تاريخ ابن حجي
تصنيف
مؤرخ الإسلام العلامة الحافظ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حجي السعدي الحسباني الدمشقي (٧٥١ هـ - ٨١٦ هـ)
«حوادث ووفيات: ٧٩٦ هـ - ٨١٥ هـ»
ضبط النص وعلق عليه
أبو يحيى عبد الله الكندري
[المجلد الأول]
стр. 2
حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
دَار ابْن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
стр. 3
تَارِيخ ابْنِ حِجِّي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
المقدّمَة
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، فإن من أعمّ النعم وأشمل المنن ما تفضّل به الرب علينا من الوقوف على تراث هذه الأمة والاطلاع على بعض جوانبه سائلين المولى أن يجعل كل جهد وخاطر في ميزان الحسنات يوم يقوم الأشهاد. اللهم آمين.
فإنه لما كنت أنظر في كتاب "بهجة الناظرين" في تراجم الشافعية لرضي الدين الغزي ﵀ ت ٨٦٤ هـ منذ أكثر من ثلاث سنوات لفت انتباهي كثرة استشهاده لعالم جليل وعلم مؤرخ يكثر من ذكره ويعود إلى قوله خاصة إذا كانت وفاة من يترجم له قبل عام ٨١٦ هـ وبالأخص إذا كان شاميًا، فهو يكثر أن يقول: "قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي" في أكثر من عشرة مواضع من كتابه، مما دفعني ولله الحمد والمنة والفضل أن أراجع ترجمة هذا الإمام فأجدني أمام سيرة إمامٍ علمٍ جليل من أعلام هذه الأمة المباركة، ذكره الفضلاء في كتبهم واستفاد منه العلماء في مصنفاتهم، فقوله منثور في كتب التراجم والتواريخ من عصره إلى عصر ابن العماد الحنبلي في شذراته عبر ثلاثة قرون.
وعند التمعّن في قراءة ترجمته ومصنفاته تبيّن أنه بنى كتابه التاريخ على كتاب الحافظ العلاّمة ابن كثير ﵀ ت ٧٧٤ هـ "البداية والنهاية"، وفي ترجمة المصنف ﵀ عند تلميذه ابن قاضي شهبة
стр. 6
-﵀ في طبقات الشافعية تفصيل مراحل تصنيف هذا الكتاب فابن قاضي شهبة يقول:
"وكتب "ذيلًا" على "تاريخ ابن كثير" وغيره، بدأ فيه من سنة إحدى وأربعين يذكر فيه حوادث الشهر، ثم من توفي فيه، وهو مفيد جدًا، كتب منه ست سنين، ثم بدأ من سنة تسع وستين فكتب إلى قُبيل وفاته بيسير، وكان قد أوصاني بتكميل الخرم المذكور فأكملته".
ثم إن محققا كتاب "شذرات الذهب" لابن العماد الحنبلي الأستاذين الفاضلين عبد القادر ومحمود الأرناؤوط يعلّقان في الحاشية ٩/ ١٧٤ على العلاقة بين الكتابين "البداية والنهاية" و"تاريخ ابن حجي"، جاء فيها:
"الذي ترجّح عندي بأن الحافظ ابن كثير قد توقف في "تاريخه" أول الأمر سنة (٧٣٨ هـ)، ثم تابع التأريخ إلى سنة (٧٧٤ هـ) ويشهد لذلك كلام الحافظ ابن حجر في أول كتابه "إنباء الغمر" (١/ ٤) حيث يقول: ... وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلًا على ذيل التاريخ للحافظ عماد الدِّين ابن كثير فإنه انتهى في "تاريخه" إلى هذه السنة. وما كتبه الحافظ السخاوي في أوائل سنة (٧٧٤) حيث قال: وفي أثناء شعبانها انتهى "تاريخ العماد ابن كثير" وكان حين ضرره وضعفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن. ويبدو بأن النسخة التي كانت محفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب من "البداية والنهاية" والتي اعتمدناها كنسخة أولى في تحقيقنا للكتاب مع طائفة من الأساتذة المحققين في طبعته التي ستصدر عن دار ابن كثير هي نسخة نسخت عن النسخة الأولى المشار إليها، ثم نسخ عن النسخة التامة نسخ أخرى، فقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك بأن الحافظ السخاوي قد نقل عن "البداية والنهاية" في كتابه "الذيل التام على دول الإسلام" الذي يقوم بتحقيقه صاحبي الفاضل الأستاذ حسن إسماعيل مروة، وأقوم بمراجعته، وقد أنجزنا منه المجلد الأول وهو تحت الطبع الآن، ومعلوم بأن كتاب السخاوي يبدأ بحوادث سنة (٧٤٥ هـ). وأما ما كتبه ابن حجي، وابن قاضي شهبة من التذييل على "البداية والنهاية" فإنما كان على النسخة الأولى
стр. 7
من "البداية والنهاية" المتوقفة عند سنة (٧٣٨ هـ) وأنهما لم يطّلعا على النسخة الأخرى منه التي تمّمها ابن كثير بنفسه من الكتاب، والله أعلم، وانظر ما كتبه العلَّامة الشيخ محمد راغب الطباخ في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (١٨/ ٣٧٦) وما كتبه العَلّامة الشيخ محمد أحمد دهمان في المجلة المذكورة (٢٠/ ٩٠) وما بعدها حول هذا الموضوع، والله الموفق لكل خير وصواب".
ومن هذا نصل إلى حقيقة واضحة وهي أن المصنف ﵀ كتب في البداية السنوات (٧٤١ - ٧٤٦ هـ) ثم انتقل إلى سنة (٧٦٩ حتى ٨١٥ هـ) والمجموع الكلي لهذه السنوات (٥٢) عامًا.
ولكن للأسف الشديد لم نتمكن من العثور إلا على السنوات (٧٩٦ - ٨١٥ هـ) وهي عبارة عن الجزء الثاني من الكتاب، وكم من كنوز مفقودة من تراث هذه الأمة المباركة كشفت الأيام عن خباياها والله المستعان.
стр. 8
شكر وتقدير
وكما بدأنا عملنا بالحمد والثناء والتمجيد للرب والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، نختمه بالاستغفار والتوبة عن كل تقصير وزلل فما كان من صواب فمن فضل الله وتمام منّه وكرمه وما كان من تقصير فمن نفسي والشيطان.
لقد كان للحصول على نسخ المخطوط الألمانية ثم الإيرلندية رحلة مباركة شارك في وصولها بين يدى القارئ الكريم أخوةٌ فضلاء، ولا يسعني في نهاية العمل إلا أن أدعو الله أن يجزل لهم المثوبة ويبارك لهم في كل خير ويرشدهم إلى كل صواب. اللهم آمين.
وأخص بالذكر منهم الأستاذ الكريم والأخ المفضال الشيخ أبو الحارث فيصل العلي الذي تكرّم مشكورًا بالسعي للحصول على نسخة -برلين- بكل جهد، خاصة عندما سافر الأخوين الفاضلين المهندسين أحمد خليل المنصوري وحسين خليل المنصوري إلى ألمانيا فطلب منهم السؤال عن المخطوط فتفضلوا مشكورين بزيارة مكتبة برلين والاطلاع على المخطوط الأصلي وقدموا طلب التصوير، فشكر الله لهم وجعل ذلك في ميزان حسناتهم فقد كانوا أول من أعان على الخير.
