← Адаб

Адаб · id 189

مجمع البحرين لليازجي = مقامات اليازجي

اليازجي، ناصيف

Полный текст (414 стр.). Показаны 386–414 · переход к 391.

стр. 386

كطيلسان ابن حرب. فقلت: الله أكبر، قد مدرتم المنبر هذا الخزامي الذي يفيد البهج، ويفدى بالمهج. فتأشب القوم حواليه، وأخذوا يتنصلون إليه. فلما سكن جزعه واستكان زمعه. قال: يا بزاة الليل، وغزاة الليل. أهجمتم على دوسر النعمان، أم

стр. 387

على مردة عزوان؟ واقتنصتم سليك المقانب، أم طمعتم بفداء حاجب؟ لقد تقلدتم قلائد عوكل، بهجومكم على هذا الضيكل، ولكن قد كان ذلك في الرق المنشور، وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور. فلما انجلى عليهم بدره، علا لديهم قدره. فأحفوا له في التكرمة، وباؤوا من وحشة الغراب إلى أنس العكرمة. ثم أخذوا في السير الضريج على متن كل إضريج، وهو يؤنسهم في التعريس والتعريج. حتى ألقوا عصا السفر في السرار من صفر. فنزلنا في منزل مأهول، قد بني للمعلوم والمجهول. وأقمنا في ذلك الحواء إلى ليلة السواء. وإذا شيخ قد ناهز العمرين كأنه

стр. 388

أحد العمرين فجلس مجلس الفقيه وأخذ ينثر الآلئ من فيه. حتى إذا تمادت به الأشواط في شقة بعيدة النياط. تصدى له رجل قصاقص كأنه فرافص. وأخذ يهيم معه في كل واد، ويتلون كأم الحبين في الأعواد. حتى أفضى الأمر إلى الشقاق، والستر إلى الانشقاق. فقال: إني أراك بين الفقهاء، كالمستعصم بين الخلفاء! إن كنت فقيه العصر فأي رجل صح بيعه أباه واستحق الثمن فاستوفاه؟ وأي غاصب لا يبرأ بالرد على المالك، وأي رجل أتلف شيئاً فلزمه

стр. 389

شيئان هنالك؟ وأين ترد شهادة مسلمين، وتقبل شهادة ذميين؟ فأطرق الشيخ أي إطراق، واحتبكت عليه المسألة كحبك النطاق. فاستطال الرجل واهتز، وقال: من عزَّ بزَّ. قال: فثار الخزامي كالفنيق العذافر، وعمد إلى ذلك الرجل الظافر. وقال: قد علمت

стр. 390

يا شيخ الحرم أن انتهاك الحرم من الحرم. ولقد رأيتك تخوض في المعقول والمنقول، وتمزج الفروع بالأصولو. إن كنت من العلماء، فما هي أنواع الإنساء؟ وبماذا يفرق أهل الدرية، بين الاستعارة والتشبيه وبينها وبين الكناية؟ وما هي المقولات العشر والكليات الخمس، وما هو التناقض في القضايا والعكس؟ فارتبك الرجل في تلك المسائل،

стр. 391

ولم يكن عنده طائل ولا نائل. قال: إن كنت قد أنكرت هذه النظائر، فكم طائفة في جناح الطائر؟ فإن كنت قد استخشنت الشرس، فكم دائرة في جلد الفرس؟ فإن رأيت التخفيف أحب، فكم عقدة في ذنب الضب؟ فتخازر الرجل وشزر، وقال: عدا القارض فحزر. ثم

стр. 392

غلبت عليه الأنفة، فلم يفه ببنت شفة. ثم شمر ذيله وانقلب وقد تحطم كالمخشلب. فلما انصاع أخبط من عشواء، وأخيب من قابض على الماء. قال الشيخ: زعم هذا الحبنطى، أن يروعنا بالضبغطى. ولم يدر أن دون ما يأمله نهابر، وهو أفوت من أمس الدابر. فثار إليه ذلك الشيخ الموتور، وقد التألم صدع قلبه المبتور. وقال لا جرم أنك باقعة البواقع، وفلك النسر الواقع، وإني لأراك ضيق الحال على سعة النظر، فخذ هذه الجدوى واستعن بها على مؤونة السفر. قال: وهاك مني وصية تعقد عليها بنانك وتروض بها لسانك. إن العلم إن أكرمته أكرمك، والمال إن أكرمته أهانك. فدارت وصيته في تلك العراص، كما دارت كلمة الإخلاص. فلم

