← Общие книги

Общие книги · id 1883

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (184 стр.). Показаны 176–184 · переход к 181.

стр. 176

٢- الفرق بين المداراة والمداهنة المداهنة: هي ترك ما يجب لله من الغيرة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لغرض دنيوي وهو نفساني، والاستئناس بأهل المعاصي ومعاشرتهم، ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم، وعدم الإنكار عليهم مع القدرة على الإنكار؛ استجلابًا لمودتهم ومحبتهم، وإرضاءً لهم، ومسالمةً لهم وعدم التمييز بين طبقاتهم، لأنهم رأوا أن السلوك مع الناس، وحسن الخلق ونيل المعيشة، لا يحصل إلا بذلك. حكم المداهنة: المداهنة مخالفة للرسل وأتباعهم، وخروج عن سبيلهم ومنهاجهم، إذ هي إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس، وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة؛ لأنه ما ذاق طعم الإيمان من لم يوالِ في الله ويعادي فيه، بل الإيمان يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه، وأي خير يبقى في قلب فقد الحياة والغَيْرة والتعظيم، وعدم الغضب لله؟! وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته؟! والمداراة: هي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة، والإعراض عن الشرير إذا خيف شره، أو حصل منه ضرر أكبر مما هو متلبس به.

стр. 177

حكم المداراة: المداراة مشروعة؛ لأنها دفع للشر وردّ له، أو تخفيف له، ولأن في استعمالها بُعْدًا عن الفحش والتفحش، ولأنها من باب ارتكاب أخف الضررين، وأدنى المفسدتين، وفعل أعلى المصلحتين، وفي الحديث: «شَرُّكُمْ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ خَشْيَةَ فُحْشِهِ» (١) أو كما قال ﵊. وعن عائشة ﵂ أنه «استأذن على النبي ﷺ رجل، فقال: " بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ هُوَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتَ فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْتَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» (٢) (٣) (٤) .

стр. 178

٣- الحكمة في مشروعية إنكار المنكر والأمر بالمعروف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حِكَم منها: ١- إقامة حجة الله على خلقه: كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣) . ٢- خروج الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من عهدة التكليف والمسئولية: كما قال تعالى في قصة أصحاب السبت عن الفرقة الناهية أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (٤) .

стр. 179

وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (١) دلت الآية بمفهومها على أنه لو لم يخرج من العهدة -بأمرهم ونهيهم- لكان ملومًا. قال ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحةُ -ثلاثًا-، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (٢) (٣) فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد أدى النصيحة التي هي الدين، بعد استقامته هو على ما يأمر به وينهى عنه وامتثاله لذلك. ٣- رجاء انتفاع المأمور والمنهي بتقوى الله تعالى باجتناب المنهيات وفعل المأمورات: كما قال تعالى عن الفرقة الناهية في قصة أصحاب السبت ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) . وقال تعالى في بيان من ينتفع: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (٦) .

стр. 180

٤- المفاسد المترتبة على ترك إنكار المنكر يترتب على ترك إنكار المنكر مفاسد عظيمة منها: ١- أن السكوت عن المنكر مع القدرة فعل معصية، وإن لم يباشر الساكت فعل المنكر الذي سكت عليه، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، يجب الإنكار على من فعل المعصية، فهما واجبان من ترك أحدهما فقد عصى ربه. ٢- أن السكوت عن المنكر يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها، والتهاون بأمر الله. ٣- أن في السكوت عن المنكر فقد الغيرة والغضب لمحارم الله أو ضعفها وضعف تعظيم الرب تعالى. ٤- أن السكوت عن المنكر يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي، حيث لم يردعوا عنها حتى تكون لهم الشوكة والظهور، ويضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشرّ، فيزداد بذلك الشرّ وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية. ٥- أن بترك إنكار المنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية إذا تكرر صدورها من كثير من الناس، ولم ينكرها أهل الدين والعلم والفضل، ظن الجاهل أنها ليست معصية، وربما ظن أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، ورؤية الباطل حقًّا، وانقلاب الحقائق على الناس؟!

стр. 181

٦- أن السكوت عن المنكر مع إعلان العاصي لمعصيته وإظهارها، إذن ودعوة إلى تقييد العاصي، وتزيين للمعصية في صدور الناس، والناس يقتدي بعضهم ببعض، والإنسان مولع بالاقتداء بأقرانه وبني جنسه. ولهذه المفاسد المترتبة على ترك إنكار المنكر وغيرها، كان السكوت عن الإنكار مع القدرة موجبًا للعقوبة الحسية أو المعنوية، وأعظم عقوبة تحل بالناس هي العقوبة المعنوية بموت القلوب حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، ولا تحق حقًّا ولا تبطل باطلًا، ولا تميز بين الخبيث والطيب، والعقوبة الحسية تكون في الأموال والأنفس والأولاد، أو بتسليط الأعداء - عليهم- وقهرهم لهم، فيسومونهم سوء العذاب (١) .

стр. 182

٥- الحامل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعية إلى الله تعالى لا بد له من باعث يبعثه، وحامل يحمله على القيام بأداء هذا الواجب العظيم، والأمور التي تحمل الآمر والناهي وتبعثه على الأمر والنهي والدعوة إلى الله تعالى كثيرة متعددة منها: ١- رجاء ثواب الله تعالى، والطمع فيما لديه سبحانه من المثوبة العظيمة، والأجر الجزيل على أداء هذه الوظيفة العظيمة. ٢- خوف عقاب الله تعالى والتعرض لسخطه وغضبه ونقمته في ترك واجب عظيم من واجبات الإسلام، به يقوم الدين ويستقيم. ٣- الاقتداء بالرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، فإن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الرسل وأتباعهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) . ٤- النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما وقعوا فيه من التعرض لعقوبة الله في الدنيا والآخرة. ٥- الغيرة لله والغضب لمحارمه لئلا تنتهك، وحدوده لئلا تضاع، ودينه لئلا يترك، وأمره لئلا يضاع ويطّرح.

стр. 183

٦- إجلال الله وتعظيمه ومحبته؛ لأنه أهل أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، واقتداء محارمه أن تنتهك بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف "وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمي قرض بالمقاريض". وقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه: "وددت أني غَلَتْ بي -وربك- القدور في الله تعالى". وربما دعا الآمر والناهي لمن أذاه، كما قال النبي ﷺ لما ضربه قومه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» (١) (٢) . وقد تحمل هذه الأمور كلها الداعية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (٣) . والله أسأل أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعداءه، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء, اللهم وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمدًا ﷺ على الدين كله ولو كره المشركون، كما أسأله سبحانه أن يصلح ولاة أمورنا، ويهديهم الصراط المستقيم، ويعيذهم من بطانة السوء.

стр. 184

كما أسأله سبحانه أن يصلح فساد القلوب والأعمال، ويهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، ومقربًا لديه للفوز بجنات النعيم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.