وأما النسخة الإيرلندية فإن لها خبر لطيف يذكرنا بأن في خزائن المخطوطات كنوزًا مدفونة تنتظر همة الباحثين وجهد المحققين.
فقد حفظت هذه المخطوطة ضمن مجموع من مخطوطات شستربتي
стр. 9
رقم (٤١٢٥) تحت عنوان "قطعة من كتاب في التاريخ" غير معروفة المؤلف.
وقد كتب الله الكشف عنها على يد الأستاذ الفاضل أحمد دورماز أخصائي المخطوطات بجامعة الكويت والذي كان يقوم بإدخال مجموعة من مخطوطات شستربتي في الكومبيوتر فيسّر الله العثور عليها على يده.
وليس هذا أول أفضاله فقد تعودنا منه كل جميل وتعلمنا منه خدمة العلم وأهله فأجزل الله له المثوبة في الدارين ووفقه لكل عمل صالح متقبل. اللهم آمين.
ورغم أنني لم أحصل على نسخة شستربتي إلا بعد أن أنهيت عملي فإني عدت من جديد فأكملت ما نقص في النسخة الألمانية.
ولا أنسى في الختام أن أذكر ما تفضل به الأخوة الأفاضل في مكتبة الوسائل بجامعة الكويت من تصوير النسخة الألمانية والأخوة الكرام بمكتبة المخطوطات بوزارة الأوقاف من تصوير النسخة الإيرلندية وأخص بالذكر منهم الأستاذ الفاضل أبو مبارك سهيل الجلاهمة مدير إدارة المخطوطات والمكتبات بوزارة الأوقاف.
شكر الله للجميع وجعل ذلك في ميزان حسناتهم وأثابهم كل خير ومعروف اللهم آمين وصلى الله على محمد وآله.
وكتب: أبو يحيى عبد الله الكندري
الكويت - الفحاحيل الزاهرة
الجمعة: ٢٧ من رجب الفرد ١٤٢٣ هـ
الموافق ٤/ أكتوبر/ ٢٠٠٢
стр. 10
ترجمة المصنف
* اسمه وكنيته ومولده
هو الإمام الحافظ العلامة حافظ الشام ومؤرخ الإسلام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غشم بن غزوان بن علي بن مشرف بن تركي الحسباني الأصل الدمشقي المولد والنشأة الشافعي.
كان مولده ليلة الأحد رابع المحرم بين المغرب والعشاء بخانقاه الطواويس بالشرف الأعلى ظاهر دمشق سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
* نشأته العلمية ومشاهير من أخذ عنهم
نشأ المصنف ﵀ في بيت فضل وعلم وديانة في كنف أبيه الإمام العلامة فقيه الشام وحافظ المذهب علاء الدين أبو محمد حجي بن موسى السعدي الحسباني ت ٧٨٢ هـ.
- وأول ما بدأ به أنه قرأ القرآن على المؤدب المقرئ شمس الدين بن حبش وختمه في سنة ستين وسبعمائة، وأخذ عنه علم الميقات أيضًا وأتقنه.
- وأما الحديث وأصوله فقد سمع من خلائق من أصحاب ابن البخاري وأحمد بن شيبان وأبي الفضل بن عساكر والشيخ شرف الدين اليونيني وابن مشرف والتقي سليمان وعيسى المطعم وطبقتهم.
стр. 11
-ومن مشاهيرهم- الأصيل المسند نجم الدين (١) أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر بن قدامة المعروف بابن النجم الحنبلي ت ٧٧٣ هـ، والذي قال عنه المصنف ﵀ "سمعنا منه مسموعه من مشيخة ابن البخاري وآمالي ابن سمعون".
والمسند المعمر شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم (٢) بن أبي بكر بن أبي الحسن البعلبكي الحنبلي الصوفي ت ٧٧٧ هـ، سمع صحيح مسلم من زينب بنت كندي واليونيني وأجاز له أبو الفضل بن عساكر وابن القواس، وقال عنه المصنف ﵀ "كان خيرًا حسنًا أخرجت له جزءًا".
والشيخ الصالح الكبير علاء الدين أبو الحسن علي (٣) بن محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجى الحنبلي ت ٧٧٨ هـ، سمع صحيح البخاري من وزيره وسمع من عيسى المطعم وغيره وحدّث، وسمع منه المصنف ﵀ وقال عنه "هو من بيت كبير ورجل جيد".
والحافظ الكبير عماد الدين أبو الفداء إسماعيل (٤) بن عمر بن كثير بن ضوء البصروي الدمشقي الفقيه الشافعي ت ٧٧٤ هـ، قال عنه المصنف ﵀ "أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه".
- والحافظ المتقن المعمر الرحلة تقي الدين أبو المعالي محمد (٥) بن
стр. 12
جمال الدين رافع بن هجرس السلامي الدمشقي الشافعي ت ٧٧٤ هـ، قال عنه المصنف ﵀ "كان متقنًا محررًا لما يكتبه ضابطًا لما ينقله وعنه أخذت هذا العلم -أي علم الحديث- وقرأت عليه الكثير وعلقت عنه فوائد كثيرة" وحصل على عدة إجازات من مشايخ عصره من دمشق والقدس وبعلبك وحلب ومصر والمدينة المنورة، وقد كتب أسماء مشايخه مجردًا في بعض مجاميعه مرتبة على حروف المعجم.
ومن مسموعاته الكتب الستة والموطأ ومسند أبي حنيفة ومنتخب عبد بن حميد ومسند الشافعي والدارمي وأبي يعلى وغالب مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني وصحيح ابن خزيمة وابن حبان وكتب أبي عبيد القاسم بن سلّام.
- وأما عن مشايخه في الفقه فأولهم والده علاء الدين أبو محمد (١) حجي بن موسى السعدي الحسباني الدمشقي الشافعي فقيه الشام وحافظ المذهب ت ٧٨٢ هـ، قال عنه ولده المصنف ﵀ "حافظ العصر أحد من اعتنى بالفقه وتحصيله وتقريره وحفظه وتحقيقه وتحريره وكان كثير الاطلاع صحيح النقل عارفًا بالدقائق والغوامض، معروفًا بحل المشكلات مع فهم صحيح وسرعة إدراك وقدرة على المناظرة برياضة وحسن خلق" وقد لازم المصنف ﵀ والده شيخ البلاد الشامية نحوًا من عشرين سنة وتفقه به.
والشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد (٢) بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب المعروف بابن قاضي شهبة "الجد" ت ٧٨٢ هـ شيخ الشافعية وبقية السلف، قال عنه المصنف ﵀ "قرأ عليه الناس طبقة بعد طبقة وكان مشهورًا بمعرفة التنبيه وشرحه وحسن تقريره وكذلك كان يقرئ النحو وكنت ممن حضر عنده وحصل لي بركته وسمعت منه".
стр. 13
وقاضي القضاة بقية الأعلام صدر مصر والشام بهاء الدين (١) أبو البقاء محمد بن عبد البر الأنصاري السبكي الدمشقي ثم المصري ت ٧٧٧ هـ، قال عنه المصنف ﵀ "كان إمامًا نظارًا جامعًا لعلوم شتى".
