← Общие книги

Общие книги · id 1886

المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

عبد الرحمن بن يوسف الرحمة

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وغنيٌّ عن القول هاهنا أن كتاب الله فيه من الآيات الكريمات اللاتي تحث وترغب في العلم وتبين فضله وعظيم منزلته؛ كقوله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، قول الحق جلّ في علاه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، وقوله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] .

стр. 37

وكذلك السنة النبوية حفلت بالنصوص الكريمة الشريفة المرغبة في العلم، الحاثة عليه، المبينة لمنزلته ومكانته كما جاء في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ، وقوله ﵊: «العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [أخرجه الترمذي] . وقوله ﷺ : «إن الله وملائكته ليصلون على معلم الناس الخير» ، وقوله ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» . ومن المعلوم بداهة وقطعاً أن الجهل سبب من أعظم الأسباب الموجبة لانتشار البدع والضلالات، وما نراه اليوم من انحرافات عقدية، وخروج عن جادة السلف، وانخداع بمذاهب منحرفة، وطرق مبتدعة، تزين الألفاظ، وتزخرف الكلمات، وتنمق العبارات إنما منشأه ومرده إلى الجهل بمقاصد الشريعة، وأسسها الرفيعة.

стр. 38

فلا بد والحالة هذه أن يكون الاهتمام بالعلم واجب شرعي وفرض أكيد، على كل من تسنم غارب الدعوة إلى الله وأراد لدعوته المضي والاستمرار اتباعاً لأمر الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والضلال لا يحصل إلا بتصدر الجهال، وذهاب العلم والعلماء؛ كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ولكنه يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» .

стр. 39

ثم بعد هذا البيان، يجد الناظر بميزان الاعتدال والإنصاف، في حقيقة هذه الدعوة الإصلاحية، اهتمامها الكبير بالعلم الشرعي، وتثبيت معالمه في الوجدان، والحض عليه، وتسهيل سبله، وإقامة الدروس الفقهية، وتشييد الحلقات العلمية، والحرص البالغ الأكيد على تعليم عامة الناس أصول الدين وأركانه، وواجباته وفرائضه وما هذه الكتب التي تعتبر لسان مقال الدعوة في إيضاحها وبيانها للعلم كالأصول الثلاثة وكشف الشبهات والقواعد الأربع في العقيدة والتوحيد وآداب المشي إلى الصلاة في الفقه ولوازمه إلا شواهد حق، ومنارات صدق، في عناية علماء الدعوة بمثل هذه التأصيلات العلمية، التي بها الخير العميم والنفع العظيم، وثمة شاهد آخر، وهي الرسائل العلمية والفتاوى المحررة القائمة على تفريع المسائل، وسلوك منهاج الدلائل، وبيان الأحكم والنوازل بعبارات علمية وجمل فقهية، وكشف عن مواطن الريب والشك، وإخراج للناس من التيه والضياع إلى مناهل صافية المشرب عذبة المورد، كل ذلك من نشر العلم والاهتمام به أشد الاهتمام.

стр. 40

وقصارى القول: إن هذه الدعوة السلفية الإصلاحية دعوة علمية قائمة على تعظيم العلم الشرعي وتأسيسه في القلوب، وتأصيله في النفوس؛ لأنها أدركت وأيقنت أن صلاح الأمة لن يكون إلا باتباع منهج سلفها الصالح في كل صغيرة وكبيرة، ودقيقة وجليلة، وخاصة في العلم والعمل والمنهج والسلوك.

стр. 41

السبب الرابع: ارتباطها بولاية مناصرة لها، ومؤيدة لدعوتها: إن هذه الدعوة السلفية الإصلاحية لما أطل هلالها، وبزغت شمسها، ارتبطت ارتباطاً لصيقا بولاية مؤمنة بالدعوة إلى التوحيد شمولاً وحقيقة، والدين كله تأسيساً وتأصيلاً، فمنذ أن تعاهد الإمامان، وتعاقد المحمدان، الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب، والإمام المجاهد ناصر الحق محمد بن سعود - رحم الله الجميع وأجزل لهم الأجر والمثوبة - وهذه الدعوة يقوم أساسها على الجهاد، جهاداً شرعياً بالحجة والبيان، والدليل والبرهان، والسيف والسنان، ونشر العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد قال سماحة الإمام الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: "إن هذا السبب من أهم أسباب نجاح الدعوة".

