القول البين الأظهر
في الدعوة إلى الله
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
خطبة الرسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه، وأستغفره وأستهديه، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، موعظة منه سبحانه لعباده لعلهم يتذكرون، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد أفضل داع إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة على بصيرة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصبر على ما أصابه، احتسابًا لوجه الله، وأداءً لرسالة ربه، وتبليغًا للأمانة، ونصحًا للخلق وإرشادًا لهم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه المقتدين به في النصح للخلق ودعوتهم إلى الله وأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، فهم الذين قال الله فيهم ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) .
أما بعد:
стр. 2
فإن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام حتى ألحقه بعض العلماء بأركان الإسلام التي لا يقوم بناؤه إلا عليها، ولا غرو فإن صلاح العباد في معاشهم متوقف على طاعة الله ورسوله، وتمام الطاعة متوقف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس.
فلما كان هذا الأصل بهذه المنزلة العظيمة من الدين، ولما تساهل أكثر الناس به في هذا الزمن، فأضاعه كثير منهم، وداهن فيه آخرون حتى انتشرت المنكرات وعمت وطمت، وامتلأ منها البر والبحر والجو، رأيت أن أكتب في ذلك رسالة مختصرة، أبين فيها عظم هذا الواجب، وما يترتب على الإخلال به، وما يتبع ذلك من المباحث، مع قصر الباع في ذلك، قيامًا ببعض الواجب، وإن كنت لست من أهل تلك المسالك, ورتبت الرسالة على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.
فالمقدمة تشتمل على ما يلي:
١- معنى المعروف والمنكر لغةً.
٢- معنى المعروف والمنكر شرعًا.
٣- المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما وانفراد أحدهما.
٤- عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.
٥- واجب العلماء وتحذيرهم من التقصير في العمل.
стр. 3
والباب الأول: في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والفصل الثاني: في حكم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القادر.
والفصل الثالث: في شروط المتصدي للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والباب الثاني: في إنكار المنكر، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في كيفية الإنكار.
والفصل الثاني: في درجات الإنكار.
والفصل الثالث: في مرتبتي تغيير المنكر أو طريقي الدعوة إلى الله.
والباب الثالث: في الأحوال التي يسقط فيها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في الحال الأولى.
والفصل الثاني: في الحال الثانية.
والفصل الثالث: في الحال الثالثة.
والخاتمة تشتمل على ما يلي:
١- خطر المداهنة في دين الله.
٢- الفرق بين المداراة والمداهنة.
٣- الحكمة في مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤- المفاسد المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٥- الحامل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 4
وقد أوردت فيها آيات من كتاب الله وأحاديث من سنة رسول الله ﷺ ورقمت الآيات وخرجت الأحاديث تيسيرًا على الباحث عند الرجوع إليها، كما نقلت نصوصًا من أقوال العلماء والمفسرين، وبينت مصادرها في أواخر الصفحات ليطمئن القارئ وليكون على ثقة، للاتفاق على جلالة هؤلاء العلماء وعلمهم وورعهم، وذكرت في آخر الرسالة بيانًا بأسماء المراجع والكتب التي استفدت منها في بناء الرسالة، وفهرست الموضوعات إكمالًا للفائدة وتسهيلًا لمن يطلب البحث عن جزئية من جزئيات الرسالة، وسميتها -القول البيّن الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- والله أسأل أن ينفع بها، وأن يجعل العمل لوجهه خالصًا، وأسأله الاستقامة والثبات على الإسلام، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، ومن الله أستمد العون والتوفيق والسداد وأستلهمه الرشاد وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
الكاتب
стр. 5
١- بيان معنى -المعروف والمنكر- لغةً:
المعروف في اللغة، يدور معناه غالبًا على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه, والمنكر في اللغة، يدور معناه غالبا على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه.
قال في القاموس: عرفه يعرفه معرفة وعرفانًا وعرفه بالكسر، وعِرِفّانا بكسرتين مشدّدة الفاء، علمه، والمعروف ضد المنكر (١) .
والنّكُر بالضم وبضمتين، المنكر كالنكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل، والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمر كفرح نكرًا -محركة-، ونُكُرًا ونُكُورًا بضمها، ونكيرًا، وأنكره واستنكره وتناكره جهله، والمنكر ضد المعروف اهـ (٢) .
