← Общие книги

Общие книги · id 1883

القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (184 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٦- بيان هل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر: فرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان في الهجر بحسب المصلحة، كما تبين من الحكمة في الهجر، فزمان يهجر فيه، وزمان لا يهجر فيه، كما إذا كان الناس حدثاء عهد بجاهلية، فينبغي أن يراعى في حقهم الأصلح، من التأليف وترغيبهم في الإسلام، ودخولهم فيه وعدم تنفيرهم، ليعلموا أن هذه الملة المحمدية حنيفية في الدين، سمحة في العمل، كما قال ﷺ لما جاء أهل الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد، فقام ينظر إليهم وقال: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي بُعِثْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (١) (٢) وإذا كان الناس في زمن قوة الدين وعزته، والقوة والغلبة للدعاة والآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، استعمل الهجر لأن المصلحة فيه, وكذلك الأشخاص، شخص يهجر وشخص لا يهجر، فيفرق بين الأئمة المطاعين والقادة والأكابر وغيرهم، فلا يهجر القادة الذي يرون أن في ذلك غضاضة عليهم ونقصًا في حقهم، الذين ربما حصل منهم بسبب الهجر تعدّ بيد أو لسان، لأن من القواعد الشرعية: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, ومن عاداهم يهجر إذا كانت المصلحة في الهجر.

стр. 142

وكذلك الأحوال يراعى فيها الأصلح, كما يراعى في الأزمان والأشخاص، وكذلك الأماكن، يفرق فيها بين التي تكثر فيها البدع والمعاصي والتي تقلّ، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أقرب الطرق الموصلة إليه.

стр. 143

٧- بيان هل يجتمع في الشخص الواحد سبب الموالاة وسبب المعاداة: فيكون منه خير وشر، وبرّ وفجور، وطاعة ومعصية، فيحب من وجه ويبغض من وجه، وبيان الشخص الذي يحب جملة والذي يبغض جملة، والذي يحب من وجه ويبغض من وجه. المسلم له على المسلم حقوق في الإسلام يجب مراعاتها، وقد يكون له من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها، فيجتمع في الرجل الواحد خير وشرّ، وبرّ وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، فيجتمع فيه موجبا الإكرام والإهانة، فيستحق من الموالاة والمحبة والثواب بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والبغض والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيحب ويوالى ويكرم من وجه، ويبغض ويعادى ويهان من وجه آخر، ومثاله اللصّ الفقير، تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا أصل درج عليه أهل السنة والجماعة واتفقوا عليه، فقالوا: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة.

стр. 144

وخالفهم في هذا الأصل الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًّا للثواب فقط، أو مستحقًّا للعقاب فقط، وأنكروا أن يجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة، وموجبا الموالاة والمعاداة، والحب والبغض، والثواب والعقاب، فخالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة، وسلف الأمة. وأما الشخص الذي يحب جملة: فهو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام، علمًا وعملًا واعتقادًا، وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله وانقاد لأوامره، وانتهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأحب في الله ووالى في الله، وأبغض في الله وعادى في الله، وقدَّم قول رسوله ﷺ على قول كل أحد كائنًا من كان، إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه.

стр. 145

وأما الذي يبغض جملة: فهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره، أو أنكر البعث بعد الموت، أو ترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء الصالحين، وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة، كالحب والدعاء، والخوف والرجاء، والتعظيم والتوكل، والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والذبح والنذر والإنابة والذل، والخضوع والخشوع والخشية والرغبة والرهبة، والتعلق على غير الله في جميع الطلبات وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات، أو ألحد في أسماء الله وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، أو من قام به ناقض من نواقض الإسلام، وبالجملة فهو من ترك جميع المأمورات وارتكب جميع المحذورات. وأما الذي يحب من وجه ويبغض من وجه آخر: فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر (١) .

стр. 146

قال صاحب "فتح الباري" على قصة الثلاثة الذين خلفوا عام تبوك "وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث، فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًّا. وقال: وفيها سقوط ردّ السلام على المهجور عمن سلّم عليه، إذ لو كان واجبًا لم يقل كعب: هل حرّك شفتيه برد السلام؟ " اهـ (١) .

