النتيجة الثانية: منتهى غايات أهل الحق رضا الله .
ورضاه إنما يكون باتباع منهجه، الذي أنزله في كتابه وسنة رسوله ﷺ وهذه الغاية تتحقق بها سعادة البشرية كلها في الدنيا والآخرة، لأن تطبيق منهج الله تكمن فيه هذه السعادة، وإذا سعى أهل الحق سعيا يحقق رضا الله عنهم تحقق لهم هم أنفسهم الرضا والطمأنينة، ولذا تجد أهل الحق دائما في سعي حثيث لتحقيق كل ما يرضي الله، والبعد عن كل ما يسخطه، ومن ذلك سباقهم إلى العقول بالحق لإسعاد أصحابها في الدارين.
стр. 704
أما منتهى غايات أهل الباطل فهي التمتع بكل ما في الحياة الدنيا من أكل وشرب وثراء ومسكن ومركب ومنكح على أي حال من الأحوال، دون نظر إلى حلال أو حرام، ودون نظر إلى ما يرضي الله أو يسخطه، ولذا تجدهم في سعي حثيث لما يشبع شهواتهم ويرضي أهواءهم ويحقق مآربهم، وإن كان في ذلك شقاؤهم وشقاء البشرية كلها في الأرض، اتباعا لمنهج الشيطان وبعدا عن منهج الله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (١) .
النتيجة الثالثة الحق الإلهي منحصر في الإسلام .
وهو الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، وكل ما خالف ذلك من الأديان السابقة سماوية أو غير سماوية، أو المذاهب والأفكار اللاحقة فهو الباطل.
ولذلك فإن المسلمين وحدهم هم الذين يملكون الحق والوسائل المشروعة المؤدية إلى تحقيق غايات السباق إلى العقول بالحق. وأما غير المسلمين فلا يملكون مما يخالف دين الله إلا الباطل، ولهذا فإن المكلفين السباقَ إلى العقول بالحق هم المسلمون الذين يملكون هذا الحق.
فقد بعث الله الأنبياء والرسل ﵈ يدعون إلى الحق ويحذرون من الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) . وقد فصل الله تعالى قصص الرسل مع قومهم وما قاموا به من البلاغ المبين الذي دعوا فيه إلى الحق ونهوا عن الباطل، وختمهم برسوله محمد ﷺ الذي قال عنه وعن أمته المتبعة لمنهجه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)
стр. 707
وقد قام أهل الحق من الأنبياء وأتباعهم، وآخرهم نبينا محمد ﷺ وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان، فسابقوا أهل الباطل بالحق إلى العقول وحققوا كل الغايات التي حددت لهذا السباق، واتخذوا كل وسيلة متاحة مشروعة لهذا السباق، حتى رفرفت راية الحق في كل أنحاء الأرض التي استطاعوا الوصول إليها، وسعد الناس بالحق سعادة شاملة في كل مناحي حياتهم: الإيمانية، والعبادية، والتشريعية، والسياسية، والاقتصادية، والتعليمية، والجهادية، والأسرية، والمالية وغيرها.
والواجب على الأمة الإسلامية اليوم أن تقوم بهذا الواجب الذي لا يملكه غيرها، وهو السباق إلى العقول بالحق ووقاية تلك العقول من وصول الباطل إليها، وتطهيرها مما وصل إليها منه فأفسد حياتها، وكل قادر على القيام بهذا الواجب من المسلمين - كل في موقع مسئوليته وقدرته - آثم إذا لم يقم به.
стр. 708
النتيجة الرابعة: سبق الحق إلى العقول يحفظ ضرورات الحياة .
إن من ثمرات سبق الحق إلى العقول يحقق توحيد الله في الأرض وإقامة شريعة الله، ونشر العدل، وغرس الإيمان والأخلاق الحسنة في النفوس ومطاردة الشرك، ونبذ حكم الطاغوت، ومحاربة الظلم والقضاء عليه أو التخفيف منه، وبالجملة: حفظ الضرورات الخمس، التي هي الدين والنسل والعقل والنفس والمال، وكل ما يخدم حفظها من الحاجيات والتحسينيات.
ومن ثمار سبق أهل الباطل بباطلهم إلى العقول، إهدار هذه الضرورات وما يخدمها.
أي إن البشرية تفسد حياتها إذا سبق أهل الباطل بباطلهم أهل الحق إلى العقول، وتستقيم حياتها وتسعد إذا سبق أهل الحق أهل الباطل بالحق إلى العقول.
وإنا لنرى آثار هذه النتيجة اليوم واضحة في الأرض، فقد اعْتُدِيَ على ضرورات الحياة وما يخدمها، فأفسد أهل الباطل على الناس دينهم، واعتدوا على نسلهم، وعقلهم، ونفسهم، ومالهم، ونشروا الظلم والفحشاء والمنكر، وحكموا بالطاغوت ونبذوا حكم الله، ولم يبق في الأرض صلاح إلا حورب، ولا فساد إلا نشر ودعم.