стр. 6
وقال في لسان العرب: عرف العرفان العلم ... والمعروف ضد المنكر، والعُرف ضد النكر، يقال: أولاه عرفًا أي معروفًا, والمعروف والعارفة خلاف النكر، والمعرف كالعرف، وقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) أي مصاحبًا معروفًا (٢) والإنكار: الجحود, وقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٣) أي أقبح الأصوات, والنُّكْر، والنُكُر: الأمر الشديد, والمنكر من الأمر خلاف المعروف, وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر، والنكْر والنّكْراء -ممدود-: المنكر، وفي التنزيل العزيز: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (٤) ونكر الأمر نكيرًا، وأنكره إنكارًا ونُكْرًا، جهله عن كراع، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ (٥) اهـ (٦) .
وقال في المعجم الوسيط: العُرْفُ: المعروف، وهو خلاف النكر، وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم (٧) .
٢- بيان معنى -المعروف والمنكر- شرعًا
المعروف في الشرع: كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله والإيمان به.
والمنكر في الشرع: كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها الشرك بالله وإنكار وحدانيته أو ربوبيته أو أسمائه أو صفاته.
وعبارات المفسرين في تفسير المعروف والمنكر- لا تتجاوز ذلك.
فقيل: المعروف: كل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد.
وقيل: المعروف: الخير كله، والمنكر: جميع الشر.
وقيل: المعروف: ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا، والمنكر: ما عرف قبحه شرعًا وعقلًا.
وقيل: المعروف: الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه (١) .
وقيل: المعروف: طاعة الله وما يعرفه الشرع وأعمال البر كلها.
وقيل: المعروف: الإيمان، والمنكر الشرك، وقيل: المعروف السنة، والمنكر البدعة (٢) .
وقيل: المعروف: خلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام، والمنكر عبادة الأصنام وقطع الأرحام، وقيل المعروف: الطاعات والفضائل أجمع.
стр. 9
وقيل: العرف: صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وقيل: المعروف: عبادة الله وتوحيده وكل ما أتبع ذلك، والمنكر: عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك (١) وهذه الأقوال كلها حق ولا تنافي بينها.
وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:
(عرف) قد تَكرر ذكر -المعروف- في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه، من المحسِّنات والمقبِّحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس، إذا رأوه لا ينكرونه، والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، والمنكر ضد ذلك جميعه اهـ (٢) .
وقال: وقد تكرر ذكر -الإنكار والمنكر- في الحديث، وهو ضد المعروف، وكل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرهه فهو منكر، يقال: أنكر الشيء ينكره إنكارًا فهو مُنكِر، ونَكِره ينكَرهُ نُكْرًا فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر، والنكير الإنكار، والإنكار الجحود، اهـ (٣) .
стр. 10
٣- بيان المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما وانفراد أحدهما
إذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر- فإنه يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، ولأنه لا يتم فعل الخير إلا بترك الشرّ، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١) فإن الأمر بالمعروف يتضمن النهي عن المنكر.
وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر -من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف- فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف، وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك الشر إلا بفعل الخير.
ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (٢) فإن نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.
وأما عند اقتران أحدهما بالآخر فيفسر -المعروف - بفعل الأوامر، ويفسر -المنكر- بترك النواهي، وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى.
٤- عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها، حتى ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها، وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، وللنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله، وشرع الجهاد لأجل ذلك، وإن كان الجهاد قدرًا زائدًا على مجرد الأمر والنهي.
إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله يتوقف قيام الدين، فلولاه ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته، ويتوقف أيضًا قيام الدولة الإسلامية واستقامتها وصلاحها على القيام به، كما أن صلاح العباد متوقف على القيام به.
стр. 13
وبيان ذلك: أن جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، والأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعث الله به رسوله هو النهي عن المنكر، وبهذا نعت الله النبي والمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) وجميع الولايات -كولاية الحكم، وولاية الحرب، وولاية المال، وولاية الحسبة، وغيرها، إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وولي الأمر إنما نُصِّب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، ولهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، فإن تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل.
стр. 14
بل إن صلاح العباد جميعهم يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ إن صلاح العباد ومعائشهم في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) ولا يرى تركه والمداهنة فيه إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم والإيمان، فما أَجَلَّ هذا الأصل وما أَعْظَمَهُ وأخطر شأنه في الإسلام؟ (٢) .
