهودي بهما، ومع السيادة اليهودية الكاملة عليها، وبعد الاتفاق السري بين ما سمي بمنظمة التحرير واليهود سكت الإعلام الحكومي عن ذكر اليهود بالعدو، فلا يصف دولة اليهود إلا بما سمت به نفسها: "إسرائيل" وأخذت وسائل الإعلام تمهد لإعلان إلغاء مقاطعة الشركات اليهودية رسميا، أما في الواقع فقد باشرت بعض الدول هذا الإلغاء وتم لقاء مسئوليها مع اليهود سرا أو جهرا. (١) وكان إعلام حكومات الشعوب الإسلامية يكرر كلمة: العدو الصهيوني ويتحاشى بعضه ذكر العدو اليهودي، بل يصرح بأنا لا نعادي اليهود لأنهم أبناء عمنا، ولكنا نعادي الصهيونية، إلا أن هذا الإعلام تخلى فجأة عن ذكر العدو الصهيوني أيضا، إرضاء لدول الغرب التي أصدرت عن طريق الأمم المتحدة - وهي واجهة الغرب وبوقه - قرارا باعتبار أن الصهيونية ليست عنصرية!.

стр. 641

وهكذا مدينة القدس كان الإعلام في الدول الحاكمة للشعوب الإسلامية يصرح بأنها عاصمة فلسطين، وأن بيت المقدس لا بد أن يكون بأيدي المسلمين، ولكن هذا الإعلام بدأ يفتر الآن عن تصريحاته وإن كان بعضه لا زال بين حين وآخر يذكر القدس على استحياء. ومما يدل دلالة واضحة أن الإعلام في الدول المسيطرة على العالم الإسلامي، الذي لا يوجد له ولاء ثابت يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، يصف المجاهدين في فلسطين بالمتطرفين ويقف ضدهم في صف دول الغرب، والدول العلمانية والأحزاب العلمانية في الشعوب الإسلامية ومنها فلسطين.

стр. 642

ومما يدل على ذلك أن وسائل الإعلام المذكورة لا تكاد تذكر مجاهدي الفلبين المتمسكين بالإسلام، وهم الذين تضمهم جبهة تحرير مورو الإسلامية التي تدعو إلى تحرير جنوب الفلبين وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيه، ويرأسها الشيخ سلامت هاشم الأزهري، ولكن تلك الأجهزة تهتم بجبهة تحرير مورو الوطنية التي يرأسها نور مسواري (ياسر جنوب الفلبين!) ، وهو يتقرب إلى الحكومة النصرانية في الفلبين ويريد أن يعقد صلحا معها (١) على أساس علماني وعلى حساب الجبهة المجاهدة، ولا تجد هذا الإعلام دائما - إلا في حالات استثنائية مؤقتة لغرض خاص - في صف الإسلام ودعاته، وإنما يكون ضد الإسلام وضد دعاته في صف عدوه من اليهود والنصارى والوثنيين والأمثلة على ذلك لا تحصى كثرة، وما على من يريد التأكد من ذلك إلا أن يشاهد ويسمع ويقرأ ما تيسر له من وسائل الإعلام.

стр. 643

المظهر السادس: تقليد أجهزة الإعلام الأجنبية، في المصطلحات . ومن تلك المظاهر تقليد أجهزة الإعلام التابعة للدول الحاكمة للشعوب الإسلامية لأجهزة الإعلام النصرانية واليهودية والشيوعية، والوثنية في الغرب أو الشرق، في إدخال المصطلحات التي ترددها هذه الأجهزة الكافرة ضد الإسلام والمسلمين في قاموس تلك الأجهزة الإعلامية المقلِّدة. مصطلح الأصولية. ومن ذلك مصطلح: (الأصولية (١)) التي تطلق في الغرب على فئة معينة من النصارى البروتستانت، الذين يتمسكون بظواهر نصوص محرفة تمسكا جامدا، ويحكمون على كل من يخالف ظواهر نصوصهم تلك من النصوص المحرفة أيضا عند الفئات النصرانية الأخرى بأنهم على باطل، وأن الحق هو ظواهر نصوصهم المحرفة فقط، ويقفون موقفا متشددا ضد كل من يخالفهم، ويتسم تشددهم بالعنف.