стр. 393

يبق في القوم إلا من بض له حجره، وغض عليه شجره. فودعهم وانثنى وهو يسحب ذيل الغنى. المقامة السابعة والخمسون وتعريف بالنجدية قال سهيل بن عباد: عبثت بي لواعج الوجد، إلى زيارة نجد. فتسنمت الأكوار، وطويت الأنجاد والأغوار. حتى نقعت بحلولها غلتي بعد اللتيا والتي. فلما سرت عني وعكة السرى، وقضت أجفاني وطر الكرى. قمت أطوف الحلة بعد الحلة وأتفقد الأحياء المشمعلة. حتى إذا كنت صبيحة يوم، بمنتدى زعيم القوم. وفد شيخ أوهى من الشبام، يليه فتى أشهى من البشام. فجثم الشيخ

стр. 394

محقوقفاً وانتصب الفتى محصوصفاً. وقال: أعز الله الوالي، وأذل له أعناق الموالي، إن هذا الشيخ قد استعبدني منذ عام، كما تستعبد أولاد حام. وهو عبيد فلسه، لا يقوم بميرة نفسه. فتراه ألام من أسلم. وأحمق من عجل، وأقلق من الحجل، في الرجل. بيد أنه ملاق مذاق سفساف شقشاق. لا يزال يهذر ويهذرم، ويبربر ويدمدم. ويلغو بالكلم الجاهلية، ويعبث بالتمويهات الخزعبلية. إذا طلبت منه قطعة، أنشدني أبياتاً سبعة. وإذا قلت: لي مسألة، قال: هات الدواة والمرملة. وإذا التمست منه الصرف، جاءني بألف حر. وهو يتأنق بهجن جامدة، من لغة العرب البائدة،

стр. 395

ليس لها طلاوة ولا فائدة. فثار الشيخ كالمعتوه، وقد أزبد فوه. وقال: بهراً لك يا عفنقس، يا ماقط الأنقس متى تشدقت بهذه الشغاشغ، وتمطقت بهذه الضغاضغ؟ ذرعنك هاتي الجعظرة الخضمة، والفظاظة المضلخمة. وإلا قفخت رأسك العفنجج، ولو كنت حفيد العر نجج. قال: فضحك القوم من هذا التنصل، الذي يشهد للتهمة بالتأصل. وكان بينهم رجل أضجم، فتبازخ كالتيار الأعجم. وقال: إني أراك في العربية راسخ القدم، فهل تعرف أيام الأسبوع في القدم؟ فتخازر تخازر القيان، ثم قال: جرى ابنا عيان فاستجل البيان. وأنشد: لأول الأسبوع قيل أوهد ... في قدم الدهر وأهون الغد

стр. 396

ثم جبار بعده دبار ... مؤنس عروبة شيار قال: لا تربت يداك، ولا طربت عداك إن كنت تعرف ألقاب الشهور، فأنت العلم المشهور. فاكتام واشرأب ثم جثم واستستب. وأنشد: مؤتمر وناجر خوان ... من لقب الأشهر والصوان زباء بائد أصم واغل ... وبعد ذاك باطل وعاذل ورنة وتيرك الختام ... وقيل غير ذاك والسلام قال: لله درك ما أبعد غورك، وأقرب نورك فاختم بذكر الأشهر

стр. 397

الحرم، إن كنت ممن أتم فاكرم. فقال: اللهم اجعلنا ممن حسن ختامه، وانجلى قتامه. ثم أنشد: ثلاثة من الشهور سرد ... وواحد عقيب ذاك فرد ذو قعدة وحجة محرم ... ورجب وهي الشهور الحرم قال: فلما رأى القوم اتساع روايته، وارتفاع رايته. علموا أنه صل أصلال فنظروا إليه بعين الإجلال. ولما رأى إقبالهم عليه، وارتياحهم إليه. قال: يا جهابذة اليلامع، وهرابدة المعامع. علم الله أني لست بجعد الكف، كما يزعم هذا الهجف. ولكن قد أناخ الدهر علي بكلكله، وأخنى علي الهرم بأفكله. فلم يبق لي عافطة ولا نافطة. وصرت أسغب من السيدان، بعدما كنت أقري الهيدان والزيدان. ولو