стр. 42

ومعلوم أن الحق لا بد له من قوة تنصره وتنفذه وله أثر عظيم بالغ في قمع المعارضين، وإسكات المخالفين، وإرجاع المعاندين، ولقد صدق الله العظيم في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .

стр. 43

واستمرت تلك المسيرة المباركة من أئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم - رحم الله أمواتهم وبارك في أحيائهم - وينصرها ويمدها بالخير والعطاء أنصار الدعوة من آل سعود، حتى التزم الناس بالطاعة، ودخلوا في دين الله، وانتشر الخير، وقل الشر، وبانت للإصلاح معالم خير وهدى، واجتثت الشرور والمنكرات وغيرت مواطن الفساد، والحق في نمو وازدهار، وسعة وانتشار، حتى تأثر بالدعوة الجم الغفير في كثير من البلاد والأمصار، وساد الأمن في القرى والطرق والبوادي، وكان لطلاب الشيخ ﵀ ومناصرين اليد الطولى في وصول الحق إلى أغلب البلاد، وتأثر الناس بالدعوة إلى التوحيد، وتركوا ما هم عليه من الشرك والتنديد، وهدمت المشاهد والقبور، وعمرت المساجد وحلقات العلم والإيمان، وحكمت الشريعة، ودانوا بها تحاكماً وتحكيماً، وتركوا ما كانوا عليه من تحكيم سواليف الآباء والأجداد وقوانينهم، ورجعوا إلى المعدن الأصيل، والأصل الكريم الكتاب والسنة.

стр. 44

ولهذا فإن الدعوة السلفية الإصلاحية، لارتباطها بالولاية المناصرة، كان لها في دعوتها - وما زالت - أعظم الأثر وأبين النفع، في إخراج الناس - بفضل الله ومنته - من الظلمات والضلالات، إلى نور الحق والهدى. أخي القارئ الكريم: وأنت راءٍ بعينيك، حال دعوات أخرى، جعلت الحكم غايتها، حال دعوات أخرى، جعلت الحكم غايتها، والمنصب أساسها، والكرسي منتهى أملها، فذهبت الأرواح والدماء، وبذلت أنواعٌ من التضحية والفداء، وتوالت الأيام والسنون، فما كان منها إلا الفشل الصريح، والأثر السيئ على الإسلام، وجعلت مهتم بالسياسة، وحب التصدر، والركون إلى الولايات والإمارات، والحرص عليها، صورة قائمة سيئة قدمت وجلبت مفاسد لا تعد ولا تحصى، فهل من متعظ ومدكر؟!

стр. 45

وخاتمة القول: إن الحكم بما أنزل الله واجب شرعي؛ لأن به صلاح البشرية، وإخراجها من معالم الجور إلى سنن العدل، وإن من أظلم الظلم من وقف ضد الأمة في تحاكمها وتحكيمها لكتاب ربها وسنة نبيها، وألزم الرعية بقوانين وضعية، ودساتير جاهلية، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس علها دليل ولا برهان، وأشد ظلماً من ذلك من وقف حيال الأمة في تحقيقها للتوحيد ونفورها من الشرك، وعليه فإن الدعوة السلفية الإصلاحية مازالت آثارها وثمارها واضحة للعيان، وأبوابها مفتوحة لكل من رام منهجاً وصراطاً سليماً من الخلل والعضل، فهل من عودة حميدة إليها، وتمسك بأصولها ودخول أرجائها، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٤-٥] .

стр. 46

السبب الخامس: وضوح دعوتها وبعدها عن السرية: إن المتأمل في حقيقة الدعوة ليدرك بعين البصيرة والإنصاف أهمية وضوح الهدف والغاية، الهدف: إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والغاية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . والدعوة الإصلاحية، سارت على هذا الأصل الأصيل فلم تكن - كما هو معلوم - دعوة سرية، لها رموز وطقوس لا يعرفها إلا الخاصة، ولا يدركها إلا أُناس وفئام، بل كانت واضحة المقصد، بينة المسلك، أهدافها معلومة، وغاياتها معروفة، وإن السرية وخطورتها مما تنبه إليه سلفنا الصالح ﵏ في القديم، وحذروا منها وجعلوها بوابة ومدخلاً وتأسيساً للشر، ونواة للضلالة والفتنة فقد أخرج اللالكائي في كتابه "أصول اعتقاد أهل السنة" (١ / ١٣٥) عن الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إذا رأيت قوماً يتناجون في دينهم بشيء دون العامَّة، فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة".

