Полный текст (414 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
على الأثر، وقال أريها الشهى وتريني القمر. إن هذه الأبيات مشطورة توهم الأنصاف، لكنها تحسب أبياتاً عند الإنصاف، وإلا لما جاز في قوافيها ما رأيتم من الخلاف. فإن تمسكتم بالعروة الوثقى، وإلا فالله خير وأبقى. فقالوا: لله درك ما أقواك في الحجة، وأهداك إلى المحجة! وقد رضينا بما حكمت، فخذ ما احتكمت. قال: فاعتمد على عصاه وقال: رب ثبت قدمي، واشد عصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي. ثم أشار إلى المشهد وأنشد:
من كان يبغي السير في المنهج ... فليأت نادي الأوس والخزرج
يلق الغطاريف الألى همهم ... رب القنا لا ربة الهودج
стр. 37
يدكون نيران القرى في الدجى ... وينحرون الكوم في السجسج
إذا دعا الداعي استقامت له ... خيل نسبناها إلى أعوج
فقد جزيناهم بما ذكره ... يبقى بقاء الجبل الأصلج
فقالوا: قد تفضلت علينا في الثناء، فلك اليد البيضاء. وهذه نفقة لسفرك، فسر مسروراً بظفرك. قال: فلما فصل عن النادي، قفوته إلى الوادي. وقلت له: هنياً مرياً، لقد جئت شيئاً فرياً. فأنى لك هذا السجال، وكيف أجبت كل سؤال بالارتجال؟ قال: يا ابن أخي الحق أولى أن يقال. شهدت سوق عكاظ، وتخللت تلك الأوشاظ، فسمعتهم يتناشدون القطعة والبيت،
стр. 38
ويتذاكرون من كيت وذيت. فالتقطت منهم ما التقطت، وسقطت به على من سقطت. ثم أشار إلي بعصاه، وأنشد وهو يسوق الشياه:
ترى عيني تقر وعين ليلى ... تراقب عودتي حيناً فحينا
تُسائِلُ عن أبيها كل ركب ... فلا تدري له خبراً يقيناً
نذرت لها الفراهيد اللواتي ... أعود بها وأحرجت اليمينا
تضيف بها بنات الحي يوماً ... كما قد كنت أصنع للبنينا
ولما فرغ من إنشاده، تمطى في بداده، على جواده، ثم ودعني وانطلق، وأودعني القلق. فأتبعته عيني إلى أن غاب، ورجعت أستمطر له السحاب.
المقامة السابعة وتعرف باليمنية
حكى سهيل بن عباد قال: لفظتني أحداث الزمن، إلى مشارف اليمن. فحللتها أنكر من شيء، وأنقل من فيء. لا أعرف بها جليساً، ولا أجد لي أنيساً. فلما مللت الإقامة فيها، هممت بالرحيل عن
стр. 39
فيافها. فرأيت رجلاً في الرحال، يطالب شيخاً بمال. والشيخ يتبرأ من طلبه، ما لم يحكم الشرع به، فتنافذا إلى القاضي بسببه. قال: وكنت قد تبينت أن الشيخ صاحبنا ميمون، فابتهجت كأني أوتيت مال قارون، وتبعته إلى دار القضاء لأنظر ماذا يكون. فلما دخلا على القاضي حياة الشيخ بالسلام، وقال: أيد الله شرع الإسلام. فكأن القاضي نظر إلى رثاثة برديه، فلم يحفل بالرد عليه، فأخذت الشيخ الحمية، حمية الجاهلية. وقال: أراك قد ارتكبت الخلة المنهي عنها، فقد قال الكتاب: إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. فإن كنت تعتبر الخرق دون الأخلاق، فتلك مدارج الخز في الأسواق، وإلا فانظر إلى الألباب دون الجلباب. فإن المرء بأصغر به، لا بثوبيه، قال: فخجل القاضي واعتذر إليه، وقد عظم في عينيه. وقال هل للشيخ دعوى ترفع؟ قال: لا بل لصاحبنا دعوى لا تسمع. فأشار القاضي إلى الرجل، وقال: تقدم فقل. فقال: يا مولاي لا تطعم العبد الكسراع، فيطمع في الذراع. إن هذا الشيخ استأجر مني ناقة
стр. 40
