Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وجنده، وبعد:
فإن الحديث عن الدعوة السلفية النجدية الإصلاحية، التي قام بها، ودعا الناس إليها، الإمام المجدد لما اندرس من معالم الدين، في القرن الثاني عشر، الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حديث طيب مبارك، ترتاح له أفئدة أهل الإيمان، وتطمئن به نفوس أهل الصدق والإحسان، لما يرونه ويعلمونه من أثرٍ مبارك صادق لهذه الدعوة، في مشارق الأرض ومغاربها، ولما يوقنون به من عظيم نفعها، وكبير وقعها.
стр. 2
ولا شك أن كل منصف ملتمس للحق وسواه، وباحث عن الخير وهداه، يدرك أن ثمة أسباباً جعلت هذه الدعوة دعوة متبعة عالمية ناجحة في مقاصدها وأطرها وغاياتها، واليوم الأمة تعيش في حالة من المراجعة لذاتها، والتصحيح لأخطائها وزلاتها، والعودة إلى الصدق مع نفسها، كان لزاماً على أنصار هذه الدعوة وأتباعها، ممن هيأ الله لهم قوة العلم، وثاقب النظر، أن يبينوا للأمة جمعاء مزايا هذه الدعوة المباركة وأسباب نجاحها واستمرارها، وازدهارها وانتشارها، حتى تعود الأمة إلى أصل نبعها، وأول سيرتها، ورأس أمرها "ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها".
فأحببت من هذا المنطلق السامي في غايته، العظيم في مقصده ونيته، أن أكتب كلمات تنبئ البصير الحاذق، وتنبه الباحث الصادق، عن أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
стр. 3
- وعلم الله - وددت أن غيري ممن هو أقدر مني كلماً وبياناً، وفصاحة ولساناً لو كفاني هذه الأمانة، وأزاح عني ثقل المؤونة، فلم أجد أحداً إلا قد اعتذر عن ذلك بكثرة أشغاله وأموره الخاصة، فلما رأيت ذلك توكلت على الحي القيوم مستعيناً به في زبر هذه الأوراق، وتقييد معالمها وأسسها، علّ بها بياناً صادقاً للناس، وإيضاحاً للحق، ودعوة الخلق، للرجوع إلى المنبع الأصيل كتاباً وسنة على فهم سلف الأمة، ومازال الأمل معقوداًَ وقائماً على ثلة من أهل الفضل والعلم من أنصار هذه الدعوة وأبنائها على الكتابة فيها وفي أسباب نجاحها، وما عملي وكتابتي إلا جهد المقل، فالله أسأل أن يتقبله بقبول حسن ويجعله من العلم النافع والعمل الصالح إن ربي لسميع الدعاء.
وقد سرت في كتابي هذا على خطة هاك تفصيلها:
أ - المقدمة: وفيها الباعث على تأليف الكتاب.
ب - كلمة فيها بيان: لماذا نحب هذه الدعوة ولماذا نجحت واستمرت؟!!
ج - الأسباب المجملة.
د - الأسباب المفصلة.
هـ - الخاتمة.
стр. 4
علمًا بأني راعيت في كتابتي سهولة العبارة، ولطافة الإشارة، ووضوح المعنى، وبيان المقصود، وذكرت الأصول، دون التطرق إلى كثير من الفروع؛ مهتماً بكليات الأسباب وجزئياتها، دون تطويل ممل، ولا تقصير مخل.
هذا؛ والله أسأل أن ينفعني بما كتبت، وينتفع قارئه بما سطرت، وحسبي الله عليه توكلت وإليه أُنيب، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتب ذلك حامدًا ومصليًا ومسلمًا
عبد الرحمن بن يوسف الرحمة
في الرياض غرة شهر رمضان المبارك
لعام ١٤٢٣هـ
стр. 5
كلمة فيها بيان: لماذا نحب هذه الدعوة ولماذا نجحت واستمرت ؟!!
هذا سؤال عريض لا بد من الإجابة عليه إجابة وافية المقصود، بينة العبارة، واضحة الأسلوب، حتى يتضح الصبح لكل ذي عينين: إن هذه الدعوة المباركة أحببناها ونجحت واستمرت لأنها تجديد لأصالة الدين، وروح الملة، ومعدن الشريعة، إنها رجوعٌ بالناس إلى رأس الأمر، وأصل النبع، وأساس النهر، وأول المسيرة، وهي إلغاء لطقوس الكهنة، ومصطلحات مشايخ الطرق، عبدة الجاه، وسدنة الناموس بين البرية.
أحببناها ونجحت لأنها دعوة لم يقم بها العسكر تحت رصاص البنادق، وزحف الدبابات، فهي لا تؤمن بالاختلاس والنهب، هي دعوة لم تتبنَّ حمايتها الأحزاب الخاسرة التي ترفع شعارات تؤمن بها في الأوراق، وتكفر بها في الميدان؛ ولأنها ليست دعوة سياسية صرفة مقصدها الوصول إلى كرسي الحاكم، وابتزاز عصا السلطان، وتصدر الجموع، إنها دعوة أصلها ثابت من الدليل الشرعي، والاقتداء بالمعصوم ﷺ والدعوة على بصيرة، وفرعها في السماء من العطاء المبارك، والنفع العام، والأثر المحمود.