стр. 47

وكم من الضلالات والبدع، التي أطلت علينا برأسها وعظم خطرها، وانتشر شرها، من جراء اجتماعات سرية، وتحزبات بدعية، قام بها فئام من الناس، يزعمون - زوراً وكذباً - أنها من الحق الذي جاءت به الشريعة ويستدلون على ذلك بدعوة النبي ﷺ السرية في مكة في أول دعوته وبدو أمرها، وتلك شبهة ظاهر عراها، وبين بطلانها، إذ النبي ﷺ أُمر بالصدع وترك السر ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] . فصدع النبي ﷺ بالدعوة في مكة بين المشركين، وأصابه ما أصابه من الأذى فصبر واحتسب، وصبر أصحابه معه على ما أصابهم من الأذى، فهذا الأمر الواضح بالصدع والجهر بالدعوة فيه النهي عن السرية بل قد ثبت عنه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢ / ٥٠٨) بسندٍ جيد عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أوصني. قال: «اعبد الله، ولا تُشرك به شيئاً، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصُمْ رمضان، وحُجَّ البيت واعتمر، واسمع وأطع، وعليك بالعلانية وإيّاك والسِّر» .

стр. 48

وعليه فإن دعوتنا إلى الله لا بد أن تكون علنية واضحة كالشمس في رابعة النهار، وهذا الذي سار عليه أئمة الدعوة الإصلاحية فدعوتهم امتازت بالوضوح والعلانية في عدة أمور: (١) في معتقدها: فهي تعتقد ما اعتقده السلف في التوحيد سواء كان ذلك في توحيد الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، بل وفي سائر مسائل الاعتقاد، وأبواب الإيمان. (٢) في منهجها: فهي تسير على منهج واضح بيّن كما قال النبي ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» فمنهجها قائم على فهم السلف الكلي للكتاب والسنة، على ضوء أصولهم المعروفة وقواعدهم المعلومة، فلا ابتداع لديهم، ولا خروج عن سبيلهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . (٣) في دعوتها: فهي دعوة عامة شاملة، ليس فيها أي نوع من أنواع السرية، أو أي إطار من أُطر التخصيص بل هي للكل ومع الكل، كما هي دعوات الأنبياء، والمصلحين السائرين على النهج السوي؛ المقتفين لآثار منهج النبوة.

стр. 49

(٤) في مصدر تلقيها: فهذه الدعوة مصدرها وموردها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة والسير عليهما في كل مسألة أو نازلة، على حسب الوسع والطاقة. هذه أبرز معالم الوضوح والعلانية في تلكم الدعوة المباركة التي الخير كل الخير في الانتظام بسلكها، والاتصال بحبلها والركون إليها ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .

стр. 50

السبب السادس: انتسابها إلى الإسلام والسنة وتركها للألقاب والسمات الأخرى: لعل هذا السبب يعدّ من أهم الأسباب التي تميزت بها هذه الدعوة، وهو سبب رئيس من أسباب نجاحها وانتشارها، فهي دعوة متسمة بالإسلام الكامل حريصة على اتباعه، والانضواء تحت لوائه ورايته؛ وليس لها سمة سوى الإسلام، ولا رسم سوى القرآن والسنة، وهذا أصل الدين الحنيف والملة الحنفية التي دعا إليها الخليل إبراهيم ﵊ ومن بعده من أنبياء الله ورسله إلى خاتمهم نبينا ورسولنا محمد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] . وقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] وجعل الله سبحانه هذا الشعار والانتساب ملّة متبعة، وهدياً مقتفياً، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .

стр. 51

وقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] . فهذه النسبة هي التي تجمع ولا تفرق، وتوحد ولا تشتت وهي لحمة الإسلام وسداه، مصدره وينبوعه. وأما غيرها من النسب المنكودة، والأهواء المحمودة عند أربابها وأصحابها، لشعارات باطلة طاف بالشر طائفها، ونجم بالضر ناجمها، ما هي إلا كالميازيب تجمع الماء كدراً، وتفرقه هدراً، وكم لها من مضار وأضرار، وغواشي ودواهي، لقي المسلمون منها الويلات، وهي من أعظم المصائب والنكبات فالإسلام كله جادة مستقيمة، واضحة المعالم، بيّنة الدلائل، فلنلزم ذلك، ولنكن عاضين عليه بالنواجذ، سائرين على الأمر العتيق، والدرب الأول، منتسبين إليه في الشعار والرمز لنكن من المفلحين، وإيانا ثم إيانا من الانتساب إلى غير الإسلام والسنة؛ فوالله إنها لسبل الفتنة تزينت لخطابها، وتبرجت لأصحابها، والله العاصم.