مهرية، في الديار المصرية. وقال: إذا بلغنا اليمن لا أسلمك الزمام، حتى أسلمك الأجرة عن تمام. فرخصت له في النسيئة، وغفلت عن الخبيئة. فلما بلغنا موطىء القدم، إذا هو أضبط من عائشة بن عثم. فأمسك المطية، فضلاً عن العطية. فقال القاضي: ما تقول يا أيها الشيخ في دعواه؟ فضحك حتى استلقى على قفاه. وقال: قد جعلت تسليم الأجرة موعداً لتسليم الزمام، فأنا لا أسلمه الأجرة والسلام. فعجب القاضي لافتنانه، وأعجب بسحر بيانه، وخاف من ظبة لسانه. فقال للرجل: نجعلها بين بين، خذ العين، واترك الدين، فويل أهون من ويلين. فقال: إذا لم يكن غير هذا عند المولى، فالرضى به أولى. ولما خرج الرجل لشانه، أشار القاضي إلى بعض غلمانه. وقال له: شيع الشيخ إلى بحبوحة الربع، وخذ منه دينار المنع، فقال الشيخ: أراك أيها الإمام، قد جعلت زادك مخ النعام. ولقد بلوتك لأرى هل تحكم
стр. 41
بالقسط بين الناس، فوجدتك تميل إلى حيث ترجو ثمالة الكأس، أو تجهل إخراج القضايا على مقتضى القياس. فلأهجونك بما لم يهج به قاض من قبل، ولأشكونك إلى من يؤدبك بالعزل، أو تشتري عرضك مني ولي عليك الفضل. فندم القاضي على قضائه الخاسر، وقال: هذا جزاء مجير أم عامر. ثم أقبل على الشيخ وقال: قد فرضت في مالي من الزكاة نصاباً، فخذه وسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً. قال: فلما قبض الشيخ الذهب، نهض وقال لي: يا رجب، خذ من القاضي دينار الأدب. فقال القاضي: إنني بحكمك راض، فاقض ما أنت قاض. فتلقفت الدينار وخرجنا للحين، والقاضي يقول: إن الله لا يضيع أجر المصلحين. ولما فصلنا عن المكان، دعوت الشيخ إلى منزلي بالخان. فقال: إن نفسي لا تطيب بمقام، حتى أفتقد الناقة والغلام. قلت: وما ذاك يا حمة العقرب؟ فضحك حتى استغرب. وقال: أما الناقة فركوبتي التي جرت على أجرتها المخاصمة، وأما الغلام فخصمي الذي رأيته في المحاكمة. فقلت: وماذا حملك، على أن تحبط عملك؟ قال. وصلت إلى
стр. 42
هذه البلاد، وقد خلت وفضتي من الزاد، فتوصلت إلى القاضي بسبب لعلمي أنه أطغى من فرعون ذوي الأوتاد، وأبخل من كلاب بني زياد. ورصدت له حتى طلب دينار القضاء، فكان عليه أشأم من رغيف الحولاء. فقلت له: لله درك ما أطول باعك، وأهول قاعك! قال: من ليس يؤخذ بالبنان، فخذه بالسنان. ثم انساب بي إلى منزله كالحباب، وإذا غلامه الذي كان يخاصمه بالباب. فأشار إليه وأنشد:
هذا غلامي الذي خاصمته ... إني لمثل ذلك استخدمته
حتى إذا الصيد أتى قاسمته ... بما كسوته وما أطعمته
وإن تمادى الدهر بي علمته ... ما قد أذعته وما كتمته
وهو مقام ولدي أقمته ... فإن ذخرت عنه أو حرمته
عاقبني الله فقد ظلمته
قال: فعجبت من أفانينه في المكر، وأساليبه في النظم والنثر. وعدلت إذ ذاك عن الرحيل إلى المقام، حتى أراد الشخوص إلى الشام، فانطلق
стр. 43
إلى دار الحرب وانطلقت إلى دار السلام.
المقامة الثامنة وتعرف بالبغدادية
قال سهيل بن عباد: حللت بالزوراء في بعض الأسفار، وأنا غريب الدار، بعيد المزار، فكنت أتردد فيها سحابة النهار، وأتفقد ما بها من المشاهد والآثار. حتى دخلت يوماً بعض المدارس، وإذا شيخنا الخزامي هناك جالس. والطلبة قد أقبلوا عليه، وأحدقوا به وإليه. فسلمت عليه تسليم المشوق، وابتهجت به ابتهاج العاشق بلقاء المعشوق. وجلسنا نتشاكى النوى، ونتباكى للجوى.. وإذا امرأة تنادي يا شاري اللبن، الرخيص الثمن. وهي في أثناء الكلام، تتلاعب في الإعراب على الثلاثة الأحكام. فعجبوا لافتنانها، وتاقت أنفسهم إلى استنباط بيانها.