стр. 6
إن هذه الدعوة لم تدلف تحت هتافات الغوغاء، والشعارات الجوفاء، ولم تقم بأغلبية الأصوات، ونتائج صناديق الاقتراع، لم تفعل ذلك لأن هذه الدعوة توقد من شجرة الوحي المبارك، لا شرقية ولا غربية، بل سُنِّيّة سلفية ربّانية.
أحببناها واستمرت لأنها دعوة بدأت من المسجد، وانطلقت من المحراب، وهبّت من المآذن علنية، تعلن مبادئها على المنبر، وتشرح مواثقها في العامة، ليست سرية لها رموز لا يفكها إلا خاصة الخاصة، وليست غامضة لا يفهم مقاصدها إلا أساطينها؛ بل دعوة بينة بيان الحق، ساطعة سطوع الحقيقة، ظاهرة ظهور الفجر.
إنها بإيجاز تدعو لأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وتعبد الناس لخالقهم ورازقهم، لا ترى التقليد، ولكنها لا تجرح الأئمة، ولا تقر الجور، ولكنها لا تخرج على الحاكم المسلم، وترفع شعار الجهاد، ولكن لإعلاء كلمة الله.
стр. 7
نجحت واستمرت لأنها دعوة سهلة ميسرة، ومن ينظر في كتب الإمام المجدد، وأبنائه وأحفاده، وأئمة الدعوة، يلمس يسر الشريعة، وسماحة الملة، وسهولة الدين، وكذلك عمرت هذه الدعوة، وأينعت، وطاب قطافها، واستوت على سوقها؛ عملٌ بالكتاب والسنة، على فهم سلف الأمة - صحابة وتابعين - وتقديمٌ للدليل مع احترام أهل العلم، وتحاكم للنص مع عدم مصادرة جهود الخيرين، وبناء دولة مع تقديم الآخرة، وإصلاح القلب مع الاهتمام بالجسم، لم تحش أذهان أتباعها بزبد الخطابة المجردة، والعواطف المجنحة، ووجهات النظر، واستحسانات الفلاسفة، ورغوة علماء الكلام، وجدل المناطقة، ووله الشعراء.
ولم تضع وقت طلابها في مطاردة قصاصات مقالات الصحفيين، الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون.
ولا في تتبع أطروحات المفكرين الذين يتبعون الظنَّ وإن هم إلا يخرصون، ولا في حفظ حروز المتصوفة، الفارغين من النقل، الهائمين في أودية الخيال.
نجحت واستمرت لأن هذه الدعوة ربانية أولى وآخرة، دنيا ودولة، جسدٌ وروح، شكل ومضمون، رواية ودراية، خبر وإنشاء، قولٌ وعملٌ، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً.
стр. 8
إنها لم تأت بطرح صوفي يقدس عمامة الشيخ، ويتمسح بثوب الغوث والقطب، ويقبل تراب أقدام الأوتاد والأبدال.
لم تفد بمشروع خارجي يكفر بالكبيرة، ويعلن التمرد لمجرد مخالفة، ويستبيح دم المسلم بالمعصية ويدعو إلى الثورة عند الخطأ؛ ولم تبزغ بوجه رافضي يتبرأ من الصحابة، ويحمل الضغينة على الأبرار، ويأفك في المنهج، ويفتري على الله ورسوله، يضل في المعقول، ويجهل المنقول، يرفض الثوابت.
وصلت للناس كما يصل الماء العذب الرقراق إلى الشفاه، وكما يطلب نور الفجر على الآفاق، ومثلما يهبط الغيث من السماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، وإذا الناس بها يستبشرون.
стр. 9
لقد قامت قبلها ومعها وبعدها دعوات، وحركات، وشعارات، ولكنها لم تكن مثلها، ولم تفعل فعلها، ولم تؤثر أثرها، فهذه الدعوات: إما دعوة دموية مصادمة انتهت بقطع الرؤوس، وبحيرات الدم، وأعقبت الخوف، والتشريد، والتنكيل من الجلد، والحبس والإعدام، أو دعوة سلبت الإنسان حقه في الحياة، فحرمت عليه الطيبات، ومنعته من المناهج، وحشرته في زاوية، يهمهم ويتمتم، على أوراد بدعية، وأعمال شركية، يطوف بالقبر كالحمار بالرحى، ويتمرغ عند الضريح كالثور في المسناة، بهم تطمس إشراقات الملة، وبهم تنطفئ أنوار الشريعة.
