← Адаб

Адаб · id 189

مجمع البحرين لليازجي = مقامات اليازجي

اليازجي، ناصيف

Полный текст (414 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقامة الأولى وتعريف بالبدوية حكى سهيل بن عبادٍ قال: مللت الحضر، وملت إلى السفر. فامتطيت ناقة تسابق الرياح، وجعلت أخترق الهضاب والبسطاح. حتى خيم الغسق، وتصرم الشفق. فدفعت إلى خيمة مضروبة، ونار مشبوبة. فقلت: من يا ترى القوم النزول ههنا ... هل بهم الخوف أم الأمن لنا؟ قد كان عن هذا الطريق لي غنى وإذا رجلٌ من وراء الحجاب، قد استضحك وأجاب: إني ميمون بني الخزام ... وهذه ليلى ابنتي أمامي نعم وهذا رجب غلامي ... من رام أن يدخل في ذمامي يأمن من بوائق الأيام قال: فسكن مني ما جاش، من الجاش. ودخلت فإذا رجل

стр. 2

أشمط الناصية، يكتنفه الغلام والجارية. فحييت تحية ملتاح، وجثمت جثمة مرتاح. وبات الشيخ يطرفنا بحديث يشفي الأوام، ويشفي من السقام. إلى أن رق جلباب الظلماء، وانشق حجاب السماء، فنهضنا نهيم في تلك الهيماء. حتى إذا أشرفنا على فريق، يناوح الطريق. عرض لنا لصوص قد أطلقوا الأعنة، وأشرعوا الأسنة. فأخذ الشيخ القلق، وقال أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق. ولما التقت العين بالعين، على أدنى من قاب قوسين. قال: يا قوم هل أدلكم على تجارة، تقوم بحق الغارة؟ قالوا: وما عسى أن يكون ذاك؟ حياك الله وبياك! فقال: يا غلام اهبط بهم إلى مراعي الريف، وأنا أقف هنا أراعي كاللغيف. قال سهيل: فلما توارى بهم أوفض الشيخ على ناقته القلوص، حتى أتى الحي فنادى اللصوص. وطلب المراعي فانهالت في أثره الرجال، وإذا اللصوص قد ساقوا

стр. 3

قطعة من الجمال. فأطبقوا عليهم من كل جانب، وأخذوهم أسرى إلى المضارب. حتى إذا أثخنوهم شدوا الوثاق، وقد كادت أرواحهم تبلغ التراق. ثم أدخلونا إلى بيت طويل الدعائم، في صدره شيخ. كأنه قيس بن عاصم. فقال: أحسنت أيها النذير فسنوفي لك الكيل، ونعطيك ما لهؤلاء اللصوص من الأسلاب والخيل. فابتسم الشيخ من فوره، وقال: جدح جوين من سويق غيره. قال: قد رأيت ما لا يرى، فعند الصباح يحمد القوم السرى. ولما كان الغد أهاب بنا داعي الأمير، ونفحنا بصرة من الدنانير، فضممناها إلى أسلاب

стр. 4

اللصوص وخرجنا نجد المسير. ولما استوى الشيخ على القتب، أخذته هزة الطرب. فأنشأ يقول: أنا الخزامي سليل العرب ... أذهب بين الناس كل مذهب وألبس الجد ثياب اللعب ... وأستقي من كل برق خلب وأتقي باللطف كل مخلب ... وألتقي الرمح بلدن القصب ولا أبالي بالفتى المجرب ... لو أنه عمرو بن معدي كرب علي درع من نسيج الأدب ... تكل عنها ماضيات القضب ولي لسان من بقايا الحقب ... يقنص بالمكر أسود الهضب والصدق، إن ألقاك تحت العطب، ... لا خير فيه فاعتصم بالكذب بمثل هذا كان يوصيني أبي قال: فلما فرع من إنشاده، تزمل ببجاده. وقال: يا قوم اتبعوا من لا يسألكم أجراً، ولا تستطيعون بدونه نصراً. ثم انطلق بين أيدينا كالدليل، وهو يمزج الوخد بالذميل، إلى أن نشرت راية الأصيل. فنزلنا وارتبطنا الأنعام، وأضرمنا النار للطعام. وقال

стр. 5

الشيخ حتى دنا من ناقتي فحل العقال، وأخذ يتخطى ويتمطى ذات اليمين وذات الشمال. فنفرت الناقة في مجاهل تلك الأرض، وجعل يستوقفها زجراً فتشتد في الركض. فبادرت أعدو إليها حتى استأنست من النفار، ورجعت بها أتنور تلك النار، وإذا الشيخ قد أخذ كل ما هناك وسار. فصفقت صفقت الأواه، وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم عمدت إلى عقال ناقتي المجفلة، وإذا طرس قد عقل به مكتوباً فيه بعد البسملة: قل لسهيل: لست بالمغبون، ... لولاي ذقت غصة المنون فأنت والناقة في يميني ... ملك بحق ليس بالمنون لكن عفوت عنك كالمديون ... وهبته الدين لحسن الدين فقدم الشكر إلى ميمون! قال: فعجبت من أخلاقه، وأسفت على فراقه. ووددت على ما بي من الفاقة، ولو مكث واستتبع الناقة. المقامة الثانية وتعريف بالحجازية

