← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ، فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيبَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ، لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ. ــ ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ سائرُ الأوْلياءِ الاعْتِرَاضَ عليها ومَنْعَها مِن هذا التَّزْويجِ؛ لأنَّ العارَ يَلْحَقُ بهم، ويَنَالُهم الضَّرَرُ، فأشْبَهَ ما لو زَوَّجَها بغيرِ كُفْءٍ. ٣٢١٠ - مسألة: (فأمَّا إن عَلِمَتِ العَيبَ بعدَ العَقْدِ، أو حَدَثَ

стр. 10047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به، لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ) إذا رَضِيَتْ؛ لأنَّ حقَّ الوَلِيِّ في ابْتِداءِ العَقْدِ لا في دَوَامِه، ولهذا لو دَعَتْ وَلِيَّها إلى تَزْويجِها بِعَبْدٍ لم تَلْزَمْه إجابَتُها، ولو [عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ] (١) لم يَمْلِكْ إجْبارَها على الفَسْخِ.

стр. 10048

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 10049

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 10050

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، ــ بابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ (وحُكمُه حُكْمُ نِكاحِ المسلمين فيما يَجِبُ به وتَحريمِ المحرماتِ) وجملةُ ذلك، أنَّ أنْكِحَتَهم يتَعَلَّقُ بها أحكامُ النِّكاحِ الصَّحِيحِ، مِن وُقُوعِ الطَّلاقِ، والظِّهارِ، والإِيلاءِ، ووُجُوبِ المَهْرِ، والقَسْمِ، والإِباحَةِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، والإِحْصانِ، وغيرِ ذلك. وممَّن أجازَ طَلاقَ (١) الكُفَّارِ؛ عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ولم يُجَوِّزْهُ الحسنُ، وقَتادَةُ،

стр. 10051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورَبِيعةُ، ومالكٌ. ولَنا، أنَّه طَلَاقٌ مِن بالِغٍ عاقلٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فَوَقَعَ، كطَلَاقِ المسلمِ، فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أنْكِحَتِهم. قُلْنا: دليلُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى أضافَ النِّساءَ إليهم، فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾ (١). وقال: ﴿امْرَأَت فِرْعَوْنَ﴾ (٢). وحَقِيقةُ الإِضافةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صحيحةً. [وقال النَّبِيُّ ﷺ ] (٣): «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» (٤). وإذا ثَبَت صِحَّتُها، ثَبَتَتْ أحكامُها، كأَنْكِحةِ المسلمينَ. فعلى هذا، إذا طَلَّقَ الكافرُ ثلاثًا، ثمَّ تَزَوَّجَها قبلَ زَوْجٍ وإصَابَةٍ، ثمَّ أسْلَما، لم يُقَرَّا عليه. وإن طَلَّقَ امْرأتَه أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، ثمَّ أسْلَما، فهي عندَه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، وإن نَكَحَها كِتَابِيٌّ وأصابَها، حَلَّتْ لمُطَلِّقِها ثَلاثًا، سواءٌ كان المُطَلِّقُ مُسْلِمًا أو كافِرًا، وإن ظاهَرَ الذِّمِّيُّ مِن امْرأَتِه، ثمَّ أسْلَما، فعليه كَفَّارةُ الظِّهارِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٥) الآية. فإن آلَى، ثَبَتَ حُكْمُ الإِيلاءِ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٦). ويَحْرُمُ عليهم في النِّكاحِ ما يَحْرُمُ على المسلمين، على ما ذَكَرْنا في بابِ المُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ.

стр. 10052

وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَينَا. ــ ٣٢١١ - مسألة: (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ما اعْتَقَدوا حِلَّها، ولم يَرْتَفِعُوا إلينا) إنَّما يُقَرُّونَ بهذَين الشَّرطَين؛ أحدُهما، أن لا يَتَرافَعُوا إلينا. الثاني، أن يَعْتَقِدُوا إباحَةَ ذلك في دينِهم؛ لأنَّ ما لا يعْتَقِدُون حِلَّه ليسَ مِن دِينِهم، فلا يُقَرُّونَ عليه، كالزِّنى، والسَّرِقَةِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيئًا﴾ (١). فيَدُلُّ هذا على أنَّهم يُخَلَّوْنَ وأحْكامَهم إذا لم يَجِيئُوا إلينا. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ (٢)، ولم يَعْتَرِضْ عليهم في أنْكِحَتِهم، مع عِلْمِه أنَّهم يَسْتَبِيحُون نِكاحَ محارِمِهِم. ولأنَّه أسْلَمَ خَلْقٌ كثيرٌ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فأقَرَّهم على أنْكِحَتِهم، ولم يكْشِفْ عن كَيفِيَّتِها. فإذا لم يَرْتَفِعُوا، لم نَتَعَرَّضْ لهم؛ لأنَّا صَالحْناهم على الإِقْرَارِ