أو دعوة بنيت على مذهب اللملمة، تقبل السلفي والرافضي والخارجي والاشتراكي والعلماني، بحجة رص الصف، وجمع الكلمة.
стр. 10
أما دعوة الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأجزل له الأجر والثواب وأدخله الجنة بلا حساب ولا عذاب - فهي دعوة واضحة المعالم، ثابتة الخطى، متميزة الطرح، بينة الخصائص قامت على التوحيد أصل الأصول، ودعوة الأنبياء، ومهمة الرسل، وأول الواجبات، وأعظم الفرائض، فدعت إليه قولاً وعملاً، ونصرها الله بسيف الشرع، وقوة العلم، وكتائب الجهاد، وأحفاد الفاتحين، فشرَّقت وغربَّت، وآتت أُكلها ضعفين بإذن ربها، كان من حسناتها - وهي حسنات كلها - الاهتمام بحِلق الذكر، ودروس المسجد، وبث الوعي، ونشر العلم، وهي سنة سنها رسول الله رسول الهدى ﷺ ثم أميت من قرون سلفت، فجاءت هذه الدعوة لبعثها من جديد وإحيائها.
وليت المساجد يعود لها ذاك الزخم المضيء النير في أيام دعوة المجدد، ليعي الناس أمر دينهم، لأن الدراسة المنهجية النظامية، وحدها لا تفي بمهمة المسجد، مع ضآلة ما قرر للدين من حصص، وما قطر لمادة التوحيد من محاضرات، مع هزال المدرس، ونعاس الطالب، وملل الرتابة، وكثرة الصوارف.
стр. 11
إن المكان المبارك لنشر عقيدة السلف الصالح، وميراث الرسول ﷺ وتركته هو المسجد ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] .
ويوم أصبحت عقيدة السلف تعلم بالكمبيوتر، وصار علم الشرع يؤخذ من القنوات الفضائية، صار الطرح باردًا، والذهن كالًا، والجيل عاطلًا، والعلم ممجوجًا.
стр. 12
الآن حصص الحق، ولكل نبأ مستقر، وأدرك العقلاء أن الدعوة التي تتقبلها القلوب، وتنشرح لها الصدور وتوافقها الفطر، وتصدقها العقول، هي الدعوة الموافقة لدعوة المعصوم ﷺ المتبعة لا المبتدعة، الربانية لا النفعية، الأثرية لا المخالفة، الوسطية لا الغالية ولا الجافية، وهي دعوة عبرت القرون، واخترقت حاجز الزمن، ونفذت من بوابة الدهر، يحمل علمها محمد ﷺ وأصحابه، وأئمة السلف كمالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ومع هذا الموكب المبارك نريد أن نسير، ومع هذه الطائفة المنصورة الناجية الباقية نتمنى أن نُحشر، ومع هذا النبع العبّ الثر نريد أن نعبَّ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] .
وخاتمة للكمة أقول: اللهم إن هذا الشجن مما نفح به الخاطر، وشهد به القلب، وزكاة الضمير، لم يحاب فيه شخص، ولم يتزلف به إلى هيئة، وكلنها شهادة تؤدى يوم تكتب شهادتهم ويسألون، وعقيدة تعتنق، ومذهب يحب، وأمنية غالية، يلهج بها.
стр. 13
ذلكم مما نفث به القلم المصدور على عجل من أمره، وفي المطولات عن هذه الدعوة غنية وكفاية، ولكنها زكاة نصاب الواجب علي لهذه الدعوة، ولا يسعني السكوت، فإن لم يصبها وابل فطل:
ليت الكواكب كانت لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
стр. 14
الأسباب المجملة
هذه أسباب إيضاحها وإبرازها وتفصيلها يحتاج إلى مزيد وقت وميسرة من زمن ومدة، أسوقها في ثنايا هذا العرض علّ الله أن ينفع بها، ولئن فسح الله في العمر والمدة، سأتعرض لها ببيان وافٍ لها، وشرح لأصولها؛ وتوضيح لمضامينها، فأقول وبالله التوفيق؛ الأسباب المجملة هي على النحو الآتي:
١- التزامها بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين واليسر والتبشير وبُعدها عن العنف والغلظة والتنفير والعسر.
٢- محاربتها للبدع والمُحدثات والتحذير منها والتنفير عنها.
٣- الشمولية العامة للدعوة.
٤- التوازن الوسطي في الطرح والأخذ.
٥- التقدير المتزن لعلماء الأمة وأمناء الملة دون الغلو والجفاء.
٦- البعد عن الحزبية الضيقة، والجاهلية المنتنة، والعصبية المقيتة.
٧- الاقتداء التام بالسلف في سائر الأمور كافة.
٨- قوة الإيمان وصدق العزيمة لدى علماء الدعوة وأئمتها بدءًا بالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀.
٩- الاحتساب والبذل والاجتهاد لنصرة هذه الدعوة.