стр. 52

ومن هنا يُعلم بطلان نسبة الوهابية إلى هذه الدعوة وجعلها فرقة خارجة عن الدين، وأنها ذات تعاليم وأُطر وأسس مارقة من الإسلام، فما هذه الصيحات إلا نفخات في رماد، وصيحات في واد، لأن هذه الدعوة أُسسها ومنطلقاتها قائمة على أمور الإسلام ودعائمه وأركانه، وما ذلك إلا لاتباعها المحض، وسيرها الخالص، على منهاج النبوة في الدعة إلى الله والعلم والعمل، ولما رأى أعداءها ظهور أرمها، شرقت حلوقهم، وغصت قلوبهم، حسداً وظلماً وعدواناً فرموها بالتهم جزافاً، عن قوس واحدة، وتعاضدوا في ذلك، وإخوانهم من أعوان الشياطين وأضرابهم يمدونهم في الغي ولا يقصرون.

стр. 53

وإنه لمن النكت اللطيفة، والفوائد المنفية، في هذا الباب، أن ذمهم للدعوة ونسبتها إلى الوهابية صار حمداً، وعاد تشيينهم تزييناً، حينما نسبوها إلى أفضل نسبة، وأحسن سمة، نسبة إلى الوهاب - سبحانه في علاه - وهذه شريعة ربانية محكمة قديمة قدم الصراع بين الحق والباطل، فلا يعزبن عن البال؛ ما فعله كفار قريش مع النبي ﷺ حينما لقبوه بلقب مذمم ثم صاروا يكيلون السباب والشتام كيل السندرة لذلك اللقب، والنبي محمد ﷺ المحمود المنزه عن جميع سبابهم وشتامهم ومعائبهم ونقائصهم لأن ذمهم وعيبهم واقع على مذمم، ومحمد النبي ﷺ منزه عن تلك الألقاب والشتائم، فتأمل في ذلك، واعلم أن الحق في الأعمال والغايات، سيجد بلا شك ولا ريب، نصرةً وتأييداً من أهله وأصحابه، ومن الله فوق ذلك كله أعظم النصر والتأييد، والمعونة والتسديد.

стр. 54

أ / اتلك الألقاب والنسب التي صارت شعاراً لبعض الدعوات ودثاراً لكثير من الجماعات، فهي نسب وألقاب خارجة عن اسم الإسلام الصافي، وعن رسم السنة النبوية الصحيحة، فأثمر ذلك أن الولاء والبراء لديها أصبح معقوداً على بوتقة حزبها وربقة شعارها، وحقيقة رمزها، وتلك هي المصيبة الكبرى، والطامة العظمى، حينما تتحول عقيدة مهمة من عقائد المسلمين مثل عقيدة الولاء والبراء، إلى سوق تنفق فيه الشعارات والنسب والألقاب، وتعقد على أساسها الصفقات دون رجوع إلى أصل متين، ورأي سديد، وأخوة إيمانية. فإذا تقرر هذا وعُلم، رأيت مدى التعلق باسم شرعي لدى أئمة هذه الدعوة المباركة فالاسم عندهم هو (اسم المسلم وما في كفته من أسماء المدح؛ مثل المؤمن، المتقي، الصالح ... هي أسماء المدح، وفي مقابلها ما علَّق عليه الذم، مثل الكافر، المنافق، الفاسق ... وعلى هذين المتقابلين مدار الجزاء؛ ثواباً وعقاباً. وعليه؛ فإن ما دون ذلك من ألقاب أُحدثت في الشرع بالأمس، هي نظيرة الألقاب التي أُحدثت اليوم، وكلها في المنع من بابه واحدة في رسمها واسمها: فلا يسوغ للمسلم أن يتلقب بأنه: قدري، أو خارجي، أو مرجئ، أو أشعري أو ماتريدي، أو معتزلي.