стр. 10053

وَعَنْهُ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً، يَحُولُ بَينَهُمَا الْإِمَامُ. فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ. ــ على دِينِهم. (وعن أحمدَ في مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كتابِيَّةً، أو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً) قال: يُحَالُ بَينَه وبَينَها. قيل: مَن يَحولُ بَينَهُما؟ قال: الإِمامُ. قال أبو بكرٍ: لأنَّ علينا ضَرَرًا في ذلك بتَحْريمِ أولادِ النَّصرانِيَّةِ علينا. ويجئُ على قولِه في تَزْويجِ النَّصْرانِيِّ المَجُوسِيَّةَ (فيُخَرَّجُ مِن هذا أَنَّهم لا يُقَرُّونَ

стр. 10054

فإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إِلَينَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، لَمْ نُمْضِهِ إلا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيفِيَّةِ ــ على نِكاحٍ محرَّمٍ) [وأنْ يُحال بينَهم وبينَ نِكاحِ مَحارِمِهم؛ فإنَّ عمرَ كتَب أن فَرِّقوا بينَ كلِّ ذِي مَحْرَمٍ] (١) (٢) مِن المجُوسِ. وقال أحمدُ في مجُوسِيٍّ مَلَكَ أمَةً نَصْرانِيَّةً: يُحالُ بينَه وبينَها، ويُجْبَرُ على بَيعِها؛ [لأنَّ النَّصارى لهم دِينٌ] (٣). فإن مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مجُوسِيَّةً، فلا بأسَ أن يَطأَها. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا يُبَاحُ له وَطْؤُها أيضًا. لِما ذكرْناه مِن الضَّرَرِ. ٣٢١٢ - مسألة: (وإِن أَسْلَمُوا، أو تَرافَعُوا إلينا في ابْتِداءِ العَقْدِ، لم نُمْضِه إلَّا على الوَجْهِ الصَّحِيحِ) مِثْلَ أنْكِحَةِ المسلمين؛ بِالولِيِّ والشُّهُودِ والإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى عَقْدٍ يُخالِفُ ذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٤) (وإن كان في أثْنائِه (٥)، لم

стр. 10055

عَقْدِهِمْ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَاتِ مَحْرَمِهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا، فُرِّقَ بَينَهُمَا، وَإِلَّا أُقِرَّا ــ نَتَعرَّضْ لكَيفِيَّةِ عَقْدِهِم) ولا تُعْتَبَرُ له شُرُوطُ أنْكِحَةِ المسلمين؛ من الوَلِيِّ والشُّهودِ، وصِيغةِ الإِيجابِ والقَبُولِ، وأشْباهِ ذلك، بلا خِلافٍ بينَ المسلمين. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ الزَّوْجَينِ إذا أسْلَما معًا في حالٍ واحدةٍ، أنَّ لهما المُقامَ على نِكاحِهما، ما لم يَكُنْ بينَهما نَسَبٌ أو رَضَاعٌ. وقد أسْلَم خَلْقٌ كثيرٌ (٢) في عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأسْلَمَ نِسَاؤُهم، فأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم، ولم يَسْأَلْهم النَّبِيُّ ﷺ عن شُرُوطِ النِّكاحِ ولا كَيفِيَّتِه، وهذا أَمْرٌ عُلِمَ بالتَّواتُرِ والضَّرُورةِ، فكان يَقِينًا. ٣٢١٣ - مسألة: لكنْ إن كانَتِ المرْأةُ في هذه الحالِ ممَّن [يَجُوزُ ابْتِداءُ نكاحِها في الحالِ، أُقِرَّا عليه (وإن كانت ممن] (٣) لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها) كأَحَدِ المُحَرَّماتِ بالنَّسَبِ أو السَّبَبِ، أو المُعْتَدَّةِ، أو المُرْتَدَّةِ و (٤) الوَثَنِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، والمُطَلَّقَةِ ثلاثًا، لم يُقَرَّا؛ لحديثِ عمرَ. وإن

