Полный текст (414 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ويكرهون المصافح. ويحتنبون الخاشع ويمتهنون الضارع. ويركبون الشكور ويدوسون الجمهور. ويرون قطع ساق العبد، ألذ من قطف الورد. ويعتقدون أن الكافر هو الظافر. واللعين، نعم الأمين. وأن أكل الأحرار، من شيم الأبرار، وقرة العين لمن علاه الدين. فثق بما أعتمده، وصحح هذا الرأي واعتقده. واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون. قال: فلما سمع القوم كلامه رأوا فيه لغواً ولحناً، فعابوه لفظاً ومعنى. وقالوا: إن هذا شاعر به جنة،
стр. 352
فاجعلوا قلوبكم في أكنة. فثار الشيخ كأنه ليث عفرين، وقال: إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. من أنتم يا سلالة الأنبياء، وثمالة الأولياء. وما بالكم تحكمون بما لا تعلمون وتنكرون من حيث لا تفكرون. أتعلمون اليتيم البكاء والنديم الغناء؟ أم تحسبون أنكم تحسنون صنعاً، إذا تحككت عقربكم بالأفعى؟ لقد غركم بالله الغرور، والله لا يحب كل مختال فخور. فليحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وستعلمون غداً من الكذاب الذي يراغ عليه ضرباً باليمين. فلما رأى القوم ما رأوا من ازدهائه، شعروا بدهائه. وقالوا: لعل له عذراً وأنت تلوم، فلينظر المولى بعلمه الذي فيه حق معلوم، للسائل والمحروم. فلما آنس منهم لين الشرة لاحت على أساريره المسرة. وقال: إذا تلاحت الخصوم، تسافهت الحلوم. ثم أفاض
стр. 353
في نقض ما أبرم، وفاض كالسيل العرموم وهو يحرق الأرم. فانقادوا أذل من النقد، وقالوا: نعوذ بالله من شر النفاثات في العقد. ثم قالوا: إنا لنراك غزير السيل، لكنك قصير الذيل يسير النيل. فخذ هذه النفقة، على سبيل الصداقة لا الصدقة. وقد انتهينا عن الصلف، إلى الكلف، فاغفر لنا ما قد سلف. فأبدى الثناء الجميل وأسدى الشكر الجزيل. وانقلب مفتخراً بما فاز، ومغتبطاً بما حاز. قال: فلما أتينا المدينة انحدر عن المطا، ودخل بي إلى مثل أفحوص القطا. فبت معه ليلة أشهى من عصر الصبا. حتى إذا أصبحنا ثار بين النفير، كالعنقفير، وأخذ في التشمير، للمسير. وقال: إني منصرف إلى بلدة أخرى، فإن شئت أن تؤوب إلى أهلك فهو الأحرى. فودعته وداع الهائم المشتاق، وسرت وأنا أحدو بذكره النياق.
стр. 354
المقامة الحادية والخمسون وتعرف باليمامية
أخبرنا سهيل بن عباد قال: تقلدت السفر طوق الحمامة، منذ اعتجزت بالعمامة. وكنت أهوى ديار العرب العرباء، لما فيها من الشعراء والخطباء والفصحاء والأدباء، والبلغاء والنجباء. فكنت أزجي إليها الركاب، وأتضمخ منها بالعجاج والعكاب. وأتعطر بالعرار والبشام، وأتفكه بالعرفج والثغام. وأطرب للنصب والحداء، وأبتهج بالثغاء والرغاء. حتى إذا كنت يوماً بحجر اليمامة، رأيت كتيبة فد أطبقت كالغمامة. فحثحثت الجواد، حتى حصحص لي ذلك السواد. وإذا فتى لاغط، وشيخ ضاغط.
стр. 355
والناس حولهما يتفرجون، ولا يفرجون. فانتصبت مع الوقوف، ونظرت من خلال الصفوف. وإذا الشيخ يقول: ويل أمك يا أخبث من الشيطان، وأروغ من الثعلبان إلام تتمادى في العقوق، وتتغاضى عن الحقوق؟ أما تذكر تثقيفي أودك، وتلقيفي رشدك؟ وهل نسيت ما تجشمت من جللك، في مداواة عللك؟ وكم أنفقت عليك في المدارس والمطاعم والملابس؟ فبأي آلاء ربك تتمارى، ولو كنت أبله من الحبارى؟ هذا والغلام يتظلم، ويتململ ويتألم. وهو أحير من ضب وأنفر من بعير أزب. فلما رأى القوم ما رأوا تململه، واصطخابه وتبلبله. قالوا: ليس شكوى بلا بلوى. فأبن أيها الشيخ عذرك وضع عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك.