стр. 44
فدعتها ألسنتهم للشراء، وأفئدتهم للمراء. فجاءت حتى وقفت بالباب، وأرسلت النقاب، وقال: السلام يا أهل الكتاب، قالوا: سلام يا كريمة الأعراب! فما بالك تلحنين في الإعراب؟ قالت: أما سمعتم أن خير الكلام ما كان لحناً، أو لم تيأسوا أن الكتاب قد أقام له وزناً؟ قالوا: أعييتني بأشر، فكيف بدردر؟ إن كنت ممن يفسر الماء بالماء، فما نحن ممن يستجير بالنار من الرمضاء. قالت: شهد من
стр. 45
رفع القبة الخضراء، أني ما جئتكم إلا بالحنيفية البيضاء. لكنكم تشترون در الضوامر، وتستوهبون در الضمائر. فلما رأوا منها دهاء لقمان بن عاد، علموا أنها صخرة واد. فرضخ كل لها بدرهم، وقالوا: إن أعربت عن المعجم، نفحناك بالمشوف المعلم. قال: والشيخ بين ذلك يقلب وجهه في السماء، ويقول: سبحان من علم آدم الأسماء. فلما جلت المكنون، واجتلت الموزون. قال: يا أولي الألباب، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. وإلا ففوق كل ذي علم عليم،
стр. 46
وإن الفضل بيد الله يؤيته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قالوا: إن هذا لهو الحق المبين، فأت بآية من مثل ذلك إن كنت من الصادقين. قال: قد جاء من أمثال ذلك في كلام القوم، قولهم: لا صمت يوم. فإن شئتم ما فوقه من تصاريف العرب، فقولهم: هذا يسر أطيب منه رطب. فإن استزدتم فقولهم في المثل: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. قال: وما فرغ الشيخ من الكلام، حتى ابتدر القيام. فتعلقوا به وقالوا: لات حين مناص، فإن دواء الشق أن يحاص. ولقد أتيت من حيث أيس، فلا تذهب من حيث ليس. فعاد إلى المقام، وقال صبراً: على مجامر
стр. 47
الكرام. ثم اندفع في شرحه كاليعبوب، حتى ملأ العيون والقلوب، فانهالت عليه الجوائز حتى لم تبق حاجة في نفس يعقوب. ولما قضى الوطر، نهض على الأثر، فقام القوم يودعونه، وهم يودون لو يتبعونه. وقالوا: بأنفسنا نفديك! لقد سعد بك ناديك، فلا تجعلها بيضة الديك. قال: نعم لي صبي ليس كمثله في بغذاذ، أريد أن أجره يوماً إلى الأستاذ. قالوا: نراك قد جررته مذ الآن، فهل تفيدنا بشيء من البيان؟ قال: إذا عدنا، أفدنا. لكنني لا أرى لقاء مثله من ذوي الشان، حتى يستر أطماري الطيلسان. قال سهيل: ولم يكن بعد
стр. 48
انصرافه إلا كلمح البصر، حتى دخل الأستاذ فأطرفوه بالخبر. فقال: صبر جميل، نام عصام ساعة الرحيل، والله حسبي ونعم الوكيل. ثم ألقى بطيلسانه إلي وقال: هل لك أن تلقاه به فترده علي فقرعت الساق حتى أدركته بالسوق، وأبلغته سياق الخبر المسوق. فقال: إن ليلى قد فصلت عن مجلسنا المعهود، ولنا موعد أنتظرها به أن تعود، فإذا لقيت الأستاذ فقل له المعذرة، وإن غداً لناظره قريب فمن
стр. 49
يعش يره. قلت: أوهي ذات اللبن قال: إن لم تكن فمن قلت:
стр. 50
إنها لنعم البنية! قال: وإن العصا من العصية. ثم جلس على عرفة هناك، وجعل يقلب طرفه بين هذا وذاك. فلما طال أمد الانتظار قال: أظنها تنتظرني في الدار. فهل لك أن تصحبني إلى الرصافة، وتؤنسني الليلة بالضيافة فقلت: إني على ما تريد، وسرنا وهو يقول: أسعد أم سعيد، حتى انتهينا إلى باب حديد، وإذا ليلى بالوصيد. فلما رآها تهلل وجهه بشراً، وأنشد يقول شعراً:
حييت يا ليلى ابنة الخزام ... كريمة الأخوال والأعمام
стр. 51
أصبحت في مدينة السلام ... غريبة الموطن والكلام!