стр. 10056

عَلَى النِّكَاحِ. ــ تَزَوَّجَها في العِدَّةِ وأسْلَما بعدَ انْقِضائِها، أُقِرَّا؛ لأنَّها ممَّن يَجُوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها. وإن تَرافَعا إلينا في العِدَّةِ، فُسِخَ نِكاحُهما؛ لأنَّه لا يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِهما. وإن كان بَينَهما نِكاحُ مُتْعَةٍ، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه إن كان بعدَ المُدَّةِ، لم يَبْقَ بينَهما نِكاحٌ، وإن كان في المُدَّةِ، فهما لا يَعْتَقِدان تَأْبِيدَه،

стр. 10057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنِّكاحُ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، إلَّا أن يَعْتَقِدا (١) فسادَ الشَّرطِ [وصِحَّةَ النِّكاحِ وبَقاءَه مُؤبَّدًا، فيُقَرّانِ عليه. فإن كان بينَهما نِكاحٌ شُرِطَ فيه الخِيارُ متَى شَاءَا أو شاءَ أحدُهما، لم يُقَرّا عليه؛ لأنَّهما لا يَعْتَقِدان لُزُومَه، إلَّا أن يَعْتَقِدا فَسادَ الشَّرطِ] (٢) وحدَه، وإن كان خيار مدَّةٍ فأسْلَما فيها، لم يُقَرَّا؛ لذلك، وإن كان بعدَها أُقِرَّا؛ لأنَّهما يَعْتَقِدانِ لُزُومَه، وكُلُّ ما اعْتَقَدُوه نِكاحًا، فهو نِكاحٌ يُقَرُّونَ عليه، وما لا فلا.

стр. 10058

وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، أُقِرَّا، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ مُسَمّىً صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ، اسْتَقَرَّ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ تَقْبِضْهُ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. ــ ٣٢١٤ - مسألة: (وإن قَهَرَ حرْبِيٌّ حرْبِيَّةً، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْهُ، واعْتَقَدَاه نِكاحًا) ثمَّ أسْلَما (أُقِرَّا) عليه؛ لأنَّه نِكاحٌ لهم في مَن يجوزُ ابْتِداءُ نِكاحِها، فأُقِرَّا عليه، كالنِّكاحِ بلا وَلِيٍّ، وإن لم يَعْتَقِداه نِكاحًا، لم يُقَرَّا عليه؛ لأنَّه ليس مِن أنْكِحَتِهم. ٣٢١٥ - مسألة: (وإن كان المَهْرُ مُسَمًّى صحيحًا، أو فاسدًا قَبَضَتْه، اسْتَقَرَّ، وإن كان فاسدًا لم تَقْبِضْه، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ) إذا أسْلَمَ الكُفَّارُ، [أو تَحاكَمُوا] (١) إلينا بعدَ العَقْدِ والقَبْضِ، لم نتَعرَّضْ لِما فَعَلوه،

стр. 10059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما قَبَضَتْ مِن المَهْرِ، فقد نَفَذ، وليسَ لها غيرُه، حَلالًا كان أو حَرامًا، بدلِيلِ قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١). فأمَرَ بتَركِ ما بَقِيَ دُونَ (٢) ما قُبِضَ. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). ولأنَّ التَّعرُّضَ للمَقْبوضِ بإبْطالِه يَشُقُّ، لتَطاوُلِ الزَّمانِ، وكَثْرَةِ تصرُّفاتِهم في الحَرامِ، ففيه تَنْفِيرُهم عن الإِسلامِ، فعُفِىَ عنه، كما عُفِيَ عمّا ترَكُوه مِن الفَرائِضِ والواجباتِ، ولأنَّهما تَقابَضا بحكمِ الشِّرْكِ، فبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَن هو عليه منه، كما لو تَبايَعا بيعًا فاسدًا وتَقابَضا. وإن لم يَتقابَضا وكان المُسَمَّى حَلالًا، وَجَبَ ما سَمَّياه؛ لأنَّه مُسَمًّى صحيحٌ [في نِكاحٍ صحيحٍ] (٤)، فوَجَبَ، كتَسْمِيَةِ المسلمِ. وإن كان حرامًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، بطَلَ، ولمِ يُحْكَمْ بِه؛ لأنَّ ما سَمَّياهُ لا يجوزُ إيجابُه في الحُكْمِ، ولا يجوزُ أن يكونَ صَداقًا لمسلمةٍ، ولا في نِكاحِ مسلمٍ.