стр. 644

هذا المعنى المولود في الغرب أطلقه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى على كل من تمسك بالإسلام تمسكا صحيحا ودعا إليه، وهو - بهذا المعنى - إطلاق ظالم جائر، لا أصل له في القاموس الإسلامي، بل إن كلمة (أصول) في الشريعة الإسلامية تطلق على علم يروض العقل على البحث والاستنباط، انطلاقا من قواعد يندر وجود مثلها في أي دين أو أي علم عند غير المسلمين، إنه علم أصول الفقه الذي هو ميزان دقيق يضبط منهج الفقيه في استنباط الأحكام، ويعصمه من الزلل في اجتهاده، يعلم ذلك كله من له إلمام بهذا العلم العظيم من المسلمين وغيرهم، ولذلك تطلق كلمة: "أصولي" على المتخصص في هذا العلم، وجمعه: "أصوليون" والذي يتقن هذا العلم يصول ويجول في ميدان الفقه المستنبط من القرآن والسنة وهو متحرر العقل من التقليد الأعمى، عارف أين يضع قدمه آمن من المزالق التي يقع فيها من يجهل هذا العلم، مقدر للمصالح الراجحة والمفاسد حق قدرها، ويكفي من أراد الوقوف على حقيقة ذلك قراءة جزء من المقاصد من كتاب "الموافقات" للإمام الشاطبي ﵀، هذا هو الأصولي عند المسلمين.

стр. 645

وقد يطلق على العالم المتضلع في العقيدة (الإيمان) وقد يسمى فيلسوفا - والأصل أن يسمى حكيما - ومع ذلك أطلق أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم كلمة أصولي أو أصوليين، على علماء الإسلام وأتباعهم من المتمسكين بالدين الداعين إليه بالموعظة والحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، كما أطلقوا على الدعوة إلى الإسلام وتطبيقه في العالم الإسلامي كلمة "أصولية" التي يعلمون أنها مصطلح غربي ينفر من يسمعه من أهل الغرب، والهدف من ذلك تلبيس الإسلام والمسلمين بثوب لم يفصل عليهما، وإنما فُصِّل على مبدأ يجافي الإسلام ويضاده وعلى فئة بعيدة كل البعد عن الجماعات الإسلامية، وذلك للتنفير من الإسلام والمسلمين والتخويف منهما والتحريش عليهما لمحاربتهما. وقد راق هذا المصطلح لأجهزة الإعلام العلمانية في البلدان الإسلامية، فأخذوا يرددونه في وسائل إعلامهم كلها في كل مناسبة وأخذوا يطلقون هذا المصطلح ظلما وعدوانا على علماء أجلاء يستحقون أن يوصفوا بالأصوليين حسب المصطلح الإسلامي السابق الذكر، لا بحسب هذا المصطلح الغربي الظالم، كما أطلقوه على جماعات أبعد ما تكون عن هذا المعنى.

стр. 646

وعلى سبيل المثال نذكر حزب الرفاه الذي يرأسه المهندس " نجم الدين أربكان " والذي له فترة طويلة يزاول السياسة ويدخل في الانتخابات ويفوز بأصوات تمكنه من المشاركة في الحكم، وقد يفوز بأصوات ولا يتمكن بها من المشاركة في الحكم وهو الغالب، ولم يصدر منه شيء من الاعتداء على أحد، بل يُعتدى عليه في وسائل الإعلام ويحارَب حربا شعواء لا يحاربها حزب آخر من الأحزاب التركية المعترف بها، ومع ذلك إذا فاز ببعض البلديات المهمة ارتفعت الأصوات المعادية للإسلام واصفة له بالأصولي المتطرف، مع أن هذا الحزب لشدة اعتداله واعترافه بالقومية التركية وعزمه على نقل النافع من الحضارة المادية الغربية إلى بلاده، أخذ بعض الكتاب الذي يعترفون بوجود أصوليين في الجماعات الإسلامية بالمفهوم الغربي السابق - أخذوا يدافعون عن حزب الرفاه ويبرؤونه من الأصولية المذكورة (١) .