стр. 356
فأرن كما يأرن المهر، وقال: قد تجنى علي هذا الغمر، والله يعلم أن ليس لي ذنب إلا ذنب صحر. إن هذا الفتى عربي الدار، لكنه رومي النجأر. وقد بذلت فيه من الدينار والدرهم، مالا يبذله خالد بن الأيهم. وأفرغت جهدي في تهذيب لسانه، وتعديل ميزانه. فلم يزل يكسر شكيمة اللجام، وينزع إلى ألفاظ الأعجام. فيدعو المعلم، بالمؤلم. ويسمي القلب بالكلب. والحيطان بالخيطان. ويعرف
стр. 357
المضاف، ويؤخر الموصوفات عن الأوصاف. وهذا مما تأباه السجية الأدبية، وتستك منه المسامع العربية. وشهد الله أني أريد تهذيبه، لا تعذيبه. وأرغب في تثقيفه لا تعنيفه. لكنني أجتهد في تسديده فيعثر، وأروم تشديده فينفر. وإن كنتم في ريب من ذلكم فاختبروه، وإلا فأنا أمتحنه لتعتبروه. قالوا: لا جرم أن الموالى، هو الأولى. فأمسك هنيهة عن الكلام، ثم قال قل يا غلام:
أنا الخزامي الرقيق الكلم ... مسحت ركن المسجد المحرم
ولي غلام من نتاج العجم ... يشرق في فؤاده وفي الفم
أوجده باري الورى من عدم ... وحاطه بالقدر المصمم
فلم يزل في حرس متمم
فتعزز الفتى وتمنع، وهو يروغ كالفارس الأهنع. فما زال به القوم حتى أجاب فترحرح، وأنشد بصوت صمحمح:
أنا الخزامي الركيك الكلم ... مسخت ركن المسجد المخرم
ولي غلام من نتاج الأجم ... يشرك في فؤاده وفي الفم
стр. 358
أوجده باري الورى من أدم ... وخاطه بالكدر المسمم
قلم يزل في خرس متمم
قال: فلما رأى القوم سقم هذه الألفاظ، وما أدت إليه من المعاني الفظاظ. تعوذوا بالله من سوء تلك اللثغة، وقالوا: ما هذا الغلام الذي لا يشترى بفشغة؟ فتبرم الشيخ وتأفف وتأوه وتسف. وقال: قد علمتم أن عثار اللسان شر من عثار القدم، ولكن ماذا ينفع الندم؟ وإنني طالما حدثت نفسي بعتاقه، وهممت بانعتاقي من وثاقه. ولو وجدت لي عنه غنى أو كان في يدي سعة من الغنى. لبعته بنصف القيمة، واشتريت غيره بضعف السيمة. ولكن قد انقطع السلى، فلا حول ولا. فأجهش الفتى عن كثب، وأخذ رقعة وكتب:
هبوا خطأ اللسان علي عيباً ... أما لي غيره شيء يصيب
أنا ابن اقعد وقم لا في الندامى ... أعد ولا سمير أو خطيب
стр. 359
أدير من المعاني كل كاس ... تطيب فخل لفظي لا يطيب
إذا كان الجميل سليم حسن ... فليس يضره ثوب معيب
فلما وقف القوم على شعره، ورأوا انحطاط سعره. قالوا: إن لم يحسن الكر فالحلب والصر. ونقدوا الشيخ بعض المال وقالوا للفتى: دونك الجمال. فسر كلاهما وارتضى، وودعهم الشيخ ومضى. قال سهيل. وكنت قد عرفت ذينك الصاحبين، اللذين سيئاتهما تغلب الكاتبين. فقفوت الشيخ في تلك البقاع، وقلت: يا فرزدق أين وقاع؟
стр. 360
قال: انزل بنا هنا والليل يواري حضناً. فنزلنا إلى أن استوهن الليل، وإذا رجب على شيظمة من جياد الخيل، تندفق به كعارض السيل. وهو بين ذلك ينادي الليل وأهضام الوادي. واستمر يعدو الهملجة، على مهرته السملجة. فما أدركناه إلا وقد اشمخر الضحى، وكلت الخيل من الوحى. فزلنا جميعاً من السروج في بعض تلك المروج. حتى إذا انجاب بهر الأنفاس، وثاب أشر الأفراس. ثار رجب كالرئبال، وقال: لا تقسط على أبي حبال، وترك القوم يكسرون عليه أوعاظ النبال.