стр. 6

حدث سهيل بن عباد قال: نهضت من الأهواز، أريد قطر الحجاز. فخرجت أطوي السباسب والبسابس، في عصبة من أولي الخلابس. فكنت أتفكه منهم بالحديث، وأنتقل منه بالقديم إلى الحديث. وما زلنا نظعن في المفاوز ونضرب، حتى دخلنا مدينة يثرب. فأقمنا بها غرار شهر، كغرة في جبين الدهر. وبينما نحن في ليلة بين الرحال، إلى جيرة بمكان الكليتين من الطحال. سمعنا زفرة متنهد، يليها صوت كئيب ينشد: يا من يرد علي ما فقدت يدي ... هيهات ليس يرد أمس إلى الغد! فقدت يدي طيب الحياة! وهل ترى ... لي مطمع في الغابر المتجدد؟ ماذا يفيد العيش صاحب كربة ... لهفان يمسي في الهموم ويغتدي؟ الموت أطيب من حياة مرة ... تقضى لياليها كقضم الجلمد! مضت الليالي البيض في زمن الصبا ... وأتى المشيب بكل يوم أسود

стр. 7

يا حبذا ما فر من أيامنا ... لو كان يمسك عندنا كمقيد! أنفقت صفو العيش حتى إنه ... لم يبق لي إلا ثمال المورد يا ليت ذي الأكدار أول معهد ... كانت، وذاك الصفو آخر معهد ويحي! متى أمسي ولي نفسٌ بلا ... صعد وأنفاس بغير تصعد؟ ما كنت أحسد سيداً في ملكه ... واليوم أحسد عبد عبد السيد! قال: فلما سمع القوم لهجته الشجية، ورأوا ما له من سلامة الشجية. رقت أفئدتهم عليه، وصبت عواطفهم إليه. وقالوا: هل لنا من يطرق مضجعه، ويؤنسنا بالتمازج معه؟ فما عتم الرجل أن وقف بنا منتصباً، وأنشدنا مقتضباً: أنا الذي ساح البلا في ساحتي ... أباح سري واستباح باحتي! روحي كريحاني، وراحي راحت ... ريحاً، فراحت راحتي من راحتي! فاستحلى القوم هذا التجنيس، وأحلوا الرجل محل الأنيس. ثم استطلعوه طلع أمره، وما ذاق من خله وخمره. فقال: يا كرام العرب، وكعبة الأرب. إني لقد كنت أفري وأقري وأفدي وأسدي. وما زلت ألبس وأطعم، وأجيز وأنعم. حتى ذهب ما في السفط جزافاً،

стр. 8

ونفد ما في الكظيمة استنزافاً. فصرت أجوع من ذؤالة، وأعطش من ثعالة. وإني لطالما كانت تصدع وطأتي الصفا، ويخدش براجمي السفا. فصرت أمشي بقدم الأخنب. وأبسط راحة الأكنب. ولم يبق لي الدهر سوى ولد، أذل فلما حان الهداء وآن البناء. قال ذووها: لا صهار، إلا بالإمهار. فنقدتهم ما راج، وخرجت أسعى بما غير كجابي الخراج. وقد أبرزت لكم حضيضتي، وبضيضتي. وأطلعتكم على عجري وبجري. فإن أحسنتم فأنا من الشاكري، وإلا فإني من العاذرين. فاستحسنوا إشارته، واستلطفوا عبارته. وقالوا: رحبت بك الدار، وحباه كل واحد

стр. 9

بدينار. فانثنى وهو يثني جميلاً، ويمشي ذميلاً. فلما أصبحت قصدت مثواه، لأصطبح بنجواه. وإذا هو صاحبنا ابن الخزام، وقد قام لديه ذاك الغلام. فقلت: أهذا الخطيب المعهود، فأين الملاك المشهود؟ قال: أرجو أن يكون خطيباً، فإني أراه لبيباً. ثم قال: يا بني إن الرامي بعلة الورشان، يأكل رطب المشان، وهذه إحدى حظيات لقمان، فإن رأيت ما سيكون ذهلت عما كان. واعلم أن العيش نجعة، والحرب خدعة. فإذا لم تغلب، فاخلب. وإذا