стр. 147

الفصل الثاني في درجات الإنكار درجات إنكار المنكر ثلاث وهي: ١- الإنكار باليد. ٢- الإنكار باللسان. ٣- الإنكار بالقلب. فيجب على من رأى منكرًا أن ينكره، وأن يغيره بحسب الاستطاعة والقدرة من هذه الدرجات الثلاث، فيغيره بيده، فإن كان لا يستطيع غيره بلسانه، فإن كان لا يستطيع أنكره بقلبه، ودليل ذلك قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (١) (٢) .

стр. 148

فالإنكار فرض باليد واللسان والقلب مع القدرة، فأما فرضه باليد واللسان فهو من فروض الكفايات، إذا قام به طائفة سقط عن الباقين من الناس، وإن تركوه كلهم أثموا، وأما القلب فلا يسقط عن المنكر بحال، إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس بمؤمن، كما قال النبي ﷺ «وَذَلِكَ أَدْنَى أَوْ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (١) وقال: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (٢) وقيل لابن مسعود من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان بأنه لا «يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» . أخرجه مسلم جامع الأصول ج١٠ ص ١٢١. قال ابن النحاس "وأما الإنكار بالقلب وهو كراهة تلك المعصية وبغضها، فلا يسقط عن مكلف بوجه من الوجوه، إذ لا عذر يمنعه" اهـ (٣) . وقال أيضًا: من لم يقدر على الإنكار باللسان، وقدر على إظهار دلائل الإنكار، مثل تعبيس الوجه، والنظر شذرًا، والتجهم، وإظهار الكراهية لفعله والازدراء به، وهجره في الله تعالى لزمه ذلك، ولا يكفيه العدول إلى الإنكار بالقلب مع إمكان دلائل الإنكار الظاهرة اهـ (٤) .

стр. 149

وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: فصل: النهي عن المنكر فرض كفاية على من لم يعين عليه، وهو فرض كفاية على من لم يعين عليه، وسواء في ذلك الإمام والحاكم، والعالم والجاهل، والعدل والفاسق -إلى أن قال- وأعلاه باليد ثم باللسان ثم بالقلب، وفي الحديث الصحيح: «لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ» (١) . قال الشيخ تقي الدين ﵀: مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل، ولهذا قال: " لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ " (٢) فجعل المؤمنين ثلاث طبقات، فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، قال: وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم، مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم اهـ (٣) . وقال ابن رجب على حديث أبي سعيد «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا» (٤) الحديث بعد أن ساق عدة أحايث قال: "فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فما لم ينكر قلب المؤمن دلّ على ذهاب الإيمان من قلبه". اهـ وقال بعد ذلك: "مبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة" اهـ (٥) .

стр. 150

وقال ابن القيم "وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما، وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وضع عنا. فقال: هي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب. فقالت: صدقت جزاك الله خيرًا" اهـ (١) .

стр. 151

الفصل الثالث مرتبتا تغيير المنكر أو طريقا الدعوة إلى الله للدعوة إلى الله طريقان طريق اللين، وطريق الغلظة والقسوة. ولتغيير المنكر مرتبتان مرتبة اللين، ومرتبة الشدة. الطريق الأول: طريق اللين وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذه الطريق وأمر بها في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم، إلى سبيل ربك المستقيم، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح بالحكمة، أي: ليكن بالوجه الحسن، برفق ولين وحسن خطاب، فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢) ومن الحكمة مراعاة الأحوال في المدعوين، كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم.

стр. 152

ومن الحكمة البدء بالأهم فالأهم، وبهما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة وإلا انتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به، وما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطريق التي تكون أدعى لاستجابته عقلًا ونقلًا، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، بشرط أن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة المرجوة منها، وليكن قصد الداعية هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة ونحوها (١) .