стр. 361
المقامة الثانية والخمسون وتعرف بالعمانية
قال سهيل بن عباد: ألقتني صروف الزمان إلى عمان. فدخلتها وقد آذنت براح بالبراح، وهتف داعي الفلاح. حتى إذا مررت بفناء الجامع، إذا الخزامي هناك راتع. والناس حوله كالحجيج في المزدلفة، أو في موقف عرفة. فابتدرت إليه العبور، وقد استطير فؤادي من الحبور. وجلست للسمر بين تلك الزمر. فقضيناها ليلة أبهج من زهر الربى، وأنفج من نشر الكبا. والشيخ يتلو علينا أساطير الأولين والآخرين، ويطر فنا بحديث العابرين والغابرين. حتى هوم الكرى المفارق، وكدنا نستقبل غرة الطارق. فهجعنا هنالك غبر الليل ذلك. ولما كانت الغداة،
стр. 362
وقد انقضت الصلاة. هجم علينا شيخ أرمش أغفش، كأنه أبو الحسن الأخفش. فحيي من حضر، وقال: أرى عمائم البدو على وجوه الحضر، فقال الشيخ: بل ترى تيجان العرب على أعيان مضر. فمن أنت يا من يسلب السيف فرنده، والصريف زبده؟ قال: إن كنت من أهل تلك الأماكن، فما قيود المساكن باعتبار الساكن؟ فتفكر ريثما تذكر. ثم أنشد:
لمسكن الناس يقال الوطن ... ومثل ذاك للجمال العطن
إصطبل خيل زرب شاء وورد ... وجار ضبع والعرين للأسد
ونفق الخلد كناس للظبا ... والنافقاء لليرابيع خبا
стр. 363
جحر الضباب قرية للنمل ... وهكذا خلية للنحل
والوكر للطير وأفحوص القطا ... منه وأدحي النعام ارتبطا
والكور للزنبور، والعناكب ... لها البيوت فادرها يا صاحب
قال: حييت وحييت، وأعييت ولا عييت. فما قيود السعة، إن كنت من شوس المعمعة؟ فأهتف كولادة، وأنشد كأبي عبادة:
بيت فسيح داره قوراء ... صدر رحيب مقلة نجلاء
بطن رغيب وطريق مهيع ... والثوب فضفاض كدرع تمنع
وأرضنا واسعة، والقدح ... يوصف بالرحراح فيما اصطلحوا
стр. 364
قال: سقيت الغريض، يا كعبة القريض فما قيود الامتلاء، عند أهل الجلاء؟ فقال: جري المذكيات غلاء. وأنشد:
يقال عين ثرة والبحر ... طام وطافح لدينا النهر
كأس دهاق وجفان رذم ... وزاخر الوادي إناء مفعم
وجفنك المترع والسفينة ... بكل كيس أعجر مشحونه
وقربة متأقة والطرف ... مغرورق إذ غص ناد فاقف
قال: لا شلت أناملك، ولا كلت عواملك. فهل تعرف قيود الخلاء، وتجعلها خاتمة الإملاء؟ قال: سيان الخاتمة والفاتحة، فما أشبه الليلة بالبارحة. وأنشد:
أرض من الناس يقال قفر ... جرز من الزرع إناء صفر
ودارنا من الأهالي خاويه ... مثل البطون من طعام طاويه
والمرء من كل سلاح أعزل ... ورجل من دون سيف أميل
أجم من رمح، ومن قوس رمى ... أنكب، والأكشف من ترس حمى
стр. 365
حاف بلا نعل، وحاسر بلا ... عمامة، عار من الثوب خلا
وقلب زيد فارغ من شغل ... وخطه غفل بغير شكل
حاجب أمرط جفن أمعط ... وأصلع الرأس وجسم أملط
وهكذا غيم جهام من مطر ... وقيل: خد أمرد من الشعر
ولبن من زبده جهير ... وطلق من قيده الأسير
وامرأة من الحلي عطل ... زلاء لا يشخص منها الكفل
وعلط من وسمه البعير ... ونزح من المياه البير
وشجرات سلب من ورق ... فاقنع بما ذكرت واترك ما بقي
قال: فلما رأى القوم من ري شراره، وفري غراره، قالوا: نعيذ لك بالله من نفس حرى، وعين شرى فهل لك أن تكون لنا خطيباً؟ وكفى بالله حسيباً. قال: نحن في المشرب شرع، والطيور على أشكالها تقع. فإن رأيت ما يسد الخلة ويرد الغلة، فأنا منكم نسباً وحلة. ورب ظئر رؤم، خير من أم سؤوم.