стр. 647

ومن ذلك كلمة "التطرف" التي تطلق على الفرد المسلم الملتزم بدينه والآمر به الناهي عما نهى عنه، بل إن كلمة التطرف يطلقونها على الجماعات التي هي أشد بعدا عن الدخول في المسائل الخلافية بين المسلمين، مثل جماعة الدعوة والتبليغ التي نشأت في الهند، وعليها بعض المآخذ، ولكنها تحاول أن لا تتدخل في السياسة الشرعية الإسلامية، ولا في الخلافات المذهبية الفقهية أو غيرها، حرصا منها على أن تهدي الناس - بحسب ما تفهمه من الإسلام - إلى التمسك بالشعائر العبادية والأخلاقية والزهد في الدنيا، ومع ذلك يعتقل أفرادها في بعض البلدان الإسلامية، وهم كعادتهم يتعبدون في المساجد لا يؤذون أحدا، ويوصفون بأنهم متطرفون والعالم كله يعلم أن هذه الجماعة لا توجد جماعة مثلها يمكن أن توصف بالهدوء والبعد عن كل ما يثير الناس حتى إنها كانت - ولا زالت - تذهب إلى البلدان الغربية والشيوعية وتقيم فيها المؤتمرات الحاشدة، ولكنها في كثير من البلدان الإسلامية التي تحكمها الدول العلمانية جماعة متطرفة! (١) .

стр. 648

ونحن لا ننكر أنه يوجد غلاة من بعض الأفراد أو بعض الجماعات التي وجدت في العالم الإسلامي، لظروف معروفة من أهم أسبابها الغلو العلماني من طغاة الحكم، ولكننا نأبى إقرار أمرين: الأمر الأول: إطلاق كلمة أصولي - بالمفهوم الغربي - على أي فرد مسلم أو جماعة إسلامية مهما بلغ تطرفها ومهما وقفنا ضد تطرفها؛ لأن هذا المصطلح أجنبي وعندنا مصطلحات إسلامية تغني عنه مثل: الغلاة وذوو العنف أو الخوارج، إذا وجدت الصفات والشروط التي لا يصح الإطلاق بدون وجودها. الأمر الثاني: إطلاق لفظ التطرف على كل ملتزم بدينه داع إليه على الوجه المشروع في الكتاب والسنة، سواء أكان الملتزم الداعي فردا أو جماعة، وعلى مسؤولي وسائل الإعلام في البلدان الإسلامية أن يقلعوا عن هذا الجناح العظيم، وإلا فليعلموا أنهم - إن لم يقلعوا عن ذلك - قد أصبحوا في صف أعداء الله ورسوله الذين يشاقون الله ورسوله ويوالون أعداء الله ورسوله، ويتبعون غير سبيل المؤمنين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) .

стр. 649

مصطلح الإرهاب والإرهابي ومن ذلك: إطلاق لفظ: "إرهابي" - نسبة إلى "إرهاب" - على كل من تمسك بالإسلام ودعا إلى العمل به والحكم بشريعته، وإلى إعداد المسلمين العدة لإقامة هذا الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، وحذر من تآمر أعدائه عليه وعلى أهله. وقد انتشر هذا المصطلح - أصلا - من أجهزة الإعلام الغريبة، وبخاصة بعد تفكك الدول الشيوعية - الاتحاد السوفييتي - والهدف من ذلك توجيه قادة الغرب الحرب الشاملة على الإسلام والتنفير منه، والتخويف منه بعد أن رأوه ينتشر بسرعة في معاقل العلمانية الغربية، ورأوا بيوت الله تنافس كنائس النصرانية في ديارها، كما رأوا كثيرا من شباب المسلمين المؤهلين في جميع التخصصات، وفي أنحاء الأرض كلها، يعودون إلى التمسك بدينهم بقوة، ورأوا الشعوب الإسلامية تتطلع إلى تطبيق شرع الله، بدلا من قوانين الغرب التي فرضت عليهم بالقوة. ويعلم قادة الغرب من الباحثين والسياسيين والعسكريين وغيرهم، أن مبادئ الأرض كلها، لا قدرة لها على مواجهة هذا الدين، ما بقي سليما صافيا من التحريف والتبديل، وما بقي له رجال يحملونه، إيمانا وعلما وعملا ودعوة وإعدادا وعدة للدفاع عنه وتبليغه إلى الناس كافة.