стр. 15
٥- واجب العلماء وتحذيرهم من التقصير في العمل
العلماء عليهم واجب عظيم ومسئولية خطيرة، فإن عليهم أمر الناس وإرشادهم إلى الخير، ونهيهم وتحذيرهم من الشرّ، وعليهم نصيحتهم وترغيبهم في الخير، وترهيبهم من الشر، وعليهم أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فإن الله تعالى لما ذمَّ اليهود على حرصهم ومبادرتهم الإثم والعدوان، وأكلهم الحرام في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) بيّن واجب العلماء وحضّهم على القيام به، وهو نهيهم للناس عن المعاصي والآثام التي تصدر منهم، ليزول ما عندهم من الجهل وتقوم عليهم الحجة، فقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ (٢) أي هلَّا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم والحكمة عمَّا وقعوا فيه من الإثم وأكل الحرام.
стр. 16
وقد وبَّخَ الله العلماء في تركهم واجب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف فقال تعالى في الآية السالفة الذكر: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) .
стр. 17
كما أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وحذّرهم من الكتمان وتوعدهم عليه فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٣) وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ
стр. 18
سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» (١)(٢) .
وهذا الوعيد الشديد لما ينشأ عن ترك هذا الواجب العظيم -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- من الفساد والشر، إذ كيف يصلح الناس، وكيف ينزجر الناس عن المعاصي، وكيف تعظم المعصية في قلوب الجاهلين، وكيف يقفون عند الحدود، وكيف يتورعون عن الشبهات، والعلماء يرونها فلا ينكرونها؟!
فما أعظم واجب العلماء؟ وما أشد خطر تقصيرهم في القيام به. (٣)
стр. 19
قال الإمام أحمد ﵀ في رسالة الصلاة ما نصه: (فرحم الله رجلًا رأى أخاه يسبق الإمام، فيركع أو يسجد معه، أو يصلي وحده فيسيء في صلاته، فينصحه ويأمره وينهاه، ولم يسكت عنه، فإن نصيحته واجبة عليه لازمة له، وسكوته عنه إثم ووزر، وإن الشيطان يريد أن تسكتوا عن الكلام فيما أمركم الله به، وأن تدعوا التعاون على البر والتقوى الذي أوصاكم الله به، والنصيحة التي عليكم بعضكم لبعض، لتكونوا مأثومين مأزورين، وأن يضمحل الدين ويذهب، وأن لا تحيوا سنة ولا تميتوا بدعة، فأطيعوا الله بما أمركم به من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا تطيعوا الشيطان؛ فإن الشيطان لكم عدو مبين، بذلك أخبركم الله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (٢) .
стр. 20
واعلموا أنه ما جاء النقص إلا من المنسوبين إلى الفضل، المكبرين في الجماعات فيمن بالمشرق والمغرب من أهل الإسلام؛ لسكوت أهل العلم والفقه والبصر عنهم، وتركهم ما لزمهم من النصيحة، والتعليم، والأدب، والأمر، والنهي، والإنكار، والتغيير، فلم يروا آمرًا ولا ناهيًا، ولا ناصحًا، ولا مؤدبًا، ولا معلمًا، ولا منكرًا ولا مغيّرًا، إلا ما شاء الله، فجرى أهل الجهالة على المسابقة للإمام، وجرى معهم كثير ممن ينسب إلى العلم والفقه والبصر والنظر استخفافًا منهم بالصلاة.
стр. 21
والعجب كل العجب من اقتداء أهل العلم بأهل الجهل ومجراهم معهم في المسابقة للإمام في الركوع والسجود، والرفع والخفض، وفعله معهم، وتركهم ما حملوا وسمعوا من الفقهاء والعلماء، وإنما الحق الواجب على العلماء أن يعلموا الجاهل وينصحوه، ويأخذوا على يده، فهم فيما تركوا آثمون عصاة خائنون، لجريانهم معهم في ذلك وفي كثير من مساويهم: من الغش والنميمة، ومَحْقَرة الفقراء والمستضعفين، وغير ذلك من المعاصي مما يكثر تعداده, وجاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِلِ حَيْثُ لَا يُعَلِّمُهُ» فتعليم الجاهل واجب على العالم، لازم له؛ لأنه لا يكون الويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه من تطوع، لأن الله لا يؤاخذ على ترك التطوع، وإنما يؤاخذ على ترك الفرائض. اهـ (١) .