стр. 10

بليت بسوء المصير، فعليك بحسن التدبير. فلبثت عنده يومي أجمع، أتمتع بالمنظر والسمع. وهو يطرفني بما مر برأسه من العبر، ويحدثني بما ختل وختر، والخبر عندي يعضد الخبر. إلى أن زالت الشمس أو كادت تزول، فاستلقى على وسادته وأنشأ يقول: أعوذ بالمهيمن الفياض ... من أهل هذا الزمن المهتاض أسلمهم كالأرقم اللضلاض، ... يلسع كل قادم وماض! إياك يا صاح من التغاضي ... واحذر ولو من طلحة الفياض من عاشر الخلق بخلق راض، ... وباشر الجفون بالإغماض هيهات أن يخلو من انقباض، ... ما الختل يا بني من أغراضي! لكن تصدى الظلم لانتهاضي ... أن أدفع الأمراض بالأمراض والظلم من خبائث الحياض ... يُلجى إلى تدنس الأعراض لو أنصف الناس استراح القاضي

стр. 11

قال: ولما فرغ ارتجازه دعا بالطعام، وقطع الكلام. فجلسنا نتناول ما حضر، ثم قمنا نتذاكر السمر، في ظل القمر. إلى أن تهافت الليل، وما علي الكرى كل الميل. فأوغلت في النوم حتى حذتني قارصة الشمس، وإذا الشيخ قد ارتحل فساءني اليوم أكثر مما سرني أمس. المقامة الثالثة وتعريف بالعقيقة حكى سهيل بن عباد قال: بكرت يوماً بكور الزاجر، في معمعان ناجر، خوفاً من اصطكاك الهواجر. فأمعنت في السياحة، وجعلت أقطع ساحة بعد ساحة. حتى إذا تخللت بعض الغيطان، وقد سال عليها مخاط الشيطان. رأيت كتيبة من الرجال، على كثيب من الرمال، فبذلت في شاكلة الجواد المهماز، ورددت

стр. 12

صدور الأرض على الأعجاز. حتى أدركت القوم، في منتصف اليوم. وإذا جنازة قد أودعوها التراب، وشيخ على دكة قد افتتح الخطاب. فقال: يا كرام المعاشر والعشائر، وأولي الأبصار والبصائر، أرأيتم ما أحرج هذا البيت، وأسمج هذا الميت؟ طالما جد وكد، واشتد واعتد. وركب الأهوال، واحتشد الأموال. فانظروا أين ما جمع، وهل أتى بشيء منه إلى هذا المضجع. وطالما شمخ، وبذخ. وأسرف، واستطرف. وتأنق في الطعام والشراب، واستكرم المهاد والثياب، وتضمخ بالعبير والملاب. فاعتبروا كيف صار جيفة لا تطاق، وكريهة لا تستطيع أن تلحظها الأحداق. فإن كنتم قد ضمنتم الخلود، وأنتم اللحود. فتمتعوا بشهواتكم ملياً، واتركوا ما رأيتم نسياً منسياً. وإلا فالبدار البدار، إلى طرح العالم الغرار. فإن السعيد من نظر إلى دينه دون دنياه، وأخذ الأهبة لأخراه قبل أولاه والشقي من نظر قريباً، فبات خصيباً، وعاش رحيباً، وغفل عن يوم يجعل الولدان شيباً. ثم فاضت عيناه بالدموع، وأطرق برأسه من الخشوع. وأنشد:

стр. 13

واهاً لمن خاف الإله واتقى ... وعاف مشترى الضلال بالهدى وظل ينهى نفسه عن الهوى ... إن إلى الرب الكريم المنتهى وليس للإنسان إلا ما سعى ... نعم! وإن سعيه سوف يرى ما هذه الدنيا سوى طيف كرى ... فانتبهوا يا غافلين للسرى! وشمروا الذيل وبادروا الوحى ... من قبل أن يدعوكم داعي الردى واطرحوا كل نعيم وغنى ... واستهدفوا لوقع أسهم البلى وأقرضوا الله فنعم من وفى ... ما أجهل الناس وأذهل النهى لو أن هذا المال في هذا الورى ... قال: ألست ربكم؟ قالوا: بلى ولما فرغ من أبياته زفر زفرة الضرام، وقال: "كل من عليها فإن، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، ونزل وهو يمسح عبراته بفضلة اللثام. فخيل للقوم أنه قد هبط من السماء، وقالوا هذا ممن يمشي على الماء. ثم أقبلوا يهرعون إليه، وطفقوا يقبلون يديه، ويتبركون بمس برديه. وأتحفه كل منهم بما شاء، وقالوا له: الدعاء الدعاء! فلما أحرز المال هب إلى الفرس، بأسرع من رجع النفس. وقام القوم فودعوه، ثم

стр. 14

تطرقوا فشيعوه. فلما أبعد عن الربوة، قيد غلوة. إذا امرأة كأنها من حور الجنان، تنتظره على المكان. فتأفف وقال: يا لكاع! لولا حاجة الرفاق، لأشهدت عليك بالطلاق. فقالوا: ما هذه الجارية، يا مبارك الناصية؟ قال: هي امرأة لي صحبتها في هذه الرحلة، لتخفف عني بعض الثقلة. فأنضاها الكلال حتى لا تستطيع أن تمشي فنذهب، ولا أستطيع أن أترجل لتركب. فتقدم إليها فتى ببرذونة قد امتطاها، وقال: اركبي باسم الله مجراها. فقال الشيخ: جزاك الله خير الجزاء وجزاء الخير، ثم أقسم على القوم فعادوا وكأن على رؤوسهم الطير. قال سهيل: وكنت قد عرفت حين أماط اللثام، أنه ميمون بن خزام. فقلت: إن الشيخ قد أتى الله بقلب سليم: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. بيد أني طويت عنه كشحي، لأعلم هل أصاب