والإمام العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد (٢) بن حمدان الأذرعي ت ٧٨٣ هـ شيخ البلاد الشمالية وفقيه تلك الناحية ومفتيها والمشار إليه بالعلم فيها.
والإمام العلامة المحقق عماد الدين أبو الفداء إسماعيل (٣) بن خليفة بن عبد العالي الحسباني ت ٧٧٨ هـ، قال عنه المصنف "أحد أئمة المذهب والمشار إليهم بجودة النظر وصحة الفهم وفقه النفس والذكاء وحسن المناظرة والبحث والعبارة وكانت له مشاركة في غير الفقه ونفسه قوية في العلم".
ومن مشايخه في العربية والنحو العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد (٤) بن محمد بن محمد بن علي الأصبحي العتابي ت ٧٧٦ هـ، شيخ النحاة بدمشق قدم القاهرة فأخذ عن الشيخ أبى حيان العربية والقراءات ولازمه وكتب عنه تصانيفه، ثم قدم الشام فقصده الناس للأخذ عنه وانتفعوا به وعظم قدره واشتهر ذكره وشرح التسهيل في النحو وغيره وكان حسن الخلق كريم النفس.
- وقد ذكر ابن قاضي شهبة في طبقاته وابن طولون الصالحي في
стр. 14
قلائده الجوهرية في ترجمة المصنف كثيرًا من مشايخه ومن أخذ عنهم العلم.
* ومن مشاهير من أخذ عنه وروى مصنفاته من أهل عصره، الإمام الحافظ الكبير شيخ الإسلام شهاب الدين أبو العباس أحمد (١) بن علي بن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ، والمراجع لكتاب "إنباء الغمر" لابن حجر ﵀ يجده مليئًا بقوله "قال ابن حجي" معتمدًا على أحوال البلاد الشامية وتراجمها على "تاريخ ابن حجي" ويذكر لقائه بالمصنف ﵀ فيقول "اجتمعت به بدمشق وسمعت من فوائده وذاكرته".
وتلميذه النجيب الشيخ تقي الدين أبو بكر بن أحمد بن قاضي (٢) شهبة ت ٨٥١ هـ الذي قام على وصية شيخه فرتب كتابه وأكمل تراجمه وزاد عليه إلى عام ٨٤٠ هـ.
* ولم يأت كتاب بعد المصنف ﵀ في التواريخ والتراجم يذكر الشام وأهلها إلا وزيّن كتابه بقوله "قال ابن حجي" مثل ابن حجر في إنباءه والمقريزي في عقوده وابن تغري بردي في نجومه والنعيمي في تاريخ المدارس وابن طولون في قلائده الجوهرية إلى عصر ابن العماد في شذراته إلى بداية القرن الحادي عشر.
* وأما عن مصنفاته فقد شارك المصنف ﵀ في تراث هذه الأمة المباركة، وقد أثنى على مصنفاته عددٌ ممن ترجم له مثل ابن فهد المكي ت ٨٧١ هـ في لحظ الألحاظ فقال "وله تآليف حسنة مفيدة"، وقال ابن قاضي شهبة "وصنف وكتب بخطه الحسن ما لا يحصى كثرة" وقال ابن حجر "وكتب الكثير وتميز وتقدم في الفقه والحديث مع الدين والصيانة والانجماع".
وقد ذكرت المراجع عددًا من مصنفاته ﵀ فمنها:
стр. 15
١ - جمع المفترق - وهو كتاب جمع فيه فوائد من علوم متعددة.
٢ - تاريخ ابن حجي وقد رتبه على حوادث السنين -وهو الكتاب الذي بين أيدينا-.
٣ - تعليق على كتاب الألغاز للأسنوي - ت ٧٧٢ هـ.
٤ - الدارس في أخبار المدارس - يذكر فيه ترجمة الواقف وشرطه وتراجم من درس بالمدرسة إلى عصره، وقال عنه ابن قاضي شهبة "وهو كتاب نفيس يدل على اطلاع كثير" وللأسف الشديد فابن طولون الصالحي يذكر الكتاب ثم يقول "وقد احترق غالبه في وقعة التتار" أي عام ٨٠٣ هـ، وقد بنى على هذا الكتاب وطريقته في التصنيف عدد من العلماء مثل النعيمي وجمال الدين بن عبد الهادي والعلموي وابن بدران.
٥ - الردود على مواضع من المهمات للأسنوي ت ٧٧٢ هـ.
٦ - شرح المحرر -في مصطلح الحديث- لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي ت ٧٤٤ هـ.
...
صورة خط المصنف ابن حجي رحمه الله
стр. 16
٧ - معجم لشيوخه رتبه على حروف المعجم مجردًا من التراجم.
* وهذه إجازة بخط المصنف مصورة من دار الخطيب بالقدس ذكرها الزركلي في الأعلام ضمن ترجمة المصنف ﵀ ١/ ١١٠.
جاء فيها "أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف الحنفيين عن المؤلف إجازة عامة وأجزت له رواية الكتاب المذكور عني بهذا الإسناد ورواية ما يجوز روايته واتفق العرض المبارك في يوم الخميس أول ذي الحجة أو ثانيه سنة إحدى عشرة وثمان مائة .... جوار المدرسة الظاهرية البرانية، قال وكتبه أحمد بن حجي بن موسى بن أحمد السعدي حامدًا لله تعالى مصليًا على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه مسلمًا".
* مكانته العلمية والاجتماعية
تميزت الفترة التي عاصرها المصنف ﵀ من وسط القرن الثامن إلى بداية القرن التاسع الهجري بكثرة المتغيرات السياسية والعسكرية والاجتماعية خاصة على مدينة الشام وقاعدتها دمشق وهو وسط ذلك مشارك في أحوالها العلمية والسياسية والقضائية مع حرصه التام على الانجماع عن الناس وعدم الخلطة بأهل النيابة والسياسة والسلطة.
وأما عن مكانته العلمية فقد ذكر ذلك ابن قاضي شهبة في طبقاته فقال: "ولي الشيخ في أواخر عمره الخطابة ومشيخة الشيوخ وانتهت المشيخة الشامية إليه وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة وخطه مليح وكان يضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه".
وقال ابن حجر في إنباءه عن المصنف ﵀ "أُريد على قضاء الشافعية مرارًا فامتنع وانتهت إليه في آخر وقته رئاسة العلم بدمشق وكان أشياخه ونظراؤه يثنون عليه".
وقال الغزي في بهجة الناظرين "وانتهت إليه بعد الفتنة المشيخه في البلاد الشامية ويكتب على الفتوى كتابة حسنة حسًا ومعنى".
стр. 17
وذكر ابن طولون الصالحي في قلائده الجوهرية المدارس التي درس فيها مثل الظبيانية والشامية والعذراوية والأتابكية وسواها من المدارس بدمشق وقال السخاوي في الضوء اللامع "وولي خطابة الجامع الأموي ونظره مرارًا وترك النيابة بل أريد على القضاء الأكبر بدمشق مرارًا وهو يمتنع".
وقال ابن فهد في ألحاظه "حصّل فنونًا من العلوم جمة ومهر في علم الحديث والفقه، وأفتى ودرس مع الصيانة والديانة واشتهر ذكره وبعد صيته، وكان لهجًا بعلم التاريخ والمواقيت".