стр. 709
النتيجة الخامسة: في سبق الحق إلى العقول تكثير أنصاره .
إن سبق أهل الحق بحقهم إلى العقول، يكثر سواد المسلمين في الأرض فيكثر الأعوان والأنصار وينتشر الحق، ولهذا دخل الناس في دين الله أفواجا عندما قام الرسول ﷺ وأصحابه بالدعوة إلى الله، وتبعهم على ذلك التابعون بحق، فوصل الحق إلى عقول الناس في مشارق الأرض ومغاربها من بكين إلى لشبونة، ومن جاكرتا ومانيلا إلى نواكشوط، ومن موسكو إلى الحبشة وعدن، وأصبح العلماء - في جميع العلوم والتخصصات - والأدباء والمفكرون والقواد والساسة في بلدان العالم كلها، من أنصار الحق وحماته.
وإن سبق أهل الباطل بباطلهم إلى العقول يكثر سواد أهل الكفر في الأرض، فيكثر بذلك أنصار الباطل وأعوانه فينتشر في الأرض ويطارِد الحقَّ وأهله ويسلبهم مجدهم وعزهم، ويهجم عليهم في عقر دارهم.
стр. 710
وهذا ما نشاهده اليوم، حيث جد أهل الباطل في السباق به إلى العقول جدا لم يسبق له نظير، فحققوا بذلك غاياتهم المدمرة، واتخذوا كل ما أتيح لهم من الوسائل لإبلاغ الباطل إلى عقول الناس، فكثر بذلك سوادهم في بلاد الكفر وبلاد الإسلام، حتى فسدت عقول كثير من أبناء المسلمين الذين وقفوا محاربين لدينهم في صف أعدائه الذين سبقوا بباطلهم إلى عقولهم.
وخلاصة هذه النتيجة أن سباق أهل الحق به إلى العقول ينشره ويثبته ويكثر أنصاره، ويجتث الباطل ويذل أهله ويجفف منابعه، وأن سباق أهل الباطل به إلى العقول ينشره ويثبته ويكثر أنصاره ويضيق دائرة الحق ويفتن أهله.
فليعِ ذلك أهل الحق وليجدوا في السباق به إلى العقول امتثالا لأمر الله وحفاظا على سعادتهم وسعادة البشرية بسعادتهم.
стр. 711
المثال الأول: الإيمان .
ورد الإيمان في الكتاب والسنة مرادا به الاعتقاد الجازم فيما أخبر الله به من الغيب، من الإيمان به إيمانا مبنيا على ما وصف به نفسه في القرآن والسنة من أنه الخالق المدبر الإله المعبود الموصوف بصفات الكمال والجلال ...
والإيمان بكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وأن كتابه هو المهيمن على سائر الكتب التي نزلت فحرفت، وأن رسوله محمدا ﷺ هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده، وأن من مقتضى الإيمان به اتباعه، ومن مقتضى الإيمان بالقرآن تحكيم ما شرع الله فيه ... وأن من الإيمان القول باللسان كالنطق بالشهادتين.... ومنه العمل بالجوارح كالصلاة المفصلة صفتها في السنة النبوية.... أي أن الإيمان اعتقاد وقول عمل، وأن هذا الاعتقاد والقول والعمل لا بد أن يكون موافقا لما أراده الله، والذي أراده لا يوجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
هذا هو معنى الإيمان باختصار شديد (١) ، وهو في غاية الوضوح لمن تتبع الكتاب والسنة وما فهمه علماء الأمة قديما وحديثا.
стр. 712
ولكن هذا المعنى التبس على كثير من الناس - أعني المسلمين فضلا عن غيرهم - ولهذا ترى بعضهم يطلق لفظ "المؤمنين" على المسلمين واليهود والنصارى، بناء على أنهم كلهم أهل كتب سماوية يؤمنون بالله ... مع أن القرآن الكريم قد وصف اليهود والنصارى بالكفار ووصفهم بالمشركين - وإن كانوا في الأصل أهل كتاب - كما وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم وبدلوها، ووصف القرآن بأنه مهيمن على الكتب التي سبقته، فلا يصح إطلاق الإيمان الشرعي الذي يقبله الله ويثيب أصحابه بدخول جنته وينجيهم من عذابه، إلا على الإيمان الذي أراده الله وبينه في كتابه وسنة رسوله، ولا يصح إطلاق المؤمن إلا على المسلم الذي اتصف بذلك الإيمان الذي أراده الله، فليس اليهودي بمؤمن ولا النصراني - فضلا عن غيرهما - بمقتضى المصطلح الإسلامي بل هما كافران مشركان.