ما زلت لي عوناً على الأيام ... تمهدين سبلي أمامي
وتنفرين الصيد في الآجام ... حتى يكون غرض السهام
وإن كنت من ربائب الخيام ... فالسر في الشراب لا في الجام
رب ابنة أنفع من غلام
قال: ولما فرغ من أبياته أدخلنا إلى البيت، وأفاض في حديث أشهى من
стр. 52
حلبة الكميت. فبتناها ليلة كأنها ليلة القدر وأحييناها بالحديث حتى مطلع الفجر ومازلنا كذلك حتى فرق بيننا الدهر.
المقامة التاسعة وتعرف بالحلبية
أخبر سهيل بن عباد قال: كان لي صديق بظاهر الشهباء ينتمي إلى العرب العرباء. وكنت وإياه كالماء والراح، أو كنديمي جذيمة الوضاح. فحضرتني منه ذات يوم بطاقة، يطالبني فيها بحق
стр. 53
الصداقة. ويطلب أن أبادر إليه ببعض الأشربة مما وصفه له بعض أهل التجربة. فساءني ما به من توعك المزاج، وأشفقت من تأخر العلاج، فبادرت برقعته الواصلة، إلى سوق الصيادلة. وأخذت له ما أراد كما يريد، وانطلقت إليه أعدو كخيل البريد. وبينما أنا أجري مليحاً، وأقعد طليحاً. لمحت شيخنا الخزامي وابنته بجانب الطريق، ولديهما فتى قد لبس البياض وتختم بالعقيق. فوثبت كالظبي المقمر إليه، حتى أقبلت عليه. فتقدمت، ثم سلمت. فأجابني بالفارسية، وأعرض عن تمام التحية. فقلت هذه إحدى مكايده. قد جعلها من مصايده. وطويت عنه كشحاً، وضربت صفحاً. فتماشيت القهقرى، وتواريت بحيث أرى ولا أرى. فرأيت الشيخ قد أشاح بوجهه عن الجارية والغلام، وجعل يدمدم بلغة الأعجام. والفتى يخالس الجارية النظر؛ ويغازلها على حذر. فقالت: إن صاحبنا أعجم طمطم، لا يفهم ولا يفهم. وقد لقيته وفاقاً. لكنني أرى عينه قد
стр. 54
طمحت إلي، فلا يزال حوالي. وهو يعرض لي طوراً بصرة، وتارة بدرة. وأنا أنفر منه كالناقة الهوجاء، ولا أنبس له بحوجاء ولا لوجاء. فقال: ساء فأل المخنث! إنه لأحمق من شرنبث. أفلا نصرفه إلى حيث يعود الذيب ونرفع ثقل منظره المذيب؟ فقال: أشار إلي بأنه قد أعياه الصداع، ولو كانت لي سكاب لما قلت لا تعار ولا تباع. فأشار إلى برذون له أطير من عنقاء مغرب وقال: نعم القتيل بجير إن أصلح بين بكر وتغلب. فأركبته ذلك البرذون
стр. 55
الأدهم وقالت: اذهب إلى حيث ألقيت رحلها أم قشعم. فلما خلا الفتى بالجارية قال لها: أبشري، خلا لك الجو فبيضي وأصفري. لكنني قبل ذلك أريد أن أطلع طلع حالك. فقالت إنني فتاة كريمة الأصل، قليلة الأهل لا أب لي ولا بعل. وقد سئمت من طول حبسي، وتولي أمر نفسي، فإن كان لك أرب في النساء، فاتبعني لآخذ ما لي من الأشياء، وأتبعك إلى حيث تشاء. قال: أفعل وكرامة، ونهض معها راكباً جناحي النعامة. قال سهيل فأذهلني ذلك الطويل العريض، عن الدواء والمريض. ورجعت أدراجي في أثر الصاحبين حتى دخلا البيت البيت كالفرقدين. فأخذ الفتى يرزم ما لها
стр. 56
من الحطام، وخرجت لتحضر ما تيسر من الطعام. وإذا بأبيها قد هجم هجوم الأسد، على النقد. وقال: ويلك يا عدو الله ما كفاك أن تكون فاسقاً حتى صرت سارقاً فلأقيمن عليك الحد والقطع، ولأجعلنك عبرة إلى يوم الجمع! فطارت نفس الفتى شعاعاً، واستطار فؤاده ارتياعاً! وجعل يتهطر لديه بالسؤال، ويدمث له المقال والشيخ يشمخ بأنفه، ويهز من عطفه، ويرمح برجله ويشير بكفه فكاد الفتى يذوب من الحياء، وظن أن صاعقة هبطت عليه من السماء، فانقاد إليه انقياد الأسير، وقال: قد فديت نفسي بهذه الدنانير قال: قد قبلتها منة الكرام، على أن لا تتعرض لبنات الأعجام. فذهل الفتى عن معرفته بالتلميح، وما صدق أن أطلق ساقيه للريح، فمضى ينهب الطريق، والشيخ من خلفه يهدر كالفنيق. حتى إذا ثاب إلى الوقار، وقف بعرصة الدار. وأنشد:
يا هل ترى أين سهيل يطلع ... يا ليته كان يرى ويسمع
стр. 57
يرى الفتى مهرولاً يندفع ... تكاد تذريه الرياح الأربع
أعطاني البرذون وهو يطمع ... في وصل ليلى، لا هناه المضجع!
