الثروات الكثيرة المتنوعة .
والثروات الهائلة التي تحتوي عليها أراضيهم، من طاقات ومعادن وزراعة وحيوان وغيرها تعينهم - لو استغلوها استغلالا سليما - على إيجاد وسائل لا حصر لها للسباق بالحق إلى العقول.
стр. 737
العلاقات العالمية .
وصِلاتُهم بالعالم: الاقتصادية، والثقافية، والدبلوماسية، والإعلامية، وغيرها، تسهل عليهم اقتحام الحواجز التي تحول بين الحق وبين وعقول الناس في العالم كله، لو كان المسلمون جادين في سباقهم بالحق إلى تلك العقول.
стр. 738
المواصلات والاتصالات .
ووسائل المواصلات والاتصالات التي يملكها المسلمون - سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، هاتفية أو إعلامية - تخدمهم خدمة عظيمة في السباق إلى العقول بالحق الذي يملكونه. (١)
стр. 739
النتيجة التاسعة: تعاون أهل الحق يحقق لهم السبق إلى العقول .
إن المسلمين - وهم أهل الحق - لجد يرون بالسبق بالحق إلى عقول الناس، ولو تعاونوا فيما بينهم وبذل كل منهم - أفرادا وجماعات - وسعه في حدود تخصصه للسباق بالحق إلى العقول، لكانت لهم الغلبة على أهل الباطل.
فقهاء الإسلام
فالفقهاء في الدين عندهم القدرة على إبلاغ الحق الرباني، إلى عقول الناس بالدعوة والتعليم بكل وسيلة تتاح لهم من الوسائل الكثيرة.
أغنياء الأمة الإسلامية.
وأغنياء الأمة الإسلامية - وقد لا يكونون علماء - قادرون على تمويل مشروعات السبق إلى العقول التي يقوم بها فقهاء الإسلام ودعاته، من الدعوة، والتعليم في المساجد والمدارس أو الجامعات أو التجمعات، أيا كان نوعها، كما أنهم قادرون على إنشاء مطابع وطبع نشرات أو كتب أو مصاحف، أو إقامة مؤتمرات أو ندوات متنوعة، هدفها كلها السبق بالحق إلى العقول.
ولاة أمور المسلمين.
стр. 740
وولاة المسلمين وحكامهم قادرون على تسخير كل ما يملكون من وسائل، للسباق إلى العقول بالحق - مع تحقيق تلك الوسائل لما وضعت له من مصالح الدول - والحكام أكثر قدرة من غيرهم في هذا المجال، لأنهم يملكون إمكانات الشعوب وطاقاتها ومرافقها.
ومما يؤسف له أن غالب حكام الشعوب الإسلامية قد نصبوا أنفسهم لدعم سباق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس، وللحجر على تلك العقول من أن يصل إليها الحق!
جيوش الأمة الإسلامية.
وجيوش المسلمين قادرة على ردع من وقف في صف الباطل، ليسبق به إلى عقول الناس، ولإعانة أهل الحق في أن يسبقوا بالحق إلى عقول الناس.
وهكذا كل صنف من أصناف المسلمين يعين أهل الحق في سباقهم به إلى عقول الناس بما يقدر عليه بحسب موقعه، تحقيقا للتعاون على البر والتقوى الذين أمر الله بهما.
النتيجة العاشرة: دور الجماهير في سبق الباطل إلى العقول.
إن قادة الباطل وطغاته لا يحققون السباق بالباطل إلى عقول الناس إلا بحشد الجماهير المؤيدة لهم، جاهلة كانت أو مؤْثرة لمصالح مادية زائلة، ولو لم تستجب لهم تلك الجماهير لما استطاعوا أن يحققوا غاياتهم الفاسدة.
المشرعون والمنفذون.
стр. 741
فمن تلك الجماهير من يُشَرِّع لقادة الباطل وطغاته القوانينَ التي تحارب الحق وتؤيد الباطل، كعلماء القانون.
ومن تلك الجماهير من يقر تلك التشريعات والقوانين، كأعضاء البرلمان.
ومن تلك الجماهير من ينفذ تلك القوانين كالوزراء والمحافظين والشرطة.
رجال القضاء.
ومن تلك الجماهير من يحكم بتلك القوانين كالقضاة.
الإعلاميون.