стр. 650

وقد حاول أعداء هذا الدين تحريف نصوصه وتشويه معانيه قديما وحديثا، فلم يفلحوا في ذلك؛ لأن الله تعالى قد تولى حفظه بنفسه، وهيأ له من يحميه من علماء الأمة جيلا بعد جيل. ولهذا ترى قادة الباطل يبتكرون في كل عصر ما يحاربون به دين الله، من الوسائل المعنوية والمادية، وحربهم له بالوسائل المعنوية أشد على المسلمين من الوسائل المادية. ذلك أن الوسائل المعنوية تشكك جهلة المسلمين في دينهم، وتؤثر في عقول بعض الغافلين من المنتسبين إلى العلم، ممن لا يتنبهون لكيدهم، كما أن تلك الوسائل تنفر غير المسلمين من الإقبال إلى الإسلام والتعرف على ما فيه من المحاسن، لينقذوا أنفسهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان.

стр. 651

ومن أهم وسائلهم المعنوية التي اجتهدوا في تضليل المسلمين واستغفالهم بها، وفي تنفير غير المسلمين عن التعرف على الإسلام والدخول فيه، مصطلحا: "إرهاب وإرهابي" اللذين تلقاهما منهم كثير من المسلمين من الكتاب والإعلاميين والسياسيين، وغيرهم وأخذوا يطلقونهما على كل فرد أو جماعة أو دولة تدعو إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين، وتنادي بإعداد العدة لجهاد المعتدين، على ضرورات حياة الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى والوثنيين. وأصبح الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر من علماء الأمة الإسلامية ودعاتها - الذين يحثون المسلمين على إعداد العدة لإرهاب أعدائهم، والدفاع عن أعراضهم وأوطانهم وأموالهم، في فلسطين، وفي كشمير، وفي إريتريا، وفي الصومال، وفي الفلبين، وفي البوسنة والهرسك، وفي الشيشان ... ومن يمد لهم يد العون بالمال - إرهابيين تجب محاربتهم والتضييق عليهم، والوقوف ضدهم في صف أهل الباطل المعتدين على كل حق من حقوق المسلمين.

стр. 652

وغفلوا أو تغافلوا عن نصوص القرآن والسنة، ومقاصد الشريعة الإسلامية الرامية إلى تحقيق العزة لهذه الأمة، العزة التي تقيها من أن يجعل الله للكافرين عليها سبيلا، وأن العزة لا تتحقق لهم إلا بإعداد العدة المستطاعة التي ترهب أولئك الأعداء، وتحول بينهم وبين العدوان على مقدساتهم وحرماتهم.

стр. 653

وحققوا بذلك ما تمناه أهل الباطل من تفوقهم على المسلمين في مجال العلم والاقتصاد والسياسة والإعلام والسلاح وغيرها، ومن ضعف المسلمين وذلتهم، ليكونوا أتباعا لهم يصرفون شؤونهم كما يريدون؛ لأنهم قد سلبوا هذه الأمة سلاح إرهابها عدوها بإعداد العدة، وأحرزوه لأنفسهم، فاختلت الموازين، وأصبح المسلمون الذين شرع الله لهم إرهاب عدوهم أذلة، وأصبح أعداؤهم من أهل الباطل أعزة عليهم مستقلين بإعداد العدة التي ترهب المسلمين، بدلا من الأصل الذي أراده الله، وهو: إرهاب أعدائه الكافرين، وفي ذلك إبطال لأمر الله الشرعي، الذي سجله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ . (١) وطمس لقول الرسول ﷺ : «ونصرت بالرعب» . (٢)

стр. 654

ومعلوم بداهة أن الذي يملك القوة التي يرهب بها عدوه تكون له القيادة في الأرض، وأن الذي لا يملك تلك القوة المرهبة يكون مستضعفا ذليلا، والأصل أن تكون العزة لصاحب الحق، والذلة لصاحب الباطل!. فهل يليق بالمنتسبين إلى الأمة الإسلامية "أمة الحق" وبخاصة من يعد من المثقفين، أن يستخفهم أهل الباطل ويجندوهم لتحقيق مآربهم، فيستعملوا مرافق المسلمين من وسائل الإعلام وتأليف الكتب، لإعانة أعدائهم عليهم، وتضليل المسلمين والعبث بعقول جهالهم، بتشويه المصطلحات الشرعية الواردة في القرآن والسنة، وجعل الحق منها باطلا؟! وليت الذين خدموا أعداء الحق وأنصار الباطل بنشر مصطلحاتهم المشوهة للإسلام والمنفرة منه - كالإرهاب والإرهابي - اطلعوا على شكوى بعض الغربيين الذين دخلوا في دين الإسلام من هجوم قومهم عليهم بتلك المصطلحات الظالمة، ليخجلوا من مسارعتهم - متعمدين أو مستغفلين - إلى الوقوف في صف أهل الباطل باستعمال مصطلحاتهم ونشرها وإطلاقها على غير أهلها. شكوى بعض المسلمين في الغرب من تلك المصطلحات الظالمة.