стр. 153

تنبيه لمن يسلك طريق الغلظة والشدة تنبيه: هنا دقيقة عظيمة مهمة قلّ من ينتبه إليها: وهي أنه ينبغي لمن يسلك طريق الغلظة والشدة أن يكون قصده بذلك رجوع العاصي عن تلك المعصية، لا الانتصار لنفسه لكون العاصي ردّ كلامه أو استهزأ به، فإن الداعية قد يكون مخلصًا في ابتداء الإنكار فإذا رد كلامه العاصي واستهزأ به، ثارت وأغلظ في الكلام، وقد يقع في الفحش والكذب واللعن والضرب، وقد يستعدي عليه الحاكم فيسجنه أو يعزره، وقد يسترسل به الغضب إلى الخروج إلى الكلام في حق العاصي بما لا يجوز له مما هو كذب في نفس الأمر، أو باطل أو فاحش. وهذا الصنيع في الحقيقة انتصار للنفس لا غضب لله ولمحارمه، فيخرج بهذا عن دائرة الإخلاص، ويقع في هوَّة الغضب والحمق المنهي عنه، فتنعكس الحال في حقه، ويصير ممن يجب الإنكار عليه، بعد أن كان منكرًا على غيره، ومثاله في هذا مثل من يغسل الدم من ثوبه بالبول، وهذه مسألة ينبغي أن ينتبه لها من يستعمل هذه الطريق في تغيير المنكر (١) .

стр. 154

الباب الثالث في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه ثلاثة فصول: ١- الحال الأولى:- عدم القبول والانتفاع به . ٢- الحال الثانية:- أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر. ٣- الحال الثالثة:- عدم القدرة أو خوف الضرر. يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأحوال التالية:- الحال الأولى: عدم القبول والانتفاع به يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظنة النفع به فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما إذا وجدت هذه الصفات: الشحّ المطاع، والهوى المتبع، وإيثار الدنيا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه, وهذه الأمور تكون عند فساد الزمان، ومروج الأديان، وكثرة الفتن والحروب، وظهور التغيير والتبديل في الدين، وانتشار شرّ المنافقين، وفقد المعين والمناصر. فإذا عدمت فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط وجوبه، ومن الأدلة على ذلك: ١- ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (١) .

стр. 155

٢- ما في سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقولون في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) ؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» (٢) .

стр. 156

٣- ما في سنن أبي داود عن عبد الله بن عمر قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، َوَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَأمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ» (١) . ٤- ما روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان. من ذلك: أ- عن ابن مسعود قال: "إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية ". ب- عن ابن عمر قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم".

стр. 157

ج- قال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت". ومما سبق يتبين أن من علم أنه لا يقبل منه، لم يجب عليه الأمر والنهي، وحكي هذا رواية عن الإمام أحمد وقال الأوزاعي "أأمر من ترى أن يقبل منك". وفي آخر حديث أبي ثعلبة الخشني السابق: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّابِرُ فِيهِنَّ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا (يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ) » (١) وفي لفظ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» (٢) وأخرج الحديث أيضًا الحاكم وصححه، وابن جرير والبغوي في معجمه. وفي بعض ألفاظه: «وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ» وفي لفظ: «لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ» (٣) (٤) .

стр. 158

الحال الثانية: أن يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصول مفسدة أعظم من ذلك المنكر . أمثلة لترتب مفسدة على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر. يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، فإن كان إنكار المنكر يستلزم حصول منكر أعظم من ذلك المنكر، فإنه يسقط وجوب الإنكار، بل لا يسوغ الإنكار والحال هذه؛ لما يأتي: ١- إجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين. ٢- أن الشريعة الباهرة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، وبناء على ذلك، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة. ومن أمثلة ذلك:

стр. 159

١- الإنكار على ولي الأمر بالخروج عليه، فإنه يستلزم منكرًا أعظم، والنبي ﷺ شرع لأمته إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، والإنكار على الملوك والولاة يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه أساس كل شر وفتنة، ولهذا كان من أصول أهل السنة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، ولهذا «أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، لما استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتالهم وقالوا: " أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ - قَالَ: لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ» (١) (٢) وقال ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فُلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» (٣) (٤) وذلك لما في الخروج عليهم من الفتن العظيمة التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين وانتهاك أعراضهم وحرماتهم، ونهب أموالهم، واختلال أمنهم واستقرارهم.

стр. 160

٢- لما فتحت مكة وصارت دار إسلام، عزم النبي ﷺ على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم لكن منعه من ذلك خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر. ٣- إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أُبيّ وأمثاله من أئمة النفاق والفجور؛ لأن إزالة منكره بعقابه مستلزمة لإزالة معروف أكثر وحصول منكر أعظم، لما لهم من الأعوان بغضب قومهم وحمايتهم، وبنفور الناس عن الإسلام إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه. ٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية "مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم". ٥- أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، مع أنه حدّ من حدود الله؛ خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره، بأن يلحق صاحبه بالمشركين حميةً وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم (١) .