ومن تلك الجماهير من يضلل عقول الناس بالثناء على تلك القوانين كالإعلاميين.
أساتذة الجامعات.
ومن تلك الجماهير من يدرس تلك القوانين ويؤصلها في عقول الناس، كأساتذة الجامعات.
الجيوش.
ومن تلك الجماهير من يرغم الناس على قبول تلك القوانين كالجيوش. (١)
اللاهون وأهل المجون.
ومن تلك الجماهير من يفسد أخلاق الناس ومجتمعاتهم بما يشغل عقولهم عن التفكير في الحق والباطل وترجيح الحق على الباطل، كالمغنين والرقاصين والمبالغين في بعض أنواع الرياضة ...
وهكذا كل فئة من جماهير الشعوب الإسلامية، يستغلها دعاة الباطل وقادته وطغاته في الحجر على عقول الناس من أن يصل إليها الحق، أو في سبق الباطل إليها.
стр. 742
ولو أن تلك الجماهير عرفت حقيقة مقاصد قادة الباطل، والأضرار المترتبة على استغلالها لتحقيق تلك المقاصد، لوقف عقلاؤهم في صف أهل الحق لوقاية العقول من الباطل وإمدادها بالحق.
فلو فكر مشرعو القوانين الوضعية المخالفة لحكم الله وشرعه في المظالم المترتبة على قوانينهم، وأن ذلك محاربة لله تعالى ولتطبيق شريعته، وأنهم سيقفون بين يدي الله يوم الحساب، ليجازيهم على محادتهم له، لما شرعوا تلك القوانين التي أعانوا بتشريعها أنصار الباطل على أنصار الحق.
ولو فكر من يسمون بالنواب، الذين أرادت تلك الأمة منهم تحقيق مصالحها التي تسعدهم في الدنيا والآخرة، لما وافقوا على قوانين الطواغيت التي تستغل لهدم الضرورات التي يجب حفظها.
ولو فكرت السلطات التنفيذية، من وزراء الأمة ومحافظيها وأجهزة أمنها من شرطة وغيرها، في الوزر الذي يتحملونه أمام الأمة وأمام الله، لما كانوا أداة قهر وإذلال للأمة بتنفيذ تلك القوانين الظالمة.
стр. 743
ولو فكر الإعلاميون، بكل فئاتهم في تلك العقول التي خلقها الله، لتفرق بين الحق لتتبعه، وبين الباطل لتجتنبه، فكانوا سببا في تضليلها حتى غدا الحق عندها باطلا والباطل حقا، لما وقفوا في صف قادة الباطل ضد الحق وأهله إلا من أضله الله على علم.
ولو فكر نجوم الفن والرياضة - كما يسمون! - في شغل عقول الناس عن الحق، وقارنوا بين فعلهم الذي شغلوا به عقول الجماهير - مباحا كان أو محرما - عن أهداف الأمة الإسلامية العليا، كالجهاد في سبيل الله الذي هي أحوج إليه في هذا الزمن من غيره، لما يلقاه المسلمون من الإذلال والقهر والقتل، والإخراج من بيوتهم وتشريدهم في الأرض، وانتهاك أعراضهم، لو فكروا فيما يفعلون وفي هذه المآسي لتخلوا عن قادة الباطل، وانضموا إلى صفوف أهل الحق، لإنقاذ أمتهم مما حل بها من مصائب وفتن، ولسخر الفنانون فنهم في السباق إلى العقول بالحق، وسخر الرياضيون رياضتهم إلى فروسية للجهاد في سبيل الله.
ولو فكرت جيوش المسلمين في ذلك كله، وتذكروا الواجب الملقى على أكتافهم وهو رفع راية الإسلام في الأرض، لكان لهم شأن آخر مع الباطل وقادته!
стр. 744
النتيجة الحادية عشرة: أثر التنازع في السباق إلى العقول .
إن من أهم العقبات التي وقفت في طريق سباق أهل الحق به إلى العقول تنازعهم فيما بينهم، التنازع الذي مزقهم شر ممزق وجعل بعضهم يشغل نفسه ببعض، بسبب من الجهل والهوى وتقديم حظوظ النفس على المصالح العامة، وإرضاء أعداء الحق الذين استغلوا تنازع أهله، ليكون السبق إلى العقول بالباطل أسرع من السبق إليها بالحق.!
تنازع بين الدول.