وكان للمصنف ﵀ علاقات ومراسلات مع أهل عصره من أهل العلم فهو يذكر في عدة مواضع من كتابه ما كان يصله من أخبار يدونها في كتابه مثل مكاتباته مع القاضي تقي الدين الفاسي في مكة ومراسلات أخيه نجم الدين لما كان قاضيًا في حماة.
وألطف من ذلك وأدق ما وقع له مع نائب الشام شيخ المؤيدي عام ٨٠٩ هـ فهو يقول في حوادث شهر ذي الحجة من السنة المذكورة "ويوم الخميس ثامن عشريه .... واجتمعت يومئذ بالنائب وحدثني الدوادار شاهين بالقصة، وقال النائب: اكتب هذا في التاريخ"، فهو بهذا مُعتمدٌ عند أهل عصره كمؤرخ لهذا يسميه معاصره ابن ناصر الدين الدمشقي ت ٨٤٢ هـ عندما يترجم له في "التبيان شرح بديعة البيان" مؤرخ الإسلام.
ولمكانته الاجتماعية المرموقة فقد تم اختياره من ضمن وفد الصلح بين نائب الشام شيخ المؤيدي والملك الناصر فرج، وقد ذكر كثير ممن ترجم له هذه الوفادة على السلطان في القاهرة مثل ابن حجر وابن فهد والمقريزي والسخاوي، ويقول ابن تغري بردي في نجومه الزاهرة "وقدم القاهرة في دولة الملك الناصر فرج في الرسلية عن الأمير شيخ وكان معدودًا من فقهاء دمشق وأعيانها".
وقد وصف المصنف ﵀ هذه الرحلة من بدايتها حتى العودة إلى دمشق أدق وصف.
стр. 18
* وفاة المصنف ﵀
بعد عمر مبارك مليء بالجد والاجتهاد بين طلب العلم وتعليمه ومشاركة فعالة في جوانب الحياة متميزة بالديانة والصيانة، كما يقول الغزى ﵀ في "بهجة الناظرين" -كان حسن الشكل ديّنًا خيّرًا له أوراد من صلاة وصيام وعنده أدب كثير وحسن معاشرة-.
وافاه الأجل في سادس المحرم من سنة ست عشرة وثمان مائة مكملًا بذلك خمسة وستين عامًا ودفن بجوار والده بمقابر الصوفية بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين بن الصلاح وحضره الجم الغفير وكان يومًا مشهودًا، ﵀ رحمة واسعة وتقبّل منه صالح عمله. اللهم آمين.
* مصادر ترجمة المصنف ﵀
التبيان شرح بديعة البيان لابن ناصر الدين الدمشقي -مخطوط- ورقه (١٦٠) "درر العقود الفريدة للمقريزي ٢/ ١٧٩ (٢٩١) "، "السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي ٦/ ٣٥٩"، "طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ١٢ (٧١٧) "، "إنباء الغمر لابن حجر ٧/ ١٢١"، "بهجة الناظرين للغزي ١١٤"، "لحظ الألحاظ لابن فهد المكي ٢٤٧"، "النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ١٣/ ١٢٣"، "الدليل الشافي لابن تغري بردي ١/ ٤٢"، "الضوء اللامع للسخاوي ١/ ٢٦٩"، "القلائد الجوهرية لابن طولون الصالحي ١/ ١٧٨"، "الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي ١/ ١٠٤"، "كشف الظنون لحاجي خليفة ٢٧٧، ١١٢٢، ٢٠١٩"، "شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ٩/ ١٧٣"، "إيضاح المكنون لإسماعيل باشا ٩١، ٥٠٨"، "تاريخ الأدب العربي"، "بروكلمان مترجم ٦/ ١٨٩ (١١) "، "الأعلام للزركلي ١/ ١١٠"، "معجم المؤلفين ١/ ١٨٨"، "مجلة معهد المخطوطات المجلد (٢) الجزء (١) ص ١٢٠ رقم (٣٧) ".
стр. 19
ترجمة الناسخ ابن قاضي شهبة -٨٥١ ه ـ-
كان من لطف الله وتدبيره أن نسختي المخطوط "الألمانية والإيرلندية" كتبتا بخط ناسخ واحد وهو تلميذ المصنف ﵀ الذي أوصاه بتكملة كتابه وهو الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة فهو يقول "وكان قد أوصاني" بتكميل الخرم المذكور فأكملته، وأخذت التاريخ المذكور وزدت عليه حوادث من تواريخ المصريين وغيرهم بقدر ما ذكره الشيخ وتراجم أكثر من التراجم التي ذكرها بكثير وبسطت الكلام في ذلك وجاء إلى آخر سنة أربعين وثمان مائة في سبع مجلدات كبار ثم اختصرته في نحو نصفه وهذه ترجمة جامعة ذكرها السخاوي ﵀ لابن قاضي شهبة في الضوء اللامع ١١/ ٢٢ (٦١).
* * *
أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف التقي بن الشهاب بن الشمس بن النجم بن الشرف الأسدي الشهبي الدمشقي الشافعي والد البدر محمد وحمزة من بيت كبير أشرت لمن عرفته منهم في المعجم؛ ويعرف كسلفه بابن قاضي شهبة لكون النجم والد جده أقام قاضيًا بشهبة السوداء أربعين سنة. ولد في رابع عشري ربيع الأول سنة تسع وسبعين وسبعمائة بدمشق ومات أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة بعد أن أحضره على والده في الثانية والثالثة والرابعة ومما
стр. 20
حمله عنه البخاري فاشتغل بالعلم وأخذ عن جماعة منهم كما قرأته بخطه السراج البلقيني -قال وهو أعلاهم- والشهاب الزهري وابن حجي والملكاوي والشرفان الشريشي والغزي والجمال الطيماني والزين القرشي الحافظ والبدر بن مكتوم والشمس الصرخدي وسمع كما بخطه من أبي هريرة بن الذهبي والعلاء بن أبي المجد وابن صديق وكما بخط بعضهم من غيرهم ومن جده الشمس وتدرب في التاريخ بالشهاب بن حجي وله على تاريخه ذيل انتهى فيه إلى سنة أربعين وكذا عمل مختصرًا لطيفًا مفيدًا في طبقات الشافعية استمد فيه بل وفي سائر تعاليقه التاريخية من تصانيف شيخنا ومراسلاته -ابن حجر- حسبما يصرح بالنقل عنه وعليه فيها عدة مؤاخذات، وفنه الذي طار اسم به هو الفقه قد انتهت إليه الرياسة فيه ببلده بل صار فقيه الشام وعالمها ورئيسها ومؤرخها وتصدى للإفتاء والتدريس فانتفع به خلق، وحدث ببلده وببيت المقدس سمع منه الفضلاء أجاز لي ودرس بالسرورية والأمجدية والمجاهدية والظاهرية والناصرية والعذراوية والركنية وغيرها، وناب في تدريس الشاميتين وصار الأعيان في وقته ببلده من تلامذته ورحل إليه من الأماكن النائية، كل ذلك مع الذكاء والفصاحة والشهامة والديانة وحسن الخلق والمحاسن الوافرة، ومن تصانيفه سوى