стр. 55

كما أنه لا يسوغ له أن يضيف اليوم: إخواني، صوفي، تبليغي ... وهكذا فالمنع من جهتين: أنه لقب لم يُرِدْ به الشرع أو لما فيه من مخالفات لنصوص الشرع في المادة والرسم. وعليه؛ فلا يجوز إحداث واختراع شعارات وألقاب، لم يرد بها الشارع، فإنها (تكون في البداية كلمة، وفي النهاية مذهب ونحلة) ! فلا تغتر! وإن زخرفه أهل الأهواء؛ والله أعلم) [راجع حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية (ص١٠٨) ] . فهذه الدعوة اسمها الإسلام والسنة، وشعارها ودثارها الألقاب الشرعية، ورمزها الإيمان والتقوى وحقيقتها التوحيد الصافي والعقيدة الصحيحة، ومردها العلم والفقه الشرعي، ومصدرها الكتاب والسنة ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] .

стр. 56

السبب السابع: لزومها للجماعة، ونهيها عن الفرقة: مما تميزت به هذه الدعوة حرصها البالغ، وتأكيدها التام على لزوم الجماعة، وتوثيق عرى الأُلفة، والدعوة إلى ذلك والمناداة بهما، ورفع عقيرتها بذلك، وتحذيرها من الفرقة، ونبذها للخلاف، وتحذير الناس من ذلك كله، بل من أسبابه ودواعيه وموجباته. والجماعة المقصود بها: هي جماعة المسلمين من سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الكتاب والسُّنَّة، وساروا على ما كان عليه رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً اعتقاداً وسلوكاً، منهجاً وطريقة. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين، وحثهم على الجماعة والائتلاف والتعاون، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف والتناحر فقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وقال : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] . وقال النبي ﷺ : «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» [أخرجه أحمد] .

стр. 57

وقال ﷺ : «عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان معَ الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنَّة، فليلزم الجماعة» [أخرجه أحمد وسنده صحيح] . وقال ﷺ : «وإن هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة» [أخرجه أبو داود بسند صحيح] . وهذه الجماعة معيارها الحق، وميزانها الصدق، قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: "الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك". وإن الفرقة عذابٌ، عذابٌ للنفس، وعذاب للجسم، وعذابٌ مخيم في كل صور من صور الحياة والتعايش بين الناس، ولهذا لها أضرار كبيرة، ومساوئ خطيرة منها: * استبدال للأمن بالخوف. * واستبدال للشبع بالجوع. * وإراقة للدماء. * وهتك للأعراض. * وقطع للسبل. * وتسلط للسفهاء. * وانتشار للجهل، ورفعةٌ للجهال. * ونقص في العلم، وغربةٌ لأهله. * وضعف الدين وغربته. وكل لون من ألوان الفساد العريض في الأرض ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] [راجع الأمر بلزوم جماعة المسلمين والتحذير من مفارقتهم (ص٧٦) ] .

стр. 58

ولقد قام أئمة الدعوة ﵏ ببيان ذلك بياناً جلياً واضحاً في مؤلفاتهم ومصنفاتهم ورسائلهم، وطبقوه واقعاً عملياً مع ولاتهم ورعيتهم، مما أثمر نجاحاً بالغاً للدعوة، ومضي لها، واستمرار لمسيرتها، بآصرة التآخي، ووشيجة الاجتماع، ورحم الإسلام، ومن تتبع كتاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" يجد كماً هائلاً من الأقوال المحررة والفتاوى المسطرة، في بيان لزوم الجماعة، والنهي عن الفرقة والاختلاف، وما نتج من الشر الواقع على الأمة إلا بالإخلال بهذا الأصل العظيم وتركه ونبذه وراء الظهر. وعليه: فإن الحق واضح المعالم، لا يتعدد ولا يتغير ولا يتبدل، والحق لزوم جماعة المسلمين وعدم مفارقتها أو الخروج عليها، ومن أيقن بذلك وعمل به ودعا إليه سار على نهج قويم، وصراط مستقيم، وله - بإذن الله - العاقبة الحميدة، والنهاية السعيدة، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 59

السبب الثامن: اعتناؤها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لا ريب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصل أصيل من أصول الإسلام القويم، وركن ركين من أركان المعتقد الصحيح، معتقد أهل السنة والجماعة، ولقد اهتم الأئمة به أيما اهتمام، ووضعوه في عقائدهم ومؤلفاتهم إعلاماً بأهميته، وإيذاناً بأحقيته، لأنه سياج الدين به تحفظ الشريعة، وعليه مدار الكثير من الثواب، وهو من أهم مزايا الأمة، إذ هو سبب أكيد لخيريتها، وسر عظيم لبقائها وديمومتها، وعلامة لإيمانها، ودليل على قوتها، وهو المهم الذي ابتعث الله سبحانه له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه، وأُهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد. وعليه: فلقد كان لأئمة الدعوة ﵏ مزيد عناية، وعظيم رعاية، لهذا الأصل، فاهتموا به توضيحاً وبياناً، وطبقوه عملياً وواقعاً حيوياً في المجتمع.

