Полный текст (765 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكنت أظن أن هؤلاء الوثنيين مثل وثنيي العرب الذين كانوا يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله، ولكني وجدتهم ينكرون إنكارا شديدا أن يكون هناك رب خلق هذا الكون، وهم في ذلك كالشيوعيين الملحدين ولا يختلفون عنهم إلا بأنهم يعبدون المخلوقات عبادة صريحة واضحة.
بل إنك لتجد جمهرة من المسلمين يعبدون القبور ويطوفون بها ويتمسحون بترابها ويدعون أهلها من دون الله!
وتجد كثيرا من أبناء المسلمين ملحدين لا يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، متبعين في ذلك ماركس ولينين وغيرهما.
نعم انهارت الدول الإلحادية ولكن الإلحاد ما زال موجودا.
والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بالغيب الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فلا يؤمن بوحي ولا رسالة ولا كتب -وآخر تلك الكتب والمهيمن عليها القرآن الكريم- ولا برزخ ولا بعث ولا حشر ولا حساب ولا صراط ولا ميزان ولا جنة ولا نار ولا ملائكة، لا شيء غير عالم الشهود.
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في مجال الإيمان يعيشون في نور أو ظلمات؟!
وفقد الإيمان بالغيب يكفي وحده للدلالة على أن صاحبه في ظلمات، وكل خير مفقود هو أثر لفقد هذا المجال.
المجال الثاني: الحياة الاجتماعية.
стр. 72
الحياة الأسرية هي نواة الحياة الاجتماعية في كل الأمم، فإذا ما قامت الحياة الأسرية على أساس متين في علاقات بعض أفرادها ببعض، ابتداء من الزوجين اللذين يكون الزواج سكنا لهما وراحة وطمأنينة، بحيث يختار كل منهما صاحبه على أساس الدين الذي لا تستقيم الحياة الزوجية، ولا يحصل السكن لكل من الزوجين وثقة كل منهما بصاحبه إلا به، وقد يكون في بعض الأديان الباطلة شيء من الوصايا والآداب الزوجية، ولكنها لا تقوم على تقوى الله والخوف منه والرغبة في ثوابه، ولا تكون بذلك مطبقة في الواقع، وبخاصة عندما يكون الهدف من الزواج لكل من الزوجين المتعة المادية فحسب أو الكسب المادي، كطمع كل منهما في مال الآخر ونحو ذلك -أي عندما تطغى الأنانية والأثرة.
وهذا ما هو حاصل اليوم في خضم الحضارة المادية.
لذلك تجد الصراع والشقاق بين الأزواج وكثرة الطلاق وتشرد الأولاد، وانتشار الأمراض النفسية، وتعاطي الكحول والمخدرات والإدمان عليها، وفقد كل من الزوجين ثقته في الآخر، وانبنى على ذلك ما لا يحصى من الآثار الخطيرة.
стр. 73
من ذلك العزوف عن الزواج للتخلص من الارتباطات القانونية وتحمل مشقات تربية الأولاد -ماديا- وأصبح الآدميون يعيشون كما تعيش البهائم.
بل إن الزوج يرى امرأته وهي ترافق غيره، والمرأة ترى زوجها وهو يرافق غيرها، وقد يتآمر أحد الزوجين وعشيقه على الآخر، فيقتلانه ليتخلصا منه ويعيشا عيشة الحيوان برهة من الزمن، ثم يستبدل كل منهما بقرينه قرينا آخر.
وقد تنجب هذه المرأة أولادا فينسبون إلى زوجها وهو يعلم أنهم ليسوا بأولاده، كما لا توجد ثقة عند الأبناء بأن هذا هو أبوهم.
стр. 74
ولهذا يحاول كل من الآباء والأبناء تخلص بعضهم من بعض إما بالقانون -إذا أمكن- أو بالاعتداء على الحياة فإذا ما بلغ الولد -ذكرا أو أنثى- السن القانونية وكان والده يكره حياته معه، طرده من بيته إلى غير رجعة وليصادف في حياته ما يصادف، وإذا كان الولد يكره الحياة مع والديه أو أحدهما غادر المنزل وقد لا يلتقيهم بعد ذلك في هذه الحياة، وقد يقتل أحدهما الآخر، وكم من شيخ فان مات في منزله فلم يعلم بموته أولاده، وهم في مدينته أو حارته أو عمارته أو في مكان آخر؟! فلا يُعرف موته إلا برائحة جثته عندما تتخلل شقوق الأبواب والنوافذ فتنبه الجيران ليستدعوا الشرطة لتريحهم من تلك الرائحة.
ولعدم ثقة كل من الزوجين في صاحبه وعدم ثقة الآباء في نسبة الأولاد إليهم، وعدم ثقة الأبناء في أن أولئك آباؤهم، ترى الغني الثري يقف ماله بعد موته على حيوانات أو غيرها، فرارا من أن يحوزها من لا يثق بنسبته إليه.
هذه بعض أحوال الأسرة التي هي نواة المجتمع، فكيف يا ترى يكون المجتمع المكون من هذه الأسر؟
стр. 75
كيف تكون الروابط بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة؟ وكيف تكون الروابط بين الجيران؟ وكيف تكون الروابط بين الإخوان والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأقارب الآخرين، إذا كانت تلك هي الروابط بين الأزواج والأبناء؟
هذا في الأقارب فما شأن الأباعد؟
إنه الدمار الذي يحطم الروابط المادية التي لا أساس لها من دين أو خلق، فلا يرحم قوي ضعيفا ولا يحترم صغير كبيرا.
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاجتماعي يعيشون في نور أو ظلمات؟!
المجال الثالث: الحياة الاقتصادية.