ما تقدم شرح المنهاج سماه كفاية المحتاج إلى توجيه المنهاج ولكنه لم يكمل وقف فيه مكان وقف السبكي في الخلع في أربع مجلدات وشرح التنبيه سماه كافي النبيه، وحج وزار بيت المقدس وناب في القضاء بدمشق مدة ثم استقل به في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين عوضًا عن الكمال ابن البارزي ولم يلبث أن صرف بالبهاء بن حجي لكونه خطب في واقعة أينال الجكمي للعزيز يوسف بن الأشرف برسباي ثم أعيد بعد الونائى في شوال التي تليها وانفصل عن قرب أول سنة أربع وأربعين وانقطع للعلم وسافر قبيل موته بجميع عياله لزيارة بيت المقدس في رمضان وقصد الشهاب أبا البقاء الزبيري بالمدرسة الطولونية لزيارته فقيل أنه تكلم على بعض المحال من البخاري بحضرة المزور بما أبهت به من حضر حتى قال بعضهم لو كان هنا ابن حجر لم يتكلم بأكثر ولا أحسن ويحققوا بذلك تقدمه فيما عدا الفقه أيضًا،
стр. 21
ولما انقضى أربه من الزيارة عاد فمات فجأة وهو جالس يصنف ويكلم ولده البدر بعد عصر يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ودفن من الغد بمقبرة باب الصغير عند سلفه وكان له مشهد لم ير لأحد من أهل عصره مثله وتأسف الدمشقيون على فقده، ومن الغريب ما حكاه ولده أنه قبل موته أظنه بيوم ذكر موت الفجأة وأنه إنما هو أخذة أسف للكافر وأما المؤمن فهو له رحمة وقرر ذلك تقريرًا شافيًا قلت وقد ترجم البخاري في الجنائز من صحيحه موت الفجأة، وقد ترجمه بعض المتأخرين فقال: إنه ناب مدة بشهامة وصرامة وحرمة وكلمة نافذة ثم استقل مرتين، وانتهت إليه رياسة المذهب في زمانه بل رياسة الشام كلها وصار مرجعها إليه ومعولها في مشكلاتها عليه ورزق من ذلك ما لم يرزقه فيه غيره حتى قال الحسام الحنفي أنه لم يحصل لشافعي قط ما حصل له فإنه يرى نص الشافعي في مسألة فتواه على خلافه فيعمل بها لكونه عندهم أخبر بنص الشافعي من غيره ولم يدانه في زمانه بل ولا قبله من مدد في معرفة فروع الشافعية سيما تخريج كلام المتأخرين أحد وكتب بخطه الكثير بحيث لو قال القائل أنه كتب مائتي مجلد لم يتجاوز وخطه فائق دقيق وبيع في تركته نحو سبعمائة مجلد كاد أن يستوفيها مطالعة وألف التاريخ الكبير ابتدأ فيه من سنة مائتين إلى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة وفي أثنائه خرم أكمله بعض تلامذته وذيلًا على تواريخ المتأخرين الذهبي والبرزالي وابن رافع وابن كثير وغيرهم ابتدأه من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة إلى سنة نيف وعشرين وثمانمائة في ثمان مجلدات واختصره في مجلدين ثم اختصره في مجلد وكتب حوادث زمنه إلى يوم وفاته وعمل طبقات الشافعية والحنفية إلى غير ذلك مما لا يحصى اختصارًا وانتقاءً وجمعًا، قال العز القدسي دخلت دمشق قبل الفتنة فلم أر فيها ولا سمعت ممن نشأ أحسن منه صورة وسيرة، وكان شكلًا حسنًا يلبس القماش النفيس ويركب البغال المثمنة معظمًا مكرمًا وقورًا لا يخاطب غالبًا إلا جوابًا عليه جلالة ومهابة عنده نفرة من الناس وبعض حدة مزاج لم أر مثله في معناه ولما أرسل الظاهر جقمق رسوله لشاه رخ كان أحد أربعة سأله عنهم فأجابه ببقائهم فقال الحمد لله بعد في الناس بقية؛
стр. 22
حج في سنة سبع وثلاثين وقدم القدس في المحرم سنة إحدى وخمسين للزيارة ثم عاد إلى أن مات في عصر يوم الخميس عاشر ذي القعدة منها فجأة، وأخرج من الغد بعد أن صلى عليه بعد الجمعة في مشهد حافل لم يعهد نظيره في هذه الأزمان ومشى فيه النائب والحجاب والقضاة ونوابهم والعلماء والفقهاء وسائر الناس ودفن بمقابر باب الصغير عنه أبيه وجده بالقرب من تربة بلال ورؤيت له منامات كثيرة حسنة ذكرها ولده في مجلدة وأفرد من مناقبه أيضًا جملة، ورثى بمراثٍ كثيرة فيها مرثية للشمس القدسي أولها:
عليك تقي الدين تبكي المنازل ... لقد كنت مأمولًا إذا أم نازل
ولمحمد الفراش أولها:
لموتك أيها الصدر الرئيس ... تعطل الدارس والمدروس
ولم يخلف بعده مثله، وكان في يوم الأربعاء درّس بالتقوية وذكر الخلاف في موت الفجأة ثم قال وأنا أختاره لمن هو على بصيرة لأن أقل ما فيه أمن الفتنة عند الموت، ثم ركب منها فلما استوى على بغلته قال لولده البدر والله يا بني ما بقي فينا شيء ثم توجه للناصرية فدرّس بها وجره الكلام إلى فضل الموت يوم الجمعة وليلتها ثم سأل الله الوفاة في ذلك فأجاب الله دعوته فإنه لما كان ثاني يوم بعد العصر وهو جالس يحدّث ولده والقلم بيده وهو يكتب فوضع القلم في الدواة واستند إلى المخدة والتوى رأسه فقام إليه ولده فوجده قد مات بحيث قال ولده والله والله ما أعلم أنه حصل له من ألم الموت ما يحصل من ألم الفصادة إلا دون ذلك ﵀ وإيانا.
* * *
ولابن قاضي شهبة ﵀ ترجمة في "النجوم الزاهرة ٥/ ٢٥١"، "البدر الطالع ١/ ١٦٤"، "الأعلام للزركلي ٢/ ٦١"، "معجم المؤلفين ٣/ ٥٧".
стр. 23
* ابن حجي ﵀ وكتابه التاريخ
سيجد القارئ الكريم لهذا الكتاب أن مصنفه ﵀ تميز فيه بعدة جوانب أهمها:
أولًا - اهتمامه بالمدارس والدروس فيها، فالمصنف ﵀ يصف المدارس ومواعيد الدروس فيها والكتب التي تدرَّس ومن يُدرِّس فيها والأوقاف القائمة عليها وإعادة تجديدها، ولهذا صنف كتاب الدارس في أخبار المدارس.
ثانيًا - اهتمامه الفلكي وما يترتب عليه، يلاحظ أن المصنف ﵀ متابع بكل دقة مواعيد الأهلة وتواريخها وما يقابلها بالشهور القبطية والإفرنجية ومواسم المطر وأحواله عبر السنين وأثر ذلك في الحياة العامة من خصب وجدب وما يترتب على ذلك من صلاة استسقاء والاستعداد لذلك بالإضافة إلى صلوات الخسوف والكسوف.