стр. 398

استطعت أن أقوم بأمري، لأطلقت هذا الفتى من أسري. ولكنني ما زلت أعلل نفسي بالمنى، وأمنية بالغنى. لعل الله يقيض لي فتحاً قريباً أو يكتب لي بمثلكم نصيباً. قال: استعذب القوم كلامه، واستعذروا غلامه. وقالوا: قد كتب ربك على نفسه الرحمة، لكن ما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة. فإن الناس قد لؤموا وجشعوا، حتى لو سئلوا التراب أو شكوا أن يملوا ويمنعوا. فإن شئت أن تجاورنا غابر هذه الشيبة، وتكتفي ذل السؤال وغصة الخيبة. وإلا فخذ هذه النحلة، واعتمد الرحلة. قال: حبذا جواركم لولا ضفف خلفت، وموعد أخلفت. فوصلوه كل واحد بدينار، وارحلوه ناقة ذات سفار. قال سهيل: وكنت قد تنسمت ريح خزامه، وظلفت نفسي عن التزامه. لما شق العصا خرجت في أثره، حتى صرت بمرمى بصره. فقال: أنت من المولدين في هذا الزمان، لا تعرف لغة يعرب بن قحطان،

стр. 399

فعد إلى أن يصادفنا ترجمان. ثم انسدر يعدو كالظليم وغادرني كالسليم. فعدت وأنا أعجب من فنونه، في جده ومجونه. المقامة الثامنة والخمسون وتعرف بالعكاضية قال سهيل بن عباد: خرجت للتجارة في البوادي، مع صاحب كسلام الحادي. فكان يطربني بحدائه الأنيق ويحبب إلي طول الطريق. وما زلنا نطوي بساط الفجاج، وننشر لواء العجاج. حتى أتينا سوق عكاظ، في هاجرة كالشواظ. فانخنا كهشيم المحتظر وإذا الناس كالجراد المنتشر. وقد أخذ بعضهم في المناشدة

стр. 400

والملاجزة، وبعضهم في المحاجاة والمعاجزة، وبعضهم في المفاكهة والمجازرة. فجعلنا نطوف بين تلك الطوائف، ونجتني القطائف واللطائف. حتى مررنا بلفيف من نواصي العرب، وإذا الخزامي بينهم ورجب. وهما قد أخذا في المباراة والمحاورة، والمجاراة والمساورة. حتى مالت إليهما كل صاغية، وتفتقت لهما كل فاغية. فلما رأى الشيخ انصباب الناس إليهما، وانصيابهم عليهما. اخرنشم واخرنطم، واندفق على صاحبه كالغطمطم، وقال: ويلك يا أبرد من حرجف، وأيبس من حرشف قد أردت أن تطاول السمهرية، بالسندرية. وتطارد العناجيج، بالحراجيج، فإما أن تسلبي أطماري اليوم، وإما أن أجردك بين القوم. قال: اشحذ غرارك يا شيخ النار، واستهد لسهام العار قال: إن كنت

стр. 401

من الأدباء، فما قيود الأبناء، باعتبار ضروب الآباء؟ قال: قد ناديت مجيباً، وعاديت نجيباً. ثم أنشد: للخيل مهر وحوار للجمل ... والجدي للمعزي وللشاه الحمل والعجل للثور وللحمير ... عفو، كذا الخنوص للخنزير وشبل ليث ولضبع رعل ... وجرو كلب ولفيل دغفل غفر لو عل وفرار للفرا ... كذاك يعفور مهاة ذكرا وخرنق لأرنب، وتتفل ... لثعلب، ولابن آوى نوفل طلا الغزال ديسم للدب ... جارن حية وحسل الضب وشقذ حرباء كذا للنمل ... ذر، وجاء هرنع للقمل قر الدجاج، الرأل للنعام ... غطريف باز جوزل الحمام للكروان الليل، والحباري ... قد ذكروا لفرخها النهارا وللعقاب ضرم، والحجل ... للفرج منها سلك يستعمل والدرص للهرة واليربوع ... والفأر جارياً على الجميع قال: قد أحكمت السداد، وإن كنت سبد أسباد. فما هي أصابع الراحة، وما بينهن من المساحة؟ قال: راجل يسابق الفارس، ومحترس من