والاقتصاد عند المتحضرين هو محور التنافس وميدان الصراع، يحطم القوي فيه الضعيف، وتقف وراءه حفنة قليلة من البشر تمتص به عرق العالم ودماءه: عصابة يقبع أفرادها في مكاتبهم ويقعدون على كراسيهم، ويديرون الاقتصاد العالمي كله بمكالمات هاتفية أو رسائل تلكس أو فاكس، أو بريد إلكتروني، يتلاعبون بأسعار النقد وأسعار السلع ويحطمون اقتصاد دول وشعوب، وتبتلع شركاتٌ كبرى شركاتٍ صغرى، سلاحهم الأساسي في كل ذلك الربا الذي دمر العالم وحطمه.
стр. 76
ينبني على هذا الجشع والاستغلال والتلاعب، أن يكدح البشر في العالم ويبذل غاية طاقته في العمل من أجل أن تقطف ثمار عمله تلك العصابة المرابية، فتكون الدول والشعوب أسيرة لتلك العصابة، تأخذ منها أقصى جهدها، وتعطيها ما لا يقيم ضرورتها من المعيشة.
وبتمكن تلك العصابة الشريرة من السيطرة الاقتصادية واحتوائها للمال ومرافقه، أصبحت تسيطر على مرافق العالم من الإعلام بكل وسائله من الصحيفة إلى القمر الصناعي وما يتصل به، تخدمها الوكالات الإعلامية الكبرى التي تنشئها أو تشتريها بالمال والجاه والمنصب وإشباع الغرائز.
وبذلك تحتكر المعلومات وتسرب منها ما تريد وتحتفظ بما تريد، وتأتي التحليلات والتحقيقات متمشية مع مقاصدها، وكثيرا ما تُقلب فيها الحقائق وتُضلل بذلك الأمم والشعوب، وتخدمها أجهزة الإعلام في الدول المستضعفة، لأنها تتلقى مادتها الإعلامية من وكالاتها، فتنتشر بين الناس معلومات مضللة في كل المجالات، ولا يتنبه لذلك إلا قلة من الناس لا حيلة عندهم في كشف ذلك وفضحه بدون وسيلة إعلامية أمام تيار الوكالات المسيرة بذلك الاقتصاد، وسيأتي الكلام على مجالات أخرى للاقتصاد ودوره الفعال في التأثير عليها.
стр. 77
ومع الثراء الفاحش الذي تجمع في أيدي تلك العصابة، تجد الفقر المدقع قد أنهك مجموعات من البشر في جميع الدول بما فيها الدول المتحضرة (ماديا) يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يتسكعون في الشوارع، لا يجدون من يشفق عليهم أو يرحمهم من أولئك الأثرياء، لا بصدقة ولا بوظيفة ولا بقرض حسن، فكثرت بسبب ذلك البطالة، لتسريح أولئك الأثرياء أعدادا هائلة من العمال، وبخاصة بعد أن حلت الآلة محل البشر، والذي يبقى في عمله من الضعفاء لا ينال من أجره إلا ما يجود عليه به الثري الذي يستغل أقصى جهده في العمل، ولا يعطيه من الأجر إلا أقل القليل مما يستحق.
وهنا يأتي دور نقابات العمال التي تقوم بالمظاهرات وتلجأ إلى الاعتصام، وتتوقف في بعض المؤسسات الأعمال، حتى يتم التفاهم مع رب العمل والعمال فيعود العمل لفترة زمنية، ويتكرر النزاع بعدها من جديد.
وحدِّثْ عن الجوع الذي يقتل شعوبا بأكملها، والكوارث التي تقضي على بلدان كثيرة، فلا تجد من عصابات الثراء عونا ولا إسعافا، وبخاصة إذا كانت تلك الشعوب غير مرضي عنها لأمر من الأمور.
стр. 78
واليوم ظهر خوف الشعوب ذات الحضارة المادية المتقدمة -وكيف بغيرها؟ مما سمي بالعولمة، التي حقيقتها سيطرة الأقوياء على الضعفاء في كل المجالات: الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية، والإعلامية، وجعل الشعوب الضعيفة أشد ضعفا، تقضي فيها الدول القوية على كل مقوماتها، بل تقضي على سيادتها، وتصبح الدول القوية تتحكم في كل شأن من شؤون حياتها.
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاقتصادي يعيشون في نور أو ظلمات؟!
وإنما أغفلت ذكر المعسكر الشيوعي والاشتراكي -وإن كان موجودا في الصين الشعبية بصفة خاصة، ومحافظا على فلسفته الشيوعية التي تجعل الشعب كله خادما بلقمة عيشه ومسكنه الجماعي لا يملك لنفسه شيئا- لأن هذا المعسكر قد قضى بنفسه على نفسه لمخالفة نهجه الفطرة والناموس مخالفة واضحة، وهو في طريقه إلى الزوال كما حصل لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي. وها هي الصين اليوم تعلن تخليها عن نهجها الاقتصادي الشيوعي، وتأخذ بالنهج الرأسمالي، وإن زعمت أنها لا تزال على شيوعيتها ...
المجال الرابع: الحياة السياسية.
стр. 79
الحياة السياسية في العالم الذي يقال عنه: إنه متحضر تقوم -كغيرها- على أساس إبعاد منهج الله تعالى عن تسيير حياة البشر، وإحلال المناهج البشرية محله، وهو ما اشتهر بالعلمانية، والعالم الغربي منطقي مع نفسه في ذلك، بالنسبة للديانة النصرانية المحرفة.
فالإنجيل الذي بأيديهم ليس فيه ما يمكن أن يستند عليه في التشريع والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء وغيرها، حتى يقال للنصارى: احكموا بالإنجيل في سياستكم.
وأمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا بما فيه، وكذا أمر أهل التوراة أن يحكموا بما فيها، المراد منه الاعتراف والإقرار برسالة الرسول ﷺ التي وردت في الكتابين، وأنكرها اليهود والنصارى وكتموها، وليس المراد الحكم بكل ما فيهما بعد نزول القرآن الذي هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، وقد بين ذلك المفسرون ...
وأهل الغرب ليس عندهم -وخاصة ساستهم- استعداد لقبول تحكيم الإسلام حتى يبنوا حياتهم السياسية على مبادئه -لا سيما أن المسلمين أنفسهم لا يحكمون الإسلام في أغلب بلدانهم، فكيف يرجى من غيرهم أن يحكم به وهم بعيدون منه؟!.
стр. 80
لذلك قامت الحياة السياسية في الغرب -أوروبا وأمريكا الشمالية وما دار في فلكها من البلدان، كأستراليا واليابان- على مبدأ الديمقراطية التي يقال عنها: إن الشعب يحكم نفسه بنفسه إما بصفة مباشرة -وهذه حلم لم يتحقق إلى الآن- أو عن طريق نوابه الذين يختارهم، والأسلوب الذي تدار به السياسة في الغرب أسلوب جذاب في ظاهره وبخاصة إذا قورن بالسياسة الاستبدادية " الدكتاتورية " التي اتبعها المعسكر الاشتراكي والدول المسماة بالعالم الثالث. فإن الشعب في الغرب يختار نوابه ويختار قادته بدون شراء الأصوات مباشرة وبدون تزوير واضح، وبدون مضايقة شرطية "بوليسية" يتنافس الزعماء الذين يرشحون أنفسهم لقيادة بلدانهم، فإذا اختير أحدهم سلم السابق الحكم للاحق بدون أي عناء أو مشقة، وهكذا تتداول الأحزاب الحكم بطريقة سلمية -بخلاف الزعماء الاستبداديين وأحزابهم، فإنهم لا يسلمون الحكم لخصومهم إلا بالسلاح.
ولكن هل هذه الصورة الظاهرة المفضلة على الاستبداد كما يراها الناس في ظاهرها حرة ليس فيها إكراه، ونزيهة ليس فيها خداع؟
стр. 81
والجواب: لا، فحريتها ظاهرية سطحية، ونزاهتها وهمية، فالأحزاب الغربية المسماة بالديمقراطية تضلل عقول الشعوب التي تنتخب الزعماء، عن طريق أجهزة الإعلام بتخطيط وتنظيم وتنفيذ معدة إعدادا محكما، من قبل مختصين في كل شأن من الشؤون التي تهم تلك الشعوب، وأجهزة الإعلام هي التي تُشتَرى بدلا من شراء الأصوات مباشرة، وهي تكذب وتجعل الكذب في صورة صدق، والزعماء يكذبون ويظهر كذبهم في صورة صدق، إضافة إلى القذارة الأخلاقية التي يتبعونها في اتهاماتهم لخصومهم بالحق والباطل، مع ما يعد به الزعيم الشعوب من الإنجازات التي يتبخر كثير منها بعد وصوله إلى كرسي الحكم.
وإذا علمنا أن أغلب جماهير الشعوب غوغائية، لا تفكر ولا تحلل ولا تشغل عقولها بمصالحها، وإنما تَسمع وتستخف وتُقلِّد، وأن الذين يقودون تلك الشعوب هم أفراد قلائل، أدركنا أن تلك الجماهير شبه مكرهة على انتخاب أولئك الزعماء، بسبب التضليل الذي تفعله أجهزة الإعلام وشياطينها، وبسبب الأكاذيب والشتائم التي يكيلها كل مرشح لخصمه، والوعود التي يقطعها على نفسه.
стр. 82
ويترتب على ذلك أن الحزب الحاكم له مناهج وخطط وأهداف، كثير منها ليست هي التي يطمع فيها الشعب الذي انتخبه، فيمنى الشعب بخسائر لم تكن بحسبانه، وبخاصة ما يتعلق بالاقتصاد الذي لا يكون الرفاه إلا بازدهاره.
كما أن أولئك الزعماء تكون لهم طموحات استعمارية وسياسية وعسكرية، فيجمعون بين أمرين:
الأمر الأول: التعالي على الشعوب الضعيفة وقهرها وأخذ خيراتها وجعلها مصدرا رخيصا للخامات التي يصنعها وسوقا يشعل فيه غلاء بضائعه وصناعاته، فيدمر بذلك اقتصادها، وقد يدمر جيشها وسلاحها.
الأمر الثاني: توريط شعوبهم -ليحققوا طموحاتهم- في حروب وعجز ميزانياتها بسبب إنفاق الأموال على وسائل تخفيف تلك الطموحات: من إنفاق مبالغ هائلة على السلاح وما يتبعه وعلى تنفيذ خطط إعلامية وسياسية وغيرها، وبذلك ترتفع الضرائب التي ترهق شعوبهم، بدلا من الرفاهية التي وعدوها بها.
والسبب في ذلك كله أن أولئك الزعماء يتصرفون بدون رقيب داخلي، والرقيب الداخلي لا يكون إلا بتقوى الله وهي معدومة عندهم.
стр. 83
نعم توجد رقابة من البرلمانات والأحزاب المعارضة، وتعلن فضائح ولكن بعد فوات الأوان، ثم إن الرقباء الذين يعارضون الحزب الحاكم إذا تولوا الأمور فعلوا كما فعل من سبقهم وهكذا....
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه هي حياتهم في المجال السياسي يعيشون في نور أم في ظلام؟!
وهذا مع اعترافنا أن أساليب سياسة الدول الغربية الديمقراطية أفضل بكثير من أساليب الحكم المستبدة في الدول المسماة بدول الشمال، أو دول العالم الثالث.
المجال الخامس: حياة تطبيق حقوق الإنسان.