سبقته عليه فهو أسرع ... لكنه بالماء ليس يقنع
فقمت أبتغي له ما يشبع ... لكن بدون المال ماذا أصنع؟
وإن يكن نال الفتى ما يجزع ... منه فقد نال به ما يردع
والنصح من وصل البنات أنفع
قال سهيل: فبرزت من الوكنة التي كمنت فيها، وأنشدت بديها
هذا سهيل طلعا ... وقد رأى وسمعا
أنسيته المريض وال ... دواء والداء معاً
أنت صديق لم يدع ... لمن سواه موضعاً
فقال: أهلاً بأبي عبادة، متى عهدك بالشهادة؟ قلت: منذ عهدك بالفارسية التي نلت منها السعادة. أفلا تعلمني هذا اللسان، لأستغني معك عن ترجمان؟ قال: أراك تستبيح قطع الأرزاق، فليس لك عندي من خلاق، يعدو كالبرق أو كالبراق.
стр. 58
المقامة العاشرة وتعرف بالكوفية
حكى سهيل بن عباد قال: كلفت منذ الصبا بعلم الأدب، وشغفت باستقراء لغة العرب. فكنت أنضي إليها المطايا، وأتفقد الخبايا في الزوايا. حتى كنت يوماً بالكوفة وأنا أتعهد معاهدها المألوفة وأشهد مشاهدها الموصوفة فمررت بعصبة من العلماء كأنهم من بني ماء السماء. وهم قد جلسوا إلى شيخ أغبر الشيبة، أبلج الهيبة. وهو يشير تارة بالبنان، وطوراً بالصولجان. فجعلت أروح تلقاءهم وأجي، وأقول ليس هذا بعشك فادرجي. حتى حذتني القطربية،
стр. 59
على الأشعبية. فألقيت دلوي في الدلاء طمعاً في اجتلاء الجلاء. وتطفلت على تلك الحصرة الجلى وإن كنت ممن عبس وتولى. فلما تخللت المقام حييت القوم بالسلام، وتفرست في الشيخ فإذا هو ميمون بن خزام. فقلت: لله الأمر كله، قد عرف النخل أهله! وجعل القوم يخوضون في حديث العربية، ومسائلها الإعرابية. حتى حلت الحبى، وبلغ السيل الربى. والشيخ ينظر من طرف خفي إلى الناس، والقلم في يده يجري على قرطاس. إلى أن نفد ما عند الجماعة من أسرار الصناعة. وهم يرون أن يلتقط اللآلي، وينظم في سمط الأمالي. فقالوا: أيها الشيخ نراك تجمع، مما تسمع قال: إن لكل ساقطة لاقطة.