стр. 655

ولنذكر - على سبيل المثال - شكوى المسلم الألماني الدكتور " مراد هوفمان " (١) من إطلاق أعداء الإسلام مصطلح "إرهابي" على المسلم الذي يشتبه في صدور عنف منه، دون غيره من أهل الديانات والمبادئ الأخرى. قال: (فالإعلام الغربي يقف على خلفية صلبة من العداء للإسلام، ولديه قرون استشعار انتقائية لكل همسة تنسب للإسلام، ولديه مصطلحات خاصة جدا، لا يستخدمها إلا للإسلام والمسلمين. فمثلا لم نقرأ في صحيفة أوروبية - أيا كانت - مصطلح "إرهابي" أطلقته على شخص يهودي أو مسيحي ... ولكن نقرأ "إرهابي مسلم" وهذا المصطلح ملأ صفحات الجرائد الأوروبية والأمريكية خلال تغطيتها لحادث تفجير المركز التجاري العالمي بنيويورك في مطلع عام ١٩٩٣م. وإذا حدث وهاجم إرهابي خارج العالم الإسلامي هدفا ما، جاءت التقارير الصحفية بمصطلح "مقاتل، محارب، فدائي" ولن نقرأ أبدا مصطلح "إرهابي كاثوليكي" أو "متعصب مسيحي" أو "إرهابي هندوسي" حتى الهجوم بالغاز في مترو طوكيو في مارس ١٩٩٥م نسب إلى راديكاليين!!) . (٢) العلوم النظرية.

стр. 656

ومن ذلك: إطلاق لفظ (العلوم النظرية) على كافة العلوم الإسلامية، حيث يقال عند المقارنة بين العلوم الإسلامية، وغيرها من العلوم المادية - التي هي من فروض الكفاية في الإسلام -: العلوم النظرية والعلوم التطبيقية، مع أن الدين الإسلامي كله تطبيق وعمل في حقيقة الأمر، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان الشرعي يشمل الاعتقاد والقول والعمل، وعلى ذلك جماهير علماء الإسلام. (١) وإذا تأمل الباحث أبواب الإسلام - أصوله وفروعه - وجد غالبها عملية، فالطهارة عمل، والصلاة عمل، والزكاة عمل، والحج عمل، والصيام عمل، والجهاد - إعدادا وتنفيذا - عمل، والبيع والشراء المشروعان، والشركات بأنواعها عمل، والقضاء والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل، والتعاون على البر والتقوى عمل، وهكذا ما قد يظن الجهال أنه ليس من الإسلام كالصناعة والزراعة والتطبيب وغيرهما، وكل باب من أبواب الاقتصاد عمل، والتعليم والإعلام والسياسة الشرعية، كل ذلك عمل.

стр. 657

ويجب أن يعلم أن كل أعمال المسلم - سواء منها ما كان من العبادات أو من المعاملات هي من الإسلام، يثاب على فعلها أو تركها إذا قصد العبد بفعلها التقرب بها إلى الله، والأدلة متضافرة على ذلك، وقد بسط العلماء القول فيها. ويكفي أن تعلم أن أعمال العبد كلها لا تخرج عن الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه، وهي الأحكام الشرعية التي بينها علماء أصول الفقه في كتبهم، فمن فعل الواجب أو المندوب أو المباح قاصدا بذلك التقرب إلى الله أثابه الله على ذلك، ومن ترك المحرم والمكروه قاصدا به وجه الله أثابه الله على ذلك، ومن فعل المحرم عاقبه الله على فعله، ومن ترك الواجب عاقبه الله على تركه. وهذا يدل على أن ذلك كله عبادة، وهو عمل وتطبيق ... وتقسيم العلماء أبواب الشريعة إلى عقائد وعبادات ومعاملات، إنما فصدوا به تقريب أبواب هذه الشريعة لطلاب العلم، وإلا فكلها دين وكلها إسلام، وإن اعتبر بعضها أصولا وبعضها فروعا.... فكيف يقال بعد هذا كله: إن العلوم الإسلامية نظرية غير تطبيقية؟! وإن الذين يطلقون هذا المصطلح على علوم الإسلام لا يخلون من إحدى طوائف ثلاث:

стр. 658

طائفة ماكرة من أهل الباطل الذين يتعمدون هذا الإطلاق، للتهوين من شأن الإسلام، وأنه من الأمور النظرية التي لا تتوقف حياة المسلمين وتقدمهم على تطبيقها، وهذا هو منهج من يسمون بالعلمانيين، بدليل أنهم يحاربون تطبيق الشريعة الإسلامية والدعاة إلى ذلك التطبيق. وإنما تعمدوا هذا الإطلاق ليغرسوا هذا المعنى - وهو تهوين شأن الإسلام - في عقول أبناء المسلمين ... وطائفة جاهلة تلقفت هذا المصطلح من الطائفة السابقة، وأطلقته دون وعي لمقاصد أهل الباطل في هذا الإطلاق. وطائفة غافلة، أي إنها أطلقت هذا المصطلح عن غفلة - بسبب التضليل الإعلامي - وليس عن جهل، فإذا نبهت على خطر هذا الإطلاق نبذته وحذرت منه. ما رتبه أهل الباطل على هذا الإطلاق: وقد رتب أهل الباطل على هذا الإطلاق نتيجتين خطيرتين: النتيجة الأولى: تهوين شأن الإسلام كما مضى. والنتيجة الثانية: أن تقدم الأمة إنما يتوقف على العناية بالعلوم العملية التطبيقية. وهي التي تمس حياة الناس ويتوقف على إحرازها تقدم الشعوب، بخلاف العلوم النظرية، وعلى رأسها العلوم الإسلامية وما يخدمها.

стр. 659

ويكفي أن يذكر المسلم الحرب الشعواء على مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد الأئمة والخطباء والقضاة في بعض البلدان الإسلامية - ومنها تركيا - أليس المسلمون في حاجة إلى مفتين وقضاة شرعيين وأئمة وخطباء وأساتذة لتعليم أبنائهم العلوم الإسلامية وما يخدمها كاللغة العربية بفروعها، والحضارة الإسلامية عبر التاريخ.... كحاجتهم - بل أشد - إلى أطباء ومهندسين وصناع ... ؟! وقل من تنبه لخطر هذا الإطلاق في وسائل الإعلام المضللة وحذر منه، بل أصبح كثير من الكتاب والأدباء والمؤلفين والإعلاميين يستعملونه، وصار عند عامة المسلمين من المسلمات التي لا تناقش. ولا شك أن هذا من تخطيط أهل الباطل في سباقهم بباطلهم إلى عقول أبناء المسلمين. عبدة الشيطان!

стр. 660

ومن ذلك: مصطلح: (عبدة الشيطان) الذي اهتمت به وسائل الإعلام في هذه الحقبة من الزمن، حيث أطلق على من سموا أنفسهم بذلك، ممن ظهروا في بعض البلدان الإسلامية والغربية، ويوهمون كثيرا من الناس - ومنهم بعض المسلمين - أنه لا يطلق هذا اللفظ إلا على أمثال هؤلاء ممن يصرحون بأنهم يعبدون الشيطان، مع أن هذا اللفظ يطلق في القرآن وفي السنة على من اتبع سبل الشيطان مخالفا أمر الله وصراطه المستقيم شاملا لعدد كبير ممن ينتسبون إلى الإسلام بأسمائهم ويحاربونه بسلوكهم.