стр. 22
وظيفة المحتسب في الإسلام
المحتسب في الإسلام وظيفته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، فعليه أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب من لم يصلّ بالضرب والحبس لا القتل، وعليه أن يتعهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة، أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك، واستعان فيما يعجز عنه بكل مطاع يعين في ذلك، ويأمر المحتسب بالجمع والجماعات، ويصدق الحديث وأداء الأمانات، وينهى المحتسب عن المنكرات: من الكذب والخيانة، وما يدخل في ذلك من تطفيف المكاييل والميزان، والغش في المعاملات والصناعات، ومن العقود المحرمة، مثل: عقود الربا والميسر، ومثل: بيع الغرر والملامسة والمنابذة والنجس، وربا النسيئة وربا الفضل، وسائر أنواع التدليس، وينهى عن المعاملات الربوية، سواء كانت ثنائية أو ثلاثية، إذا كان المقصود بها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، وينهى أيضا عن تلقي السلع وعن الاحتكار وغير ذلك (١) .
стр. 23
مسألة:
شَرْط سقوط الحرج عن الباقين، إذا قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من يكفي هو أن يكون سكوته لعلمه أن هذا الواجب قد قام به من يكفي.
قال ابن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين ص١٥ -١٦": "واعلم أن مقتضى فرض الكفاية، أنه إذا قام به البعض حاز الأجر الجزيل من الله تعالى، وسقط الحرج عن الباقين، ولكن يشترط في سقوط الحرج هنا أن يكون الساكت عن الأمر والنهي إنما سكت لعلمه بقيام من قام عنه بالغرض، فإن سكت ولم يعلم بقيامه، فالظاهر -والله أعلم- أنه لا يسقط عنه الحرج؛ لأنه أقدم على ترك واجب عمدًا، كما لو أقدم على الفطر في رمضان؛ ظانًّا منه النهار باقٍ وكان ليلًا، أو جامع ظانًّا أن الفجر قد طلع وكان ليلًا، فإنه يأثم بذلك. اهـ.
стр. 24
مسألة:
الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية ولكنه يصير فرض عين في حالتين:
الأولى: أن لا يعلم به إلا هو. الثانية: أن لا يتمكن من إزالته إلا هو. قال أبو زكريا النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: "وقد يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني يصير فرض عين، كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو غلامه أو ولده على منكر أو تقصير في المعروف" (١) .
стр. 25
فائدة:
القائم والمؤدي لفرض الكفاية، له ميزة على القائم بفرض العين، تلك هي أن القائم بفرض العين أسقط الحرج عن نفسه فقط، والقائم بفرض الكفاية أسقط الحرج عن نفسه وعن المسلمين وفرض العين إذا ترك.
وقد قال اختص هو بالإثم، وفرض الكفاية إذا ترك أثم الجميع.
قال ابن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين" ص ١٧-١٨ وقد قال النووي ﵀ في "زوايد الروضة": للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين، من حيث إنه أسقط الحرج عن نفسه وعن المسلمين
وقد قال إمام الحرمين ﵀ في "الغياث": "والذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنه لو ترك المتعين لاختص هو بالإثم، ولو فعله اختص بسقوط الفرض، وفرض الكفاية لو ترك أَثِمَ الجميع، ولو فعله سقط الحرج عن الجميع، ففاعله ساع في صيانة الأمة عن الإثم، ولا يشك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمة من مهمات الدين والله أعلم" اهـ.
стр. 26
أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أ - الأدلة التي تأمر بأداء هذا الواجب
الأدلة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى، في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ كثيرة ومتنوعة، فمنها الأمر بالقيام بهذا الواجب وأدائه، ومنها الثناء عل أهله، ومنها التوبيخ والوعيد لمن تركه، ومنها الذم والعيب على من تركه.
أ - فمن الأدلة التي تأمر بأداء هذا الواجب ما يلي:
١- قول الله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
٢- حديث أبي سعيد الخدري
أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلَسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (٢)(٣) .
٣- وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁
стр. 27
عن النبي ﷺ «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهِ, قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَاعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ, قَالُوا: مَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» (١) .
فهذه الأدلة صريحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بأداء هذا الواجب والقيام به.
стр. 28
ب - الأدلة التي فيها الثناء على أهله والمدح لمن فعله
ومن الأدلة التي فيها الثناء على أهله والمدح لمن فعله ما يلي:
١- قوله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) .