стр. 402

كيده وهو حارس. ثم أنشد: قل: أول الأصابع الإبهام ... وبعدها سبابة تقام وبعدها الوسطى، يليها البنصر ... وبعدها الصغرى أخيراً خنصر وبين إبهام وصغرى شبر ... وما إلى سبابة ففتر وبين ذات الفتر والوسطى رتب ... وبين ذي الوسطى وبنصر عتب والبصم بين خنصر ومايلي ... وبين كلهن فوت الخلل قال: إن عرفت مراتب النبات، أنت من ثبات الثبات. ضحك حتى زجا، وقال: قد أشرقتني بالشجا. ثم أنشد: أول نبت الأرض بأرض إذا ... لم يتميز، والجميم بعد ذا وبعده البسرة الصمعاء ... ثم الكلا، فلتحظ الأسماء فلما فرغ من إنشاده أحجم الشيخ القهقرى، فازدلف إليه يمشي

стр. 403

الخيزري. وقال زعمت يا شيخ مهو، أن البلاغة باللهو، وأن المخدرات ي البهو. فاخلع إذا ما عليك حتى نعليك. وإلا وقصت جيدك حتى الكاهل، ولو كنت من العباهل. ثم أخذ بحبل وريده وأصر على تجريده. فجعل الشيخ يدور كاللولب، ويرفس كالتولب، والفتى يتعلق بثيابه، ويحول دون انسيابه. فأخذت القوم الأنفة، وساءتهم تلك الهجنة المؤتنفة، والمعرة المكتنفة. وقالوا: نحن نفدي هذه الذعاليب، بقشب الجلابيب. فخل عنك العنف، ولا تبله بمطفئة الرضف. قال: علم الله ليس

стр. 404

من وسني هذه الأطمار، ولكن أريد تأديبه بالخزي والشنار لا يلج بعد ذلك في مثل هذا الباب، ويلقي نفسه بين المخلب والناب فتصر عليه رجل الغراب. قالوا: إن عندنا من الفروض، شراء الأعراض بالعروض. على أن تكون ناصح الجيب، في الشهادة والغيب، فلا تسود وجه الشيب. ثم جاؤوه بحلة وضرة، وقالوا: إن في ذلك لأعينكما قرة، والله لا يضيع مثقال ذرة. فاضطبنهما وقال: قد دبر القوم تدبير من طب لمن حب، فادرج أيها القرشب، وخل درج الضب. فتعلق به وقال: إنك بي قد وصلت إلى ما وصلت، وحصلت على ما حصلت. فهلم نقتسم شق الأبلمة

стр. 405

ولا يسمع الناس لنا أيلمة. قال: هذا البحر فاغترف، وإلا فانصرف، فانتشب بينهما الجذب والدفع، حتى أفضى ذلك إلى الصفع. فرثى القوم لشيخه الجلحاب، وأمطروه كسفاً من سحاب. وقالوا: باءت عرار بكحل، فدونكما الرحل، وحسبكما الضحل. فقالا: شاعكم السلام، وانطلقا بسلام. المقامة التاسعة والخمسون وتعرف بالمكية حدث سهيل بن عباد قال: قدمت مكة، في ليلة عكة، فنزلت ببكة. ولما أصبحنا كان يوم طلق، حسن الخلق والخلق. فجعلت أتفقد المناسك والمشاعر، وأتردد بين العشائر

стр. 406

والمعاشر. فبينما أنا أستشرف وجه الدو، كأنني زرقاء جو. رأيت ركباً يمشون الهرجلة على مطايا همرجلة. فناجتني القرونة أنهم الخزامي وصاحباه، حتى ازدلفوا فإذا هما هما وإذا هو إياه. فوجدت ما يجد من بشر بالماء، على فورة الظماء. وابتدرت إليه كالغداف، فالتقاني كفارس خصاف. واعتنقنا حتى صرنا في التزامنا الدرجي كأننا المركب المزجي. ثم تبوأنا صهوات الخيل،

стр. 407

وأتينا المدينة في ناشئة الليل. كان يومئذ قد أذن في الناس بالحج، فأتوا رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج. فلبثنا يوماً أو بعض يوم، نطو بمحافل القوم. حتى مررنا بلفيف مقرون كأمثال اللؤلؤ المكنون. لما وقف الشيخ بهم قال: سلاماً، ثم قام أمامهم إماماً. وقال: الحمد لله الذي أمر بحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ووعد عباده المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار وعيناً تسمى سلسبيلاً. أما بعد يا معاشر العرب الكرام، وحجاج البيت الحرام. فإن الله لا يرضى بالوذائم والضحايا ممن أصر على الخطايا. ولا بزيارة الحرمين ممن فاه بالنميمة والمين. ولا باستلام الحجر، ممن طغى وفجر. ولا بالطواف حول البيت، من نشاوي الكميت. ولا برمي الجمار، من ذوي الشحناء والأغمار. إن الله ينظر إلى السرائر المكمنة، لا إلى الشفاه والألسنة. وإن حج القلوب خير من حج الأقدام، ولبس التقوى ذلك خير من لباس الإحرام. فاعبدوا الله مخلصين له الدين، ولا تكونوا ممن يعبده على حر فذلك هو الضلال المبين.