стр. 15

قدحي. فتراجعت مع الراجعين، وتوليت عنه حتى حين. فمكثت هنيهة أترقبه، ثم انبعثت أتعقبه. حتى انتهى إلى دسكرةٍ في الطريق، بجانب العقيق. فنزل عن الحجر. واعتزل إلى حجرة، وافترش اريكته في ظل حجرة. فاعتسفت إليه من بعض الجوانب، وكمنت له كالضاغب. وإذا به قد احتجر دستجة من الراح، كزجاجة فيها مصباح. وأخذ يتعاطى الأقداح، ويغازل تلك الخود الرداح. فلما لعبت بعطفيه الشمول، مال على أحد جانبيه وأنشأ يقول: سقى الغمام ترب ذاك القبر ... فقد سقاني من لذيذ الخمر ما لم أذق نظيره في العمر ... أفادني في اليوم قبل العصر ما لست أستفيده في الشهر ... وإن أكن ركبت إثم السكر فقد أفدت القوم عند الذكر ... مواعظاً تلين صلد الصخر فنلت من ذاك عظيم الأجر ... وصرت أرجو أن يقوم عذري عند الإله في مقام الحشر ... بأنني كفرت قبل الوزر

стр. 16

قال: فلما فرغ من إنشاده المريب، طلعت عليه طلعت الذيب، وقلت: السلام على الخطيب. فأجفل إجفال الحمل، وقال: سبق السيف العذل. إذا كنت طفيلياً، فلا تكن فضولياً. قلت: فمن التي تشرب الكأس من يديها؟ أحليلة بنيت بها أم خليلة أنست إليها؟ قال: إن بينهما نقطة فلا تحاسب عليها. والآن قد غلبتني سورة المدام، وتلعثم لساني عن الكلام، فاذهب الليلة بالسلام. وإذا التقينا غداً برزت لك المكنون، ودرأت عنك الظنون. قال: فعلمت أنها

стр. 17

من خزعبلاته، لكنني أجريته على علاته. فثنيت عنه عناني، وانثنيت لشاني. المقامة الرابعة وتعرف بالشامية أخبر سهيل بن عباد قال: دخلت يوماً على صاحب لي بالشام، أعوده من داء البرسام. فجلست بإزائه، وأنا أستخبره عن دائه. وبينما هو يبث شكواه، ويتأوه لبلوه. إذا قيل: قد جاء الطبيب، فقلت: قطعت جهيزة قول كل خطيب. ونظرت فإذا رجل قد أقبل يجر ذيل طيلسانه، ويقرع أديم الأرض بصولجانه. حتى دخل فسلم، ثم جلس معرضاً ولم يتكلم. فتوسمته وإذا هو شيخنا ابن خزام، فاحتفزت للقيام، وأردت أن أستأنف السلام. فأومض إلي بجفنيه، واستوفقتي عن التسليم عليه. فقال له المريض: يا مولاي أرى أن

стр. 18

صدري قد ضاق، وتواتر علي الفواق. فقال: ذكر الأستاذ بقراط، أن ذلك يدل على نضج الأخلاط. وقد وصف له الإمام ابن عاتكة، أن يسقى شراب الملائكة. لكنه لا يشترى إلا بمائة درهم، فإن بذلتها نجوت من البلاء الأدهم. فدفعها إليه وقال: حباً وكرامة، إن ظفرت بالسلامة. قال: وكان أهل المريض قد استضعفوا رجاء الشفاء، ورأوا طبيبهم كالكاتب على صفحات الماء، فاستحضروا بعض نطس الأطباء. ووافق تلك الساعة وفده عليه، فدخل وهو يتهادى بين برديه، ثم جلس والشيخ يصوب طرفه ويصعده إليه. فقال: إن شئت أن تتحفنا بمعرفتك، فذلك من عارفتك. قال: أنا من أطباء جزيرة العرب، كنت قد انتصبت للتدريس حتى انقطع الطلب. فاعتزلت عن مزاولة العلاج واصطناع الأدوية، وخرجت أتفقد العقاقير في الجبال والأودية، فعظم الشيخ في عين الطبيب، وأراد أن يسبر غوره ليرى أيخطئ ظنه أم يصيب. فقال: يا مولاي إني رجل من المتطببين،