стр. 60
ولكن أريد أن تنظروا ما كتبت، لتروا هل أخطأت أم أصبت. فتناولوا الرقعة بديها، وإذا هو يقول فيها: ما الفرق بين التمييز والحال، وبين عطف البيان والإبدال وأين يستوفى حق الإسناد، ولا يخرج يركنيه عن حكم الإفراد؟ وأي الضمير، يتردد بين التعريف والتنكير وأين يراعى ما يقدر، ولا يبالى بما يذكر؟ وأي اسم يجتمع فيه خمس من موانع الصرف، وأي لفظ يشارك الاسم والفعل والحرف؟ وفي أي
стр. 61
الأماكن، يجتمع ثلاثة من السواكن؟ وأي فعل يعطى ما للأسماء ويمنع مما للأفعال؟ وأي اسم يجري مع قبيلته على هذا المنوال؟ قال: فلما وقفوا على تلك المسائل، رأوها من المشاكل. فقالوا له: لله أنت، فقد أحسنت ولكن لو أبنت فعبس، حتى ما نبس، وصارت مقلتاه كالقبس، فأشفقوا من غضبه، وسألوه عن محتضبه. فقال: قد تكلفت لكم الخطاب، ثم أتكلف الجواب، والعلي فوق ذلك أتكلف لكم الثواب. قالوا: لا وأيدك الله بل إن جئت بالبينة السافرة، وجلوت الشرود النافرة، فالنقد عند الحافرة. فلما آنس الندى، ووجد على النار هدى. فتح خزانة أسراره، وسمع بمكنونات أفكاره. حتى امتلأت حقائب الملا، وقالوا: هكذا هكذا وإلا فلا بيد أنهم مالوا إلى استملاء ما أبان، حرصاً على ثباته في الأذهان. فقال: اكتب يا سهيل، واندفق في إملائه كالسيل. حتى إذا أترع
стр. 62
الكؤوس، وقاد الشموس بالشموس قال: لا مخبأ لعطر بعد عروس. ثم أشار إلي وأنشد:
العلم خير من صلاة النافلة ... به إلى الله العباد واصله
فاحرص عليه والتقط مسائله ... ودع كنوز المال فهي باطله
ولا تبع آجلة بعاجلة ... ولا تضع واصلة بحاصلة
واعرض عن الليلة نحو القابلة ... فذاك مشرب الثقات الكاملة
وليس خير في النفوس العاقلة ... إن غفلت عن القلوب الغافلة
والناس إن كانت طغاماً جاهلة ... فما يكون الفرق يا ابن الفاعلة
بين الرجال وبغال القافلة
стр. 63
قال: فلما فرغ من سحره السحري، انهال عليه الشمسى والقمري، فأشار نحوي وقال: اسق أخاك النمري. قالوا: علم الله أن سيكون ولكن السابقون السابقون. حتى إذا قضوا فريضته المكتوبة، عادوا إلى سنتي المندوبة. فخرجنا نجر الذلاذل، ونحمد البذل والباذل.
المقامة الحادية عشرة وتعرف بالعراقية
حدثنا سهيل بن عباد قال: دخلت مجلس أمير العراق، وقد
стр. 64
غص حتى التفت الساق بالساق. فسلمت تسليم الأريب، ووقفت موقف الغريب. حتى إذا ركد النسيم، وصفت الكأس للنديم. دخل شيخ أغبر الناصية، عليه شعار البادية، وهو قد أخذ بيد فتى ترف البنان كأنه من ولدان الجنان. وقال: أيد الله الأمير، وأبد له السرير. إن هذا الغلام سرق نصف أبيات مدحت بها بعض الأمراء، فتحول المديح فيها إلى الهجاء. ولما بلغته أمر بحبسي إلى أن يسر الله لي بالإطلاق وقد كدت أقتل نفسي. فعليه حق الجناية وقطع السارق وعليك تأديب كل طاغ وفاسق. فقال الأمير: يا هذا قد تقرر في علم الأصول، أن الدعوى لا تصح في المجهول فهات أبياتك التي أغار عليها، فأنشد يقول:
إذا أتيت نوفل بن دارم ... أمير مخزوم وسيف هاشم
وجدته أظلم كل ظالم ... على الدنانير أو الدراهم
وأبخل الأعراب والأعاجم ... بعرضه وسره المكاتم
لا يستحي من لوم كل لائم ... إذا قضى بالحق في الجرائم
стр. 65
ولا يراعي جانب الكارم ... في جانب الحق وعدل الحاكم
يقرع من يأتيه سن النادم ... إذ لم يكن من قدم بقادم
إن الشقي وافد البراجم ... وضيف نوفل كضيف حاتم
قال: فكيف سرق وعلى أي نسق قال: قد أخذ أصحاب الشمال ونبذ أصحاب اليمين فقال كمن يقرأ مشجر الصين:
إذا أتيت نوفل بن دارم ... وجدته أظلم كل ظالم
وأنجل الأعراب والأعاجم ... لا يستحي من لوم كل لائم
ولا يراعي جانب المكارم ... يقرع من يأتيه سن النادم
إن الشقي وافد البراجم
стр. 66
