Полный текст (78 стр.). Показаны 71–78 · переход к 76.
стр. 71
ووضحوا أن هذه الربانية تربية للناس على الدين الحق والعمل الصالح والتزكية الإيمانية، ليس لها طقوس خاصة أو أعمال مخصوصة، تتعلق بصفتها أو رمزها دون شعار الإسلام بل هي العبادة الجامعة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .
وبينوا أن الربانية موافقة للفطرة البشرية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] ، وقول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» [متفق عليه] .
وجعلوا لها ضوابط محددة، وقواعد واضحة المعالم وأسس ساروا عليها:
(أ) توحيد مصدر التلقي؛ لأن ذلك عصمة من الضلال وأمانٌ من الزيغ، كما قال رسول الله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي» [أخرجه الحاكم] .
стр. 72
(ب) تصفية مصدر التلقي مما شابه فعكر روائه، وخالطه فشوه جماله، من أحاديث موضوعة، وتفسيرات موهومة، وقواعد باطلة، وآراء مجردة كاذبة.
(ت) التلقي للتنفيذ والتطبيق والعمل بالعلم ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣] .
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "كنا نتعلم العشر آيات لا نتجاوزهن حتى نعمل بها" [أخرجه ابن جرير في تفسيره بسند صحيح] .
ولله درّ القائل:
معذب قبل عباد الوثن ... وعالمٌ بعمله لم يعملن
(ث) أن يكون المربي عالماً ربانياً قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] .
стр. 73
وقال ﷺ : «إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً ولكن بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» [متفق عليه] .
(ج) التدرج في الربانية، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، وفسر ابن عباس ﵄ ذلك بقوله: "حكماء علماء" [البخاري معلقاً والخطيب بسند صحيح] .
والحكمة والعلم يقتضيا وضع الشيء في موضعه، ولذلك ورد عند البخاري في (كتاب العلم) باب العلم قبل القول والعمل: بأن الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
(ح) ربط المُربّي بالله ورسوله وليس بالأشخاص أو الشيوخ أو الأحزاب والشعارات أو الجماعات، ليكون تلقي خطاب الشرع سليماً؛ فيثمر عملاً مستقيماً، ليعظم الرب ﵎، ويتبع النبي الأميّ ﷺ .
стр. 74
ولذلك نعى الله على الذين أفسدوا هذا الضابط بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
(خ) تعاهد المربي ومتابعته ونصيحته وتقويم سلوكه كما في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣] .
стр. 75
هذه هي التربية الربانية أساساً وقواعد وضوابط عند أئمة الدعوة الذين استقوها صافية المنبع، عذبة المورد من وظيفة النبي ﷺ القائمة على التعليم والتربية والتزكية ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] [راجع الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة (ص٤٣٢) .] .
стр. 76
الخاتمة
أخي القارئ الكريم: إن الحديث عن هذه الدعوة المباركة وأئمتها الفضلاء الأجلاء الناصرين للدين المجددين له لا يبلى مهما تعدد، ولا يمل مهما تردد، لأنها ولأنهم دوحة كريمة وارفة الظلال، طيبة المنبت، كريمة الأصل ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
ولكن لا بد من الختام فأقول: هذه هي الأسباب مفصلة ومجملة، فخذ بها وسر على نهجها الصافي، وتمسك بأهدابها مستعصماً بالله، ومتبعاً لسنة رسول الله ﷺ وستكون من المفلحين الفائزين، وإياك ثم إياك من فئات وجماعات وأحزاب، تنكبت سبل الهدى، وارتاعت في سبل الغواية والردى، فوالله إن أمرها إلى خراب، ومصيرها إلى يباب، والله المستعان.
وسل الله هداية وتوفيقاً من لدنه مردداً ومكثراً من قوله ﷺ : «اللهم إني أسألك هديًا قاصدًا، واللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء» .
وقوله ﷺ : «اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
والله الموفق وعليه قصد السبيل.
قال ذلك وكتب
عبد الرحمن بن يوسف الرحمة القُرعاني
стр. 77
في الرياض - غرة رمضان لعام ١٤٢٣هـ
стр. 78
الفهرس
المقدمة: وفيها الباعث على التأليف للكتاب
كلمة فيها بيان: لماذا نحب هذه الدعوة ولماذا نجحت واستمرت
الأسباب المجملة
الأسباب المفصلة:
السبب الأول: دعوتها إلى التوحيد واهتمامها به
السبب الثاني: تمسكها بالسنة وحرصها على الاتباع
السبب الثالث: اهتمامها بالعلم الشرعي تحصيلاً وتأصيلاً وتفريعاً
السبب الرابع: ارتباطها بولاية مناصرة لها، ومؤيدة لدعوتها
السبب الخامس: وضوح دعوتها وبعدها عن السرية
السبب السادس: انتسابها إلى الإسلام والسنة وتركها للألقاب والسمات الأخرى
السبب السابع: لزومها للجماعة، ونهيها عن الفرقة
السبب الثامن: اعتناؤها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السبب التاسع: سلوكها لفقه المقاصد الشرعية، المبني على القواعد المرعية
السبب العاشر: التزامها بربانية الإسلام
الخاتمة
تم الكتاب ولله الحمد.