стр. 161

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي -وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرّمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام.

стр. 162

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا، أو تركوهما جميعًا، لم يجز أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل أن ينظر، فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصدّ عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة" اهـ (١) . وقال الشيخ حمد بن ناصر: "لكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار، وأنكر بقلبه، وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه، أنه لا ينبغي، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد (٢) .

стр. 163

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: "وأوصيكم أيضًا بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان بأمر من أمور الخير، نظر، فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل، وسلامة في الدين، وكان الأصلح الأمر به، مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شرّ وفتن، وتفريق كلمة في العاجل والآجل، ومضرة في الدين والدنيا، وكان الصلاح في تركه، وجب تركه ولم يأمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح اهـ (١) . وقال بعض علماء نجد: "وأيضًا يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره" اهـ (٢) . فالذي يترتب على تغيير المنكر وإنكاره واحد من أمور أربعة: ١- أن يزول ويخلفه ضده من المعروف وهذا مشروع. ٢- أن يقلّ المنكر ويخفّ وإن لم يزل بجملته، وهذا مشروع أيضًا. ٣- أن يزول ويخلفه ما هو شر منه، وهذا محرم. ٤- أن يزول ويخلفه ما هو مثله من المنكر، وهذا موضع اجتهاد من المنكِر والناهي.

стр. 164

فمثلًا: إذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، أو اجتمعوا على لهو ولعب، أو سماع مكاء وتصدية، أو رأيتهم مجتمعين ومشتغلين بكتب المجون واللهو ونحوها، فإن نقلتهم إلى طاعة الله، وإلى ما هو أحب إلى الله ورسوله: كالرمي وسباق الخيل، أو تلاوة كتاب الله، وقراءة الكتب النافعة، كان ذلك خيرًا، وإن لم يحصل ذلك فتركهم على ما هم عليه خير من أن يتفرغوا لما هو أعظم من ذلك، كالإقبال على كتب الضلال والبدع والسحر، أو التعدي على أموال الناس أو أعراضهم أو أبدانهم، ونحو ذلك من المفاسد (١) .

стр. 165

الحال الثالثة: عدم القدرة أو خوف الضرر يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون قادرًا وأن لا يخشى ضررًا على نفسه أو ماله أو أهله أو على المسلمين فإن عجز أو خاف الضرر، سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب. وليس مجرد الهيبة مانعًا من الإنكار، بل الخوف هو المسقط للإنكار، وله أن يزيل بيده ما فعله الظلمة من المنكرات، ويبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان له قدرة على ذلك، فإن خشي في الإقدام على الإنكار عليهم أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم يَنْبَغِ له التعرض لهم حينئذٍ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره، وإن خاف منهم على نفسه السيف أو السوط أو الحبس، أو القيد أو النفي أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم ونهيهم، وقد نصّ الأئمة على ذلك: منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم.

стр. 166

قال أحمد: "لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول، فإن خاف السبّ أو سماع الكلام السيئ لم يسقط عنه الإنكار بذلك". نص عليه الإمام أحمد وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل، نصّ عليه أحمد أيضًا، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» (١) (٢) . وأما حديث: «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أن يُذِلَّ نَفْسَهُ» (٣) (٤) فإنما يدل على أنه إذا علم أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذٍ للأمراء، وهذا حق، وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر على ذلك (٥) . قال القرطبي في تفسيره: "أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب على كل من قدر عليه" اهـ (٦) . وقال القرطبي أيضًا: "قال ابن عطية والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه، وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه" اهـ (٧) .