стр. 19

وقد عثرت على مسائل أنا منها بين الشك واليقين. قال: على الخبير بها سقطت، فسل عما التقطت. فإن وجدت لذلك عبرة، أعطيتك الجواب صبرة. قال: كيف يتركب السرسام، مع البرسام؟ وما هي مقادير الأخلاط بالنسبة إلى بعضها في الأجسام؟ وما هو المراد عند الأول، بقسمة الطب إلى علم وعمل؟ وما هي الكيفية المنفعلة والكيفية الفاعلة؟ وما هي الأسباب السابقة والبادية والواصلة؟ فقال: الله أكبر إن الحديث ذو شجون، وإن لك أجراً غير ممنون. لقد ذكرتني مائة من المسائل، جمعتها في بعض الرسائل. وهي مما يشكل على

стр. 20

الألباء، وتناقش به فحول الأطباء. فإن شئت جعلنا الساعة موعداً، وأتيناك بها غداً. قال: ذاك إليك، فنهض وقال: السلام عليك. وخرج وهو قد اعتضد الصولجان، وانساب انسياب الأفعوان. قال سهيل: فابتدرت الخروج على الأثر، قبل أن يتوارى عن النظر. فأدركته عن أمد يسير، وهو ينشد كحادي البعير: الحمد لله وللفرار ... فقد نجوت من فضوح العار! أفلت من جرادة العيار ... ما لي وللنضال والحوار ما أنا بالرازي ولا البخاري ... وليس لي في الطب من أسفار أدرسها في الليل والنهار ... وسائل مماحك مهذار يسألني عن غامض الأسرار ... جعلت مثل الخادع الغرار موعده الساعة فوق النار ... فقل له: صبراً على انتظاري!

стр. 21

قال: فما استتم الإنشاد، حتى وقفت له بالمرصاد. وقلت: عهدتك بالأمس خطيباً، فمتى صرت طبياً؟ فقال: ألبس لكل حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها. دخلت يا ابن أخي هذا البلد، وأنا غريب لا سيد لي ولا

стр. 22

لبد. فرأيت الأديب عند أمته، أهون من قعيس على عمته. فلما رأيتهم معارج لا ترتقى، وأراقم لا تقبل الرقى، جردت المبضع والمشراط، وسأستغفر الله لي ولهم إذا وقفنا على الصراط. قال: وبينما نحن كذلك إذ صاحت الصوائح، وعلا ضجيج النوائح. فقلت له: قاتلك الله ما أقتلك، وأحبط علمك وعملك. قد كنت أهون من قعيس، فصرت أشأم من طويس. لو رمى الله بك أصحاب الفيل، أغنيت عن الطير الأبابيل. فنظر إلي شزراً، وأنشد يقول شعراً: لا خير في الناس دعني ... أفتك بهم، يا فلان

стр. 23

فليس فيهم رجاء، ... وليس منهم أمان يا ليت ألف طبيب ... مثلي يسوق الزمان! فكلما قصر العيش ... يقصر العصيان! فخف عنهم عذاب ال ... أخرى وقل الهوان! ثم قال: هذه معذرتي فإن شئت القبول، وإلا فدع عنك الفضول، وإذا فارقتني فقل ما شئت أن تقول. ثم ولى يهرول، والنائحات تولول. وهو يقول: لو قدرت أن أدفع الموت لبقيت إلى الأبد، ولو شفى الطبيب كل مريض لم يمت أحد. فرجعت أقول: ههنا كل العجب، لا بين جمادى ورجب.

стр. 24

المقامة الخامسة وتعرف بالصعيدية أخبر سهيل بن عباد قال: دخلت مجلس قاضي الصعيد، وقد جلس للتهنئة بالعيد. فبينما دنوت إليه، وسلمت عليه. دخلت امرأة غضة، كأنها برج فضة. وقالت: السلام عليك أيها المولى، ولا زلت بالكرامة أولى فأحسن رد السلام، وقال: ما وراءك يا عصام؟ قالت: إنني امرأة من كرائم العقائل، وكرام القبائل. قد خطبني إلى والدتي العجوز، رجل يدعي أنه من أصحاب الكنوز. وقد جعل كل ماله لي

стр. 25

وقفاً، وصرفني في بيته عيناً ووصفاً. فلما حضرت إلى بيته وجدته كبيت العنكبوت، لا شيء فيه من الأناث والقوت. وهو قد أمسكني جبراً، وكلفني ما لا أستطيع عليه صبراً. فمره إن شئت بالإنفاق، وإلا فالطلاق. فأشار القاضي إلى الغلام بإحضاره، والمرأة دليلة له في آثاره. فما كان إلا كقراءة هل أتى، حتى عادت المرأة والفتى. وبين أيديهما رجل طويل القامة، كبير العمامة. فتقدم إلى القاضي وهو يقول: أيد الله الجالس على بساط الرسول. قال: أيد الله الحق المبين، وعصمنا وإياك بحبله المتين. ما تقول في دعوى هذه الجارية؟ وما أدراك ما هيه. قال: هي فرية وسوس بها إليها الشيطان، ومرية ما أنزل الله بها من سلطان. قال: فادفع عن نفسك بالتي هي أحسن، ولا تجادل في أشياء إن تبد لك تسوؤك فتحزن. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أشار إلى القاضي وأنشد بصوت رخيم: أنا أبو ليلى أخو العجاج ... وصاحب الأرجاز والاحاجي عندي من العلم لدى المناجي ... كنز، ومن مطارف الديباج