فقال الأمير: أولى لك يا غلام كيف سللت الملح من الطعام؟ قال: كلا إنني ما أنشدت إلا لنفسي، ولا جنيت إلا من غرسي. فإن سلم بتوارد الشاعرين، فقد سقطت الدعوى عن الفريقين. وإلا فلا يتعين السارق حتى يتعين السابق. قال: فأنف الشيخ من ذلك المراء. وقال: ويحك هل أنت من الشعراء؟ قال: عند الامتحان، يكرم المرء أو يهان. قال: إن كنت من أهل الأدب، فما هي أبحر الشعر عند العرب؟ فأنشد:
أطل مد وابسط فر وكمل كهازج ... وأرجز برمل وأسرع اسرح مخففاً
وكن ضارعاً واقصب من اجتث واقترب ... برمز لنا عن أبحر الشعر قد كفى
стр. 67
قال: قد وفيت الفروض، فهل تعرف أجزاء العروض؟ فأنشد:
جميع أجزاء العروض حاصلة ... من سبب ووتد وفاصله
يصاغ منها كلمات أحرف ... تجمعهن معلنات يوسف
قال: قد جئت بالجواب الشافي، فهل تعرف ألقاب القوافي؟ فأنشد:
إن رمت ألقاب القوافي كلها ... فهناك خمس لا يليها سادس
هي عندهم: مترادف متواتر ... متدارك متراكب متكاوس
قال: وهل تعرف ما للقوافي من الأجزاء وما لأجزائها من الأسماء؟ فأنشد:
إذا رمت أجزاء القوافي فسل بها ... خبيراً يجيد القول حين يقول
стр. 68
رويٌّ ووصلٌ والخروج وراءه ... وردفٌ وتأسيسٌ يليه دخيل
قال: وهل تعرف حركات القافية، ما هيه؟ فأنشد:
حركات قافية نظير حروفها ... ستٌّ: بها المجرى عددنا أولاً
ثم النفاذ وحذوها والرس وال ... إشباع والتوجيه فاحفظها ولا
قال: حياك عالم الغيوب فهل تعرف ما للقوافي من العيوب؟ فأنشد:
عاب القوافي إكفاء وإقواء ... إجازة ثم إصراف وإيطاء
كذاك تضمينها التحريد مجتنب ... ومثل ذاك سناد وهو أنحاء
стр. 69
قال: أراك تحسن الجواب في الحال، فما أبرئك من انتحال. فإذا كنت شاعراً فقل أبياتاً تمدح الأمير فيها، قال: بل أهجوك: وأنشد بديها:
قل لهذا الشيخ الخزامي: صبرا ... قد توسدت من هجائي جمراً
ذلك الخمر بيننا صار خلاً ... وبعيدٌ أن يرجع الخل خمراً
يا خزام البعير ليس خزام ال ... روض إن الخزام يعبق نشراً
أنت ميمون أمة الترك لا ميمو ... ن عرب فاليمن منك تبراً
كنت ترجو من الأمير هبات ... وأنا قد أخذتها منك جبراً
لا ترم بعدها خضاباً لشيب ... فالمخازي تسود الشيب دهراً
стр. 70
إن رأيت الغلام يسحب ذيلاً ... من غناه، وأنت تسحب فقراً
لا تقل أنت سارق لي مالاً ... مثلما قلت سارق لي شعراً
فأقسم الأمير بالسقف المرفوع، أن الغلام لشاعر مطبوع. وقال: أشهد أن هذا الشيخ قد تجنى عليك، وأساء بما نسبه إليك. فخذ هذه الدنانير، جبراً لقلبك الكسير، وإن شئت أن تقيم بداري فأنت أكرم أنصاري. قال: أنا على ما تروم، إن انتصفت لي من هذا الظلوم، بأن لا يفوه بعدها بمنظوم، فلما رأى الشيخ صبح ليلته ومساءها، ظن أن وراء الأكمة ما وراءها. فانتصب كثالثة الأثافي، وقال: أريد أن أودع القوافي. وأنشد:
стр. 71
قد فسد الدهر لطول الأمد ... فلا يسود فيه غير الأمرد
إن الفتى قد جد لي في اللدد ... إذ ليس لي من سند أو عضد
شكوته إلى أمير البلد ... وقد رجوت أن يكون منجدي
فكان خصماً مثله لم أجد ... كأنما قطعت رأسي بيدي
لئن منعت عن قريض المنشد ... فالنثر أشفى لغليل الكبد
وإن تجاوزت العراق في غد ... فكن لركبان السرى بمرصد
إن حملت شعري لأهل المربد
قال: فكأن الأمير أفاق، وأشفق من التنديد به في الآفاق. فقطع لسان الشيخ بنصاب، وقال: هذا أيسر ما به نصاب. ثم قال له: دع التهم بينك وبين الفتى، فليذهب أمامك من حيث أتى. فانصرف الشيخ والفتى يتضاحكان، كأن لم يكن بينهما شيء مما كان. قال سهيل: وكنت قد تبينت أن الشيخ صاحبنا ابن الخزام، فهرعت على أثره لأنظر ذلك الغلام. وإذا به قد ناوله الدنانير، وقال: اشكر نعمة الأمير،
стр. 72
فعجبت من استحالة تلك الحالة. وقلت: سرعان ذا إهالة. فابتدرني الشيخ بالسلام وهنأني بالسلامة وقال: أهلاً بأبي عبادة الذي لا تفوته مقامة! قلت: بل أهلاً بالمقعد المقيم، فما هذا الملك الكريم؟ فاهتز اهتزاز المهند، وتبسم لي وأنشد:
هذا غلامي بل أنا غلامه ... يا طالما أفادني استخدامه!