فأصبحت كل دويلة من دويلات المسلمين، تكيد لجارتها سرا وعلنا، وتنفق وقتها ومالها وطاقات أبنائها للكيد المذكور، وبذلك ضللت كل دويلة عقول أبناء شعبها، حتى من يُظَن أن لديهم حظا من الثقافة الدينية وغير الدينية، تجدهم منساقين لمعاداة الدويلة الأخرى والحقد على حكامها ومحكوميها على السواء، بدون دليل واضح - غالبا - لمشروعية تلك المعاداة وذلك الحقد، إلا التضليل الإعلامي الذي تتعمده دويلتهم.
تنازع بين الأحزاب في كل دولة.
стр. 745
ومن جهة أخرى فقد تصدع كل شعب على حدة، بسبب كثرة الأحزاب التي زرعها أعداء الحق من المستعمرين وملئوا أدمغتهم وعقولهم، بأفكار ومذاهب أجنبية كلها باطلة، فشغل كل حزب نفسه بما معه من الباطل، ليسبق باطل غيره من الأحزاب الأخرى إلى عقول الناس، وليقي أعضاءه من أن يصل إليها باطل الأحزاب الأخرى، فأصبحت الأحزاب تتصارع بالباطل ضد الباطل.
تعاون قادة أحزاب الباطل ضد الحق وأهله.
ومن جهة ثالثة فإن أحزاب الباطل المتصارعة فيما بينها تجتمع كلها، لتسابق بباطلها أهل الحق إلى عقول الناس.
تنازع أهل الحق فيما بينهم.
ثم من جهة رابعة تجد أهل الحق يتنازعون فيما بينهم تنازعا يندى له الجبين، إذ يصل إلى أن تشغل كل جماعة نفسها بالجماعة الأخرى، وقد تكون الجماعتان متفقتين في الأهداف والوسائل - إلا فيما فيه متسع للاجتهاد - وقد تكونان - في الأصل جماعة واحدة، ولكن الهوى وحظوظ النفس والشيطان، زينت لبعض قادتها سلوك السبل المؤدية إلى التنازع والخلاف.
стр. 746
وبذلك تشغل كل جماعة نفسها بالأخرى وتسابق كل جماعة أختها بما تزعم أنه الحق عندها، لاستقطاب عقول أكبر عدد من الناس لتقوية جماعتها، فإذا رأى الناس هذا السلوك نفروا من الطائفتين معا، اتقاء للفتنة وشكا في النوايا التي تكمن وراء ذلك التمزق والتفرق.
ولو سلم المسلمون من هذا التمزق والتنازع ومن شغل بعضهم نفسه ببعض، لاجتمعت طاقاتهم كلها لسبق ما عندهم من الحق، إلى عقول الناس بدلا من سبق أهل الباطل بباطلهم.
قدوة سيئة منفرة.
ولقد كان هذا السلوك المشين من المسلمين من أهم الأسباب التي حجبت عقول غير المسلمين عن البحث عن الحق والالتفات إليه، فكان ذلك فتنة لغير المسلمين الذين يصرحون بأن المسلمين لو كان ما عندهم حق قابل للتطبيق، لطبقوه في مجتمعاتهم قبل أن يدعوا غيرهم إليه، وهذه هي القدوة السيئة التي تنفر الناس من الحق الذي يملكه المسلمون!
стр. 747
النتيجة الثانية عشرة: أثر العنف في سبق الحق إلى العقول .
إن إصرار أهل الباطل على تثبيته بالقوة، ترتب عليه رد فعل عرقل سبق أهل الحق بالحق إلى العقول.
كثير من دعاة الإسلام الذين حرصوا على السبق بالحق إلى العقول، اجتهدوا في سباقهم إلى العقول، أن يصلوا إلى هدفهم بالتعليم والتزكية، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، واتخذوا ما يقدرون عليه من الوسائل البعيدة عن الشدة والعنف.
ولكن أنصار الباطل صدوا عن الحق بأنفسهم، وصدوا عنه غيرهم، واتخذوا كل الوسائل للسباق إلى الباطل، بما في ذلك وسائل العنف، من سجن وتعذيب وتشريد وتقتيل.