стр. 661

والذي يتتبع بعض الآيات القرآنية يتبين له أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام الذين لا يصرحون بأنهم من عبدة الشيطان، بل قد يستعيذون منه ويلعنونه، هم أشد عبادة للشيطان ممن يصرحون بأنهم يعبدونه، وبخاصة أولئك الطغاة الذين حرموا الشعوب الإسلامية من التمتع بحكم الله الذي أنزله في كتابه وسنة رسوله ﷺ وأحلوا محله الحكم بالطاغوت، بل إن هؤلاء هم السبب الرئيس لظهور من يصرحون بعبادة الشيطان، لأنهم لو حكموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في حياة الناس لأوجدوا المناخ الإسلامي الذي يقي المسلمين - وغيرهم - من اتباع خطوات الشيطان، وقضوا بذلك على الوسائل الداعية إلى عبادة الشيطان ... ولكنهم - مع تمجيد وسائل الإعلام لهم - لم يدَعوا خطوة من خطوات الشيطان إلا خطوها، ولا سبيلا من سبله إلا سلكوها. والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١)

стр. 662

ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١) . ويقول: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) . ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) .

стр. 663

ومن أعظم خطوات الشيطان التحاكم إلى الطاغوت الذي فرضه الطغاة على الناس فرضا في كل شأن من شؤون حياتهم، والقرآن الكريم يدل على تكذيب من يدعي الإيمان وهو يتحاكم إلى الطاغوت، ويدل على أن من أطاع غير الله في تحليل ما حرم أو تحريم ما أحل قد عبد غيره تعالى. فكيف بمن شرع للناس تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله وفرض ذلك فرضا على الناس، وفرض عليهم التحاكم إلى الطاغوت بسطوته وسلطانه.؟! قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ . (٢)

стр. 664

المظهر السابع: محاصرة كل وسيلة إعلامية تحمل الحق . وكما تفتح أجهزة الإعلام الأبواب لأفكار أهل الباطل الفاسدة، لتصل إلى عقول الناس، فإنها تحاصر أفكار أهل الحق من أن تصل إلى تلك العقول. وذلك باتباع الأسلوبين الآتيين: الأسلوب الأول: عدم الإذن بالمطبوعات التي تتضمن بيان الحق وفضح الباطل. سواء كانت تلك المطبوعات كتبا أو جرائد ومجلات، أو منشورات، تمنع طبعا وبيعا وتوزيعا في داخل الشعوب الإسلامية التي يحارب حكامها الحق. الأسلوب الثاني: استنفار جيش الجمارك لمنع وسائل الحق.

стр. 665

نعم يستنفر قادة الباطل جيشا كبيرا من الموظفين في إدارات البريد والجمارك الجوية والبرية والبحرية، لرصد المطبوعات وشرائط الكاسيت والفيديو التي ترد إلى الشعوب الإسلامية - ولو كانت من بلد إسلامي - وهي تحمل الحق، فتصادر وتمنع من الوصول إلى عقول الناس في داخل تلك الشعوب، مع تيسير دخول الوسائل المماثلة التي تحمل الباطل، بحيث تغرق بها المكتبات التجارية وتكون في متناول الأفراد والأسر، وكذلك تسهل سبل نشر الكتب والجرائد والمجلات وأشرطة الكاسيت والفيديو التي تنشر الباطل سواء أكان عقديا أو فكريا أو أخلاقيا، يؤذن بطبعها وبيعها وتوزيعها، وقد تتولى إدارات الإعلام في تلك الشعوب الإسلامية توزيع تلك الوسائل مجانا إمعانا في نشر الباطل ومحاصرة الحق. وتَدعمُ محاصرةَ الحق والحجر على العقول منه، بمنع كل وسيلة إعلامية تحمله، ونشر الباطل وتسهيل كل وسيلة تحمله إلى عقول الناس، أنظمةٌ إعلامية وأجهزة إدارية تنفيذية ظاهرة وخفية تسهر على تنفيذ المخطط الآثم الذي قصد به الحجر على العقول من أن يصل إليها الحق، وفتح الأبواب للباطل ليستقل بتلك العقول.

стр. 666

بل إن بعض محاربي الحق الداعمين للباطل في بعض البلدان الإسلامية، يحاربون من أعلن توبته إلى الله من الأعمال التي تصرف عقول الناس عن الحق إلى الباطل، ويمنعون كتبهم ومذكراتهم بسبب توبتهم، خشية من أن يكثر التائبون إلى الله ويقل رواد الفتنة وناشرو الفواحش والداعون إلى المنكرات، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١) .