стр. 366
فرضخوا له باحتلاب شطر، وقالوا: أول الغيث قطر. فاتفق على مصلاة، وقرأ: إذا عزمت فتوكل على الله. قال سهيل: ولم يكن إلا بعض خذمة، حتى وفدت امرأة حسنة اللثمة، فقالت للشيخ: هلم بأبي عبادة، فقد كلفت الشهادة. قال: علي أن أشهد بالحق، كما أشهد للحق، ونهض بي كالسارية، في أثر الجارية. والقوم إليه ينظرون، وله ينتظرون. فلما انتهينا إلى بعض المناصع، سفرت كليمته، وإذا هي كريمته. فوقفت متدهدهاً فزجرني مقهقهاً. وأنشد:
لم أرج سد خلتي من النفر ... فقد عزمت بغتة على السفر
متكلاً فيه على ردء القدر ... فلم أكن في أمرهم ممن غدر
وأنت يا بني كن ممن عذر
стр. 367
ثم قال: إن كنت الرفيق، فهذه الطريق. وإلا فعليك السلام ولا ملام. فخرجت بين الحية والحيية، ولم نفترق إلى ديار طهية.
المقامة الثالثة والخمسون وتعرف بالغزية
حدثنا سهيل بن عباد قال: خرجنا من العواصم، نريد غزة هاشم. فأعملنا السنابك والفراسن ووردنا الآجن والآسن. حتى دخلناها بعد الأين، بين العشاءين. وقد علت أوجهنا ولمحة من السفر ولمحة من الكدر. فاتخذنا بها المضاجع واغتنم كل منا دعة الهاجع.
стр. 368
فلما انسلخ النهار من الليل، وجرت الغزالة فضل الذيل. خرجنا نتفقد أراضيها الخضراء والبيضاء، حتى إذا مررنا بدار القضاء سمعنا لغطاً وضوضاء. فعرجنا على ذلك اللجب، وإذا الخزامي متعلقاً برجب. وهو يقول: أيد الله القاضي، وأنفذ حكمه الماضي. كان لي نديم رقيق المباني، دقيق المعاني. ظريف الشكل، حصيف النقل خفيف الوضع والحمل. بديع الفكاهة والبداهة، بعيد السفاهة والفهاهة. يؤنسني الليل والنهار ويغنيني عمن يزور أو يزار. ويخدمني الصباح والمساء، ولا يشرب لي قطرة ماء. ويبذل المعونة، على غير مؤونة. ويسأل فيعطي ويخطو فلا يخطي. طالما أبدى، فأهدى. وأعاد، فأفاد. لا يهزه الدلال ولا يستفزه الملال. ولا يعرف الغضب ولا يسيء الأدب. ولا يكتم عني سراً ولا يعصي لي أمراً. وإذا قطعته انقطع، وإذا استرجعته رجع. وإذا طويته انطوى وإذا زويته انزوى، وإذا ضويته انضوى. يلقاني بصدر مشروح، وباب مفتوح. ووجه طلق ولسان منطلق. فكنت أتخذه أنيساً، ولا أريد غيره جليساً. وأنعكف عليه آناء الصرعين،
стр. 369