٢- قوله تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) .
٣- قوله تعالى:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) .
٤- قوله تعالى:
ج- الأدلة التي فيها التوبيخ والوعيد لمن تركه
ومن الأدلة التي فيها التوبيخ والوعيد لمن تركه ما يلي:-
١- قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية جـ٦ ص ٢٣٧: "ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". اهـ وقال ابن كثير على هذه الآية: جـ٣ ص١٨٩، وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عطية حدثنا قيس عن العلاء بن المسيب عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: "ما في القرآن أشدّ توبيخًا من هذه الآية ".
٢- قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) .
стр. 31
قال ابن كثير على هذه الآية جـ٣ ص ٢٠٥: " أي كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه فقال: لبئس ما كانوا يفعلون". اهـ
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ج٦ ص٢٥٣: "قال ابن عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه". اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآية جـ ٢ص١٥٥: "أي كانوا يفعلون المنكر ولا ينهى بعضهم بعضًا، فيشترك بذلك المباشر وغيره، الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه ولغضبوا لغضبه". اهـ
٣- وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١) .
стр. 32
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية جـ٣ ص ٥٧٦: "فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين أو من الناجين؟ على قولين". اهـ
٤- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) .
قال القرطبي على هذه الآية ج٤ ص٤٧: "دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبًا في الأمم المتقدمة". اهـ وقال في ص٤٨ جـ٤، أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه.
٥- وفي صحيح البخاري وجامع الترمذي عن النعمان بن بشير ﵄ قال:
стр. 33
قال رسول الله ﷺ «مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا، إِذَا اسْتَقَوا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا فَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعًا» (١)(٢) .
هذا الحديث مثل ضربه الرسول ﷺ للاعتبار والتفكر والانتقال إلى نظيره وشبيهه، فإن من فوائد الأمثال تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر، فبالأمثال يعبر من الشيء إلى نظيره، ويستدل بالنظير على النظير، وهذا عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل واعتبار المعقول بالمحسوس (٣) .
стр. 34
وهذا الحديث عظيم جليل القدر، استنبط العلماء منه فوائد عظيمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين" ص٧٧ -٧٨، ما نصه:
" واعلم أن في تمثيل النبي ﷺ هذا جملة من الفوائد:
١- منها: أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا، وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة، بل في الدنيا، كما في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى.
٢- ومنها: أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد، إنما أفسد فيما يخصني، كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، ولي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام مما يجري على ألسنة الجاهلين، لأن شؤم فعله وسوء عاقبته فساد يشملهم أجمعين.
стр. 35
٣- ومنها: أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم، كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائمًا بفرض الكفاية عنهم، وكان سببًا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك.
٤- ومنها: أنه إذا أنكر مُنْكِر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم، نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل، والجهل بعواقب هذا الفعل، إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره، كذلك لا يعترض على من ينكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله، وجهل عواقب المعصية وشؤمها، إذ المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره، وساع في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
٥- ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك السفينة مع استطاعته حتى غرق، آثم فيما نزل به، وعاص بقتل نفسه، كذلك الساكت عن إنكار المنكر آثم بسكوته، عاص بإهلاك نفسه.
стр. 36
٦- ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح، كذلك إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح منهم وغيره كما سيأتي.
٧- ومنها: أنه لا يقدم من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق، يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح، ويجهل عاقبة فعله الشنيع، كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه، وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العاقبة، إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة؛ لما أقدم على المعصية أبدًا.
٨- ومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة من آمن يقينًا بما في خرقها من هلاكه، إذ لا يقدم على إهلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن بوعيد الله تعالى وأليم عذابه على الزنا، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن اهـ (١) .
فَاسِقُونَ﴾ (١) ثم قال: كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ بِبَعْضٍ، ثَُّم لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وهذا لفظ أبي داود
ولفظ الترمذي قال رسول الله ﷺ «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي، نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» (٢) معناه: تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق.
стр. 40
١٢- قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره "أضواء البيان"، تعليقًا على استشهاده بهذه الآية جـ٢ ص١٧١: "والتحقيق في معناها، أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره، هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفًا منها". اهـ
١٣- وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢) .
فبيّن سبحانه أنه أهلكهم إلا قليلًا منهم ممن كانوا ينهون عن الفساد (٣) .