عندما يتابع المرء ما يصدر عن زعماء الغرب ومفكريهم وأجهزة إعلامهم، عما يتعلق بحقوق الإنسان ينقدح في ذهنه -إذا كان خالي الذهن- ثلاثة أمور رئيسة:
الأمر الأول: أن حقوق الإنسان هذه مصدرها الغرب، فهو الذي ابتكرها، وهو الذي صاغها ووضعها، وهو حامل لوائها وناشرها والداعي إليها.
الأمر الثاني: أن المقصود بالإنسان جنسه، بصرف النظر عن لونه أو دينه أو نوعه أو أرضه.
فكل إنسان في الأرض يجب أن يتمتع بهذه الحقوق المنصوص عليها "بصرف النظر عن موافقة بعضها للإسلام أو مخالفته.." فهذا أمر آخر له موضوعه.
стр. 84
الأمر الثالث: أن حقوق الإنسان التي يدعون إلى تطبيقها بلغت من الكمال والسمو والدوام ما يجعلها جديرة وحدها بالاتباع، وكل ما عداها من التشريعات لا تدانيها!
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرته الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمرت العالم في مشارق الأرض ومغاربها، بسبب الأطماع الاستعمارية الغربية "المتحضرة! " وقد سبقتها الحرب العالمية الأولى.
وهذا الإعلان يؤكد على احترام حريات الشعوب والجماعات والأفراد دون تمييز (بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أي تفرقة بين الرجال والنساء..) .
стр. 85
وكان صدور هذا الإعلان سنة ١٩٤٨م أي أن المدة التي مضت لصدور هذا القانون ٥٣ سنة فقط، وقد مضى على نزول القرآن الكريم أكثر من ١٤٢٢هـ. والقرآن والسنة والفقه الإسلامي المستنبط منهما قد تضمنت من حقوق الإنسان ما لم يخطر ببال أحد من الناس، بالتفصيل الوارد في الإسلام، ليس في الكليات فقط وإنما في أدق الجزيئات، ابتداء من وجود الجنين في بطن أمه إلى أن يوافيه الأجل، الفرد والأسرة والشعب والدولة، وليس المقام مقام استعراض لذلك، لا لكلياته ولا لجزيئاته، وقد كتب بعض علماء العصر في هذا الموضوع [أي في حقوق الإنسان، ومنهم الدكتور علي عبد الواحد وافي، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم] وهو مفتوح للكتابة فيه والمقارنة التي تخجل تلك المواد غير الوافية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتفاصيل حقوق الإنسان الواردة في الإسلام.
يضاف إلى ذلك أن حقوق الإنسان المفصلة الربانية التي لا يعتريها النقص قد طبقت فترة طويلة من الزمن، فأسعدت العالم الذي استظل بظلها: مسلمه وكافره، ولا تزال تنتظر من يطبقها بصدق لتنعم الأمم بها كذلك.
ولكن ما مدى تطبيق الدول المتحضرة لحقوق الإنسان التي أقرتها وتعاقدت عليها؟
стр. 86
إن نظرة خاطفة إلى تصرفات الدول المتحضرة في هذا المجال تظهر للناظر الأمور الآتية:
الأمر الأول: أن الجنس الأبيض الغربي لا يرى أي جنس آخر يقترب من مرتبته، وأنه هو وحده الذي يجب أن يسود، يتضح هذا عمليا، فصاحب اللون الأسود مكث فترة من الزمن بعد إعلان حقوق الإنسان لا يحق له أن يختلط بالبيض في المدارس والجامعات والفنادق والمطاعم، ولم يَخِف هذا التمييز إلا بعد كفاح مرير من السود في أمريكا، وإذا ما وصل الأسود إلى وظيفة حاكم المدينة بسبب كثرة أنصاره من السود، أخذت أجهزة الإعلام تمن على السود بما وصلوا إليه، وقبل سنوات فازت امرأة سوداء في الانتخابات النيابية لتكون عضوا في الكونجرس الأمريكي، فأحدثت أجهزة الإعلام ضجة كبيرة لتمن على تلك المرأة السوداء التي هي أول امرأة سوداء تدخل البرلمان الأمريكي.
وقبل سنوات رشح القس الأسود " جاكسون " نفسه في أول الأمر، ليكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه شعر من أول وهلة أنه لا يساوي صفرا على اليسار فانسحب مبكرا.
стр. 87
ولا زال حي "هارلم" في نيويورك سبة في جبين الغرب، وهو حي يسكنه السود الذين يراهم الزائر كأنهم في كوكب غير كوكب الأرض، من البؤس والشقاء والحرمان، ويجوز أن يكونوا هم غير طامحين إلى مستوى معيشي أفضل، ولكن الإهمال المتعمد من قبل الحاكم الأبيض له دور كبير في ذلك الشقاء، وهم على بعد أمتار من مبنى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الراعي لحقوق الإنسان!
وفي الدول الأوروبية "المتحضرة! " تفرقة واضحة بين الإنسان المسلم والإنسان اليهودي، فالمجموعة الصغيرة من اليهود معترف بدينها في البلدان وتنال كامل الحقوق التي ينالها أهل البلد نفسه، والعدد الهائل من المسلمين لا تعترف أكثر تلك الدول بدينهم الإسلامي ولذلك حرم المسلمون من الحقوق التي حصلت عليها الطوائف اليهودية!
стр. 88
بل إن الهجمة الشرسة على المسلمين الآن في بعض الدول الأوروبية تنذر بالخطر، فالقتل والاغتيال اللذان يتعرض لهما المسلمون في بعض الدول الأوروبية -كفرنسا وألمانيا- وكذلك الاعتداء على بعض المراكز الإسلامية والمساجد على مرأى ومسمع من الحكومات الأوروبية يدل على أن حقوق الإنسان المسلم في أوروبا غير مرغوب في حمايتها، والحملات العنصرية تتصاعد ضد المسلمين كل يوم.