ينفعني في منزلي قيامه ... وفي الدجى يؤنسني كلامه
وفي السرى يسعفني اهتمامه ... حتى إذا أعوزني طعامه
سعى بسد خلتي خصامه
ثم قال: أنت راويتي وشاهدي، وجليسي في مشاهدي. فلك أن تشاركني في العطاء ولكن عليك أن تحمل عني شطر الهجاء. قلت ليس من هجاك إلا كمن هجاء الورد، فعليه كل هجائه ولا شريك له من بعد. قال: قد أحسنت الجواب وإن لم يصب موضعه، فخذ هذه
стр. 73
النحلة وادع لي بالفلاح والسعة. فودعته مطنباً بشكره متعوذاً من مكره.
المقامة الثانية عشر وتعرف بالأزهرية
حكى سهيل بن عباد قال: شخصت إلى القاهرة من بلاد الشام، في ركب فيه ميمون بن خزام. فكان يحملنا بحديثه في المراحل، وينسينا لغب السير في المنازل، حتى تبطنا السرى في ليلة حالكة الأديم، وقد قدرنا القمر منازل حتى عاد كالعرجون القديم. فشمذنا إزار السفر، وأوغلنا في تلك القفر. وما زلنا نخبط في ذلك الديجور الأربد، حتى تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فمالت أعناق الناس، من النعاس. وأشفق الشيخ من
стр. 74
طوارق البادية، فأراد تنبيه الأعين الساهية. فانتدب سجيته السيطرة، ورفع عقيرته الضبطرة. وأنشد يقول:
أيها الراكب الميم مصراً ... ألق سمعاً فللحديث فنون
دون مصر عين وعين وعين ... قام فيها نون ونون ونون
قال: فطارت السنة من الجفون، بين تلك العين والنون وتحدث القوم بما يكون وما لا يكون. هذا وقد أخذت المطايا في الذميل، وهي تقطع ميلاً بعد ميل، حتى وردت ماء النيل، فتهلل وجه الشيخ ميمون، وقال: هذه عين يشرب بها عباد الله ويسبح فيها النون. فقال القوم: قد فتح الشيخ لنا الباب، فليتذكر أولو الألباب. قال: إذا ألقينا العصا فسنفتح أبواباً أخرى. وسنجعلها للناس تبصرة وذكرى. قال: وما زلنا نستقبل المقبلة ونستدبر الدابرة، حتى دخلنا مدينة القاهرة. فلما أصبحنا دعاني الشيخ إلى ما أراد، وخرجنا نستن كخيل الطراد. حتى أتينا الجامع الأزهر، فأوحى إلي ما أوحى وقال: اصدع بما تؤمر. فمكثت
стр. 75
ريثما دخل المقام، وفرغ من السلام. ثم دخلت فحييت القوم، فقام مسلماً علي كأن لا عهد بيننا مذ اليوم. ولما استقر بي القرار أشار إلي، وقال: مهيم يا بني؟ قلت: قد هجمت بي على هذا المجلس، رقعة كصحيفة المتلمس. فإن كشف لي هذا النادي حجابها المستور، وإلا فقد يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور. قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فكم ركب هنا مثلها طبقاً عن طبق. فقرأتها أقول:
سمحت في الشام بألف كامل ... مقتبساً مسألة من سائل
يقول: أي اسم بغير طائل ... يركب في التركيب متن الباطل
ليس بمعمول ولا بعامل ... وربما أفاد غير العاقل
فوق إفادة اللبيب الفاضل ... وقد جعلت مثل ذالك النائل
لمن يجيء بالجواب الفاصل
قال: فأطرق كل من حضر، ولم يقفوا على خبر ولا خبر. وجعل الطلبة
следующие страницы →