стр. 748
وترتب على شدة أهل الباطل في سباقهم إلى العقول بباطلهم، والحجر على العقول من وصول الحق إليها، ردُّ فعل عنيف من قبل بعض شباب المسلمين فقابلوا الشدة والعنف بمثلهما، فحملوا السلاح، ضد الحكومات العلمانية التي حاربت تطبيق الشريعة الإسلامية في شعوبها، وقاموا باغتيالات أنصار تلك الحكومات من العسكريين وغيرهم، بل بلغ الأمر ببعض أولئك الشباب، أن قتلوا الأبرياء، من الأطفال والنساء والعُزْل من الرجال، بزعم أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهو تصرف منكر لا يقره شرع الله، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يشترط فيهما العلم بأن هذا معروف يؤمر به، وذاك منكر ينهى عنه، وأن لا يترتب على الأمر والنهي مفاسد أعظم.
стр. 749
وكثير من الشباب الذين يتصرفون تلك التصرفات العنيفة لا يتوافر فيهم هذا الشرط، لأن الطريقة التي سلكوها في أمرهم ونهيهم، ترتبت عليها مفاسد أعظم من المفاسد التي زعموا أنهم أرادوا إنكارها، إذ ازداد أهل الباطل عنادا وإصرارا على محاربة الإسلام، بل أعطتهم تلك التصرفات مسوغا لمحاربة الدعوة الإسلامية، حيث كمموا أفواه دعاة الحق من علماء المسلمين ومفكريهم، الذين لو تمكنوا من الاتصال بجماهير الشعوب - وبخاصة شبابهم - لفقهوهم في الدين، ولتمسك هؤلاء الشباب بدينهم وطبقوا ما أمكنهم تطبيقه بهدوء، وبدون استعمال عنف ولا شدة، ولما أطلقوا رصاصهم على أنصار الباطل، بل سيسلكون سبيل التربية على هذا الدين والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى تتمكن دعوتهم من الوصول إلى عقول الناس، فمن استجاب لها حمدوا الله على هدايته، ومن أبى فعليه ذنب إبائه.
ولو أن قادة الباطل أعطوا دعاة الحق من علماء الإسلام، فرصة للدعوة إلى ما عندهم من الحق بالوسائل المتاحة لهم سلميا، لما حصل هذا العنف الذي قام به هذا الشباب.
стр. 750
فإذا أصبح أي شعب من الشعوب الإسلامية قابلا لتطبيق الإسلام بمعناه الشامل، واختار أن يحكم بهذا الدين، فهذا هو ما يسعى إليه دعاة الحق في سباقهم إلى العقول، وهذا حق للشعوب الإسلامية لا يجوز لأحد أن يحرمها منه.
وإذا تاب أهل الباطل من باطلهم واستجابوا لرغبة هذه الشعوب، فطبقوا حكم الله فيها، فإن دعاة الحق الذين اجتهدوا في السبق به إلى العقول سيكونون هم وأتباعهم من شباب الأمة الإسلامية، سباقين إلى طاعتهم في المعروف، وأعوانا وأنصارا لهم في تنفيذ شرع الله الحنيف.
وإن تولى أولئك الحكام وأعرضوا عن الحكم بشريعة الله ولم يرضوا حكم الله، فليكن الْحَكَم بينهم وبين دعاة الحق أهلُ الحل والعقد من تلك الشعوب المسلمة، وسينتقل الحكم من الطغاة إلى الصالحين عن طريق السلم والاختيار دون عنف ولا شدة.
стр. 751
ولكن قادة الباطل فتحوا الأبواب لأحزاب الباطل كلها، أن تنشر باطلها وتسابق به إلى عقول الناس، وحرمت على دعاة الحق ومفكري الإسلام أن يوصلوا الحق إلى عقول الناس، بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والتعليم والتربية، وزجوا بكثير من علماء الإسلام ودعاة الحق ومفكريه في السجون والمعتقلات، بل أذاقوهم أشد العذاب وأزهقوا أرواحهم بدون حق.