هذا على مستوى كل دولة على حدة.
فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حقوق الإنسان في خارج الدول المتحضرة، رأينا من التحيز والتفرقة بين إنسان وآخر وشعب وآخر وجماعة وأخرى، ما يكذب دعوى الغربيين بأنهم حماة حقوق الإنسان.
стр. 89
دعاة حقوق الإنسان يكرهون الإنسان على التخلي عن عقيدته !
من حقوق الإنسان لدى الدول الغربية -وبخاصة أمريكا التي تزعم أنها حاملة لواء هذه الحقوق وحاميتها- عدم إكراه الإنسان على عقيدة معينة. فهل وفَّى حماة حقوق الإنسان بهذا الحق؟!
هذه أمريكا اليوم تسعى -وهي زعيمة الغرب- لإكراه أي دولة أو أي جماعة أو أي حزب في أي مكان في العالم، لإقامة منهاجها ونظامها ونشاطها على أساس علماني -بمعنى وجوب إبعاد أي تشريع مبني على أساس ديني عن حياة الشعوب- ومعلوم أن حياة المسلمين كلها يجب أن تبنى على أساس دينهم الذي نزل به كتابهم وجاءت به سنة نبيهم ﷺ .
стр. 90
وهم -المسلمون- يعتقدون جازمين أن الله قد فرض تطبيق أحكام القرآن والسنة في حياتهم، وأنهم إن جحدوا هذا الفرض فقد خرجوا من ملة الإسلام، وأصبحوا أشد بعدا عن الله من جميع كفار الأرض، وإن خالفوا ذلك مع اعتقادهم بأنهم عاصون لربهم، فقد ارتكبوا كبائر الذنوب، ومع ذلك أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية لدى أمريكا وحزبها (الغرب) جريمة وتطرفا وإرهابا، وانتهاكا لحقوق الإنسان، تُحارِب -أمريكا- أيَّ دولة تتجه لتطبيق شرع الله الذي تعتقد أنه مفروض عليها وعلى شعبها، تحاربها سياسيا واقتصاديا وتعليميا وإعلاميا ودبلوماسيا وعسكريا.
ومعنى هذا أن أمريكا وحزبها يفرضون على المسلمين فرضا ويكرهونهم إكراها أن يعتقدوا أن حقوق الإنسان -المبنية على الكفر بشريعة الله وكتابه وسنة رسوله- هي الحق الذي يجب الإيمان به وتطبيقه، وأن يعتقدوا أن شريعة الله التي جاء بها القرآن والسنة باطل، لا يجوز أن تكون أساسا لأنظمتهم وحكمهم.
стр. 91
والدولة التي تطبق بعض أحكام الشريعة الإسلامية، يسلطون عليها وسائل إعلامهم ومنظماتهم الرسمية وغير الرسمية، فتوصف بأنها دولة وحشية وإرهابية ومنتهكة لحقوق الإنسان....! فأين تطبيقهم لمادة حقوق الإنسان التي تنص على حرية الاعتقاد؟ لماذا لا يتركون المسلمين -وهم أهل الدين الحق الذي لم يبق دين في الأرض محتفظا بمرجعه الإلهي الصادق غيره- أحرارا في اعتقادهم وإيمانهم وتطبيق أحكام قرآنهم وسنتهم وشريعتهم ونظامهم الذي يختارونه؟ أليس هذا إكراها لدول وشعوب؟!! أليس إكراه الدول والشعوب أشد من إكراه الأفراد؟!
стр. 92
دعاة حقوق الإنسان يحرمون الإنسان من المساواة التي منحه الله .
والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا استمرت عشرات السنين، والأوروبيون يدوسون كرامة السود وهم أهل البلد: قتلوهم وعذبوهم وسجنوهم واعتقلوهم وشردوهم، ودعاة التحضر وحماة حقوق الإنسان ينكرون ذلك في أجهزة الإعلام، ويمدون أبناء جنسهم الأوروبيين بكل ما يريدون من مال وسلاح وغيرهما، بطرق خبيثة ماكرة، وبخاصة عن طريق ربيبتهم المشابهة لدولة جنوب أفريقيا: دولة اليهود، ولا زالت الأغلبية السوداء صاحبة البلد تناضل من أجل حقوقها إلى الآن ولم تنلها. [كانت كتابة هذه السطور قبل تحرر جنوب أفريقيا من حكم البيض] .
والتفرقة العنصرية اليهودية في فلسطين لا زالت جاثمة على صدور أهل البلد من الفلسطينيين الذين تداس كرامتهم في منازلهم وشوارعهم ومساجدهم ومعتقلاتهم ومخيماتهم بكل وحشية، والدول الغربية المتحضرة تمد اليهود بالسلاح والمال والاقتصاد والدعم الكامل، سياسيا وعسكريا إذا اقتضى الأمر ذلك، أي إن حقوق الإنسان الفلسطيني مهدرة كحقوق الإنسان الأفريقي.
стр. 93
وتلك الهند تحتل أرض المسلمين في كشمير برغم قرارات "مجلس الأمن! " التي أعطت الحق للكشميريين في تقرير مصيرهم باستفتاء يجري بينهم، تقتلهم الهند وتسجنهم وتشردهم، والدول الغربية المتحضرة الحامية لحقوق الإنسان تسمع وترى وتهز كتفيها غير عابئة بما يجري.
والمسلمون في بورما يقتلون ويشردون ويعذبون ويموتون جوعا، ودول الغرب المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها.
والأغلبية المسلمة في الحبشة وإريتريا تحكمها أقلية تتصرف في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والدول المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج ولا تحرك ساكنا.