١٠- ظهورها في زمان الفساد والكساد والاندراس لمعالم الإسلام والانحراف عن جادة الحق والصواب مما هيأ لها قبولًا عظيمًا، ورواجًا واسعًا.
стр. 15
١١- وجودها في بيئة بسيطة في العلم قوية في الأخلاق والتحمل والقوة والشجاعة.
١٢- عدم تأثرها بالثقافات الأجنبية والأطروحات الغربية والمناهج الكلامية المبتدعة.
١٣- قيامها بإبراز شعائر الملة الحنفية ودعائم الدين القويم ومظاهره الواضحة.
١٤- تمسكها بالأصول العامة وإحيائها وإفهامها.
١٥- وجود الخلافة العلمية والورثاء الشرعيين للأئمة من طلابهم وتلاميذهم.
هذه بعض أسباب النجاح المجمل للدعوة، وهي غيض من فيض وقليل من كثير، والله المعين.
стр. 16
الأسباب المفصلة
السبب الأول: دعوتها إلى التوحيد واهتمامها به:
إن الدعوة السلفية الإصلاحية دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهّاب ﵀ اعتنت بالتوحيد وجعلته محور أمرها، ومرتكز دعوتها، ونقطة انطلاقتها لأن التوحيد، أساس الملة، وأصل الدين، وقاعدة الإسلام، فمن أجله أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، وجُردت السيوف، ومن أجله حصل الولاء والبراء، والمنع والعطاء، والحب والعداء، ومن أجله انقسم الناس إلى مؤمن ومشرك، شقي وسعيد؛ ولأن التوحيد هي القضية الكبرى التي عُنِيَ بها المرسلون والأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
стр. 17
والتوحيد هو الغاية العظمى من خلق الله للخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وهو أول مأمور به في القرآن الكريم ﴿يا أيها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وهو فاتحة القرآن الكريم وخاتمته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١-٣] وهو البداية لدعوة إمام الموحدين، وسيد المرسلين، وإمام الدعوة الصادقين محمد رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا» والتوحيد هو النهاية الحميدة، والعاقبة السعيدة، لمن سار عليه علمًا وعملًا وتعليمًا، اعتقادًا وسلوكًا، سبيلًا وسنة، منهجًا وحياة ومماتًا ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] . وقال ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ، وقال صلّى
стр. 18
الله عليه وسلّم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة» .
أخي القارئ الكريم: فإذا فُهِمَ هذا الأصل العظيم، وتقرر في القلوب وقبلته النفوس، عُلِمَ مدى أهمية العناية بالتوحيد والدعوة إليه، ومن هنا كانت عناية دعوة الإمام ﵀ بالتوحيد وبُعدها عن الشرك والتنديد، وتحذيرها أشد التحذير من كل ما يخل بذلكم الأصل العظيم.
لقد جاءت هذه الدعوة في زمن اشتدت فيه غربة الإسلام وارتكست فيه الأفهام؛ بل إن عُرى الإسلام - أغلبها - منتقضة، والناس - جُلّهم - عبدوا الكواكب والنجوم، وعظموا القبور، وبنوا عليها المساجد، وعبدوا تلك الضرائح والمشاهد، معتمدين عليها في المهمات والملمات، سائلين ومستغيثين عندها رفع الدرجات، ودفع الكربات، وقضاء الحاجات، وشفاء المرضى، وإغاثة الهلكى، زاعمين - كذبًا وزورًا - أنها تبلغهم أسنى المطالب، وأرفع المراتب، وتحقق لهم قضاء المآرب، وغير ذلك من عظائم الأمور، الموجبة للويل والثبور.
стр. 19
فلما رأى ذلك إمام الدعوة ﵀ وأيقن بحصول الشرك وازدهاره، ونمو الكفر وانتشاره، قام بالدعوة إلى التوحيد اتباعًا لمنهاج الأنبياء، واقتداءً بالربانيين من العلماء، ورأى ﵀ أن ذلك من أهم المهمات، وآكد الواجبات، فشمر عن ساعد الجد والاجتهاد، ودعا إليه ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، وأعلن أن ذلك من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين فأثمرت دعوته أعوانًا وأنصارًا، بعد أن وصل التوحيد الصافي إلى سويداء قلوبهم، وغرس جذوره في أعماق نفوسهم، فتحولوا معه إلى الصفاء والنقاء، والطهر والإخلاص لرب السماء، فكانت دعوة عظيمة، ومنَّة كريمة، صافية المشرب، سهلة الموردن خلّصت الناس من لوثات الجاهلية العمياء، وضلالات الوثنية الشوهاء.