стр. 713
وهناك غبش آخر عند كثير من المسلمين في معنى الإيمان فالإيمان إذا أطلق في الكتاب والسنة هو الإيمان الذي سبق التعريف به، وعلى وجوده بذلك المعنى تترتب آثاره، فإذا وعد الله المؤمنين بالنصر - مثلا - فالمراد بهم المؤمنون المتصفون بالإيمان الذي أراده، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)
والمسلمون - اليوم - وقد ابتعد غالبهم عن معنى الإيمان الذي أراده الله إما بتركه كلية كحال الملحدين من أبناء المسلمين، أو بمحاربة كثير مقتضياته كتحكيم شرع الله الذي لا إيمان بدونه، أو بالإكثار من ارتكاب المعاصي كالزنا وشرب الخمر، أو بموالاة أعداء الله من اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمنافقين - ومنهم العلمانيون -
стр. 714
هؤلاء الذين يدعون الإسلام والإيمان وجلهم على هذه الصفة يتساءلون: أين نصر الله الذي وعدنا به على عدونا وقد أصبحوا سادة لنا يأمروننا وينهوننا، وتفوقوا علينا في الإدارة والصناعة والسياسة والاقتصاد وغيرها؟! ظنا منهم أن المؤمنين الذين أرادهم الله هم أمثالهم، وهذا خطأ فاحش أوقعهم فيه الجهل بالمصطلحات الشرعية الواردة في الكتاب والسنة.
ولقد تساءل المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا على نهج الله مطيعين لله ولرسوله محكمين شرعه، فأدال عليهم عدوهم من المشركين يوم أحد، بسبب مخالفة وقعت منهم لرسول الله ﷺ في تلك الغزوة، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، تساءلوا: كيف ينتصر علينا المشركون ونحن مسلمون نجاهد في سبيل الله؟ فأجابهم الله تعالى أن ذلك إنما كان بسببٍ من عند أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)
стр. 715
وإذا كانت هذه هي إجابة الله للمسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ وتلك كانت حالهم، فكيف بنا اليوم وهذه هي حالنا؟!
إن سبب هذا الغبش هو عدم وضوح حقائق الأمور وسوء تصورها؛ لأن أهل الحق قصَّروا في السباق بها إلى العقول، وجد أهل الباطل فسبقوا إلى تلك العقول بباطلهم، فالتبس الحق بالباطل.
وقل مثل ما عرفت عن معنى الإيمان في المعاني الأخرى كالشهادة (١) التي يوصف بها الشيوعي الملحد والعلماني المحارب لشريعة الله. والرشد الذي يوصف به السفيه. والصلاح الذي يوصف به الفاسد، وهكذا ...
ويتحمل وزر ذلك كل قادر على بيان الحق والباطل للناس والسبق بذلك إلى عقول الناس فلم يفعل، ومن باب أولى من كان كذلك فلبس الحق بالباطل مشتريا بآيات الله ثمنا قليلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٢) .
стр. 716
الأسس التي يتحقق بها الأمن في الدارين
ويتحقق الأمن في الإسلام بثلاثة أسس رئيسة:
الأساس الأول: فقه كل مسلم بدين الله في ما يزاوله من عمل.
سواء منه ما، تعلق بالله، أو ما تعلق بنفسه، أو ما تعلق بغيره من المخلوقين.
الأساس الثاني: العمل بما علم من دين الله. عمل الفرد، وعمل الأسرة، وعمل الأمة مجتمعة ...
الأساس الثالث: إقامة ولي الأمر أحكام الله الواردة في القرآن والسنة، بحيث يلزم من شذ عن تطبيق شرع الله به بالوسائل الشرعية التي قررها الإسلام ...
هذا المفهوم الشامل للأمن في الإسلام، لم يعد هو المفهوم عند عامة المسلمين، بل أصبح مصطلح: "الأمن" يعني في قواميس الكتاب، والإعلاميين، والعسكريين، والساسة، وكثير من المفكرين والمؤرخين والأدباء والفنانين ... يعني الوقاية من الجريمة - المحددة عند هؤلاء - قبل وقوعها، وضبط المجرم - بالمفهوم المحدد عندهم كذلك - وعقابه بعد وقوعها.
وأكثر ما تعني أمن الدولة ورجالها من الاعتداء. ويدخل في ذلك - تبعا - حماية نفوس الرعايا وأموالهم، وما يخل بالأمن - في مفهومهم - من الأعراض. (١)
стр. 717
منهجان ونتيجتان:
انبنى على المفهوم الشرعي للأمن العناية - تعبدا - بالإنسان من وقت ولادته إلى أن يلقى ربه عناية شرعية: العناية بجسمه، والعناية بعقله، والعناية بروحه وعاطفته، وتوجيهه تعليما وتربية وتدريبا على أن يؤدي إلى غيره من الناس حقوقهم، وألاَّ يأخذ منهم ما لاحق له فيه، وأن يأتي إليهم بما يحب أن يأتوا هم إليه. أي أن يطبق في صلته بالله وبالناس شريعة الله التي لا يتحقق الأمن بدونها.