стр. 752
وتلفت شباب الإسلام ليجدوا من يرشدهم ويفقههم في الدين، من العلماء والمفكرين تفقيها صحيحا ليس فيه تحريف ولا كتمان للحق، فلم يجدوا - في الغالب - إلا موظفين لدى قادة الباطل وطغاته الذين يحاربون شرع الله والدعاة إليه، وكثيرا ما يفتي بعض أولئك العلماء بفتاوى تؤيد أنصار الباطل، بالحق وبالباطل متبعين في ذلك أساليب متنوعة من التأويلات الفاسدة، ووجدوا - أي الشباب - العلماء والمفكرين الذين يصدعون بكلمة الحق ويبلغون دين الله للناس على حقيقته، في السجون وعلى أعواد المشانق، والذي لا زال في منزله محجور عليه لا يتصل بالناس ولا يتصلون به إلا نادرا وخفية، فأخذت أولئك الشبابَ الغيرةُ وذهبوا يقلبون الكتب القديمة والحديثة ويقرءون تلك الكتب بأنفسهم، وبخاصة آيات القرآن والسنة، وليس عندهم قواعد التفقه في الدين، لا من أصول الفقه، ولا من أصول الحديث، ولا من أصول التفسير، ولا إلمام بقواعد اللغة العربية وأساليبها، ولا اطلاع على أقوال علماء الأمة المعتبرين ...
стр. 753
وعندما يقرءون النصوص، يقرؤونها وهم يبحثون عن أدلة تؤيد ما قد وقر في أذهانهم سابقا، من أن هؤلاء الحكام ظلمة، وأنهم يحاربون دعاة الحق ويحاربون تطبيق الشريعة، وأن من يحارب ذلك فهو كافر، والكافر لا يجوز أن يحكم المسلمين، بل يجب الخروج عليه، تحقيقا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من يعين الكافر على كفره فهو مثله، وأن نصر المظلوم واجب، وإقامة شرع الله فرض، فيجدون في النصوص التي يقرؤونها من الكتاب والسنة، ما يؤيد فهمهم في الظاهر، ولا يثقون في العلماء الذين هم موظفون مع قادة الباطل - وليس كل عالم توظف مع قادة الباطل مؤيدا لباطلهم - حتى يصححوا لهم بعض تصوراتهم، ويبينوا لهم المصالح الراجحة من المرجوحة، أو المفاسد الراجحة من المرجوحة.
стр. 754
لذلك انطلقوا حاملين السلاح موجهين رصاصهم إلى صدور كل متعاون مع أهل الباطل، من جنود وعلماء وأدباء وغيرهم، من أهل البلد أو الأجانب، فأحدثوا في تلك البلدان فتنة واضطرابا، وشل بذلك الاقتصاد وتعطلت المصالح، بل إنهم قد قتلوا بعض دعاة الحق الذين يظنون أنهم يؤيدون قادة الباطل، وقد ينال قتلُهم النساءَ، وهم يعتقدون أن ذلك كله مشروع لهم حسب فهمهم، كما فهم بعض الخوارج ذلك في السابق.
هذه التصرفات من بعض شباب المسلمين، التي كان السبب الأساسي لوجودها تصرفات قادة الباطل الذين كمموا أفواه العلماء والدعاة والمفكرين، كانت سببا في تشويه الإسلام والنفور من سماعه أو البحث عن حقائقه ومحاسنه.
واستغل ذلك أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والعلمانيين وأخذوا ينفرون من الجماعات الإسلامية ودعاة الإسلام عامة، فكان ذلك من أهم العقبات التي بطأت بالسباق بالحق إلى العقول!
стр. 755
ولذا ينبغي للشباب المسلم الذي يريد رفع راية الإسلام في الأرض، أن يهتم بالتفقه في الدين، ويأخذ الحق ممن وجده من العلماء، فليس كل العلماء الموظفين في الحكومات من المؤيدين للباطل، بل يوجد فيهم من يبين الحق في حدود طاقته، وعلى هذا الشباب أن يتجه - بعد أن يتربى ويتعلم على أيدي العلماء - إلى تربية نفسه وتربية غيره على حقائق الإسلام، حتى تصبح الشعوب الإسلامية قادرة على إيجاد من يحكمها بالإسلام إما بالطرق السلمية، وإما بتنحية من يحارب الإسلام بأسهل الطرق وأخفها ضررا.
стр. 756
النتيجة الثالثة عشرة: دور القوة في السباق إلى العقول .