لما أجد به من طيب النفس وقرة العين. وإن هذا الأحمق، قد مزفه كل ممزق. وتركني ألهف عليه، من النعمان على نديميه. قال: فاضطرب الرجل مرتاعاً، وتباكى ملتاعاً. وقال: علم الله أني كنت به أبر من العملس، وعليه أحذر من الذئب الأطلس. فإنه كان راحي ومراحي وصباحي ومصباحي. ولكن قد فرط ما فرط ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً. فإن شاء الشيخ دية أو قوداً، أو يسلكني عذاباً صعداً. فإني له أطوع من عنانه وأوفق من بنانه. فقال الشيخ: أما وقد كان ذلك من خطا فعله، فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله. ولكن هل بالرمل أو شال، وكيف يرجى الري من الآل؟ قال: أنا أسعى بما تيسر وتحط عني ما تعسر. وأخذ يطوف على الجماعة من فوره،
стр. 370
وهو ينشد في أثناء دوره:
آهاً من الأيام والليالي ... قد علمتني مهنة السؤال
وعارضت الإدلال بالإذلال ... فذقت من لواعج البلبال
ما لم يكن يخطر لي ببال ... لكن قضى لي الله ذو الجلال
برفدكم، يا كعبة الآمال ... فإن عدا الدهر فما أبالي
وجعل يردد الأبيات بين مطافه، ويلين أعطاف استعطافه. فعاد إلى الشيخ بقدر، وقال: هذا ما قيضه القدر. فإن رضيت وإلا ألحقت الحس بالإس، وأغمضتك عمن يجس أو يحس. فانكفأ الشيخ إلى خلفه، وقال: ليس يلام هارب من حتفه. قال سهيل: فلما خرج قفوته أعتقب، إلى حيث لا مرتقب. وقلت: هيهات أن أطلق سبيلك، أو تعرفني قتيلك قال: هو كتاب ألقاه هذا الشيطان، في بعض زوايا الخان، فمزقه الفأر شذر مذر، وعلاه بالرجس
стр. 371
والقذر. وتركني أنوح عليه بزفرات تترى، وأبكي بأجفان شكرى. ثم ناولني لفافة سبنية، وقال: إذا أصبحت فخذها إلى القاضي برسم الهدية. وانطلق يعدو في العراء، ولا يلتفت إلى الوراء. قال: ففضضت تلك الغاشية، وإذا الكتاب فيها كالهشيم فضمته الماشية، وقد علق فيه على الحاشية:
هذا القتيل المهتدى بناره ... جئت إلى القاضي لأخذ ثاره
من جرذ الفندق أو من فاره، ... وهو لحب اللبث في جواره
أوصى بأن ندفنه في داره
فائتمرت بإشارته وأطرفت القاضي بعبارته. فضحك حتى هوت قلنسوته، والتوت عنصوته. وقال: هل لك أن ترده فأحتمل من كرامته، فوق ما احتملت من غرامته؟ قلت: هيهات إنه والعقاب، فرخان في نقاب وكان ذلك بيننا وسيلة الوداد والترداد، حتى خرجت من تلك البلاد.