فكانت النتيجة أمن الناس على دينهم، وعقلهم، ونفسهم، ونسلهم، ومالهم، بحيث يلتزم كل منهم بحفظ ذلك للآخرين كما يحفظها لنفسه، فإن خرج أحد عن هذا الالتزام الذاتي واعتدى على غيره ردعته الأمة - عن طريق ولي أمرها - بالزواجر الشرعية من حد أو قصاص أو تعزير ... وأصبح كل واحد من الأمة: حاكما أو محكوما، سيدا أو مسودا، خادما أو مخدوما، متمتعا بالأمن الذي كفله له دين الله.
وانبنى على مفهوم الأمن غير الشرعي (١) عنايةُ أهله بالوقاية من الجرائم التي أثبتوها في قواميسهم، أو العقوبة عليها، وقد يكون كثير مما سموه جرائم طاعات وعبادات ومصالح للأمة، وليست جرائم في حقيقة الأمر.
стр. 718
فكانت النتيجة جعل ما هو صلاح وبر وإحسان جريمة، وجعل من هو صالح وبار ومحسن مجرما، وجعل ما هو جريمة حقيقة خيرا وبرا وإحسانا، وجعل من هو مجرم فعلا، صالحا وبارا ومحسنا. فَحَرَّموا كثيرا من الواجبات والمندوبات والمباحات، وأحلوا كثيرا من المحرمات والمكروهات ...
الأمثلة على المفهوم الأول تجسدها أبواب الشريعة الإسلامية التي تضمنها القرآن والسنة، وعلامتها تطبيقها، فما طبقت الشريعة في زمان أو مكان إلا تمتع جيلهما بالأمن ... وفي تاريخ الإسلام في عصوره المفضلة خير شاهد.
وإننا نرى في زمننا هذا فرقا شاسعا بين الأمن في دولة تطبق كثيرا من شرع الله، وأخرى تحارب تلك الشريعة!. (١)
والأمثلة على المفهوم الثاني لا تخفى على من يتتبع تاريخ المسلمين الطويل، فما ابتعد المسلمون عن الإسلام، إلا نزل بهم من الخوف وارتفع عنهم من الأمن ما يناسب ابتعادهم، والذي يعيش في عصرنا هذا يرى ذلك عيانا.
стр. 719
فقد حَرَمَتْ الدول العلمانية المحاربة لشرع الله رعاياها من الحكم بما أنزل الله، وقتلت وسجنت وشردت آلاف العلماء والدعاة إلى الله، بسبب دعوتهم إلى تطبيق هذه الشريعة، وعطلت حد الردة الذي يحمي كيان الأمة الإسلامية من الانهيار، وعطلت فريضة الجهاد في سبيل الله، وهو الدرع الواقي للدعوة إلى الله، والسد المنيع من اعتداء أعداء الله على بلدان المسلمين وأعراضهم وأموالهم التي أصبح يسيطر عليها أراذل خلق الله من اليهود، وفي ذلك اعتداء على إحدى ضرورات الحياة، وهي دين الأمة.
وعطلت الحدود، ومنها حد القصاص، وفي ذلك إهدار لإحدى ضرورات الحياة، وهي النفس ...
وأحلت الزنا والوسائل المؤدية إليه، وحاربت وسائل الوقاية منه كالحجاب، وعطلت عقوبة الزنا، وفي ذلك إهدار لإحدى ضرورات الحياة، وهي النسل والعرض.
وأحلت الخمر الذي يفقد العقول وظيفتها، وفي ذلك إهدار لإحدى ضرورات الحياة، وهي العقل.
وبنت اقتصاد الأمة على مبادئ تخالف مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ومن أخطر تلك المبادئ المعاملات الربوية التي حرمها الله وجعل متعاطيها محاربا له تعالى ... وعطلت حد السرقة، وفي ذلك إهدار لإحدى ضرورات الحياة، وهي المال.
стр. 720
وإذا كانت النتيجة هي إهدار ضرورات الحياة، فما بالك بما يخدمها من الحاجيات والتكميليات؟!.
لذلك ترى من الفسق والمنكر والعدوان على كل شعائر الله وحقوق عباده في البلدان الإسلامية، ما يثبت لك اعوجاج مفهوم الأمن لدى قادة الباطل ...
стр. 721
المثال الثالث: الإجرام والمجرمون .
إن المراد بالإجرام في المصطلح الإسلامي هو كسب الإنسان السوء والمعصية والمنكر والاعتداء على حقوق الله وحقوق عباده، يشمل ذلك الكسب الاعتقادي كالشرك، والعملي كالسرقة والزنا وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق والظلم بكل أنواعه، ومنه أكل أموال الناس بالباطل.
والمراد بالسوء والمعصية والمنكر والحقوق المعتدى عليها هنا، ما اعْتُبِرَ عند الله في دينه كذلك، لا ما اعتبره البشر كذلك وهو عند الله غير معتبر، والإنسان الذي يكسب هذه الأمور المعتبرة عند الله جريمة، هو المجرم ولا يستوي عند الله الإجرام والإسلام، والإفساد والإصلاح، ولا المسلم والمجرم، ولا المفسد والمصلح.