стр. 26

ما ليس من صناعة النساج، ... لكنني من قلة الرواج قد اشتريت دملجاً عن عاج ... بدرهم كالقمر الوهاج كنت أصونه إلى احتياج ... إذ لم أكن لغيره براج فذاك مالي، يا أبا فراج، ... جعلته في يد بنت الناجي وقفاً لها، فلست بالمداجي ... وهي على بيتي كالحجاج تحكم في الإدخال والإخراج ... من غير عرضة ولا حجاج مصونة في أحصن الأبراج ... آمنة من طارق مفاج مرتاحة من كل ذي إزعاج ... لا تحمل الزيت إلى السراج ولا تعاني الرحض للسناج ... وطاجن الفالوذ والسكباج وعرن الكباش والنعاج ... فلم تزل صحيحة المزاج نقية من وضر الأمشاج ... غنية عن خطر العلاج والمرء لا يرضى ولو بالتاج

стр. 27

قال: وكان المجلس حافلاً بأهل العيد، ومزدحماً بالأحرار والعبيد. فعجبوا من بداهة الرجل وفكاهته، ونزهة لفظه ونزاهته. وقالوا: ما نراه أخطأ في الدعوى، لكنها أخطأت في الفجوى. فليجبر قلبها كل واحد بدينار، ولنجعلها زكاة عيد الإفطار. ثم حصبها كل بدينار حسب وعده، وقالوا لها: أنفقي مما رزقك الله حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده. فاستشاط الرجل وقال: أراكم قد أمرتموها بالإنفاق فقد جعلتموها لي بعلاً، وجعلتموني لها أهلاً. فلا تلبث أن تقول: قد استنوق الجمل، وتطلقني البتات لعكس العمل. قالوا: لله درك أيها الجندلة، فما تقول في المسألة؟ قال: قد رأيتم في الكتاب رأي العين، أن للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن أحسنتم فإليكم، وإلا فكتاب الله عليكم. قالوا: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فقد أحسنت وما جزاء

стр. 28

الإحسان إلا الإحسان. فاشرأب الرجل واستطال، وأقبل على القاضي وقال: إن أخطأت جارية في الفهم ... لا يخطئ القاضي المتين العلم في فهم شكواي وفرض السهم فقال القاضي: شهد الذي أخرج المرعى، أنك تريد أن تلسع الأفعى. فخذ هذه الجدوى، على أن لا تحضرني بدعوى. فلما أحرز الرجل ما أعطاه، برزت المرأة كالسعلاة. وقالت: أيد الله القاضي إن الدعوى من قبلي، فقد كان ذلك لي. فأطرق القاضي إطراق المشفق، وقال: إن البلاء موكل بالمنطق. ثم قال

стр. 29

الشرطي: إني أراهما يتداولان مكر الليل والنهار، ويصلان الدرهم بالدينار. فخذهما بهذه السفتجة، واكفني كربة الحشرجة، وأربة السمرجة. قال سهيل: ولما أراد الرجل الخروج عطف إلي، وقد أغمض إحدى عينيه لتخفى معرفته علي. وقال: أعيذك بالله أن لا تكون من الناس، فإن اعتذرت فلا باس. قلت: ليس معي إلا دينار واحد فاقتسماه، وإلا فنظرة إلى ميسرة من رزق الله. قال: نعم ولكن إذ تخلصت قائبة من قوب، فإياك مطل عرقوب. ثم خرج فانطلقت في أثره، لأقف على كنه خبره. فلما أبعد عن دار القضاء، واقتضى

стр. 30

سفتجته البيضاء، فتح الشعرى الغميضاء. فإذا هو صاحبنا ميمون بعينه، وقد انتفض العور من عينه. فابتهجت بمرآه، وابتهجت بملتقاه. وقلت له: ما خطبك وهذه الجارية، ومتى تزوجت في البادية؟ قال: هي في البيت ابنتي، وفي المحكمة زوجتي. ثم أنشد: خبث الدهر، فصارت ... أنفس الناس بخيله وإذا حالك ساءت، ... فليكن عندك حيله ثم غمز بأناملة مرفقي، وقبل مفرقي، وقال: أستودعك الله إلى أن نلتقي. المقامة السادسة وتعرف بالخزرجية قال سهيل بن عباد: دخلت بلاد العرب، في التماس بعض الأرب.