стр. 20
ومن هنا يعلم - كل منصف حصيف - سر نجاح هذه الدعوة واستمرارها ومضي أمرها - ولله الحمد والمنّة - وما زلنا نعيش تحت دوحتها المباركة؛ ونتفيأ ظلالها، وننعم بطيب عبيرها وأريجها، إنني أقول بملء فيّ لو سار الدعاة - في كل مكان من العالم الإسلامي عامة وهاهنا خاصة - على أسسها وقواعدها، لتغير حال الأمة في جميع مناحي الحياة، ولاجتمع المسلمون على كلمة سواء، لأن التوحيد توحيد للكلمة وأساس مكين للاجتماع، وما الذي استفادته الأمة من دعوات وجماعات، أطلت برأسها وفكرها في زمننا المتأخر بعضها دعوتها مندرجة تحت مظلات سياسية، وأفكار واقعية، وبعضها اهتمت ببعض القضايا الزهدية والوعظية، دون العناية بالتأصيلات العلمية والعملية والعقدية، فتمادت بالجميع السنون، وتوالت عليها الأيام، وقدمت لها الأرواح، وبذلت من أجلها الأموال ثم انتهت إلى الفشل والزوال، وكم من جماعات أخرى وحركات حثيثة فاسدة روت طريقها بالدماء، وتبارت في ضروب الفداء، فسقطت دون وصولها إلى أمل منشود، أو هدف مرغوب، ومن فرض القول أن يعلم المؤمن علم يقين أن كل دعوة للإسلام لا تقوم على التوحيد الخالص لله تعالى، ولا تأخذ طريقها إلى منهج السلف الصالح فهي تائهة
стр. 21
مخذولة مهزومة، وإن توهمت غير ذلك؛ لا تصبر على لقاء، ولا تجسر على حق، ولا تحتمل المواجهة.
стр. 22
وغنيٌّ عن القول بعد أن الإمام المجدد ﵀ قد صنف في تلك الحقبة كتابًا عجيبًا يعدّ من أمتع الكتب وأنفعها، وأفضلها جمعًا وتبينيًا وترتيبًا؛ وأحسنها نظامًا وتبويبًا، وهذا الكتاب هو كتاب التوحيد حق الله على العبيد. ولقد صدق بعض الأفاضل من أهل العلم والإيمان، وأرباب المعرفة والإحسان؛ حينما قال: "إن تبويبات الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد وتراجمه عليها لتدل على فقه كبير، ورأي سديد، وعقلية عليمة فذة من الطراز الأول، وتراجمه وتبويباته شبيهة أو قريبة من تراجم الإمام البخاري في جامعه الصحيح" اه. وكتاب التوحيد اشتمل على ستة وستين باباً، وكل باب يتضمن ترجمة وعنواناً؛ متضمنة للحكم، ثم بعد ذلك الأدلة على الباب والترجمة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وبعض التوضيحات الجلية من كلام المحققين من العلماء، ثم بعد ذلك - خاتمة مسك - مسائل مفيدة، وقواعد سديدة، وفوائد رشيدة، فيها من العلم النافع الغزير ما تشد إليه الرحال، وفيها وضوح مكانة الإمام ﵀ العلمية الفائقة وقدرته الرائعة على الاستنباط وقوة العارضة والملكة الفقهية العلمية.
стр. 23
وعليه فأقول: إن المتأمل لهذا السبب يرى ويدرك ويعلم أن هذه الدعوة الإصلاحية التجديدية، ما أعطت ثمارها، واستوت على سوقها، وآتت أُكلها، إلا بالعناية والاهتمام والدعوة إلى التوحيد فهل من مدكر ومتبصر؟!!
وأي دعوة لا تهتم بالتوحيد فرعاً وأصلاً، ولا تعتني به مضموناً وشكلاً؛ ولا تُلقي له عناية وبالاً، وتسير وراء مناهج وافدة، وأفكار فاسدة؛ فإن مصيرها إلى اضمحلال، ونهايتها - والله - إلى فشل وزوال.
وإن استمرت أعواماً عديدة، وأزمنة مديدة، فلحكمة بالغة ربانية، وتقدير إلهي؛ وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] .
стр. 24
السبب الثاني: تمسكها بالسنة وحرصها على الاتباع:
إن التمسك بالسنة، دليل النجاة والصلاح، وعنوان السعادة والفلاح، وأمارة التوفيق والتسديد والنجاح، وعلامة الفوز والنصر والخير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] .
وهذه الدعوة المباركة حرصت كل الحرص على تعظيم السنة ونصرتها، وبيانها للناس، وإيضاح معالمها وصوابها للخلق، وجعلت ذلك منهجاً لها، وديدناً وطريقة تسير عليها، وتدعو لها، وتحث أتباعها وأنصارها على معرفتها وتعلمها وتعليمها ونشرها بين الحاضر والباد.
وتعظيم السنة الأمر مهم جداً، تحفد له همم أتباع الحق، وأنصار الهدى، وتسعى لبيانه ونشره قلوب المحبين لها، الذابين عن حياضها، المحاربين للبدعة والفتنة وبنيّات الطريق.