وإذا تأمل الباحث إطلاق لفظ: المجرمين في كتاب الله تعالى ألفاه - غالبا - يقابل المسلمين، وهو يشمل الكافر والمنافق.
من ذلك قول الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١) .
وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢) .
стр. 722
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٣) .
وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٤) .
هذا هو المصطلح الإسلامي للمجرم، ولكن أعداء الحق وأنصار الباطل كثيرا ما يطلقون هذا المصطلح اليوم على علماء الإسلام ودعاته، الذين ينادون بتحكيم شرع الله في الشعوب الإسلامية.
стр. 723
ولما كان الحكام الذين يحاربون شرع الله يعلمون أن لأولئك العلماء والدعاة، تأثيرا على نفوس تلك الشعوب، وأن نتيجة هذا التأثير هي الاستجابة لدعوة العلماء ونصرة الحق الذين يدعون إليه، فقد اعتبروا دعاة الإسلام وحداة الحق مجرمين، لأنهم يريدون - في زعمهم - قلب أنظمة الحكم الطاغوتية.
لذا سلطوا عليهم أجهزة إعلامهم لتكرر وصفهم بالإجرام، وأنشئوا لهم محاكم عسكرية أو مدنية طاغوتية تعتبرهم - قبل إعلان الحكم عليهم - مجرمين، إجراما يرقى إلى درجة الخيانة العظمى التي يستحق صاحبها القتل، وإذا فر العالم الداعية إلى الحق وإقامة شرع الله، إلى بلد يحكمه طاغوت آخر تعاون طاغوتا البلدين بناء على اتفاقات تسمى تبادل تسليم المجرمين، مع أن المجرم الحقيقي هو أولئك الطغاة الذين يحاربون تطبيق شرع الله ويسومون أولياء الله سوء العذاب باعتبارهم مجرمين.
ولذلك يجب على كل قادر على بيان الحق أن يكون سباقا بذلك البيان إلى عقول الناس، ليكونوا على بصيرة بحقيقة الإجرام والمجرمين، فلا تخدع عقولهم دعايات الضلال والمضللين، فيسوء بذلك تصورهم ويؤيدون بسببه أهل الباطل المجرمين على أهل الحق المسلمين.
стр. 724
المثال الرابع: معنى الدين .
الدين في المصطلح الإسلامي يعني الإسلام الشامل، الذي يدخل فيه الإيمان بالقلب والقول باللسان والعمل بالأركان، وتدخل فيه الشعائر الدينية والشرائع العملية، من معاملات مالية واقتصادية وقضائية وسياسية واجتماعية، وبالجملة يدخل فيه كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو ما قال الله عنه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)
ولكن أنصار الباطل، وأعداء الحق المحاربين لشريعة الله، خططوا لإزالة هذا المفهوم من عقول أبناء المسلمين، بحيث جعلوا الدين لا يتجاوز معنى العبادة بمفهومها الضيق، وهو أنها صلة بين العبد وربه فقط، وكل إنسان حر في أداء تلك العبادة واعتقادها أو عدم ذلك، فمن أراد أن يتطهر ويصلي فليفعل ومن لم يرد فهو أمير نفسه.
أما شؤون الحياة الاجتماعية - عدا بعض أحكام الأسرة - والاقتصادية والسياسية والتعليمية والإعلامية والعسكرية وغيرها، فلا تدخل في الدين ولا للدين فيها حَلٌّ ولا ربط.
стр. 725
ولهذا حُصِر الدين في مناهج التعليم والإعلام والفتوى ونحوها، في أبواب الطهارة والصلاة والحج والصوم، وخصصت له وريقات في المدارس الابتدائية يدرسها الطالب الصغير دراسة ممسوخة، وتسمى مادة:"الدين" التي تجعل الطالب وأسرته ومجتمعه لا تفهم من الدين إلا ذلك. (١)
وهكذا شأن الإعلام الذي تقدم فيه فتاوى مشابهة لما في مناهج التعليم، إذ الغالب أن تكون الفتاوى تتعلق ببعض أبواب الفقه الإسلامي، كالطهارة من وضوء وغسل وحيض ومسح على الخفين، وصلاة وحج وصوم، ونحو ذلك مما هو جزء من الدين، وبنشره يأذن قادة الباطل لوسائل الإعلام، مما لا يعارض مصالحهم معارضة مباشرة كبعض أحكام الأسرة....
أما ما يعتبره قادة الباطل متعارضا مع مصالحهم، كأبواب الاقتصاد والسياسة الشرعية، والولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله، والشورى، والعلاقات الدولية ونحوها، فلا تكاد تذكر في أجهزة إعلام أعداء الحق المحاربين للإسلام، خشية من أن يسبق الحقُّ الباطلَ إلى عقول الناس. والذي تهتم به وسائل الإعلام من هذه الأبواب هو ما يخدم مصالح قادة الباطل مما يخالف كثير منه دين الله وشريعته ...