ثالثًا - الاهتمام بالعمارة ومتابعتها، فنجده ﵀ يتابع بناء الأسواق والقيساريات والأبنية العامة مثل الحمامات والأسوار خاصة بعد تعرّض دمشق لغزو تيمورلنك في عام (٨٠٣ هـ) ويصف عمليات البناء ومن قام عليه وأنفق وكم تكلف ذلك وكيف سار العمل فيه بكل دقة ومتابعة.
رابعًا - يتابع أسعار العملة وإعادة سكّها ويبين الغش فيها، انظر (ص ٣٥٢) وتدخل الولاة في ذلك وتأثيره على الغلاء والرخص في قيمة المواد الإستهلاكية من خبز ولحم وزيت وسوى ذلك من المواد.
خامسًا - يهتم بالحياة الاجتماعية العامة وما يقع فيها من حوادث يومية من أعراس وأعياد أو افتتاح لسوق أو إعادة ترميم لحمام، ويصف مواسم الحلوى ودخول الفاكهة من توت ومشمش ووفرة القمح والشعير أو ندرة هذه المواد وحاجة الناس إلى أكل الجراد، أو يتابع ما كان في حديث حريق دمشق والضرر الحاصل من ذلك، ويهتم بحركة خروج المحمل الشامي ومن حج من الأعيان والعلماء والعباد والزهاد ومن جاور منهم وأمير الركب
стр. 24
وقاضيهم، ويتابع سير المحمل في الذهاب والعودة وما يتعرض له من أحوال.
ويقف عند حوادث دقيقة خاصة لا يدعها تفوت لتبقى واصفة لحال الناس في عصره فيذكر مثلًا حادثة قتل قاضي حماة لزوجته وما دار فيها من ملابسات ومسألة قتل ابن النشو أثناء صلاة الاستسقاء واهتمام السلطان بذلك ودقة التحقيق للوصول للجناة، أو يذكر مسابقة تقع بين أهل السوق وما جرى فيها والقبض على مزوّر للعملة وعنده آلات سك العملة (ص ٣٥٢)، وسوى ذلك من دقائق الأمور وخواصها مؤكدًا أن التاريخ هو حياة الناس وأحوالهم وليس خاصًا لعلية القوم من القادة والأمراء والعسكريين.
سادسًا - أما عن الناحية الإدارية فهو يسجل في مقدمة كل سنة وبكل دقة تنصيب الولاة وعزلهم والقضاة وسعيهم في المناصب ويعلق بأسى على تردي حال القضاة والرشوة في الحصول على المناصب ويذكر مناصب الدولة ومن توّلاها من حاجب وكاتب للسر ومحتسب في البلاد الشامية والمصرية وغيرهم. ويدقق في ذلك حتى أنه يصف طريقة الحصول على ورقة الإذن بالسفر لموظفي الدولة انظر (ص ١٣٧).
سابعًا - المصنف ﵀ في الدرجة الأولى مؤرخ يسجل الأحداث ويفصّلها بكل دقة ويعلّق عليها ويتابع حركتها وأسبابها ونتائجها أولًا بأول، ويشمل تدوينه ما يدور في البلاد الشامية والمصرية وما يؤثر عليها من أحداث في بلاد الشرق واصفًا قيام الدول وسقوطها في بغداد وسمرقند وبورصة وأخبار سلطان بغداد وخان التتار وسلطان العثمانيين وسلاطين المماليك ونزاعهم على كرسي المملكة وأشراف مكة والمدينة والحروب بينهما وأخبار شيوخ الأعراب وآمراء التركمان وتدخلهم في التأثير على الحياة العامة.
بالإضافة إلى اهتمامه بتدوين التراجم وتسجيل الوفيات بكل دقة وحرص.
стр. 25
وصف النسخ المخطوطة
* أولًا: نسخة برلين - ألمانيا
تقع هذه النسخة في (٢٦٢) ورقة من القطع الكبير في كل ورقة صفحتان، يقع في كل صفحة من (٢٣) إلى (٢٥) سطر تقريبًا، وهي من محفوظات المكتبة الملكية ببرلين تحت رقم (٩٤٥٨)، وعلى غلاف النسخة والورقة الأخيرة منها خاتم المكتبة الملكية.
وقد كتب بخط ناسخين أولها تلميذ المصنف ﵀ وهو تقي الدين بن قاضي شهبة الذي نسخ أكثر من ثلث النسخة بخطه المعروف المشتهر والباقي بخط ناسخ آخر لم يدوّن اسمه على النسخة.
* واعتمدت هذه النسخة لعدة مميزات منها:
١ - النسخة مقابلة على نسخة المصنف ﵀ ولهذا حرص الناسخ ابن قاضي شهبة أن يدوّن على أطرافها في أكثر من (١٥) موضعًا قوله "بلغ مقابلة" أو يقول "بخط الشيخ" و"كذا بخط المصنف" أو "كذا عاينته" و"رأيت بخط الشيخ" وفي موضع "كذا كتبه الشيخ في الحاشية" أو أنه يحقق بقوله "المضروب ليس بخط الشيخ" أو "بغير خط الشيخ" ويؤكد أخيرًا بقوله "بلغ مقابلة على خط مؤلفه".
ولهذه الألفاظ وأمثالها يثبت إن شاء الله أن النسخة منقولة عن نسخة
стр. 26
المصنف ﵀ خاصة وأنها بخط تلميذه ابن قاضي شهبة والذي أوصاه بتكملة كتابه.
٢ - احتواء هذه النسخة على الجزء الأكبر من الكتاب كما جاء على غلاف النسخة "من تاريخ العلّامة الحافظ شهاب الدين ابن حجي تغمّده الله برحمته من سنة ست وتسعين وسبعمائة إلى آخر سنة خمس عشرة وثمان مائة". ولأن السنوات ٨٠٥، ٨٠٨ هـ فُقِدَتْ من هذه النسخة فقد تم استكمالها من النسخة الثانية.
٣ - حرص الناسخ على تدوين أسماء من يترجم لهم على أطراف النسخة في معظم النسخة.
٤ - تميزت هذه النسخة بوضوح خطها وحسن ترتيبه بالإضافة إلى عدد من الملاحظات والتي منها:
أ - تعرضت الورقة (٤) للأرضة بصورة سيئة أضاعت كثيرًا من المكتوب فيها.
ب - شهر ذو الحجة من عام (٨١١ هـ) سقط ولم يدوّن وجاء في حاشية الورقة (٢٠٦) بخط مغاير "قلت أن ذو الحجة سقط من هذه السنة فليعلم هذا".
جـ - هناك سقط قدر ورقة من حوادث شهر رمضان من عام (٨١٣ هـ) بعد الورقة (٢٣٧ أ).
د - جاء على غلاف النسخة عدة تمليكات جاء فيها "استصحبه يحيى عفى عنه" و"تملكه الفقير عبد العزيز عفى عنه" و"من نعمة الله على عبده محمد بن محمد الخيضري" وآخرها "الحمد لله وحده نظر فيه داعيًا لمالكه بطولى حياته أحمد الغزي الشافعي في شهور سنة ٨٤٧ هـ".