стр. 60

بيد أنهم راعوا في أمرهم ونهيهم، القواعد المرعية، والمصالح الشرعية؛ فلم يجعلوا الأمر على عواهنه، دون تقيد بالحكمة المعتبرة، والوسطية المنضبطة، بل راعوا في ذلك مراتب الأمر بالمعروف، ومراتب النهي عن المنكر، والتزموا بشروطها من وجود العلم والحلم والرفق، وإزالة المنكر دون حصول لأي مفسدة أو منكر أعظم منه، وأن يكون منكراً معلوماً متفقاً عليه، وأن يكون علناً ظاهراً وغيرها من الشروط التي تجدها مبثوثة في كتبهم ورسائلهم ومصنفاتهم ﵏ وردوا على المشاغبين، والناكصين، الذين لا هم لهم ولا دأب، إلا تصيد العثرات، وتتبع الزلات، ردوداً واضحة علمية، قائدها الدليل، ورائدها الحقيقة، من إنكارهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل ذلك ضرباً من ضروب الفساد، والإقحام للدين في غير مكانه وأساسه، وبينوا خطورة القاعدين، الذين شغلتهم مصالحهم ودنياهم وأموالهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زاعمين أن الزمن زمان ضلال وإغواء وخروج عن الحق، فوضحوا أن الأمر ليس كذلك، بل لا بد من البيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إظهاراً لشعيرة الملة، وبياناً لدعامة الحق، وأن السكوت عن الحق بتلكم الشبهة مرض عضال

стр. 61

مؤدي إلى الهلاك للأمة جمعاء في الدنيا، وإلى العذاب الشديد في الآخرة، بل إلى اللعن والمقت والغضب من الرب كما قال عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨-٧٩] . وقوله ﷺ : «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر فيكم الخبث» [متفق عليه] . والله قد أوقع العذاب على أُناس صالحين، لكنهم كاتمين للحق، تاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال : ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤-١٦٥] .

стр. 62

إن منهج هذه الدعوة منهج رباني يسير وراء الأدلة، ويتبع الحق والهدى، فلذا كان لزاماً وواجباً أن نسير عليه اتباعاً للحق وسيراً على نهج الصدق، والأمة اليوم غشتها من الغواشي ما يُجب على علمائها ودعاتها، توضيح معالم المنهج القويم بالحكمة واللين والأدلة الواضحة، حتى تذهب عن أبصار الخلق الغشاوة، وتلين قلوبهم وأفئدتهم إلى ينبوع الإيمان وبر الأمان، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] .

стр. 63

السبب التاسع: سلوكها لفقه المقاصد الشرعية، المبني على القواعد المرعية: إن النظرة الفاحصة الدقيقة إلى الشريعة مقصداً وفقهاً مطلوبة جداً، لما فيها من التوازن بين الأمور المتداخلة والترجيح بين الأقوال المتعارضة، والتمييز بين الأحوال المتشابهة، ولهذا فإن فقه المقاصد الشرعية في الدعوة والعلم والعمل، لا بد منه حتى تستوي الثمرة الدعوية، وتؤتي أُكلها، ويعظم أثرها وتلكم الدعوة الإصلاحية المباركة، راعت هذه المسألة رعاية تامة، لما حبا الله أئمتها وعلمائها من فقه سديد ورأي ثاقب، وعقل رزين، ودين متين؛ فاستطاعوا ﵏ الموازنة بين المصالح والمفاسد، والترجيح بين القضايا المتشابهة وسلوك اليسر والحكمة واللين في مواضعه وأماكنه وعدم الاندراج تحت العاطفة العقلية الغالبة على المصلحة ذات النص الشرعي. ولعل من أهم مقومات هذه النظرة الفقهية المبنية على المقاصد الشرعية عدة أمور:

стр. 64

(١) المراعاة والتدرج سواء كان ذلك في أول مناحي الدعوة أو وسطها أو آخرها أو في مسالك العلم والفتيا أو في مسالك العمل والنصح والوعظ أو في غير ذلك وهذه المراعاة مراعاة للطبائع والعادات والعوائد الشخصية ومراعاة للأفهام من قلة العلم أو اختلاف البيئة أو استحكام العادات القبلية، فليس كل علم ينشر ويبذل ويقال. ومراعاة للمقاصد والنيات، من صور الاتفاق والاختلاف والتحليل والتحريم والإكراه والنسيان والتأويل والإعذار بالزلة اللامقصودة، والأخذ بالقرائن والأحوال والسابقة في الفضل والعلم، وعدم التعجل في الأحكام أو التجرؤ في اتهام النيات. ومراعاة للأحوال الخاصة من النصائح والوصايا والرسائل والمعاملة الكريمة، والتوجيه المنفرد، وحب الخير للغير ومراعاة للأعراف والعوائد العامة، وذلك لا يتم إلا بالضوابط الشرعية، والقواعد المرعية، المبنية على لزوم الحكمة وكتمان العلم للمصلحة، والحرص على معرفة العوائد والعادات والأعراف الموافقة للشريعة ومدحها والالتزام بها، لكي تكون الدعوة مقبولة محببة للقلوب مقنعة للعقول، مناسبة للأحوال والظروف.

стр. 65

(٢) البداءة بالأهم فالمهم: وهذا المقصود به معرفة مراتب الأعمال وتقديمها ووضعها في مواضعها، فإن لكل عمل قدراً فالبداءة بالتوحيد أهم المهمات، وأوجب الواجبات، وكذلك تقديم الأصول على الفروع، والفرائض على النوافل، وفروض الأعيان على فروض الكفايات، وفروض الكفايات المتروكة المهجورة تقديمها والعمل بها، وهذا الفقه ملاحظة ومعلوم لمن شدا شيئاً من العلم والنظر في كتب أئمة الدعوة وما نراه اليوم من تخبط وجهالة، إنما هو للبعد عن مثل هذه القواعد السديدة الرشيدة، والركون إلى مستنقعات آسنة من الهوى والجهل وزبالات الأذهان والآراء الجوفاء. (٣) المصالح والمفاسد: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل" [أعلام الموقعين (٣ / ٣) ] .

стр. 66

سقت هذا الكلام لابن قيم الجوزية ﵀ حتى يعلم القارئ الكريم أن المراد بالمصالح والمفاسد، ما كان تحت حكم الشرع الحنيف ودائرته الواسعة، وليس كل مصلحة أو مفسدة تدخل تحت إطاره وسياجه المتين، كما يقرره بعض من لا خلاق لهم من العلم النبوي والميراث المحمدي، من تقديم لبواعث نفوسهم الكامنة على الهوى؛ وملائمة طباعهم لها وعدم نفورها عنهم، فتلك أهواء وآراء وقانا الله شرها وكفانا ضرها.

стр. 67

إن الدعوة السلفية نظرت إلى المصالح والمفاسد نظرة شرعية مبنية على الدليل واتباعه مقترنة بالتقوى الصادقة، والبصيرة العلمية النافذة، والمعرفة بواقع المسائل معرفة واسعة، ولذا علموا يقيناً أن الشريعة المحمدية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وتدفع شر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وترتكب أخف الضررين لدفع أعلاهما، فساروا على هذا الفقه الدقيق العميق في حياتهم العلمية والعملية والدعوية، فنفع الله بها واهتدى كثيرون إليها، لما اشتملت عليه من فقه المسائل وتنزيلها منازلها الصحيحة، إننا ننصح كل داعية على هذا المنهج السوي أن يكثر من النظر، ويعمل الفكر، ويجد في البحث العميق، ليقف على المصالح وطرق جلبها، ويعرف المفاسد وطرق دفعها، مع الإدراك التام للمتعلقات التي تتبع أقواله وأعماله وأفعاله وأحواله من فقه المصلحة والمفسدة.

стр. 68

ومما سار عليه أئمتنا - أئمة الدعوة - من منهج سوي في باب المصالح، ترك المصالح المتوهمة، والمنافع المظنونة المخالفة للدليل الشرعي، فإذا خالف لديهم أمرٌ من الأمور الدليل الشرعي فلا اعتبار لهذا الأمر لديهم البتة، بل الاعتبار بما دل عليه الدليل؛ لأنه لو فُتِح هذا الباب فإنه مدخل للشيطان، وباب للهوى، وطريق للخذلان، وقد يكون نفعه مقتصراً على ساعة أو لحظة، ولكنه مر العواقب، سيئ الثمرات. هذه بعض الأمور الواضحة والمعالم البارزة، في سلوك أئمة الدعوة للقواعد الشرعية الفقهية، ومطابقتها للمقاصد الشرعية المرعية، ما أحوجنا إلى احتذاءها والسير على منوالها مراعاة للمصالح العامة للأمة، وبُعداً عن المفاسد وأضرارها السيئة؛ حتى تكون الدعوة مباركة طيبة نافعة مقبولة، وبذلك ينصر الحق ويكبت الباطل والله المستعان، وعليه التكلان ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] .