стр. 25
وإن أكبر مؤثر، وأعظم مؤشر، في نجاح هذه الدعوة؛ ووصولها إلى كل مكان، من مشارق الأرض ومغاربها، إنما هو التمسك بالسنة، والحرص التام على الاتباع، ومن المعلوم أن السنة واتباعها، والسير على لاحب صراطها، وواضح نهجها سبب حقيقي، ودافع أساسي، لشرح الصدر، ووضع الوزر ورفعة الذكر، كما قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١-٤] .
وهذه الآية يدخل في عموم مقصدها، وحصول مقصودها كل متبع للسنة قولاً وفعلاً، وسلوكاً وحالاً، وكل ناصرٍ لها بياناً وحجة ومقالاً، كما أفاد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وفي ضوء ذلك يتبين للقارئ الكريم أن الاتباع للسنة مصدر عز الأمة وسعادتها، وصلاحها وهدايتها، وسلامتها وريادتها، وشواهد هذا الكلام تبدو جليّة في مسارات هذه الدعوة التي أعادت للأمة روحها وحياتها، وفلاحها وسيادتها لما تمسكت بنور الوحيين، واقتفت آثار النبوة، واهتدت بإسلامها الحق.
ومنهج هذه الدعوة في تمسكها بالسنة، قائم على عدة معالم:
стр. 26
المعلم الأول: الاتباع للكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، والتسليم لهما إذعاناً وانقياداً.
قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وقال النبي ﷺ : «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» [أخرجه الحاكم في المستدرك] .
المعلم الثاني: مرجعها عند التنازع والاختلاف:
إن مرجع هذه الدعوة السلفية الإصلاحية في تنازعها واختلافها سواء كان ذلك مع غيرها أو من ينتمي إليها، إنما هو الكتاب والسنة، ومنهج سلف الأمة، عملاً بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
стр. 27
ومرجعها في فهم نصوص الوحيين كتابًا وسنة، إنما هو فهم الصحابة - رضوان الله عليهم - إذ هم أبر الأمة قلوباً، وأحسنها هدياً، وأقلها تكلفاً، وأصدقها اتباعاً، وأفضلها فهماً، وهم الأمنة للأمة، والأمناء على الملة، ووزراء النبي ﷺ .
المعلم الثالث: تقديمها لكلام الله وكلام رسوله على مجرد الأقوال والآراء:
فهذه الدعوة وأئمتها وأتباعها من ديدنهم ولاحب طريقتهم تقديم أقوال الوحيين ونصوصهما على أقوال الناس وآرائهم وزبالات أذهانهم، اتباعاً لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] . وترى جليًّا واضحًا في نصوص الإمام المجدد ﵀ أن التقدم بين يدي الله ورسوله من القول على الله بغير علم، وأنه من اتباع الهوى، وتزيين الشيطان.
قلت: هذه معالم رئيسة تميزت بها هذه الدعوة في اتباعها وتمسكها بالسنة عن غيرها من دعوات وجماعات، فكان لها التمكين والسناء والنصرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] .
صورة عنايتها بالسنة:
стр. 28
لقد اعتنت دعوة الإمام المجدد ﵀ عناية فائقة بالسنة النبوية وتمثلت عنايتها بذلك في عدة صور:
стр. 29
(أ) عنايتها بتصنيف التصانيف النافعة في أصولها، الماتعة في قواعدها، الرائعة في أبوابها، المتنوعة في بيان أحكامها وأحاديثها ودلالاتها، وللإمام المجدد ﵀ قصب السبق، وقدم الصدق، في الاعتناء بذلك اعتناءً بيّناً واضحاً، ولعل أوضح مثال جمعه لكتاب "مجموعة الحديث النجدية" التي ضمنها طلائع مشرقة من السنة النبوية، والأحاديث الكريمة، كالأربعين النووية وعمدة الأحكام، وفي جمعه هذا إشارة لطيفة، ونكتة شريفة، إذ راعى في جمعه - كما هي عادته الحميدة - حاجة جماهير الناس وعوامهم إلى أحكام العبادات والمعاملات، ثم بيّن لهم بعد ذلك أهمية الاتباع، وخطورة الابتداع في كتابيه: "أصول الإيمان" و "فضل الإسلام"، ثم أوضح لهم خطورة الكبائر والفواحش وعظيم ضررها، وواضح أثرها السيئ على الأمة وذلك في كتابه: "الكبائر" ثم أردفه بنصيحة للمسلمين في: "الآداب الشرعية، والمقاصد السلوكية المرعية"، وهذا الترتيب العجيب، والنمط الفريد، إنما يدل على قوة علمية وعملية امتاز بها الإمام المجدد ﵀ ومن سار على نهجه ونفسه في الدعوة إلى الله والعناية بإصلاح الناس، وإخراجهم من ظلمات التيه والغي إلى نور الله ودينه
стр. 30
القيم.