والأغلبية المسلمة في جنوب الفلبين تطالب بحقوقها، والدولة الصليبية تدوس كرامتها وتقتل وتشرد المسلمين أمام أعين حماة حقوق الإنسان فلا تتحرك ضمائرهم.
والأغلبية المسلمة في جنوب تايلاند تضطهد وتحرم من حقوقها أمام أعين حماة حقوق الإنسان!
والأغلبية المسلمة في البوسنة والهرسك تستأصل في بلدها من قبل الصليبيين الصرب والدول الغربية تنذر وتتوعد ولا تحرك ساكنا.
والمسلمون في ليبريا يذبحون وتقطع ألسنة أئمتهم وتهدم مساجدهم وتنتهك أعراضهم، وحماة حقوق الإنسان يشاهدون دون أن يفعلوا شيئا!
стр. 94
لماذا كل هذا السكوت ولماذا يغض حماة حقوق الإنسان الطرف عن هذه المآسي، ولماذا لا يتدخل مجلس الأمن الظالم لنصر حقوق الإنسان المسلم.
لا سبب أمامنا نراه إلا شيء واحد، وهو أن هذا الإنسان مسلم، لا قيمة له لأن المسلمين أذلوا أنفسهم لغير الله فزادوهم ذلا.
لكن حماة حقوق الإنسان لا ينامون ولا يهدؤون إذا ما انتهكت حقوق إنسان آخر غير مسلم أو انتهكت حقوق مسلم ولهم في التدخل لحماية حقوقه -في الظاهر- مصلحة، ومصلحة حماة حقوق الإنسان هي المحور الأساس.
وإليك بعض الأمثلة:
عندما أعلنت كرواتيا في هذه الأيام -كان هذا وقت اشتداد الاعتداء على المسلمين في البوسنة والهرسك- استقلالها عن صربيا، وأعلن الصرب الحرب ضدها قامت دول التحضر الحامية لحقوق الإنسان بحملة سريعة ضد صربيا، وأعلن مجلس الأمن "اللعبة" بعث قوة تفصل بين الدولتين وتم ذلك، ولكنها لم تفعل ذلك مع البوسنة والهرسك، وكلاهما دولتان اعترف بهما، وهما من دول يوغوسلافيا السابقة ويجاور بعضهما بعضا، فلماذا!؟
стр. 95
أعلنت دول الغرب المتحضر الحامي لحقوق الإنسان حربا إعلامية ضد حكومة السودان، بسبب قتلها موظفَيْنِ سودانيين لدى الإدارة الأمريكية، لأنهما نصرانيان والغالب أنهما جاسوسان لأمريكا؛ لأن الحكومة السودانية سوغت قتلهما بالخيانة العظمى.
وأعلنت الحرب الإعلامية ضد ليبيا بتهمة أن اثنين من الرعايا الليبيين فجرا طائرة لوكوربي، وهددوا ليبيا بحرب عسكرية ولا زالوا.
أعلنوا حمايتهم لحقوق الإنسان الشيعي -الذي يظهرون كراهته- في جنوب العراق من أجل أغراض خاصة لهم في العراق.
أعلنوا حمايتهم لحقوق الإنسان الكردي في شمال العراق وأدخلوا قواتهم لأجله -في زعمهم- ولكنهم (يحمونه من العراق ويسمحون لتركيا أن تطارده وتقتله وتشرده وتتابعه حتى في الأرض العراقية) .
عجب والله لحماة حقوق الإنسان الكردي من صدام حسين، وإهدار حقوقه للأتراك ما هذا المكيال الذي يكيل به حماة حقوق الإنسان؟!
стр. 96
دعاة الديمقراطية يحرمون الإنسان من الديمقراطية !
وحدث عن حقوق الإنسان المسلم السياسية والديمقراطية ولا حرج.
لو تتبعت أجهزة إعلام الغرب وأحصيت منها يوما واحدا كلمة الديمقراطية وحدها لملأتَ بها كراريس.
إن الديمقراطية أحد المحاور الرئيسة التي يدندن حولها الغرب المتحضر، ويلح على دول ما يسمى بالعالم الثالث على أن تطبق المنهج الديمقراطي الذي أساسه إعطاء الشعوب حرية اختيار حكامها.
стр. 97
ويحترم الغرب المتحضر فوز أي حزب يختار في الانتخابات -حتى ولو كانت مزورة مع انتقاده للتزوير- ولكن الغرب المتحضر يحظر حظرا باتا، بأساليبه الخاصة وصلاته بحكام الشعوب الإسلامية النابذين لشرع الله، قيامَ أي حزب على أساس الإسلام، وإذا ما سبق السيف العذل فقامت جماعة إسلامية واختارها الشعب، حاربوا تلك الديمقراطية التي أهلت الجماعة المسلمة إلى أن تكون هي الحاكمة، وفسروا الديمقراطية التي ينادون بها بأنها ليست الديمقراطية التي تكون وسيلة لوصول الأصوليين إلى الحكم؛ لأن وصول الأصوليين إلى الحكم يعود بالنقض على الديمقراطية، وأوعزوا إلى أذنابهم بحماية الديمقراطية الأصيلة، بالجيش وأجهزة الأمن وفتح المعتقلات والسجون لمن اختارهم الشعب [ولا يخفى ما قام به تلاميذ أتاتورك العسكريون والمدنيون الأتراك بضغط من حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان من محاربة حزب الرفاه الإسلامي الذي وصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات الديمقراطية] .
الشعب مسلم اختار من يحكمه بالإسلام، فأين وضعتم حق هذا الشعب في حرية اختياره لحكامه يا دعاة حقوق الإنسان؟!
стр. 98
لقد اتخذ الغرب المتحضر لافتة حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وغيرها سلاحا لحماية حقوق الإنسان الغربي أو من له مصلحة في حمايته.