стр. 667

وهؤلاء الذين يحجرون على العقول من أن يصل إليها الحق في وسائل الإعلام، أو ييسرون السبل لوصول الباطل إلى تلك العقول عن طريق تلك الوسائل، هم في الحقيقة أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من قطاع الطرق الذين يخيفون السبل ويسلبون الأموال ويزهقون الأرواح. ذلك أن قطاع الطرق يشعر الناس كلهم بخطرهم والضرر الذي ينزلونه بالناس، فيتداعى لدرء خطرهم الخاصة والعامة ويتعاون على حربهم الحكام والمحكومون، فلا يدوم خطرهم بل يزول في وقت قصير - نسبيا - أما أعداء الإسلام الذين يدأبون بالسباق إلى العقول بإبلاغ الباطل إليها وقطع الطريق على الحق من أن يصل إلى تلك العقول، فإن خطرهم لا يظهر - في أول وهلة - إلا لفئة قليلة من الناس، وهم المفكرون الإسلاميون من ذوي العلم والبصيرة، والحرص على مصالح الأمة، وهؤلاء يقف لهم أعداء الإسلام بالمرصاد مكممين أفواههم من أن تصدع بالحق وتنبه على الخطر، مكسرين أقلامهم من أن تخط كلمة تحذر الناس من شرهم وفسادهم، بل إنهم يُضَايقُونهم في رزقهم ووظائفهم وتنقلاتهم، وقد يزج بهم في السجون والمعتقلات، وينزل بهم من التعذيب والعقاب ما لا يطاق، وقد يقتلون في سجونهم غيلة أو يحكم عليهم بالقتل ظلما

стр. 668

وعدوانا، ويعلن للناس أنهم مجرمون، والناس لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأن عقولهم قد ضللتها أجهزة الإعلام التي هيئ لها أن تصل إلى تلك العقول. ولا يعلم غالب الناس بخطر هؤلاء المفسدين للعقول، إلا بعد فوات الأوان، بفساد العقول وما يترتب عليه من آثار مدمرة لحياة الأمة، وهنا يكمن الخطر العظيم، كما هو واقع الأمة الإسلامية اليوم.

стр. 669

المظهر الثامن: قلب الحقائق التي تضلل بها الشعوب . إن تلك الأجهزة تتعمد تضليل الشعوب الإسلامية بقلب الحقائق في كل مناهج حياتهم ومرافقها، في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، والعلاقات الدولية، بحيث تظهر وسائل الإعلام لتلك الشعوب صواب تدبير قادة الباطل من الطغاة المحاربين للإسلام والحق والمؤيدين للباطل، في كل تلك المناهج والمرافق، وأن الغاية من تدبيرهم وتصرفاتهم إنما هي مصلحة تلك الشعوب وعزها وسؤددها.

стр. 670

مع أن الواقع بخلاف ذلك - في الأغلب الأعم - إذ تكون سياستهم لشعوبهم سياسة غش وخداع، يتوسلون بها إلى ما يحقق مصالحهم الذاتية، ولو حطموا بذلك مصالح تلك الشعوب وجلبوا لها المفاسد المدمرة، من ظلم وغصب ونهب ونشر فساد وإذلال، كما يحطمون اقتصاد تلك الشعوب باستنزاف خيراتها وإنفاق أموالها فيما لا يعود عليها بفائدة، بل يعود عليها بالضرر، ويعود على أعداء الأمة الإسلامية بالفائدة، ويحملون تلك الشعوب بالديون الربوية التي تتضاعف عليها وترهقها وتجعلها خاضعة لأعدائها من اليهود والنصارى الذين يغرقونها بتلك الديون، وغالب تلك الأموال والديون يستأثر بها قادة الباطل الذين يضللون الناس بالدعايات الكاذبة التي تقلب الحقائق وتفسد العقول. وهكذا يضللون عقول الشعوب الإسلامية بالثقافات الأجنبية التي تحارب الإسلام وتشوهه، كأفكار كثير من المستشرقين والمنصرين والملحدين، ومن يسمون بالأدباء، وكثير منهم منحلون، والعلمانيين والحداثيين والماسونيين وغيرهم من دعاة الفساد الذين تؤثرهم - غالبا - أجهزة الإعلام على من سواهم من دعاة الحق، حتى لا يسابقوهم بهذا الحق إلى عقول الناس، مع المدح المبالغ فيه لأولئك وغمز وذم هؤلاء.
следующие страницы →