стр. 10060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ إن كان قَبْلَ الدُّخولِ، ونِصْفُه إن وقَعتِ الفُرْقَةُ قبلَ الدُّخولِ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان أصْدَقَها خمرًا أو خِنْزِيرًا مُعَيَّنَينِ، فليس لها إلَّا ذلك، وإن كانا غيرَ مُعَيَّنَينِ، فلها في الخمرِ القِيمَةُ، وفي الخِنْزِيرِ مَهْرُ المِثْلِ، اسْتِحْسانًا. ولَنا، أنَّ الخَمْرَ لا قِيمَةَ له في الإِسلامِ، فكان الواجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقَها خِنْزِيرًا، ولأنَّه مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الخنزيرَ. فصل: وإن قَبَضَتْ بعضَ الحرامِ دُونَ بعضٍ، سقَط مِن المَهْرِ بقَدْرِ ما قُبِضَ، ووَجَبَ بحِصَّةِ ما بَقِيَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فإن كان الصَّداقُ عَشَرةَ زِقَاقِ خَمْرٍ مُتَساويةً، فَقَبَضَتْ منها خَمْسَةً، سقَط نِصْفُ المَهْرِ، ووَجَب لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، وإن كانت مختلِفةً، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ، في أحدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه إذا وجَب اعْتِبارُه، اعْتُبِرَ ذلك بالكَيلِ فيما له مِثْلٌ يتأتَّى الكيلُ فيه. والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِها؛ لأنَّه لا قِيمةَ لها، فاسْتَوَى كبيرُها

стр. 10061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصغيرُها. وإن أَصْدَقَها عشَرةَ خَنازيرَ، ففيه الوَجْهَان؛ أحدُهما، يُقْسَمُ على عددِها؛ لِما ذكَرْنا. والثاني، تُعْتَبَرُ قِيمَتُها كأنَّها ممَّا يجوزُ بَيعُه (١)، كما تُقَوَّمُ شِجَاجُ الحُرِّ كأنَّه عَبْدٌ. وإن أصْدَقها كَلْبًا وخِنْزِيرَينِ وثلاثَةَ زِقاقِ خَمْرٍ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقْسَمُ على قَدْرِ قِيمَتِها عندَهم. والثاني، يُقْسَمُ على عَدَدِ الأجْناسِ، فيُجْعَلُ لكلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ المَهْرِ. والثالثُ، يُقْسَمُ على العَدَدِ كلِّه (١)، فلِكُلِّ واحدٍ سُدْسُ المَهْرِ، ولِلكَلْبِ سُدْسُه، ولكلِّ واحدٍ مِن الخِنْزِيرَينِ والزِّقاقِ سُدْسُه. ومذهبُ الشافعيِّ فيه (١) على نحو هذا. فصل: فإن نَكَحَها نِكاحًا فاسدًا، وهو ما لا يُقَرُّونَ عليه إذا أسْلَمُوا، كَنِكاحِ ذَواتِ الرَّحِمِ (٢)، فأسْلَما قَبْلَ الدُّخولِ، أو تَرافَعُوا إلينا، فُرِّقَ بينَهما، ولا مَهْرَ لها. قال أحمدُ، في المَجُوسِيَّةِ تكونُ تحتَ أخيها أو أبيها، فَيُطَلِّقُها أو يَموتُ عنها، فتَرْتَفِعُ إلى المسلمين: لا مَهْرَ لها. وذلك لأنَّه نِكاحٌ باطلٌ مِن أصْلِه، لا يُقَرُّ عليه في الإِسلامِ، وُجِدَت فيه الفُرْقةُ قبلَ