وإذا كانت أمريكا هي الدولة التي تقود الغرب في هذه الفترة، وتدعي أنها دولة حقوق الإنسان، فإن بعض قادتها يصرحون بأن مصالحهم هي التي تحدد مواقفهم، فبمقدار المصلحة يكون الموقف.
قال الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية ريتشارد نكسون: (وأول واجب علينا أن نفعله هو أن نفرق بين مصالحنا الحيوية، ومصالحنا الحساسة، ومصالحنا الهامشية، ولا توجد دولة في العالم تستطيع أن تدافع عن جميع هذه المصالح طوال الوقت....
وتكون المصلحة حيوية إذا كان فقدانها يهدد أمن الولايات المتحدة، فاستمرار استقلال أوروبا الغربية واليابان وكندا والمكسيك ودول الخليج مسألة حيوية لأمن بلادنا.
وكذلك لدينا مصلحة حيوية في أن لا تحصل الدول المتخلفة على السلاح الذري، وليس للولايات المتحدة الخيار إلا القوة المسلحة لتمنع تهديد مصالحها.
стр. 99
والمصلحة الحساسة هي التي تشكل تهديدا مباشرا لإحدى النقاط الحيوية ... ولذلك تعتبر أمريكا الوسطى وكوريا من المصالح الحساسة للولايات المتحدة، ومن الممكن أن تلجأ الولايات المتحدة أحيانا في معالجة المصالح الحساسة، وكأنها مصالح حيوية وكنوع من الإستراتيجية الدفاعية.
أما المصالح الهامشية فهي الأمور التي لو سيطرت عليها قوى معادية فإنها تشكل تهديدا غير قريب لمصلحة حيوية أو مصلحة حساسة.
وعلى سبيل المثال فإننا لا نحب أن تحتل إحدى الدول المعادية دولة مالي، ولكننا لا نعتقد أن احتلال مالي سوف يكون له تأثير على مصالح الولايات المتحدة المهمة، ومن هنا فلا نفكر في استعمال القوة العسكرية لرد هذا الاعتداء.
إن إستراتيجيتنا الأمنية يجب أن تقيِّم كل ما يمكن عمله طبقا لمستوى الأهمية لمصالحنا وإمكاناتنا وما نواجه من أخطار.
فعلى سبيل المثال لا نرسل الوحدة ٨٢ المحمولة جوا للدفاع عن إحدى مصالحنا الهامشية في موريتانيا، ولكننا نفعل ذلك بدون تردد للدفاع عن مصلحتنا في الخليج ... ) [كتاب الفرصة السانحة. ترجمة أحمد صدقي. دار الهلال] . وقد فعلوا!.
стр. 100
من هذا النص تعرف السبب في عدم التدخل في البوسنة والهرسك، لأن هذا التدخل ليس لأمريكا فيه مصلحة لا حيوية ولا حساسة ولا هامشية؛ لأن المظلوم مسلم والظالم نصراني. اللهم إلا أن يقال: إن لها مصلحة هامشية، وهي أن سكوتها عن هذا الظلم يشوه سمعتها أمام العالم الذي تعلن له أنها حامية حقوق الإنسان، ولهذا تستنكر في أجهزة إعلامها هذا الظلم وتهدد -كذبا وزورا- صربيا، وتحث على إغاثة المسلمين، فمصلحة الغرب هي الأساس. [تدخلت أمريكا وأوروبا بجيوشها في البوسنة والهرسك بعد أن قتل مئات الآلاف من المسلمين وشردوا من ديارهم، واغتصبت غالبَ أراضيه الصرب، ولا زال الصرب يحظرون على المسلمين عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي تم الاتفاق على عودتهم إليها بموجب اتفاقية "دايتون" أمام سمع وبصر أوروبا وأمريكا] .
هذه هي يا أخي إشارة عابرة إلى صورة مجال تطبيق حقوق الإنسان، فهل ترى أمثال هؤلاء المتحضرين الذين هذه صفتهم يعيشون في نور أم في ظلام؟!
стр. 101
ولو أطلقت لليراع الزمام لأطال في هذا الباب، ليظهر للجاهل أن العالم المتحضر! -المتخلف في ميزان الله ومنهجه الرباني- يعيش في ظلمات، وأنه في أمس الضرورة إلى أهل الحق ليخرجوه من الظلمات إلى النور. وإخراج الناس من الظلمات إحدى غايات أهل الحق التي يسابقون بها أهل الباطل إلى العقول.
وأكتفي بهذه المجالات الخمسة للتدليل على أن العالم المتحضر محروم من النور الرباني تحيط به الظلمات الشيطانية من كل جانب، وأنه يجب على أهل الحق السعي الجاد لإخراجه من الظلمات إلى النور.
وكما أن الكفر كله ظلمات، فإن الإسلام كله نور، قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢]
стр. 102
وقد قارن القرآن الكريم بين ذوي العقول التي صاغها النور الرباني وأشرقت عليها أنوار وحيه، وبين ذوي العقول المظلمة التي أحاطت بها الظلمات من كل جانب، فقال الله تعالى في الفريقين: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إلى أن قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ
стр. 103
يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . [النور: ٣٥، ٤٠]
стр. 104
لا حرية للإنسان إلا بتوحيد الله .
وبتوحيد الله تعالى يتحرر الناس من عبودية الشيطان والنفس والهوى، ومن كل العبوديات (الْمُذِلَّة) لغير الله تعالى، سواء كانت تلك العبوديات لمال أو جاه أو منصب أو امرأة، أو لأشخاص -أحياءً كانوا أو أمواتا- وتتمحض عبوديتهم لله تعالى وحده، وتلك هي الحرية الحقة التي يبحث عنها الأفراد والأسر والأمم في كل الأزمان، وبخاصة في هذا الزمن الذي أصبح غالب الناس فيه يدعون أنهم أحرار، وهم مستعبدون استعبادا مذلا لغير الله تعالى.