ثم جاء بكتاب: "الصلاة وحكم تاركها" للإمام ابن القيم ﵀ وختم تلكم المجموعة الفريدة النفيسة بكتاب: "الوابل الصيب في شرح الكلم الطيب" لابن قيم الجوزية ﵀ فتكون أمام القارئ خلاصة مهمة سديدة، وزبدة نافعة مفيدة، ملخصة من كتب السنة النبوية، يكون فيها على بصيرة في جميع أمور دينه توحيداً ومقصداً وعبادة ومعاملة وذكراً وفكراً - وهي لعمر الله - أصول السعادة الكلية.
(ب) قيام أئمة الدعوة بتدريسها وتعليمها في المساجد والحلقات العلمية، والمجالس الوعظية، ونشرها وبثها بين الناس في مجامعهم العامة، ومشاهدهم الخاصة، ودعوتهم إليها، وتقديمها على آرائهم الفردية، ونوازعهم الشخصية ومحاربتهم وإنكارهم على من يقدم رأيه وهواه على نصوصها ولهذا - وغيره - أُحيت السنة وأعلامها، واندرست البدعة وأربابها.
стр. 31
(ج) قيامها بمحاربة البدعة والفتنة، وتوضيح خطورتها وأثرها السيئ على الأمة، إذ البدعة - في ميزان الشرع - بريد الكفر، وعنوان الشقاء، وأمارة الضلال، وعلامة الفساد، والبدعة لا يتاب منها، وهي لذلك أحب إلى إبليس من المعصية، وهي تشريع لما لم يأذن الله به، والضلال مقرون بها، والخزي والافتراء من تداعياتها وأسبابها، وهي خبث في المقصد، وغبش في التصور، وغموض في الطريق، وضلال في الفكر والعقل.
ولهذا كان التحذير منها ومن وسائلها وأسبابها وذرائعها، من أهم الأمور لدى الأئمة - قديماً وحديثاً - ومن واجباتهم التي اضطلعوا بها بياناً للحق، ونصحاً للأمة، وبراءة للذمة، وهذا التحذير لم يقتصر على البدعة وضررها وخطورتها وأثرها؛ بل تعدى ذلك إلى أهلها وأصحابها المناصرين لها، السائرين ظلماً وعدواناً خلف ظلماتها وضلالاتها، تحذيراً واضح المقصود، بيّن المقول، يمتاز بالبيان الواضح، والعبارة المشرقة، والكلمة المسموعة المفهومة، حتى يعرف الناس خطورتهم، ويحذروا من أحابيلهم وألاعيبهم ومناهلهم العكرة الكاسدة، ولن تجد مع مثل هذه الباينات الواضحة، والتحذيرات الجلية، والردود القوية، شبههم رواجاً أو قبولاً.
стр. 32
وهذا الذي سبق ذكرهن هو ما حصل في أول الدعوة ووسطها وزمناً طويلاً من آخرها، حتى وصل الأمر بآخره إلينا، فضعف جانب الرد والتحذير، وقامت فئام ممن ينتحلون السنة بتلميع أهل البدع، وتزيين مصنفاتهم ومؤلفاتهم وأفكارهم وتقديس أشخاصهم، بحجة واهية، وشبهة داحضة، مردّها إلى العدل والإنصاف والموازنة - زعماً كاذباً وهوى متبعاً -.
فتفاقم الخطب، واشتد الكرب، وعظم الضرر منهم وبهم بل وأثرهم السيئ على الأمة عامة، وعلى الدعوة الإصلاحية وأهلها خاصة، مما نتج عن جرّاء ذلك خروج قبيل وجيل يعظم البدع ويدافع عن أهلها - بل ويقدسهم - ويقلل من شأن السنة ومنهاج السلف الصالح، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفي الله خلف وهو المستعان.
стр. 33
أخي القارئ الكريم: هذه وتلك إشارات ومنارات في عناية دعوة الإمام المجدد ﵀ بالسنة ونصرتها لها وتعظيمها واتباعها؛ سقتها شآبيب من القول متصلة بعضها برقاب بعض، حتى يتبين الصبح لكل ذي عينين، ويقطع الشك باليقين، في أهمية السنة ومكانتها الحميدة، ومنزلتها الرشيدة، عند أئمة الدعوة ومن نحا منحاهم، وسار على مثل سيرهم، من الدعوات السلفية التي تأثرت بها، وأثبتت نجاحها ووضوحها وسلامتها وحسن مقصدها، وجلاء مسيرتها وسيرها، وأما من اتبع الهوى وقدم العقل والظن على السنة ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] وهم مصابون بعظم الوزر، وضيق الصدر، وبتر الذكر ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] ؛ وجزاءهم في الأولى الفشل والزوال وفي الأخرى - عند الله مصيرهم وأمرهم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] .
стр. 34
السبب الثالث: اهتمامها بالعلم الشرعي تحصيلاً وتأصيلاً وتفريعاً:
إن مما لا شك فيه، ولا ريب يعتريه، أن العلم الشرعي شرف وفضيلة ونور، وأن الجهل شر وبلاء ورذيلة وظلمة.