стр. 10062

فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، فَهُمَا ــ الدُّخولِ. فأمَّا إن دَخَلَ بها، فهل يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَين في المسلمِ إذا وَطِئَ امرأةً مِن مَحارِمِه. بشُبْهَةٍ. فصل: إذا تزوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، على أن لا صَداقَ لها، أو سَكَتَ عن (١) ذكرِه، فلها المطالبةُ بفَرْضِه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ، كما في نِكاحِ المسلمينَ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَزَوَّجَها على أن لا مَهْرَ لها، فلا شيءَ لها. وإن سَكَتَ عن ذِكْرِه، فعنه (٢) رِوَايتان؛ إحداهما، لا مَهْرَ لها. والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ. واحْتَجَّ بأنَّ المَهْرَ يجبُ لحَقِّ اللهِ تعالى وحَقِّها، [وقد أسْقَطَتْ حَقَّها] (٣)، [والذِّمِّيُّ لا يُطالبُ بحَقِّ] (٤) اللهِ تَعالى. ولَنا، أنَّ هذا نِكاحٌ خَلا عن تَسْمِيَةٍ، فيجبُ للمرْأةِ فيه مَهْرُ المِثْلِ، كالمُسْلمةِ، وإنَّما وَجَبَ المهْرُ في حَقِّ المُسْلمةِ لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ والمُباحةِ، وهذا يُوجَدُ في حَقِّ الذِّمِّيِّ. فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وإذا أسْلَمَ الزَّوْجانِ معًا، أو

стр. 10063

عَلَى نِكَاحِهِمَا، ــ أسْلَمَ زَوْجُ الكتابِيَّةِ، فهما على نِكاحِهما) سواءٌ كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، وليس بينَ أهلِ العلمِ في هذا اختلافٌ بحَمْدِ اللهِ، وذَكَر [ابنُ عبْدِ البَرِّ] (١) أنَّه إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منهم اختلافُ دِينٍ (٢). وقد رَوَى أبو داودَ (٣)، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا جاء مُسْلِمًا على عهدِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثمَّ جاءتِ امْرأتُه مسْلِمةً (٤) بعدَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّها كانت أسْلَمَتْ معي. فرَدَّها عليه. ويُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهما بالإِسْلامِ دَفْعةً واحدةً؛ لئَلَّا يَسْبِقَ أحَدُهُما صاحِبَه، فيَفْسُدَ النِّكاحُ. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ، كالقَبْضِ ونحوه، فإنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ كلِّه حُكْمُ حالةِ العَقْدِ، ولأنَّه يَبْعُدُ (٥) اتِّفاقُهما على النُّطْقِ بكَلِمَةِ الإِسلامِ دَفْعةً

стр. 10064

وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَينِ غَيرُ الْكِتَابِيَّينِ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، ــ واحدةً، فلو اعْتُبِرَ ذلك، لوَقَعَتِ الفُرْقةُ بينَ كلِّ مُسْلِمَين قبلَ الدُّخولِ إلَّا في النَّادِرِ، فيَبْطُلُ الإِجْماعُ. وإذا أسْلَمَ زَوْجُ الكِتابِيَّةِ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، أو أسْلَما معًا، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، سواءٌ كان زَوْجُها كِتابِيًّا أو غيرَ كِتابِيٍّ؛ لأنَّ للمُسْلِمِ ابْتِدَاءَ نِكاحِ الكِتابِيَّةِ، فاسْتِدَامَتُه أوْلَى، ولا خِلافَ في هذا بينَ القائلين بجوازِ نِكاحِ الكتابِيَّةِ للمسلمِ. ٣٢١٦ - مسألة: (فإن أسْلَمَتِ الكتابِيَّةُ) قبلَه و (قبلَ الدُّخولِ) تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، سواءٌ كان زَوْجُها كتابِيًّا أو غيرَ كتابِيٍّ، إِذ لا يجوزُ لكافرٍ نِكاحُ المسلِمةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ. ٣٢١٧ - مسألة: (فإنْ كانَتْ هي المُسْلِمَةَ، فلا مَهْرَ لها ،