стр. 167

وقال القرطبي أيضًا في تفسيره على آية النساء: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) قال: "فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية " اهـ (٢) . وقال عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره على آية النساء السابقة: "والحاصل أن من حضر مجلسًا يُعْصَى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم، أو القيام مع عدمها" اهـ (٣) . ولا يجوز للعاجز عن تغيير المنكر الدخول إلى أماكن الظلم والفسق، ومواطن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة. قال ابن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين": "من علم أن بموضع من بلده منكرًا لا يرجع إليه في إنكاره، لزمه أن لا يحضر ذلك الموضع، ويعتزل في بيته؛ حتى لا يشاهده، ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب؛ لأن عجزه عن الإنكار ليس عذرًا في مشاهدته هذا المنكر من غير ضرورة" اهـ (٤) . تنبيه: الإنكار بالقلب لا يسقط عن أحد

стр. 168

هذه الأحوال التي يسقط منها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما يسقط فيها وجوب الإنكار باليد واللسان، وأما الإنكار بالقلب فلا يسقط عن أحد، بل هو فرض على كل مسلم كما سبق.

стр. 169

١- خطر المداهنة في دين الله: يرى كثير من الناس أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم وشهواتهم، واستجلاب مودتهم، بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ويقول قائلهم: أصلح نفسك بالدخول مع الناس وموافقتهم، ولا تبغض نفسك عندهم، وهذا المسلك خط كثير من الناس، وهذا عقل نفاقي شيطاني، وهو عين الهلاك وثمرة والنفاق، وبيان ذلك من وجوه: أحدها: أن المداهن ترك واجبًا عظيمًا من واجبات الإسلام: وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجل الناس، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) فنهانا الله تعالى أن تأخذنا رأفة في دين الله تمنعنا من إقامة الحد، سواء كانت رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة، أو لأجل صداقة، أو غير ذلك، وبيّن أن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله. الثاني: أن المداهن قد التمس رضا الناس بسخط الله، وقدَّم رضا الناس على رضا الله:

стр. 170

وفي حديث عائشة الذي كتبته لمعاوية أن النبي ﷺ قال: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، ﵁ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ» (١) (٢) . الثالث: أن المداهن قد تسبب في غضب الله عليه ولعنته: قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) . الرابع: أن المداهن لا بد أن يفتح الله له بابًا من الذل والهوان: لأنه طلب العزّ بمداهنته، فكما هان عليه أمر الله أهانه الله وأذله ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) . وقال بعض السلف "من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين، نزعت منه الطاعة، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه". الخامس: أن المداهن تعمه العقوبة إذا نزلت:

стр. 171

كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) والنجاة هي لأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (٢) . السادس: أن المداهن الطالب رضا الخلق أخبث حالًا من الزاني والسارق وشارب الخمر: وقد قال الشيخ المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في أناس يجلسون في المسجد على مصاحفهم يقرءون ويبكون، ولكنهم إذا رأوا المعروف لم يأمروا به، وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه، قال: "إنهم من العمي البكم". ويشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف: أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق (٣) .

стр. 172

قال الشيخ حمد بن عتيق ﵀: قال ابن القيم ﵀ تعالي-: "وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الديَّانين لا يعبئون منها إلا بما شاركهم في عموم الناس، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات لا يخطرن ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا فعلها، فضلًا عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعًا، وقلّ أن يرى منهم من يحمرّ وجهه، ويتمعَّر في الله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء انتهى ".

стр. 173

ثم قال الشيخ حمد ﵀: "فلو قُدِّر أن رجلًا يصوم النهار ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع ذلك لا يغضب ولا يتمعَّر وجهه ويحمرّ لله، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم دينًا، وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله منه -إلى أن قال- فلو علم المداهن الساكت أنه من أبغض الناس عند الله -وإن كان يرى أنه طيب- لتكلم وصدع، ولو علم طالب رضا الخلق بترك الإنكار عليهم، أن أصحاب الكبائر أحسن حالًا عند الله منه -وإن كان عن نفسه صاحب دين- لتاب من مداهنته ونزع، ولو تحقق من يبخل بلسانه عن الصدع بأمر الله أنه شيطان أخرس -وإن كان صائمًا قائمًا زاهدًا- لما ابتاع مشابهة الشيطان بأدنى الطمع" اهـ (١) .

стр. 174

وقال ابن القيم ﵀: "وقد غرّ إبليس أكثر الخلق بأن حسَّن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات، فلم يحدِّثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء أقل الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي، -ثم قال- ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما كان عليه هو وأصحابه، رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا، والله المستعان، وأيّ دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله ﷺ يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس؟! كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق.