إن من أهم وسائل السباق بالحق إلى العقول القوة العسكرية الجهادية التي تقتضي توفير الجيش المسلم - الجيش بمختلف فئاته - الكافي الذي يستطيع أن يحمي بلاد المسلمين، ودينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، في داخل بلادهم، من الاعتداء عليها ممن انحرفوا من أبناء المسلمين، كالشيوعيين وكل فئات العلمانيين الذين يتربصون بالإسلام والمسلمين شرا، ويتخذون كل الوسائل السلمية لتضليل عقول أبنائهم والسبق إليها بما عندهم من الباطل، فإذا لم ينجحوا في تحقيق أهدافهم بتلك الوسائل السلمية، تآمروا فيما بينهم ليجهزوا على الحق بالقوة العسكرية التي منها الانقلابات، ومنها إنزال الجيش لضرب دعاة الحق إذا نجحت دعوتهم ورأوا بدو ثمارها، وفي هذه الحالة لا بد للمسلمين من قوة رادعة تقف أمام قوة أعداء الحق، فلا يفل الحديد إلا الحديد.
стр. 757
ولا بد من إعداد جيش إسلامي قوي كذلك يحمي بلدان المسلمين وضرورات حياتهم، من اعتداء أعداء الحق وقادة الباطل من غير المسلمين الذين يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين من خارج بلدانهم، حيث يتعاونون هم وأعداء الإسلام من المنتسبين إلى الإسلام في بلاده، لضرب قادة الحق ودعاته بالقوة، فإذا لم يكن لقادة الحق ودعاته قوة أعظم من قوة العدو أو مساوية لها، فإن أعداء الحق سوف يسحقونه ويسحقون قادته ودعاته، وهذا ما نشاهده اليوم في كل بلدان المسلمين، وبخاصة فلسطين التي استولى عليها اليهود واستولوا على أجزاء أخرى من بلدان المسلمين، ولا زالوا يطمحون إلى المزيد من بلداننا.
ولما كان هدف اليهود من إعداد جيشهم هو ضرب الحق ودعاته في داخل فلسطين وخارجها، فقد أعدوا جيشا هجوميا أخافوا به قادة البلدان الإسلامية، وجعلوهم يستسلمون لهم واحدا بعد الآخر.
стр. 758
ولما كان هدف غالب حكام الشعوب الإسلامية من إعداد جيوشهم هو حماية كراسيهم، فقد اقتصروا على إعداد جيوشهم لهذه المهمة، ولذلك ترى أعداد المسلمين في البلدان العربية (١) وحدها تزيد عن مائتي مليون، وعدد اليهود قد لا يصل إلى أربعة ملايين، ومع ذلك ترتعد فرائص كثير من الحكام العرب من الجيش اليهودي الذي أرهبه وزلزل أقدامه أطفال الحجارة الذين صدقوا الله ما عاهدوا عليه!
وتقتضي القوة الجهادية توفير السلاح وما يخدمه، بحيث يكون عند دعاة الحق من السلاح ما يماثل سلاح قادة الباطل أو يزيد في الكم والنوع. ويجب ان تكون عندهم وسائل تغنيهم عن الحاجة إلى عدوهم في كل شيء من أنواع السلاح وتوابعه، وهذا يستلزم إقامة مصانع للسلاح بتعاون بين قادة الحق من المسلمين، كل يؤدي ما يملكه لإقامة تلك المصانع من مال وخبراء وغير ذلك.
ومما لا شك فيه أن صاحب القوة أقدر على سبق من لا قوة عنده إلى العقول، من حيث إنه يمنع الضعيف من الوصول بمبدئه إلى عقول الناس بالقوة، وهو قادر على الوصول بمبدئه إلى العقول بالقوة، كما أنه قادر على حماية عقول الناس من وصول مبدأ غيره إليها.
ليس الهدف من إعداد القوة الإكراه على الدخول في الإسلام.
стр. 759
وليس المراد من هذه النتيجة أن يستعمل أهل الحق القوة لإكراه الناس على قبول الحق الذي عندهم واعتقاده بدون اختيار منهم، وإنما المراد اتخاذ قادة الحق وأتباعهم هذه القوة لإزالة السدود التي تعترض وصول الحق إلى عقول الناس، فإذا وصل الحق بحججه وبراهينه إلى تلك العقول، فأهلها بالخيار بين أن يستجيبوا لذلك الحق فيقبلوه، أو يرفضوه ويتحملوا نتائج رفضهم التي منها عذاب الله الأليم لهم، لرفضهم الحق بعد أن قامت عليهم الحجة به.
وكذلك يتخذ أهل الحق القوة لوقاية عقول الناس من إكراه أهل الباطل لأهلها، بقبول باطلهم بدون اقتناع منهم بذلك (١) .