стр. 408

واذكروا أن الزمان ريح قلب والدنيا برق خلب. والحياة سحاب جهام، والحمام ليث حمام. فلا تغتروا برهرهة الآل ولا يذهلكم الحال، عن المآل. وإذا جردتم أنفسكم للاعتكاف وتجردتم للطواف. فقولوا: لبيك يا من يدعو إلى دار السلام، ولك الحمد الذي لا ينفد ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام. اللهم يا مجيب السؤال ورحيب النوال، ومنجح الآمال ومصلح الأعمال. تقبل جدنا وجهدنا، واغفر سهونا وعمدنا. ولا ترض العج والثج ممن حج منا أو دج. واطبع قلوبنا على محبتك المخلصة، وطاعتك المخلصة. واعصمنا بألطافك وقواك، ولا تكلنا إلى أمداد سواك. اللهم يا جزيل الثواب، وقابل كل أواب. ولا تقصنا عن وجهك الميمون، يوم لا ينفع مال ولا بنون. وآتنا كتبنا بأيماننا وكر أعمالنا بإيماننا. ولا تحاسبنا حساباً عسيراً، ولا تجعلنا ممن يضحكون قليلاً ويبكون كثيراً. اللهم يا سابغ الآلاء ونابغ

стр. 409

الإيلاء. هب لنا قلوباً طاهرة، وعيوناً ساهرة. وأنفساً عفيفة وألسناً حصيفة. وأخلاقاً سليمة ونيات مستقيمة. ويسر لنا توبة صادقة، وندامة حاذقة. وسيرة هادية، وعيشة راضية. وعاقبة حميدة وخاتمة سعيدة. وأفض علينا نعمتك، ورحمتك. ولطفك، وعطفك. وهداك ونداك. واجعل حجنا مبروراً، وذنبنا مغفوراً. وأحصنا مع أصحاب اليمين، في فردوسك الأمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. قال: فلما فرغ من دعائه، انثنى إلى ورائه. فحال القوم دون مسربه، لعذوبة مشربه. وقالوا له: بورك فيك، ما أحلى نفثات فيك! فهيهات أن تبرح من بيننا، قبل بيننا. قال: إني إلى ما تريدون أقرب من حبل الوريد، وأجرى من خيل البريد. ثم انقاد إلى مربضه وعاد إلى معرضه. فتأشب القوم عليه كدوح البريص، وبذلوا ي صحبته جهد الحريص. وأقام يطرفهم بالملح المستعذبة، والنوادر المستغربة. ويجلو عليهم الخطب المنبهة والزواجر المنهنهه. ويقدمهم بالأدعية، وهم يجاوبونه كالمستفقهة.

стр. 410

حتى انقضت أيام الشعث وقضوا شعائر التفث. فشرقوا وغرب وتفرقوا تحت كل كوكب. المقامة الستون وتعرف بالقدسية قال سهيل بن عباد: لقيت أبا ليلى في المسجد الأقصى، بين جمهور لا يحصى. والناس قد تألبوا عليه كالأجربين، وأحاطوا به كالأخشبين. وهو يخاطبهم بالوعظ والإنذار، ويحذرهم عذاب النار وسوء عقبى الدار. حتى صارت مدامعهم تصوب، وكادت أكبادهم تذوب. فلما رآني تحز وهو قد استوفز. فانقضضت إليه كالأجدل، وسقطت عليه كالجندل. فحياني تحية الأحبة، ثم استأنف الخطبة، فقال: الحمد لله الذي جعل حرمه أمناً للعباد ومقاماً للعباد. وهو الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وأضحك وأبكى، وأمات وأحيي. والذي جعل الأرض مهاداً، والجبال أوتاداً