стр. 726
وبسبب ذلك أصبحت عقول كثير من أبناء المسلمين غير إسلامية على الحقيقة، لأنها لم تفقه حقيقة الإسلام الشامل، بل صُوِّر لهم أن دين الإسلام يعني التأخر والرجعية، وأنه يخالف روح العصر والتقدم، وأنه شبيه بالحكومة الإلهية التي حاربها الغرب عندما كانت الكنيسة تتدخل في كل شيء، وتزعم أنها تمارس نشاطها نيابة عن الله، وأنه لا يمكن أن يتقدم المسلمون ويتحضروا إلا إذا حاربوا دينهم من الناحية التشريعية، كما فعل الأوروبيون مع الكنيسة ومنعوها من التدخل في حياتهم.
ولهذا تجد أجهزة أعداء الحق تشن غارتها على أي بلد يطبق شيئا من أحكام هذا الدين (١) ، كالقصاص والحدود ...
ومن هنا لبسوا عقول أبناء المسلمين مناظير مضللة غير مناظير الإسلام، فأصبح بذلك الحق عندهم باطلا والباطل حقا، وانقلبت عليهم الموازين، وتغيرت الجهات، فأصبح العلو سفلا والسفل علوا، والأمام وراء والوراء أمامَ، فاحتاجوا إلى من يشمر عن ساعد الجد وينبههم على هذا الخطر الذي أحاط بهم وهم لا يعلمون، لأن أعداء الحق سبقوا بباطلهم إلى عقولهم وحالوا بينهم وبين وصول الحق إليها.
стр. 727
فلْيَحْدُ حادي الحق تلك العقول المضَلَّلَة، ليربأوا بأنفسهم عن البقرة التي لبسها صاحبها نظارة خضراء، لترى العشب اليابس أخضر، فيكثر درها، وليقل لأصحاب تلك العقول ناصحا:
فتح عينيك يا راجي ... تبصر في الليل الساجي
والبس دوما منظارك ... يهدي فيه (١) أبصارك
هل تدري ما المنظار ... وحيَ الله تختار
واسلك نهجا يرضاهُ ... للمخلوقينَ اللهُ
وافتح أذنك يا راجي ... واتبع من يحدو الناجي
نحو الفردوس العالي ... والزم خير الأعمال
حرِّكْ عقلَك يا راجي ... تفقه قصد المنهاجِ
واحذر شؤم التقليدِ ... نهج الأعمى المنكودِ
واصحب قوما صلاحا ... منهم مسكٌ قد فاحا
أهل التقوى والسنَّهْ ... والرضوان والجنَّهْ
стр. 728
وإن من أعظم المصائب أن يقع في هذا التقليد من يزعم أنه مجتهد يحارب التقليد، بحيث إذا خالف بعضَ كبار الأئمة - كالأئمة الأربعة - بدون تمحيص في مسألة شرعية، وإذا طلب منه التأمل في آرائهم وأوجه استدلالهم، صعر خده وأشار بيده إلى صدره قائلا: نحن رجال وهم رجال! وإذا سمع قولا يهواه من زميل له أو متعالم صغير، أسرع في الأخذ به ونشره والدفاع عنه، دون تمحيص - أيضا - ولم يشعر بأنه قلد من لا يستحق التقليد، ونسي أن يقول: نحن رجال وهم رجال!
وإذا لم يتدارك دعاة الحق عقول الناس بسبق الحق إليها، فإن أهل الباطل يتربصون بها، وقد أحاطوا بها من كل جانب ليضلوها، ويقودها إلى دمارها أوغاد جهلة لا يألون جهدا في إهدار ضرورات حياتها:
هل قد علمت بما جرى ... أو أنت سائل من درى
أرباب أحلام صغار ... صاروا رؤوسا للورى
وإذا سبرت عقولهم ... بانت أقل وأحقرا
وهي التي ألقت بهم ... في قعر بحر لا يرى
وهناك في ظلماته ... ظنوا الأمام هو الورى
وبنوا على الظن الردي ... سيرا حثيثا منكرا
стр. 729
النتيجة السابعة: وفرة إمكانات سباق أهل الحق المعنوية .
لقد منح الله تعالى أهل الحق من الإمكانات المعنوية، ما يستطيعون بها سبق أهل الباطل بحقهم إلى عقول الناس.
من تلك الإمكانات توافق منهاج هذا الدين، الذي هو الحق والذي لا يملكه إلا المسلمون، مع الفطرة، ولو تراكمت عليها أتربة الباطل ردحا من الزمن.
فأصول منهاج هذا الدين من الإيمان والرسالة والوحي تُقِرُّبها الفطر وتتجاوب معها، كما تخضع لها العقول وتستقبلها، مُسلِّمةً بالحجج والبراهين التي تكمن فيها من جهة ويتضافر معها الكون كله علويه وسفليه من جهة، وبخاصة إذا اجتهد أهل الحق فسبقوا أهل الباطل بتلك الأصول - مع الحجج والبراهين - إلى عقول الناس.