стр. 760
النتيجة الرابعة عشرة: تدريب من يسابق بالحق إلى العقول
أهداف التدريب.
إن الواجب على أهل الحق أن يقيموا مؤسسات تدريب تمكن المتدربين منهم من ثلاثة أهداف:
الهدف الأول: فقه الغايات .
يجب على من يريد القيام بالسباق بالحق إلى العقول، أن يفقه الغايات التي يسابق بالحق من أجلها، حتى يسعوا إلى تحقيقها وهم على علم بحقيقتها وبأولويات تلك الغايات، فإن فقه صاحب المبدأ لمبدئه شرط أساسي في وصوله إليه، وهذا ما أشار إليه قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) .
وما أرسل الله تعالى رسوله إلى الناس إلا بهداه الذي أنزله إليه ليدعو الناس إلى دينه - وهكذا بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام - وكان الرسول ﷺ يفقه أصحابه هذا الدين ويثني على من فقهه الله فيه، ويدعو لهم بذلك: «اللهم فقهه في الدين» .] . (٢) «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» .
وكان يبين لدعاته الذين يبعثهم لدعوة الناس غاياتهم التي يدعون الناس إليها، كقوله لمعاذ ﵁: «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» .] . الحديث.
стр. 761
الهدف الثاني: فقه الوسائل .
ولا بد لمن يسابق بالحق إلى العقول، من فقه الوسائل التي يجب اتخاذها للسبق إلى العقول بتلك الغايات كل في موقعه، بحيث تكون فئات أهل الحق كلها ساعية في السباق إلى العقول بالحق في مجال عملها: المدرسون، والخطباء، والأدباء والكتاب والمفكرون، والقضاة، والأطباء والمهندسون والفلكيون، والإعلاميون، وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، والاقتصاديون والتجار والعمال، والطيارون - مدنيين كانوا أو عسكريين - والرياضيون وغيرهم.
كل فئة من هذه الفئات تدرب على ما ينقصها من الوسائل التي يجب اتخاذها للسبق بالحق إلى العقول، حتى يتمكنوا من إبلاغ الحق إلى عقول كل من لهم به علاقة، في أسرهم وجيرانهم وزملاء عملهم من المسلمين وغير المسلمين.
وبذلك تتسع دائرة السباق إلى العقول بالحق، فلا توجد فئة من المسلمين ولا فرد منهم إلا وهو ساع في إيصال الحق إلى عقول الناس في موقعه وفي حدود قدرته، وبالوسائل التي يجيدها.
стр. 762
الهدف الثالث: إقناع المتدرب بأداء واجبه في هذا السباق .
ويجب أن يبين للمتدرب أن الواجب عليه أن يقوم بالعمل الجاد في السباق بالحق إلى العقول، وأنه مسؤول أمام الله عنه، لا يجوز له التقصير فيه لأمرين:
الأمر الأول: أنه واجب عليه يثاب على القيام به، ويعاقب على تركه إن لم يقم به غيره قياما كافيا.
الأمر الثاني: أن ذلك حق للناس الذين اتبعوا الباطل، بسبب سبق أهله به إلى عقولهم، فلا بد من إبلاغ هذا الحق إلى عقولهم، لإنقاذهم من الباطل الذي اتبعوه، أو لإقامة الحجة عليهم.
стр. 763
النتيجة الخامسة عشرة: تقصير أهل الحق في السباق إلى العقول .
стр. 764
إن تقصير أهل الحق في السبق به إلى العقول من أهم الأسباب لنزول الفتن والمصائب بالأمة الإسلامية، وهاهي الفتن والمصائب تتابع على المسلمين في كل مكان، حتى أصبحوا مع كثرتهم أذلة، ومع توافر وسائل غناهم فقراء، ومع إمكانات وجود عوامل قوتهم ضعافا، مزقهم الله شر ممزق وجعل بأسهم بينهم، يقتل بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم بعضا، ويستعين بعضهم بعدوهم على بعض، يعيشون في وضع شاذ بين الأمم. هذا الوضع الشاذ تأبى حكمة الله أن يستمر طويلا، وإذا لم يغيروا ما بأنفسهم فإن الله لا بد أن يستبدل بهم غيرهم سنة الله في خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . . ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ
стр. 765
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١) ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٢)
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. (٣)