هـ - جاء في آخر ورقة من المخطوط الورقة (٢٦٢) ترجمة موجزة للمصنف ﵀، نقلها من دونها بنصها من "كتاب التبيان شرح بديعة البيان" لابن ناصر الدين الدمشقي ت ٨٤٢ هـ، جاء فيها:
стр. 27
ترجمة الشيخ شهاب الدين ابن حجي
أحمد بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي الحسباني الدمشقي الشيخ العلامة شهاب الدين أبو العباس الشافعي الإمام مؤرخ الإسلام، سمع من محمد بن عبد الله الصفوي وعثمان بن يوسف ابن غدير وعمر بن أُميلة وابن السوقي وابن النقبي وخلق كثير، وحدث عن عبد الله بن قيم الضيائية وغيره بالإجازة وكان أحد أئمة هذا الشأن ممن أتقنه وجازه، وأخذ عن والده شيخ البلاد الشامية وغيره من ذوي العلوم المرضية، وتفرّد بإتقانه مذهبه مع فتاويه المحررة المهدية، ومعرفته الجيدة بتراجم الرجال والوقائع والدول وتقلب الأحوال، وكان لطيف الشكل عديم المثل علّامة الزمان مع الخلق الحسن والإحسان.
стр. 28
* ثانيًا: نسخة شستربتي -دبلن- إيرلندا
تقع هذه النسخة ضمن مجموع يحتوي على ثلاثة كتب:
أولها - المنتقى من تاريخ ابن الفرات لابن قاضي شهبة، الأوراق (١ - ١٩٦).
الثاني - المنتقى من تاريخ ابن دقماق لابن قاضي شهبة، الأوراق (١٩٧ - ٢٠٥).
الثالث - قطعة من كتاب تاريخ ابن حجي وهو يحتوي السنوات (٨٠١ - ٨١٠ هـ) الأوراق (٢٠٩ - ٣٣٨) أي عبارة عن (١٣٠) ورقة من القطع الكبير في كل ورقة صفحتان وفي كل صفحة (٢٣) سطرًا، والمجموع كله بخط ابن قاضي شهبة ﵀ والنسخة من محفوظات مكتبة شستربتي بإيرلندا تحت رقم (٤١٢٥) وتوجد من المخطوط نسخة بمكتبة المخطوطات بجامعة الكويت.
وقد تميزت هذه النسخة بعدة مميزات منها:
١ - النسخة كلها كتبت بخط ابن قاضي شهبة ﵀ وهو أعرف الناس بكتاب شيخه والقائم على وصيته بتكملة الكتاب.
٢ - تم استكمال النقص الموجود في النسخة الألمانية من نسخة شستربتي وهو السنوات (٨٠٥، ٨٠٨ هـ).
стр. 29
٣ - لا تختلف هذه النسخة عن النسخة الألمانية كثير اختلاف خاصة وأن الناسخ واحد، غير أنها لم تقابل على أصل المؤلف لهذا نجدها قليلة التعليقات والتصحيحات.
* ملاحظة عامة
من أهم المراجع التي كان لها العون -بعد الله كتاب تاريخ ابن قاضي شهبة والذي كان مؤلفه ﵀ ينقل فيه نصوصًا كاملة من تاريخ شيخه ابن حجي، وبما أنه يقف في تاريخه عند حوادث عام (٨٠٨ هـ) فإنه تم استكمال ما يُحتاج إليه من نقص وتوضيح من كتب إنباء الغمر لابن حجر والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
المحقق
стр. 30
الورقة الأولى من النسخة الألمانية - برلين
стр. 31
الورقة الأخيرة من النسخة الألمانية - برلين
стр. 32
الورقة الأولى من النسخة الإيرلندية - شستربتي
стр. 33
الورقة الأخيرة من النسخة الإيرلندية - شستربتي
стр. 34
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة ست وتسعين وسبعمائة
استهلت والخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر، والسلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق، نائبه بالديار المصرية الأمير سودون الشيخوني، وقضاة مصر هم قضاة السنة الماضية، سوى الحنبلي فتوفي وولي ابنه القاضي برهان الدين، ولي منذ أربعة أشهر.
نائب الشام الأمير سيف الدين تنبك الظاهري، قضاة الشام القاضي شهاب الدين الباعوني وهو خطيب الجامع وشيخ الشيوخ، القاضي تقي الدين ابن الكفري الحنفي، القاضي برهان الدين التادلي المالكي، القاضي علاء الدين بن منجا الحنبلي.
ثم عزل الأربعة في أثناء السنة الحنبلي في ربيع الآخر بنائب حكمه شمس الدين النابلسي، والشافعي بالقاضي علاء الدين بن أبي البقاء في جمادى الآخرة، والحنفي بالقاضي نجم الدين بن العز في آخر رجب، والمالكي بالقاضي علم الدين ابن القفصي في شعبان، وهؤلاء الثلاثة بعد قدوم السلطان.
كاتب السر أمين الدين موقع حمص الصاحب نجم الدين المسلماني، ثم أخبرت أن ابن الطوخي الذي كان قبله أُعيد مع وظائف أُخر في آخر السنة الماضية.
стр. 35
ووصل في أواخر المحرم ناظر الجيش شمس الدين ابن مشكور، ثم عزل في شعبان بابن الأخنائي، وكيل بيت المال القاضي شمس الدين ابن الأخنائي وهو قاضي العسكر، ونائب الحكم الشافعي ثم عزل من الوكالة بأمين الدين ابن القيسراني في جمادى الآخرة، وبدر الدين ابن منصور وناصر الدين ابن السراج قاضيا العسكر.
الحنفي المحتسب برهان الدين ابن منصور عم المذكور، الحُجّاب الكبير الأمير تمربغا المنجكي، ثم الأمير قرابغا العلائي والأمير سيف الدين كزل والأمير ناصر الدين بن ... تأمر وتحجب في السنة الماضية.
والي البر رجل من أهل القبيبات ثم عزل بمملوك النائب، والي البلد يحيى بن العفيف، ولي في هذه الأيام ثم عزل بالشريف ابن دعاء.
نائب حلب الأمير سيف الدين جلبان، ثم عزل في آخر السنة بتغري بردي، نائب صفد الأمير سيف الدين آرغون شاه، ثم نقل في آخر السنة إلى طرابلس وولي عوضه في السنة الآتية آقبغا الظاهري.
стр. 36
المحرم
أوله الخميس سادس تشرين الثاني، ثاني عشري برج العقرب، في أوائله استناب القاضي الحنفي في الحكم نجم الدين ابن الصفي البصراوي، ناظر مدرسة بصرى ومدرّسها، وكان له مدة بلا نائب، عزل نوابه عقيب كائنة ابن الحصني في رمضان، ثم قيل أنه أخذ من هذا شيئًا وولاه.
ويوم الجمعة سادسه، صُلي بالجامع صلاة الغائب على الشيخ عمر المجرد المتوفى ببلد الخليل ﵇، وقد قدمنا وفاته في الشهر الماضي، وليلتئذ نقلت الشمس إلى برج القوس.
ويوم الأحد حادي عشر سُعّر الخبز الصافي كل رطل بدرهم، ولم يستمروا على ذلك.
ويوم الثلاثاء ثالث عشر قبضوا على جاسوس من جهة تمرلنك معه كتاب، فضرب ليقرّ فلم يعترف.