стр. 10065

وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ. وَعَنْهُ، لَا مَهْرَ لَهَا. ــ وإن كان هو المُسْلِمَ قَبْلَها، فلها نِصْفُ المَهْرِ. وعنه، لا مَهْرَ لها) وجملةُ ذلك، أنَّ الفُرْقَةَ إذا حصَلَت (١) قبلَ الدُّخُولِ بإسلامِ المرأَةِ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ من جِهَتِها. وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشافعيُّ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّ لها نِصْفَ المَهْرِ، إذا كانَتْ هي المسلمِةَ. اخْتارَها أبو بكرٍ. وبه قال قَتَادَةُ، والثَّوْرِيُّ. ويَقْتَضِيه قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه بامْتِنَاعِه مِن الإِسلامِ، وهي فَعَلَتْ ما فَرَضَ اللهُ عليها، فكان لها نِصْفُ ما فَرَضَ اللهُ لها، كما لو عَلَّقَ طلاقَها على الصلاةِ فصَلَّتْ. ونُقِلَ عن أحمدَ في مجُوسِيٍّ أسْلَمَ قبلَ أن يدْخُلَ بامرأَتِه، فلا شيءَ لها مِن الصَّدَاقِ؛ لِما ذَكَرْنا. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ باخْتِلافِ الدِّينِ، وقد حصَل بإسلامِها،

стр. 10066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكانَتِ الفُرْقَةُ حاصِلَةً بفِعْلِها، فلمْ يَجِبْ لها شيءٌ، كما لو ارْتَدَّتْ، ويُفَارِقُ تعليقَ الطَّلاقِ، فإنَّه مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، ولهذا لو عَلَّقَه على دُخُولِ الدَّارِ فدَخَلَتْ، وقَعَتِ الفُرْقَةُ، ولها نِصْفُ المَهْرِ. فأمَّا إن حصَلتِ الفُرْقَةُ بإسلامِ الزَّوْجِ، فللمرأةِ نِصْفُ المُسَمَّى، إن كانَتِ التَّسْمِيَةُ صحيحةً، أو نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، إن كانت فاسدةً، مِثلَ أن يُصْدِقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ بفعلِه. وعنه، لا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ جاءتْ مِن قِبَلِها؛ لكَوْنِها امْتَنعَتْ مِن الدُّخولِ في الإِسْلامِ. فصل: إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ [بإسْلامِ أَحَدِ] (١) الزَّوْجَين قبلَ الدُّخولِ، مثلَ أن يُسْلِمَ أحدُ الزَّوْجَين الوَثَنِيَّينِ أو المَجوسِيَّين، تُعُجِّلَتِ (٢) الفُرْقَةُ، على ما ذَكَرْنا، ويكونُ ذلك فسْخًا لا طَلاقًا. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، بل إن كان في دارِ الإِسلامِ، عُرِضَ الإِسلامُ (٣) على الآخَرِ، فإن أبَى، وقَعَتِ الفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وإن كان في دارِ الحربِ، وقَفَ ذلك على انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإن لم يُسْلِمِ الآخَرُ، وقَعَتِ

стр. 10067

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفُرْقَةُ، فإن كان الإِبَاءُ مِن الزَّوْجِ كان طلاقًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه، فكان طلاقًا، كما لو لَفَظَ به، وإن كان مِن المرأةِ كان فسخًا؛ لأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ. وقال مالكٌ: إن كانت هي المسلِمةَ، عُرِضَ عليه الإِسلامُ، فإن أسْلَمَ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان هو المُسْلِمَ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١). ولَنا، أنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يمنعُ الإِقْرارَ على النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ قبلَ الدُّخولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، كالرِّدَّةِ. وعلى مالكٍ، كإسلامِ الزَّوْجِ، أو كما لو أبَى (٢) الآخَرُ [الإِسلامَ، ولأنَّه] (٣) إن كان هو المُسْلِمَ، فليس له إمْساكُ كافِرةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وإن كانت هي المسلمةَ، فلا يجوزُ إبْقاؤُها في نِكاحِ مشركٍ. ولَنا، على أنَّها فُرْقَةُ فسخٍ، أنَّها فُرْقَةٌ باختلافِ الدِّينِ، فكانت فَسْخًا، كما لو أسْلَمَ الزَّوْجُ وأبَتِ المرأةُ، ولأنَّها فُرْقَةٌ بغيرِ لَفْظٍ، فكانت فسخًا، كفُرْقَةِ الرَّضَاعِ.