يتضح ذلك بالمقارنة بين أصول هذا الدين وبين العقائد الأخرى، كاليهودية والنصرانية المحرفتين، والوثنيات المنتشرة في الأرض، كالهندوسية والبوذية وغيرهما.
وعلى سبيل المثال، فإن الإله المعبود في دين الإسلام قد حسم معناه حسما لا يتطرق إليه الشك في قاعدة قواعد الإسلام: [لا إله إلا الله] وجميع نصوص القرآن تدل عليه.
стр. 730
مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . (١)
ومثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣)
فهو خالق الكون وحده وهو المعبود وحده، وهو منزه عن صفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . وكل مخلوقات الله تدل على ذلك.
فإذا رجع الباحث إلى عقيدة اليهود وتصورهم للإله، وجدهم يصفونه بأوصاف ينزهون أنفسهم عنها كقولهم - تعالى الله عنه -: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ . وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ . وما يصفونه تعالى به في التوراة الموجودة بين أيدي الناس اليوم، يصعب على الباحث إيراده تنزيها لمداد قلمه من أن يسطره في جناب الله .
أما النصارى فقد جعلوا الإله الواحد ثلاثة، والثلاثة واحدا.
وأما الوثنيون فكل حجر عندهم إله وكل شجرة إله وكل حيوان إله.
стр. 731
فإذا قارن العاقل بين ما جاء في قاعدة قواعد الإسلام: [لا إله إلا الله] وما يفسرها من نصوص الكتاب والسنة، وبين هذه العقائد الفاسدة، مالت فطرته السليمة إلى تلك القاعدة، ونفرت من هذه العقائد الفاسدة، مقتديا بخليل الله إبراهيم ﵇ الذي حاول اليهود والنصارى وغيرهم صرف الناس عن ملته، فأبى الله لهم إلا ملته، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)
وتلك هي فطرة الله التي أمر بها رسولَه محمدا ﷺ ودعا إليها الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)
стр. 732
فما تضمنته أصول هذا الدين من حق وما أودعه الله في نفوس الخلق من الفطرة، يرجحان كفة سبق أهل الحق بحقهم إلى عقول الناس، إذا جدوا في ذلك واجتهدوا.
فإذا انتقلنا إلى فروع هذا الدين من شريعة الله الشاملة، وجدناها كذلك تناسب الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتحقق لهم مصالحهم في الحياة الدنيا والآخرة، بخلاف القوانين البشرية التي يكتنف واضعها الجهل والظلم والغفلة، والتي تغلب مفاسدها ما قد يوجد فيها من مصالح، لأن مصدر شريعة هذا الدين هو الله المتصف بالعلم المحيط بكل شيء، والعدل الثابت الذي لا يتغير، المنزه عن الجهل والظلم والغفلة ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ .
فتَوَافُقُ منهاج هذا الدين وفطرة الناس من أهم ما يعين دعاة الحق على السبق بحقهم إلى عقول الناس، بخلاف أهل الباطل، فإن باطلهم يحمل في ذاته ما يعطل سيره، أو يبطئه، كما أن الفطرة السليمة تنفر منه، والفطر التي فسدت باجتيال الشياطين، تتيقظ لخطره إذا انُفض عنها غباره، بدعوة أهل الحق وسبقهم إلى عقول أصحابها به.
стр. 733
ومناهج التعليم - لو بنيت على أساس المنهج الرباني - في بلدان المسلمين، لكان لها أثر عظيم في السباق إلى عقول الناس الوافدين إلى هذه البلدان من بلدان غير المسلمين، وهم يمثلون كل المستويات التعليمية، ومن أهل الديانات المتنوعة من مشارق الأرض ومغاربها، من يهود ونصارى ووثنيين وملحدين، إضافة إلى تحصين تلك المناهج عقولَ أبناء المسلمين من سبق أهل الباطل بباطلهم إليها، كما هو الحال اليوم، حيث يؤثر الوافد من أهل الباطل بباطله في ذرية أهل الحق!.
هذه إشارة عابرة إلى ما منح الله به أهل الحق من الإمكانيات المعنوية التي تمكنهم من غلبة أهل الباطل في سباقهم إلى العقول.
وهي لا توجد عند غير أهل الحق من المسلمين، وهي أساس الإمكانات وأعظمها تأثيرا في النفوس.
يضاف إلى ذلك أن منهاج الحق الذي لا يملكه إلا المسلمون، وهو: الكتاب والسنة، محفوظ من التغيير والتبديل بإذن الله إلى يوم القيامة، فهو ثابت دائم لا ينقطع تأثيره في الخلق ما اجتهد المسلمون في تطبيقه ودعوة الناس إليه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . (١)
стр. 734
الامتداد المكاني .
فالرقعة الأرضية التي يسكنها المسلمون تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى حدود الصين شرقا، ومن المحيط الهندي إلى حدود روسيا شمالا، ولا يوجد بلد غير إسلامي إلا وقد وجد فيه مسلمون قلوا أم كثروا.