стр. 175

وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم، فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذّل وجدّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله، ومقت الله لهم، قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم، كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل" اهـ (١) .

стр. 176

٢- الفرق بين المداراة والمداهنة المداهنة: هي ترك ما يجب لله من الغيرة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لغرض دنيوي وهو نفساني، والاستئناس بأهل المعاصي ومعاشرتهم، ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم، وعدم الإنكار عليهم مع القدرة على الإنكار؛ استجلابًا لمودتهم ومحبتهم، وإرضاءً لهم، ومسالمةً لهم وعدم التمييز بين طبقاتهم، لأنهم رأوا أن السلوك مع الناس، وحسن الخلق ونيل المعيشة، لا يحصل إلا بذلك. حكم المداهنة: المداهنة مخالفة للرسل وأتباعهم، وخروج عن سبيلهم ومنهاجهم، إذ هي إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس، وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة؛ لأنه ما ذاق طعم الإيمان من لم يوالِ في الله ويعادي فيه، بل الإيمان يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه، وأي خير يبقى في قلب فقد الحياة والغَيْرة والتعظيم، وعدم الغضب لله؟! وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته؟! والمداراة: هي درء الشر المفسد بالقول اللين وترك الغلظة، والإعراض عن الشرير إذا خيف شره، أو حصل منه ضرر أكبر مما هو متلبس به.

стр. 177

حكم المداراة: المداراة مشروعة؛ لأنها دفع للشر وردّ له، أو تخفيف له، ولأن في استعمالها بُعْدًا عن الفحش والتفحش، ولأنها من باب ارتكاب أخف الضررين، وأدنى المفسدتين، وفعل أعلى المصلحتين، وفي الحديث: «شَرُّكُمْ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ خَشْيَةَ فُحْشِهِ» (١) أو كما قال ﵊. وعن عائشة ﵂ أنه «استأذن على النبي ﷺ رجل، فقال: " بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ هُوَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتَ فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قُلْتَ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» (٢) (٣) (٤) .

стр. 178

٣- الحكمة في مشروعية إنكار المنكر والأمر بالمعروف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حِكَم منها: ١- إقامة حجة الله على خلقه: كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣) . ٢- خروج الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من عهدة التكليف والمسئولية: كما قال تعالى في قصة أصحاب السبت عن الفرقة الناهية أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (٤) .

стр. 179

وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ (١) دلت الآية بمفهومها على أنه لو لم يخرج من العهدة -بأمرهم ونهيهم- لكان ملومًا. قال ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحةُ -ثلاثًا-، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (٢) (٣) فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد أدى النصيحة التي هي الدين، بعد استقامته هو على ما يأمر به وينهى عنه وامتثاله لذلك. ٣- رجاء انتفاع المأمور والمنهي بتقوى الله تعالى باجتناب المنهيات وفعل المأمورات: كما قال تعالى عن الفرقة الناهية في قصة أصحاب السبت ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) . وقال تعالى في بيان من ينتفع: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (٦) .

стр. 180

٤- المفاسد المترتبة على ترك إنكار المنكر يترتب على ترك إنكار المنكر مفاسد عظيمة منها: ١- أن السكوت عن المنكر مع القدرة فعل معصية، وإن لم يباشر الساكت فعل المنكر الذي سكت عليه، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، يجب الإنكار على من فعل المعصية، فهما واجبان من ترك أحدهما فقد عصى ربه. ٢- أن السكوت عن المنكر يدل على التهاون بالمعاصي وقلة الاكتراث بها، والتهاون بأمر الله. ٣- أن في السكوت عن المنكر فقد الغيرة والغضب لمحارم الله أو ضعفها وضعف تعظيم الرب تعالى. ٤- أن السكوت عن المنكر يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي، حيث لم يردعوا عنها حتى تكون لهم الشوكة والظهور، ويضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشرّ، فيزداد بذلك الشرّ وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية. ٥- أن بترك إنكار المنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية إذا تكرر صدورها من كثير من الناس، ولم ينكرها أهل الدين والعلم والفضل، ظن الجاهل أنها ليست معصية، وربما ظن أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا، ورؤية الباطل حقًّا، وانقلاب الحقائق على الناس؟!
следующие страницы →