والعلم طريق موصل إلى الفضائل والمنازل العالية، وهو سلم الوصول للخيرات، ويعد في نظر من ذاق حلاوته، وعلم فضله ومنزلته؛ أعذب الموارد، وأفضل المصادر، به تبنى الأمجاد وعليه تقوم الحضارات، ولقد حث الإسلام القويم على تعلمه ورغب فيه أشد الترغيب، وجعل سلوك سبيله طريقاً إلى دخول الجنان، والبعد عن النيران، كما صح ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سلك طريقاً يَلْتمسُ به علماً، سهَّل الله لَهُ به طريقاً إلى الجنة» [رواه مسلم] .
стр. 35
فمن هنا كان لِزاماً على دعوة سلفية متبعة للكتاب والسنة مثل الدعوة السلفية الإصلاحية، أن تهتم بالعلم الشرعي لكي تكوّن قاعدة علمية راسخة، تزيد في بناء الأمة لبنات صادقات؛ همها الدعوة إلى الله، ورائدها الصدق، وحاديها الإخلاص والمتابعة، وهذا الذي رأيناه جلياً واضحاً في أمور هذه الدعوة من العناية التامة بالعلم في كل أطوارها وأدوارها، وما ذهب جيل من العلماء إلا وتبعه آخرون يدعون إلى كتاب الله أهل العمى، ويبصرونهم بنور الهدى، مواطن ومزالق الردى، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وهم سلسلة منتظمة الأركان، قوية الترابط والتماسك.
стр. 36
وغنيٌّ عن القول هاهنا أن كتاب الله فيه من الآيات الكريمات اللاتي تحث وترغب في العلم وتبين فضله وعظيم منزلته؛ كقوله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، قول الحق جلّ في علاه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، وقوله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .
стр. 37
وكذلك السنة النبوية حفلت بالنصوص الكريمة الشريفة المرغبة في العلم، الحاثة عليه، المبينة لمنزلته ومكانته كما جاء في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ، وقوله ﵊: «العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [أخرجه الترمذي] .
وقوله ﷺ : «إن الله وملائكته ليصلون على معلم الناس الخير» ، وقوله ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» .
ومن المعلوم بداهة وقطعاً أن الجهل سبب من أعظم الأسباب الموجبة لانتشار البدع والضلالات، وما نراه اليوم من انحرافات عقدية، وخروج عن جادة السلف، وانخداع بمذاهب منحرفة، وطرق مبتدعة، تزين الألفاظ، وتزخرف الكلمات، وتنمق العبارات إنما منشأه ومرده إلى الجهل بمقاصد الشريعة، وأسسها الرفيعة.
стр. 38
فلا بد والحالة هذه أن يكون الاهتمام بالعلم واجب شرعي وفرض أكيد، على كل من تسنم غارب الدعوة إلى الله وأراد لدعوته المضي والاستمرار اتباعاً لأمر الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] .
والضلال لا يحصل إلا بتصدر الجهال، وذهاب العلم والعلماء؛ كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ولكنه يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .
стр. 39
ثم بعد هذا البيان، يجد الناظر بميزان الاعتدال والإنصاف، في حقيقة هذه الدعوة الإصلاحية، اهتمامها الكبير بالعلم الشرعي، وتثبيت معالمه في الوجدان، والحض عليه، وتسهيل سبله، وإقامة الدروس الفقهية، وتشييد الحلقات العلمية، والحرص البالغ الأكيد على تعليم عامة الناس أصول الدين وأركانه، وواجباته وفرائضه وما هذه الكتب التي تعتبر لسان مقال الدعوة في إيضاحها وبيانها للعلم كالأصول الثلاثة وكشف الشبهات والقواعد الأربع في العقيدة والتوحيد وآداب المشي إلى الصلاة في الفقه ولوازمه إلا شواهد حق، ومنارات صدق، في عناية علماء الدعوة بمثل هذه التأصيلات العلمية، التي بها الخير العميم والنفع العظيم، وثمة شاهد آخر، وهي الرسائل العلمية والفتاوى المحررة القائمة على تفريع المسائل، وسلوك منهاج الدلائل، وبيان الأحكم والنوازل بعبارات علمية وجمل فقهية، وكشف عن مواطن الريب والشك، وإخراج للناس من التيه والضياع إلى مناهل صافية المشرب عذبة المورد، كل ذلك من نشر العلم والاهتمام به أشد الاهتمام.
стр. 40
وقصارى القول: إن هذه الدعوة السلفية الإصلاحية دعوة علمية قائمة على تعظيم العلم الشرعي وتأسيسه في القلوب، وتأصيله في النفوس؛ لأنها أدركت وأيقنت أن صلاح الأمة لن يكون إلا باتباع منهج سلفها الصالح في كل صغيرة وكبيرة، ودقيقة وجليلة، وخاصة في العلم والعمل والمنهج والسلوك.
следующие страницы →