стр. 372
المقامة الرابعة والخمسون وتعرف بالسوادية
حكى سهيل بن عباد قال: خرجت على ناقة أجد كأنها طود أحد. فاندفعت بي تنهب الطريق، وتخترق الشيق والنيق، حتى أشرفت على تنوفة حافلة بالأشائب، مشحونة بالركائب والجنائب. وكانت الشمس قد جنحت إلى مغاربها، فألقيت حبل ناقتي على غاربها. حتى إذا أدركت القوم ملت عنهم بعض الميل، وقلت أخوك أم الليل. قالوا: إن أخاك من آساك، فلا تطل أساك. فلما آنست منهم أنساً طبت قلباً ونفساً. فعرجت إلى المعرس، وقمت بينهم أتفرج وأتفرس. وإذا الخزامي بين قوم قد تأزروا
стр. 373
كالعيص، وهم يتعاطون رحيقاً كالهصيص، برفد كالأصيص. فلما رآني قال: نور على نور، قد التقى سهيل بالشعرى العبور فبتناها ليلة رقيقة الحواشي، صفيقة الغواشي. حتى إذا جشر السحر، تداعى القوم للسفر. وكانت المزاود قد خفت والمزاد قد جفت فجعلوا يمزجون الإسراء بالمسير، ولا يبالون بابن ثمير أو جمير. وما زالوا يضربون في الآفاق، حتى تبطنوا سواد العراق، فنصبوا السرادق، وانتصبوا حوله كالرزادق. قال: وكان هناك شيخ من علماء البلدين، كان يلم بنا في الأبردين. فدخل يوماً إلى فناء المسجد، وإذا الحزامي هناك ينشد:
عاتبوني على القطيعة لما ... طال عهد النوى وطال النفار
قل لهم: إن من يزرني أزره ... كل يوم ومن يزور يزار
стр. 374
فتلقاه الشيخ متعرضاً، وقال له معترضاً: إن إخلال مثلك بالإعراب، مما يعد من الأغراب. فوثب شيخنا السرندي كأنه السبندي، وقال: أجل وسقوط مثلك في الوهم، مما يدق على الفهم. إن كنت أنت الفراء، أو معاذ الهراء، فأين يعود الضمير على مطلق التأخير؟ وكم هي أوجه الشبه في بناء الأسماء، وكم أقسام التنوين عند العلماء؟ وأي لفظ يستوي استعماله اسماً وحرفاً، ويستعمل في حرفيته ظرفاً؟ وأي مضاف ينصب المضاف إليه، ولفظهما لا يطرأ التغيير عليه؟ وأي الأسماء يعرب من مكانين؟ وأيها يحتاج إلى معرفين؟ وأيها يكون في الإعراب والبناء بين بين؟ وأيها يعرب أصله ويبنى فرعه؟ وأيها يمنع من الصرف مفرده وجمعه؟ وأيها يكون ثلثاه زوائد؟ وأيها لا يبقى منه إلا أصل واحد؟ وأين تقوم أربعة أحرف في الحفظ، وتسقط كلها في اللفظ؟ وكم هي طرق الإعلال، في الأسماء والأفعال؟ قال
стр. 375
فأخرد الشيخ من الإعياء، وأقرد من الحياء. فقال الخزامي: ويحك إن كنت من حجارة الحرار، فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ولقد أجلتك إلى قباقب، عسى أن يتراءى لك النجم الثاقب. فاشتد بالشيخ الوجوم، حتى تعذر أن يفوه ولو بمثل نقيق العلجوم. فلما رأى ماءه ينضب ولونه كحرباء تنضب، رقيت له منه بنات ألبب. فأخذ معه في التلطف والتعطف، ونبذ عنه التصلف والتعسف. فلما خمدت جذوته وأنست جفوته. قال: علم الله ما بي أن
стр. 376
أرتج علي، في ما ألقي إلي. ولكن أن يتندد ذلك فتسقط حرمتي، وينصرف الناس عن تكرمتي، فإن شئت أن تقبل هذا الطيلسان حني، وتكتم هذا الشأن عني قال: لا خوف، إني أوفى من عوف وحاشا الله أن أنث لك سراً، أو أغمط منك براً. ثم خرج يميس في طيلسانه كالعطبول، وهو يقول:
قل لمن شئت في العراقين: إني ... قد حباني الإمام بالطيلسان
стр. 377
مأرب لا حفاوة من حريص ... رام بالطيلسان طي لسان
قال سهيل: فلما فاء الشيخ إلى فسطاطه، وعلموا ما كان من تبريزه واشتطاطه، وانخذال صاحبه وانحطاطه. باؤوا له بحق الزعامة وبوأوة ذروة الكرامة. فلبث في صحبتهم أياماً، لا يتجشم نفقة ولا طعاماً. حتى إذا أزمع البين، أدلج لا كسعد القين، وهم يفدونه بسواد القلب والعين.
المقامة الخامسة والخمسون وتعرف بالدمياطية
قال سهيل بن عباد: أزمعنا الشخوص إلى دمياط، في ركب من
стр. 378
الأنباط. فأعددنا النواطق والصوامت، وأغذذنا حتى كلت بنا الشوامت. وما زلنا نطأ الوعث والجدد، حتى أفضينا إلى البلد. فدخلناه على كل طلوح وقد دلكت دلوح، واغبر لوح اللوح. فلما انجابت وعثاء الخلج وانجلت أغثاء الرهج. برزنا نجر الأردية، حتى مررنا ببعض الأندية. وإذا الخزامي ورجب تليهما امرأة بادية الحدق، منادية بالحرب. فتقدم رجب كالأيهم، وهو قد بسر وتجهم، كأنه من جن جيهم. وقال: حي الله السادة الذين يحمون الحقيقة، وينسلون الوديقة ويسوقون الوسيقة. إن امرأتي هذه عجوز حمقاء قرثع خرقاء.