ويوم الخميس نصفه وصل الشيخ إسماعيل أخو القاضي من بلاده إلى دمشق، بعدما غاب تسعة أشهر إلا أسبوعًا.
ويوم الثلاثاء العشرين منه قُرئت كتب الحاج، وكانت وصلت آخر نهار الاثنين أو ليلتئذ، وكانا اليومان مطيرين، وفيها الأخبار عنهم بخير ولله الحمد.
وفي يوم السبت رابع عشريه، وصل نجم الدين ابن السنجاري وأهله
стр. 37
من القاهرة بعدما أقاموا بها نحو سنة ونصف، كانت مدة غيبتهم عن دمشق سنة وسبعة أشهر ويومين، ولكن جاء نجم الدين في سنة أربع في رمضان لأشغال قضاها ثم رجع، واستمر سعيه في القضاء عام أول، وكان توجه لأجل ابنته فإن الأمير محمود الاستاددار (١) تزوج ابنته حين جاء مع السلطان وأخذها معه في آخر سنة ثلاث وتسعين، وقدم معه ابنه علاء الدين على خيل البريد، أدركه عند خان ابن ذي النون فدخلا جميعًا فتلقاهما أصحابهما، وممن خرج القاضي المالكي.
ويوم الاثنين سادس عشريه ولي الشريف ابن دعاء ولاية البر عوضًا عن يحيى بن العفيف بعدما باشر دون شهر.
ويوم الثلاثاء سابع عشريه دخل طائفة من الحاج، ومن الغد يوم الأربعاء فى خل الباقون جملة واحدة مع المحمل، ووصل معهم من المجاورين بدر الدين ابن الرمثاوي وشمس الدين صهر المالكي.
ويوم الخميس تاسع عشريه لبس ابن الطوخي خلعة الوزارة، وكان وصل بالأمس ومعها نظر (٢) الخاص ونظر المهمات ونظر داريا، ووصل الأمير جمال الدين الهيدباني من القاهرة على طبلخانة (٣) ابن يعقوب شاه في هذه الأيام.
وفي يوم الجمعة سلخ الشهر توجه الأمير شهاب الدين بن الأمير الشيخ على أحد المقدمين إلى الكرك نائبًا لها، وخرج معه النائب عقب صلاة الجمعة يودعه.
* * *
стр. 38
وممن توفي فيه
الفقيه الفاضل محيي الدين (١) يحيى بن محمد بن يحيى الدّناوي، أحد طلبة العلم حفظ المنهاج واشتغل وكان يقرأ حسنًا، ويؤم نيابة بجامع العقيبة، وكان فقيرًا ما حصلت له .... الشامية إلا من دون سنة فأعطيت لولده، وكان سمع مني بالقاهرة وأظنه سمع بدمشق من يونس ابن الصيرفي، توفي يوم الاثنين ثاني عشره.
عامل الجامع نجم الدين أحمد (٢) بن صدر الدين محمد بن الشيخ بدر الدين محمد بن نجم الدين عمار بن يوسف بن محمد المعروف بابن الحداد، وكان شابًا من أخبر الناس بأوقاف الجامع، وهو أصغر الولدين، توفي يوم السبت رابع عشريه وكان أبوه أيضًا عامله مدة طويلة ثم أُخر -أعرفه-، وجده كان من جهة قراسنقر وكان معه بدمشق وحلب وقد ولي في أيام نيابته بدمشق خطابة الجامع أيامًا معدودة، وكذا كان بحلب في نيابته الأولى خطيبًا وناظرًا على الأوقاف، ثم ولي بعد ذلك بدمشق نظر المارستان ثم الحسبة ثم نظر الجامع، وتوفي في سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وكان حنبليًا يحفظ المحرر، له اشتغال قديم قبل دخوله في الكتابة وأصله من آمد.
أبو بكر (٣) بن محمد بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي ابن أخي الحافظ، وكان أخبرني أن عمه أخبره أن مولده سنة إحدى وعشرين، ثم رأيت بخط البرزالي أنه كان مؤرخه بمستهل هذه السنة فيها اسمه، وقد أجازه فيها شيوخ العصر، وقد سمع من ابن الشحنة وجماعة وسمع كثيرًا، سمعت منه قديمًا من سنة إحدى وسبعين وقبل ذلك وسبب ذلك أني سكنت في العمرية في أواخر سنة تسع وستين عند سفر والدي مع البلقيني
стр. 39
إلى مصر في فتنة القاضي تاج الدين، فدخلت حمام نور الدين فرأيته .... فغسّلت ..... بنفسه، فسمعت منه ثم سمع منه الطلبة توفي في أوله على ما أخبرني شهاب الدين أحمد بن كسيرات الشاهد عندنا بالعادلية.
الأمير كاكا الكجكني (١) أخو الأمير حسن الذي كان نائب الكرك، توفي يوم الخميس تاسع عشرين.
أمين (٢) الدين محمد بن تقي الدين علي ابن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن شعبان المعروف بابن طلس الشيباني الدمشقي عامل الشامية البرانية والشميساطية، وكانت له أيضًا مباشرة في ديوان السبع وباشر نيابة نظر الجامع غير مرة يطلب لذلك، وكان عارفًا بصنعة الكتابة ذا مال وثروة، وهو رجل جيد، وكان ضعيف البنية كثير الأمراض، رأيت له حضور على ابن الشحنة في الأولى في صفر سنة عشرين وسبعمائة، فيكون مولده سنة سبع عشرة وسبعمائة، وسمع صحيح البخاري كاملًا من ابن الشحنة في رمضان سنة تسع وعشرين بجامع دمشق، توفي ليلة الخميس تاسع عشريه وولي مكانه عمالة الشامية ولده ثم نزل عنها لشمس الدين الينني.
الشيخ بهاء (٣) الدين رسلان بن أحمد بن إسماعيل الذهبي الدلال، روى عن ابن الشحنة، توفي يوم الاثنين سادس عشريه ودفن من الغد.
стр. 40
صفر
أوله السبت سادس كانون الأول، ثالث عشرين برج القوس.
يوم الخميس سادسه أو يوم الجمعة عزَّر القاضي إبراهيم قرابة الياسوفي وضربه بالدرة وطاف به البلد، نسب إلى أنه يشاكل في مركز الشهود، وبلغ القاضي أنه هجاه، ثم سجنه بسجن باب الصغير.
ويوم الجمعة بعد الصلاة بسابعه دخل السلطان أحمد بن أويس دمشق ولاقاه العسكر إلى قارا (١) ودخلوا في خدمته ونزل بالقصر وكان قَصَده تمرلنك ببغداد ففر منه إلى حلب فطلبه السلطان مع أزدمر، وكان متضعفًا فلما نقه جاء.
وقالوا عن شكله أن لحيته خفيفة دون شواربه، وركب من الغد إلى الجامع.
فصل الشتاء وليلة السبت ثامنه ثالث عشر كانون الأول نقلت الشمس إلى برج الجدي في آخر الساعة الحادية عشر في أواخر وقت التسبيح أو من الثانية عشر قبل الفجر.
ويوم الخميس ثالث عشره وصل توقيعان أحدهما لإبراهيم الركراكي المتولي قضاء حماة بقضاء حلب، والآخر لابن القفصي بقضاء حماة عن سعي منه.