стр. 69

السبب العاشر: التزامها بربانية الإسلام: إن الإسلام دين الله لا يقبل سواه، ولا ينظر لعداه؛ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . ولذا كان لزاماً الديانة بهذا الدين حكماً وأمراً ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . والمقصد والمنتهى من الدين هو الله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] . والطموح والاجتهاد والبذل والتعب والتضحية إنما هو لنيل رضوان الله تعالى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] ، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] ، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨] . هذه هي الربانية المطلوب من المسلمين امتثالها والعمل بمقتضاها، إذ هي الدين حكماً وأمراً ومقصداً وطموحاً وغاية.

стр. 70

ولقد فهم أئمة الدعوة ﵏ فهماً مبنياً على اليقين الجازم، والصدق اللازم، المتغلغل إلى سويداء القلوب والنفوس حقيقة الربانية فالتزموا بها في دعوتهم وعلمهم وعملهم، فكان لدعوتهم الأثر المبارك؛ وإن مما قرره أئمة الدعوة في ذلك؛ أنَّ الربانية ليست حديثاً يفترى، أو فتوناً يتردد، لقد أوضحوا وبينوا أنها ربانية في الوسيلة والغاية، كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .

стр. 71

ووضحوا أن هذه الربانية تربية للناس على الدين الحق والعمل الصالح والتزكية الإيمانية، ليس لها طقوس خاصة أو أعمال مخصوصة، تتعلق بصفتها أو رمزها دون شعار الإسلام بل هي العبادة الجامعة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] . وبينوا أن الربانية موافقة للفطرة البشرية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] ، وقول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» [متفق عليه] . وجعلوا لها ضوابط محددة، وقواعد واضحة المعالم وأسس ساروا عليها: (أ) توحيد مصدر التلقي؛ لأن ذلك عصمة من الضلال وأمانٌ من الزيغ، كما قال رسول الله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي» [أخرجه الحاكم] .

стр. 72

(ب) تصفية مصدر التلقي مما شابه فعكر روائه، وخالطه فشوه جماله، من أحاديث موضوعة، وتفسيرات موهومة، وقواعد باطلة، وآراء مجردة كاذبة. (ت) التلقي للتنفيذ والتطبيق والعمل بالعلم ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] . قال عبد الله بن مسعود ﵁: "كنا نتعلم العشر آيات لا نتجاوزهن حتى نعمل بها" [أخرجه ابن جرير في تفسيره بسند صحيح] . ولله درّ القائل: معذب قبل عباد الوثن ... وعالمٌ بعمله لم يعملن (ث) أن يكون المربي عالماً ربانياً قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] .

стр. 73

وقال ﷺ : «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ولكن بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» [متفق عليه] . (ج) التدرج في الربانية، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، وفسر ابن عباس ﵄ ذلك بقوله: "حكماء علماء" [البخاري معلقاً والخطيب بسند صحيح] . والحكمة والعلم يقتضيا وضع الشيء في موضعه، ولذلك ورد عند البخاري في (كتاب العلم) باب العلم قبل القول والعمل: بأن الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. (ح) ربط المُربّي بالله ورسوله وليس بالأشخاص أو الشيوخ أو الأحزاب والشعارات أو الجماعات، ليكون تلقي خطاب الشرع سليماً؛ فيثمر عملاً مستقيماً، ليعظم الرب ﵎، ويتبع النبي الأميّ ﷺ .

стр. 74

ولذلك نعى الله على الذين أفسدوا هذا الضابط بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . (خ) تعاهد المربي ومتابعته ونصيحته وتقويم سلوكه كما في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣] .

стр. 75

هذه هي التربية الربانية أساساً وقواعد وضوابط عند أئمة الدعوة الذين استقوها صافية المنبع، عذبة المورد من وظيفة النبي ﷺ القائمة على التعليم والتربية والتزكية ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] [راجع الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة (ص٤٣٢) .] .
следующие страницы →