وهل يكون حرا من تستعبده شهوات نفسه فتجعله أسيرا لها، سابحا في مستنقع ملذاتها المادية العاجلة، التي تحطم السدود الحامية لحفظ الدين والعقل والنفس والنسل والعرض والمال؟!
стр. 105
هل يكون حرا من يفقد دينه بالإلحاد والكفر الصريح والردة عن الإسلام؟ وهل يكون حرا من ينسى الله عند الشدائد ويلجأ إلى الموتى في قبورهم يدعوهم ويستغيث بهم؟ وهل يكون حرا من يُذهب عقلَه بتناول المسكرات والمخدرات؟ وهل يكون حرا من يعتدي على الأنفس والدماء، ولا يأمن هو من أن يَعتدِي على نفسه ودمه غَيْرُه دون قصاص أو رَدْع؟ وهل يكون حرا من ينفق ماله فيما يعود عليه وعلى أمته بالضرر ومن لا يأمن من الاعتداء على ماله؟ وهل يكون حرا من يُهلَك نسلُه ويُعتدى على عرضه؟ وهل يكون حرا من يضع له غيُره من البشر مناهجَ متناقضة لحياته في الاعتقاد والتشريع والحكم والُخُلق والاقتصاد والسياسة والإعلام والحرب والسلم ونظام الأسرة والأدب والفن والرياضة ... فيخضع لذلك كله، دون أن يكون له اختيار أو انتقاد أو تظلم؟!
إن الحرية الحقيقية هي أن يكون قلب الإنسان عبدا لله وحده، لا يتلقى أمره ونهيه إلا من الله فيتجه بنشاطه وجهة واحدة، من غير تناقض ولا قلق أو اضطراب، متحررا من عبودية كل من سواه، فلا يكون عبدا للشيطان ولا للنفس ولا للهوى، ولا تتنازعه آلهة الشهوات المتشاكسة تنازعا يجعله في حيرة وريب.
стр. 106
ولقد ضرب الله مثلا لمن هو حر حقيقة بعبوديته لله تعالى وحده، ومن استعبده غيره من الآلهة المتعددة، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . [الزمر: ٢٩]
إن الآية تصور لنا رجلين:
أحدهما عبد مشترك لمالكين متعددين بينهم خلاف ونزاع شديد، كل شريك منهم يأمر ذلك العبد بأمر يخالف أوامر شركائه الآخرين ويصر على أن يطيعه في أمره، وطاعته لأحدهم معصية لأمر كل واحد من شركائه الآخرين، فلا يستطيع أن يرضي كل واحد من هؤلاء الشركاء، بل سيكونون كلهم ساخطين عليه، وسيعيش في حيرة وضنك وشقاء.
وثانيهما: عبد لرجل واحد لا يأمره ولا ينهاه إلا هو.
فأي العبدين أقرب إلى الحرية: الأول الذي فيه شركاء متشاكون، أم الثاني الذي هو عبد لرجل واحد؟!
المثل الأول لمن استعبده غير الله -أيا كان هذا الغير- والمثل الثاني لمن تمحضت عبوديته لله وحده، ولله المثل الأعلى.
стр. 107
وإنك لترى الرجل الضعيف المغلوب على أمره، الذي اعْتُدِيَ على نفسه وماله وعرضه وحرم من التمتع بحقه في الحياة فسجن أو أسر، وقد تمحضت عبوديته لله وحده، ولكنه حر قلبه مطمئن باله، وهو واقف مثل الجبل الراسي أمام الطغاة المعتدين الأقوياء غير مبال، وعنده إرادة قوية على تحرير جسمه من الأسر كما تحرر قلبه، لأنه يأوي إلى ركن شديد.
وترى الرجل الغني ذا السلطة والجند والجبروت، قد خضعت له الرقاب، ودانت له الأمراء ووقف بأبوابه الحجَّاب، فإذا سبرت أمره واختبرت سره، وجدته عبدا ذليلا لنفسه وشهوته وهواه، بل وجدته مستعبدا لبعض من هم في الظاهر عبيده، وهم أعوانه الذين يستند في طغيانه على عونهم، ويستنجد في ملماته بهم، فهو في ظاهره سيد، وفي حقيقته عبد كالعبيد.
стр. 108
وفي معنى الحرية الحقة والعبودية المذلة قال ابن تيمية ﵀: (.. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب -الذي هو الملك- رقيقا مستعبدا لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض.. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب ... -إلى أن قال-: وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم ... فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم..) [مجموع الفتاوى: (١٠ / ١٨٦-١٨٩) ] .
стр. 109
وبهذا يعلم أن الحرية التي يزعم ساسة الغرب ومفكروه- ومن انخدع بهم من ذراري المسلمين- أنهم أهلها وحماتها والداعون إلى تطبيقها، ليست هي الحرية الصحيحة التي ينشدها العالم اليوم، بل هي في حقيقتها عبودية مذلة لآلهة شتى يصعب حصرها. فهي من إطلاق الأسماء على غير مسمياتها، كإطلاق (المشروبات الروحية) على (الخمر) التي تذهب العقول وتسلب الأرواح والقلوب حياتها، وكإطلاق (النجوم) التي يُشَبَّه بها دعاةُ الخير وهداةُ العالمَ [كقول الرسول ﷺ : «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» . على من مسخوا الفطر ونشروا المنكر والخنا من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات.. وكإطلاق لفظ (الملهمين) و (الرواد) على رجال السياسة الخرقاء الذين باعوا العباد والبلاد لأعداء الأمة الإسلامية....
стр. 110
تنبيه مهم:
следующие страницы →