стр. 31

فقصدت نادي الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج. فلما صرت في بهرة النادي، أخذ بمجامع فؤادي. فجلست بين القوم ساعة، وأنا أحدق إلى الجماعة. وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تصدر في ذلك المقام. وهو يقول: من أراد أن يعرف جهينة، أو شاعر مزينة. فليحضر ليسمع ويرى=فإن كل الصيد في جوف الفرا. فعمد إليه رجل وقال: أطرق كرى، إن النعامة في القرى. فقال الشيخ: كل فتاة بأبيها معجبة، فكن سائلاً أو مسؤولاً لنرى ما في القداح من الأنصبة. قال: إنما يسأل العالم، فما هي

стр. 32

أسماء المطاعم؟ قال: لبيك وسعديك! وأنشد كهزار الأيك: للنفساء الخرس والعقيقه ... للطفل عند عارف الحقيقة كذلك الإعذار للختان ... وذو الحذاق حافظ القرآن للخطبة الملاك والوليمة ... للعرس والميت له الوضيمه وللبناء جعلوا الوكيره ... ولهلال رجب العقيره وقيل تحفة لزائر يرد ... وشندخ لما يضل إذ وجد كذا نقيعه القدوم من سفر ... ثم القرى للضيف عندما حضر وحيثما لم يك من ذاك سبب ... فإنها مأدبة عند العرب وإن تعم دعوة فالجفلى ... تدعى وإن خصت فتلك النقرى قال: أحسنت يا ضريب الضرب، فما هي نيران العرب؟ فأنشد: أول نار عندهم نار القرى ... وذكر نار الوسم بعدها جرى ونار الاستسقاء والتحالف ... والصيد والحرب لدى التزاحف

стр. 33

ونار غدر وسلامة تعد ... ونار راحل كذا نار الأسد والنار للسليم والفداء ... فجملة النيران هؤلاء قال: أعتقك الله من النار! فهل تعرف ساعات النهار؟ فأنشد: أول ساعة من النهار ... هي البكور والبزوغ طار والرأد والضحى المتوع بعد ... ظهيرة ثم الزوال عدوا فالعصر فالأصيل ثم الطفل ... وبالحدور والغروب تكمل قال: قد أسبغت الذيل، فهل تعرف ساعات الليل؟ فأنشد: أول ساعة من الليل الشفق ... وبعدها العشوة يتلوها الغسق فهدأةٌ ثمت شرعٌ ثم قل ... جنح وزلفة هزيع يا رجل وبعد ذاك غبش وسحر ... والفجر والصبح الذي ينفجر قال: قد درأت الشبهات، فهل تعرف رياح الجهات؟ فأنشد: ما هب من شرق فذلك الصبا ... ثم الجنوب عن يمين ذهبا ثم الشمال والدبور، وجرت ... نكباء بين كل ريحين سرت فذلك الأزيب ثم الصابيه، ... فالهيف ثم الجربياء آتية

стр. 34

قال: قد جلوت الرموز، وفتحت الكنوز، فهل تعرف أيام برد العجوز؟ فأنشد: صن وصنبر ووبر يذكر ... وبعده الآمر والمؤتمر كذا معلل ومطفي الجمر ... هاتيك أيام العجوز فادر قال: حييت يا قطب للعراق، فما أسماء خيل السباق؟ فأنشد: أول سابق هو المجلي ... ثم المصلي بعده المسلي تال ومرتاح عليه يقبل ... والعاطف الحظي والمؤمل كذلك اللطيم والسكيت ... فاحفظ فما أعطيت قد أعطيت قال: لله درك! لقد جمعت فأوعيت، وقدحت فأوريت. فإن شئت فسل، قال: أجل، ولكن خلق الإنسان من عجل. فإن أبطأت في الجواب فلي عليك ناقة حمراء، وعلى قومك فرس غراء. قال: هات

стр. 35

وبالله التوفيق، إلى سواء الطريق. فقال: ما هي برق العرب المذكورة وداراتها المشهورة؟ فضاق الرجل ذرعاً في الجواب، وقال: اللهم اهدنا صراط الحق والصواب. ثم قال: قد وجبت راحلة الشيخ علينا، ليسهل وفده إلينا. فقال الشيخ: قد علمتم يا قوم أن لخير معقود بنواصي الخيل، وهي التي ينجو بها الوافد من جوارح النهار وطوارق الليل. قالوا: كلاهما وتمراً، فقد فرضنا لكل بيت صلة أخرى، على أن تكتبها لنا سطراً فسطراً. ففعل وقال: الشرط أملك، عليك أم لك. فجاؤوا بناقة وجناء وفرس كميت، وشاة لكل بيت. فأنكر الشيخ الشويهات، قد اذخرت شيئاً فأنشده لنجيزه سريعاً. فضحك الشيخ

стр. 36

على الأثر، وقال أريها الشهى وتريني القمر. إن هذه الأبيات مشطورة توهم الأنصاف، لكنها تحسب أبياتاً عند الإنصاف، وإلا لما جاز في قوافيها ما رأيتم من الخلاف. فإن تمسكتم بالعروة الوثقى، وإلا فالله خير وأبقى. فقالوا: لله درك ما أقواك في الحجة، وأهداك إلى المحجة! وقد رضينا بما حكمت، فخذ ما احتكمت. قال: فاعتمد على عصاه وقال: رب ثبت قدمي، واشد عصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي. ثم أشار إلى المشهد وأنشد: من كان يبغي السير في المنهج ... فليأت نادي الأوس والخزرج يلق الغطاريف الألى همهم ... رب القنا لا ربة الهودج