стр. 10068

وَإِنْ قَالتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي. وَأَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، ــ ٣٢١٨ - مسألة: (وإنْ قَالتْ: أسْلَمْتَ قَبْلِي. وأنْكَرَهَا، فالقولُ قَوْلُها) لأنَّ المَهْرَ وَجَبَ بالعَقْدِ، والزَّوْجُ يدَّعِي ما يُسْقِطُه، والأصْلُ بَقاؤُه، ولم يعارِضْه ظَاهِرٌ، فبَقِيَ. وإنِ اتَّفَقا على أنَّ أحدَهما أسلَم (١) قَبْلَ الآخَرِ، ولا يَعْلَمانِ عينَه، فلها نِصْفُ الصَّدَاقِ. ذَكَرَه أبو الخطابِ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال القاضي: إن لم تكنْ قَبَضَتْ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّها تَشُكُّ في اسْتِحْقاقِها، فلا تَسْتَحِقُّ بالشَّكِّ، وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّه يَشُكُّ (٢) في اسْتِحْقَاقِ الرُّجوعِ، فلا يَرْجِعُ مع الشَّكِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يُزالُ بالشَّكِّ، ولذلك (٣) إذا تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وشَكَّ في الحدثِ، أو تَيَقَّنَ الحدثَ وشَكَّ في الطهارَةِ، بنى على اليَقِينِ، وهذه كان صَداقُها واجِبًا، وشَكَّا في سُقُوطِه، فيَبْقَى على الوُجُوبِ.

стр. 10069

وَإِنْ قَال: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ. فَأَنْكَرَتْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ٣٢١٩ - مسألة: (وإن قال) الزَّوْجُ: (أسْلَمْنا معًا، فنحنُ على النِّكاحِ. فأنْكَرَتْه، فعلى وَجْهَين) وقال القاضي: القولُ قولُها (١)؛ لأنَّ الظاهرَ معها، إذْ يَبْعُدُ اتِّفاقُ الإِسْلامِ منهما دَفْعةً واحدةً، والقولُ قولُ مَن الظَّاهِرُ معه، ولذلك (٢) كان القولُ قولَ صاحبِ اليَدِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ذَكَرَه أبو الخطابِ، أنَّ القولَ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، والفَسْخُ طارِئٌ عليه، فكان القولُ قولَ مَن يُوَافِقُ قولُه الأصْلَ، كالمُنْكِرِ. وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ الوَجْهَينِ. فصل: فإنِ اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ، فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معًا. أو: أَسْلَمَ الثَّاني مِنَّا في العِدَّةِ، فنحن على النِّكاحِ. وتقولُ هي: بَلْ أسْلَمَ الثَّاني

стр. 10070

وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ. ــ بعدَ العِدَّةِ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، القولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ. والثَّاني، القولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إسْلامِ الثَّاني. ٣٢٢٠ - مسألة: (وإن أسْلَمَ أحَدُهما بعدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الأمْرُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ الثَّاني قَبْلَ انْقِضَائِها، فهما على نِكاحِهما، وإلَّا تَبَيَّنّا أَنَّ الفُرْقَةَ وقَعتْ) مِن (حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ) رُوِيَ عن أحمدَ،

стр. 10071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵀، في هذه المسألةِ روايتان؛ إحداهما، أنَّ الأمْرَ يَقِفُ على انقضاءِ العِدَّةِ، على ما ذَكَرْنا. وهذه الرِّوايةُ هِي (١) التي ذَكَرَها الخِرَقِيُّ. فعلى هذا، إذا لم يُسْلِمِ الثَّانِي في العِدَّةِ، لا يحتاجُ إلى اسْتِئْنافِ العِدَّةِ. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بنِ صالحٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ونحوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، ومُجاهدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. والثانيةُ، تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ. وهو اخْتِيارُ الخلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمةَ، وقَتَادةَ، والحكَمِ. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ونَصَرَه ابنُ المُنْذِرِ. وقولُ أبي حنيفةَ ههُنا كقولِه فيما قبلَ الدُّخُولِ، إلَّا أنَّ المرْأةَ إذا كانت في دارِ الحربِ، فانْقَضتْ عِدَّتُها