стр. 379
مترهلة خدبة، خنثلة طرطبة. تلقاني بلمة بيضاء وبشرة سوداء، وعين صفراء، ونكهة دفراء. توشك أن تأكل البعير وتشرب الغدير. وهي على ذلك بذية اللسان، عرية من الإحسان. لا تذكر حرمة ولا تشكر نعمة. تهر كالكلاب وتعوي كالذئاب. إذا استقبلتها لطمث، وإذا أدبرت عنها رجمت. تشدخ بظفر كالمخلب، وتنهش بناب كسنان قعضب. ولقد كانت تلطم بكفها، فصارت تلطس بخفها. وكانت تمنحني الدخول إلى الدار، فصارت تمنعني المبيت حول الجدار. وقد منيت منها بالداء العياء والداهية الدهياء. إن هممت بطلاقها، عجزت عن صداقها. وإن تكلفت عليها الجلد، فلا قرار على زأر من الأسد. فثارت تلك المرأة السفيهة، وقالت: يا للعضيهة قد هتك هذا الوغد
стр. 380
أستاري، حتى كأنه جردني من أطماري ويلك يا أنقس، يا ابن الفلنقس أما تذكر عيبك، وريبك؟ وشؤمك، ولؤمك؟ وفاقتك المدقعة، وأسمالك المرقعة؟ تأتيني كل يوم بمعتبة، وما في يدك عنظبة. ثم تجلس على التكرمة، وأنت شامخ الهرثمة. فتأخذ في الأمر والنهي والإيجاب والنفي. وتقول: يا حبذا الإمارة، ولو على الحجارة وزوج من عود، خير من القعود. ساء ما تتوهم، وشاه وجهك الأدهم وليت شعري ما أصنع برجل أبرد من عبقر، وأذل من فقع بقرقر. ليس له ثاغية ولا راغية. ولا عنده حضض ولا بضض. وهو على ذلك أظلم من
стр. 381
الخيفقان، وأنقص من الزبر قان. يشبب بالملامظ واللواحظ، وهو أقبح من الجاحظ. ويدعي ببداهة ابن جماعة، على بلاهة بني خزاعة، ويقذف بهجو جرول ولا يعرف أدب الأخطل. ولكن قد
стр. 382
جرى القلم ومن أشبه أباه فما ظلم. قال: فثار الشيخ كمن مسه الجنون، ودار حولها كالمنجنون. وقال: يا دفار أما اكتفيت بفعلك مع بعلك، الذي وطئته بنعلك حتى تتعرضي لي بجهلك، وتلحقيني بعار أهلك؟ إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً، ورب قرارة تسفهت قراراً. ثم اقتحمها فاندفعت ورفسها فانصرعت، ثم قامت
стр. 383
فوقعت. وهي تشتم بكل شفة ولسان، وتبربر بما لا يفهمه إنس ولا جان. فأضحكت القوم كما أضحك الصحابة نعيمان، أو الهدهد جنود سليمان. فقال الشيخ لصاحبها: طلقها بتاتاً، لا جمع الله له شتاتاً وعلي
стр. 384
تحصيل ما تخشى منه الأثقال، ولو كان ألف مثقال. فما نشب أن طلقها كما أشار، وأخذ الشيخ يطوف على القوم وهو يقول: النار، ولا العار حتى إذا فرغ من مسعاه، دفع إليها ضغث مرعاه، وقال: اذهبي فقد أينعت دوحة الصبر، وتمتع المهتاض بالحبر. فقالت: هبلتكما الهوابل، ولا بشرت بمثلكما القوابل "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يوم الذي يوعدون". ولما أدبرت تلك الدردبيس، أقبل الشيخ على القوم كالعنتريس. وقال: قد غبر من نوالكم قذعملة لا تقضي أشكلة. فإما أن تستردوها، أو تزيدوها. فرشحوا له ببلالة وقالوا: خذ من القطوف مادنا، وقل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. فانقلب لهجاً بحمدهم مبتهجاً برفدهم. قال سهيل: فلما باء على حافرته، في أثر زفراته. تعقبته لأعرف تلك الشهربة الطالق، فإذا هي ابنته العاتق. وهي قد نقضت عنها
стр. 385
الهرم واستوت كبانة العلم. فعجبت من غرابة حاله، وخلابة محال، واغتنمت صحبته إلى أوان ترحاله.