وهذا الامتداد المكاني يوفر لهم فرصة عظيمة للوصول إلى عقول الناس الذين يعيشون فيه، كل منهم في موقعه بدون اضطرار إلى الانتقال من مكان إلى مكان آخر بعيد.
فكل صاحب باطل يعيش بين غالبية من أهل الحق سيكون المسلمون أكثر سبقا إلى عقله بالقدوة الحسنة - لو وجدت فيهم -، ثم بالدعوة والبلاغ المبين، وكل صاحب حق وجد من المسلمين بين غالبية من أهل الباطل، سيؤثر فيهم ويسبق إلى عقولهم بمقدار القدوة الحسنة التي يحملها وبمقدار قيامه بالدعوة إلى الله بالوسائل الشرعية المتاحة المناسبة لكل بلد.
стр. 735
الكثرة العددية .
والكثرة العددية للمسلمين، وهم فقط الذين يملكون الحق الإلهي الرباني، تؤهلهم، لو استقاموا على نهج الله واتخذوا الوسائل المتاحة الشرعية للسباق إلى العقول، من سبق غيرهم من أهل الباطل إلى تلك العقول.
стр. 736
الثروات الكثيرة المتنوعة .
والثروات الهائلة التي تحتوي عليها أراضيهم، من طاقات ومعادن وزراعة وحيوان وغيرها تعينهم - لو استغلوها استغلالا سليما - على إيجاد وسائل لا حصر لها للسباق بالحق إلى العقول.
стр. 737
العلاقات العالمية .
وصِلاتُهم بالعالم: الاقتصادية، والثقافية، والدبلوماسية، والإعلامية، وغيرها، تسهل عليهم اقتحام الحواجز التي تحول بين الحق وبين وعقول الناس في العالم كله، لو كان المسلمون جادين في سباقهم بالحق إلى تلك العقول.
стр. 738
المواصلات والاتصالات .
ووسائل المواصلات والاتصالات التي يملكها المسلمون - سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، هاتفية أو إعلامية - تخدمهم خدمة عظيمة في السباق إلى العقول بالحق الذي يملكونه. (١)
стр. 739
النتيجة التاسعة: تعاون أهل الحق يحقق لهم السبق إلى العقول .
إن المسلمين - وهم أهل الحق - لجد يرون بالسبق بالحق إلى عقول الناس، ولو تعاونوا فيما بينهم وبذل كل منهم - أفرادا وجماعات - وسعه في حدود تخصصه للسباق بالحق إلى العقول، لكانت لهم الغلبة على أهل الباطل.
فقهاء الإسلام
فالفقهاء في الدين عندهم القدرة على إبلاغ الحق الرباني، إلى عقول الناس بالدعوة والتعليم بكل وسيلة تتاح لهم من الوسائل الكثيرة.
أغنياء الأمة الإسلامية.
وأغنياء الأمة الإسلامية - وقد لا يكونون علماء - قادرون على تمويل مشروعات السبق إلى العقول التي يقوم بها فقهاء الإسلام ودعاته، من الدعوة، والتعليم في المساجد والمدارس أو الجامعات أو التجمعات، أيا كان نوعها، كما أنهم قادرون على إنشاء مطابع وطبع نشرات أو كتب أو مصاحف، أو إقامة مؤتمرات أو ندوات متنوعة، هدفها كلها السبق بالحق إلى العقول.
ولاة أمور المسلمين.
стр. 740
وولاة المسلمين وحكامهم قادرون على تسخير كل ما يملكون من وسائل، للسباق إلى العقول بالحق - مع تحقيق تلك الوسائل لما وضعت له من مصالح الدول - والحكام أكثر قدرة من غيرهم في هذا المجال، لأنهم يملكون إمكانات الشعوب وطاقاتها ومرافقها.
ومما يؤسف له أن غالب حكام الشعوب الإسلامية قد نصبوا أنفسهم لدعم سباق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس، وللحجر على تلك العقول من أن يصل إليها الحق!
جيوش الأمة الإسلامية.
وجيوش المسلمين قادرة على ردع من وقف في صف الباطل، ليسبق به إلى عقول الناس، ولإعانة أهل الحق في أن يسبقوا بالحق إلى عقول الناس.
وهكذا كل صنف من أصناف المسلمين يعين أهل الحق في سباقهم به إلى عقول الناس بما يقدر عليه بحسب موقعه، تحقيقا للتعاون على البر والتقوى الذين أمر الله بهما.
النتيجة العاشرة: دور الجماهير في سبق الباطل إلى العقول.
إن قادة الباطل وطغاته لا يحققون السباق بالباطل إلى عقول الناس إلا بحشد الجماهير المؤيدة لهم، جاهلة كانت أو مؤْثرة لمصالح مادية زائلة، ولو لم تستجب لهم تلك الجماهير لما استطاعوا أن يحققوا غاياتهم الفاسدة.
المشرعون والمنفذون.