стр. 37

يدكون نيران القرى في الدجى ... وينحرون الكوم في السجسج إذا دعا الداعي استقامت له ... خيل نسبناها إلى أعوج فقد جزيناهم بما ذكره ... يبقى بقاء الجبل الأصلج فقالوا: قد تفضلت علينا في الثناء، فلك اليد البيضاء. وهذه نفقة لسفرك، فسر مسروراً بظفرك. قال: فلما فصل عن النادي، قفوته إلى الوادي. وقلت له: هنياً مرياً، لقد جئت شيئاً فرياً. فأنى لك هذا السجال، وكيف أجبت كل سؤال بالارتجال؟ قال: يا ابن أخي الحق أولى أن يقال. شهدت سوق عكاظ، وتخللت تلك الأوشاظ، فسمعتهم يتناشدون القطعة والبيت،

стр. 38

ويتذاكرون من كيت وذيت. فالتقطت منهم ما التقطت، وسقطت به على من سقطت. ثم أشار إلي بعصاه، وأنشد وهو يسوق الشياه: ترى عيني تقر وعين ليلى ... تراقب عودتي حيناً فحينا تُسائِلُ عن أبيها كل ركب ... فلا تدري له خبراً يقيناً نذرت لها الفراهيد اللواتي ... أعود بها وأحرجت اليمينا تضيف بها بنات الحي يوماً ... كما قد كنت أصنع للبنينا ولما فرغ من إنشاده، تمطى في بداده، على جواده، ثم ودعني وانطلق، وأودعني القلق. فأتبعته عيني إلى أن غاب، ورجعت أستمطر له السحاب. المقامة السابعة وتعرف باليمنية حكى سهيل بن عباد قال: لفظتني أحداث الزمن، إلى مشارف اليمن. فحللتها أنكر من شيء، وأنقل من فيء. لا أعرف بها جليساً، ولا أجد لي أنيساً. فلما مللت الإقامة فيها، هممت بالرحيل عن

стр. 39

فيافها. فرأيت رجلاً في الرحال، يطالب شيخاً بمال. والشيخ يتبرأ من طلبه، ما لم يحكم الشرع به، فتنافذا إلى القاضي بسببه. قال: وكنت قد تبينت أن الشيخ صاحبنا ميمون، فابتهجت كأني أوتيت مال قارون، وتبعته إلى دار القضاء لأنظر ماذا يكون. فلما دخلا على القاضي حياة الشيخ بالسلام، وقال: أيد الله شرع الإسلام. فكأن القاضي نظر إلى رثاثة برديه، فلم يحفل بالرد عليه، فأخذت الشيخ الحمية، حمية الجاهلية. وقال: أراك قد ارتكبت الخلة المنهي عنها، فقد قال الكتاب: إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. فإن كنت تعتبر الخرق دون الأخلاق، فتلك مدارج الخز في الأسواق، وإلا فانظر إلى الألباب دون الجلباب. فإن المرء بأصغر به، لا بثوبيه، قال: فخجل القاضي واعتذر إليه، وقد عظم في عينيه. وقال هل للشيخ دعوى ترفع؟ قال: لا بل لصاحبنا دعوى لا تسمع. فأشار القاضي إلى الرجل، وقال: تقدم فقل. فقال: يا مولاي لا تطعم العبد الكسراع، فيطمع في الذراع. إن هذا الشيخ استأجر مني ناقة

стр. 40

مهرية، في الديار المصرية. وقال: إذا بلغنا اليمن لا أسلمك الزمام، حتى أسلمك الأجرة عن تمام. فرخصت له في النسيئة، وغفلت عن الخبيئة. فلما بلغنا موطىء القدم، إذا هو أضبط من عائشة بن عثم. فأمسك المطية، فضلاً عن العطية. فقال القاضي: ما تقول يا أيها الشيخ في دعواه؟ فضحك حتى استلقى على قفاه. وقال: قد جعلت تسليم الأجرة موعداً لتسليم الزمام، فأنا لا أسلمه الأجرة والسلام. فعجب القاضي لافتنانه، وأعجب بسحر بيانه، وخاف من ظبة لسانه. فقال للرجل: نجعلها بين بين، خذ العين، واترك الدين، فويل أهون من ويلين. فقال: إذا لم يكن غير هذا عند المولى، فالرضى به أولى. ولما خرج الرجل لشانه، أشار القاضي إلى بعض غلمانه. وقال له: شيع الشيخ إلى بحبوحة الربع، وخذ منه دينار المنع، فقال الشيخ: أراك أيها الإمام، قد جعلت زادك مخ النعام. ولقد بلوتك لأرى هل تحكم
следующие страницы →