стр. 411

وبنى فوقكم سبعاً شداداً. والذي مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لم يبغيان وهو كل يوم في شأن. لا إله إلا هو الفرد الصمد الذي لا يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد. سبحانه وريحانه ما أعظم قدرته وشأنه، وأوسع منته وإحسانه. أما بعد فإنني قد قمت فيكم مقام الفقيه الخاطب، وهي صفقة لم يشهدها حاطب. فإني طالما ارتكبت الأوزار، وتبطنت الأقذار. واجترحت المغارم، واستبحت المحارم. وانتهكت الأعراض فسودت منها كل بياض. وما زال ذلك دأبي مذ شببت، إلى أن دببت. فليس لي أن أعظ أحداً ولا أفوه بخطبه أبداً. وعلي أن أقصر درسي على وعظ نفسي. وها أنا قد اعتمدت الأوبة، واعتصمت بالتوبة. فادعو الله لي أن يأخذني بحلمه، ولا يحكمه. ويعاملني بفضله لا بعدله. ثم أخذ في الأجبج والضجيج، وجعل يراوح بين

стр. 412

النحيب والنشيج. حتى أبكى من حضر، من البدو والحضر. فأخذ القوم في تسكين ارتعاشه، وتمكين انتعاشه. حتى خمدت لوعته وهمدت روعته. فحباه كل واحد بدينار، وقال: أدع ربك لي واستغفره بالأسحار. قال إني قد تجردت عن عرض الدنيا، إلى الغاية القصيا، فلا أقبل منه مثقال ذرة ما دمت أحيي. ثم نهض بي مكبراً، وولى مدبراً. فبات بليل أنقد يساهر الفرقد. وهو لا يفتر من ذكر الله، ولا يمل من الصلوة حتى إذا أخذت الدراري في الأفول، قام على مرقبة وأنشأ يقول: قم في الدجى يا أيها المتعبد ... حتى متى فوق الأسرة ترقد قم وادع مولاك الذي خلق الدجى ... والصبح وامض فقد دعاك المسجد واستغفر الله العظيم بذلة ... واطلب رضاه فإنه لا يحقد واندم على ما فات واندب ما مضى ... بالأمس واذكر ما يجيء به الغد واضرع وقل يا رب عفوك إنني ... من دون عفوك ليس لي ما يعضد أسفاً على عمري الذي ضيعته ... تحت الذنوب وأنت فوقي ترصد يا رب لم أحسب مرارة مصدر ... عن زلة قد طاب منها المورد يا رب قد ثقلت علي كبائر ... بإزاء عيني لم تزل تتردد

стр. 413

يا رب إن أبعدت عنك فإن لي ... طمعاً برحمتك التي لا تبعد يا رب قد عبث البياض بلمتي ... لكن وجهي بالمعاصي أسود يا رب قد ضاع الزمان وليس لي ... في طاعة أو ترك معصية يد يا رب مالي غير لطفك ملجأ ... ولعلني عن بابه لا أطرد يا رب هب لي توبة أقضي بها ... ديناً علي به جلالك يشهد أنت الخبير يحال عبدك إنه ... بسلاسل الوزر الثقيل مقيد أنت المجيب لكل داع يلتجي ... أنت المجير لكل من يستنجد من أي بحر غير بحرك نستقي ... ولأي باب غير بابك نقصد قال سهيل: فلما فرغ من أبياته غاص في التهليل والتحميد، والترتيل والتجويد، حتى تهات من وجده وكاد يغيب عن رشده. عجبت من استحالة حاله وأيقنت بحووله عن محاله. ولبث عنده شهراً، أجتني من روضه زهراً، وأجتلي من أفقه زهراً. إلى أن حم الفراق، وقال ناعبه غاق: فاعتنقني مودعاً، ثم سايرني مشيعاً. وقال: موعدنا دار البقاء، فكان ذلك آخر عهدنا باللقاء.

стр. 414

قال مؤلفه الفقير: هذا آخر ما علقته من الأحاديث الملفقة كما فتحت علي القريحة المغلقة. وأنا ألتمس ممن سلمت بصيرته وطابت سريرته. أن يغض الطرف عما يرى من الإخلال والإجحاف، وأن ينظر إلي بعين الحلم والإنصاف. فإني قد تلقيت هذه الصناعة من باب التطفل والهجوم، إذ لم أقف على أستاذ قط في علم من العلوم. وإنما تلقفت ما تلقفته بجهد المطالعة وأدركت ما أدركته بتكرار المراجعة. فإن أصبت فرمية من غير رام وإن أخطأت فلي معذرة عند الكرام. والله المسؤول أن يحسن خواتمنا اللاحقة، كما أحسن فواتحنا السابقة. إنه ولي الإجابة، وإليه الإنابة، والحمد لله أولاً وآخراً. وكان الفراغ من تبييضه في شهر نيسان سنة ألف وثماني مائة وخمس وخمسين للمسيح.