المقامة السادسة والخمسون وتعرف بالإسكندرية
حدث سهيل بن عباد قال: نحونا الإسكندرية من القاهرة، في عفرة صاهرة. فكنا نقيل بياض اليوم ونستبدل السرى من النوم. وبينما نحن في ليلة كالحة الإهاب، حالكة الجلباب، عرض لنا شبح اسود على جمل أقود. فتواثب القوم إليه كبنات طبق، وما لبثوا أن جاؤوا به في الربق. فلما أسفر ابن ذكاء، وانتقب وجه الأفق بالأياء. تفرست في أسيرنا الظلامي، وإذا هو شيخنا الخزامي. وقد تلبد عثنونه كالثرب، وعليه خيعل
стр. 386
كطيلسان ابن حرب. فقلت: الله أكبر، قد مدرتم المنبر هذا الخزامي الذي يفيد البهج، ويفدى بالمهج. فتأشب القوم حواليه، وأخذوا يتنصلون إليه. فلما سكن جزعه واستكان زمعه. قال: يا بزاة الليل، وغزاة الليل. أهجمتم على دوسر النعمان، أم
стр. 387
على مردة عزوان؟ واقتنصتم سليك المقانب، أم طمعتم بفداء حاجب؟ لقد تقلدتم قلائد عوكل، بهجومكم على هذا الضيكل، ولكن قد كان ذلك في الرق المنشور، وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور. فلما انجلى عليهم بدره، علا لديهم قدره. فأحفوا له في التكرمة، وباؤوا من وحشة الغراب إلى أنس العكرمة. ثم أخذوا في السير الضريج على متن كل إضريج، وهو يؤنسهم في التعريس والتعريج. حتى ألقوا عصا السفر في السرار من صفر. فنزلنا في منزل مأهول، قد بني للمعلوم والمجهول. وأقمنا في ذلك الحواء إلى ليلة السواء. وإذا شيخ قد ناهز العمرين كأنه
стр. 388
أحد العمرين فجلس مجلس الفقيه وأخذ ينثر الآلئ من فيه. حتى إذا تمادت به الأشواط في شقة بعيدة النياط. تصدى له رجل قصاقص كأنه فرافص. وأخذ يهيم معه في كل واد، ويتلون كأم الحبين في الأعواد. حتى أفضى الأمر إلى الشقاق، والستر إلى الانشقاق. فقال: إني أراك بين الفقهاء، كالمستعصم بين الخلفاء! إن كنت فقيه العصر فأي رجل صح بيعه أباه واستحق الثمن فاستوفاه؟ وأي غاصب لا يبرأ بالرد على المالك، وأي رجل أتلف شيئاً فلزمه
стр. 389
شيئان هنالك؟ وأين ترد شهادة مسلمين، وتقبل شهادة ذميين؟ فأطرق الشيخ أي إطراق، واحتبكت عليه المسألة كحبك النطاق. فاستطال الرجل واهتز، وقال: من عزَّ بزَّ. قال: فثار الخزامي كالفنيق العذافر، وعمد إلى ذلك الرجل الظافر. وقال: قد علمت
стр. 390
يا شيخ الحرم أن انتهاك الحرم من الحرم. ولقد رأيتك تخوض في المعقول والمنقول، وتمزج الفروع بالأصولو. إن كنت من العلماء، فما هي أنواع الإنساء؟ وبماذا يفرق أهل الدرية، بين الاستعارة والتشبيه وبينها وبين الكناية؟ وما هي المقولات العشر والكليات الخمس، وما هو التناقض في القضايا والعكس؟ فارتبك الرجل في تلك المسائل،
следующие страницы →