стр. 10072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحَصَلَتِ الفُرْقَةُ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ. وقال مالكٌ: إن أسلَم الرَّجلُ قبلَ امرأتِه، عرَض عليها الإِسلامَ، فإن أسْلَمَتْ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كانتْ غائبةً تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن أسلمتِ المرأةُ قبلَه، وقَفَ الأَمْرُ (١) على انْقِضاءِ العِدَّةِ. واحْتَجَّ [مَن قال] (٢) بِتَعْجِيلِ الفُرْقَةِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. ولأنَّ ما يُوجِبُ فَسْخَ النِّكاحِ لا يَخْتَلِفُ بما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ في «مُوَطَّئِه» (٣)، عن ابنِ شِهابٍ قال (٤): كان بينَ إسْلامِ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ وامرأتِه بنتِ الوليدِ بنِ المُغِيرةِ نحوٌ مِن شَهْرٍ، أسْلَمَتْ يومَ الفَتْحِ، وبَقِيَ صَفْوانُ حتى شَهِدَ حُنَينًا والطائِفَ وهو كافرٌ، ثم أسْلَمَ، فلمْ يُفرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ بينَهما، واسْتَقَرَّتْ عندَه امرأتُه بذلك النِّكاحِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٥): وشُهْرَةُ هذا الحديثِ أقْوَى مِن إسْنادِه. وقال ابنُ شِهابٍ: أسْلَمَتْ أُمُّ حكيمٍ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمةُ حتى أَتَى اليَمَنَ،

стр. 10073

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فارْتَحَلَتْ حتى قَدِمَتْ عليه اليمنَ، فدَعَتْه إلى الإِسلامِ، فأسْلَمَ، وقَدِمَ فبايعَ [النَّبِيَّ ﷺ ] (١)، فثَبَتَا على نِكاحِهما (٢). وقال ابنُ شُبْرُمةَ: كان الناسُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يُسْلِمُ الرجلُ قبلَ المرأةِ، والمرأةُ قبلَ الرجلِ، فأيُّهُما أسْلَمَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المرأةِ، فهي امرأتُه، فإن أسلمَ بعدَ العِدَّةِ، فلا نِكاحَ بينَهما (٣). ولأنَّ أبا سُفْيانَ خرَج فأسْلَمَ يومَ (٤) الفَتْحِ قبلَ دُخولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ، ولم تُسْلِمْ هِنْدُ امرأتُه حتى فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فثَبَتا على النِّكاحِ (٥). وأسْلَمَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ قبلَ امْرَأتِه. وخرَج أبو سفيانَ بنُ الحارثِ، وعبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ عامَ الفَتْحِ، فلَقِيا النبيَّ ﷺ بالأبْوَاءِ (٦)، فأسْلَما قبلَ نِسائِهما. ولم يُعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بينَ أحدٍ ممَّن أسلمَ وبينَ امرأتِه، ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما معًا، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّل البَينُونةُ، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههُنا لها عِدَّةٌ، فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقَةِ مِن حينَ أسْلَمَ

стр. 10074

فَعَلَى هَذَا، لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي، فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، فَإِنْ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهَا. ــ الأَوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقَةِ، فَتُحْتسَبُ الفُرْقَةُ منه كالطَّلاقِ. (فعلى هذه) الرِّوايةِ (لو وَطِئَها) الزَّوجُ (في عِدَّتِها ولم يُسْلِمِ الثَّاني) فيها، فلها (عليه المَهْرُ) ويُؤدَّبُ، لأنّا تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَها بعد البَينُونَةِ وانْفِساخِ النِّكاحِ، فيكونُ وَاطِئًا في غيرِ مِلْكٍ (١) (وإن أسْلَمَ، فلا شيءَ لها) لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَنْفسِخْ، وأنَّه وَطِئَها في نِكاحِه، فلم يكنْ عليه شيءٌ. فصل: فإن أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين وتَخَلَّفَ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّةُ المرأةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): لم يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في هذا، إلَّا شيءٌ رُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، فلم يَتْبَعْهُ عليه أحدٌ، زعَم أنَّها تُرَدُّ إلى زَوْجِها وإن طالتِ المدةُ؛ لِما رَوَى ابنُ عباس أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَدَّ زَينَبَ على زَوْجِها أبي العاصِ بنِكاحِها الأوَّلِ. رَواه أبو داودَ (٣). واحْتَجَّ به أحمدُ. قيل له: أليس

стр. 10075

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُرْوَى أنَّه (١) رَدَّها بنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قال: ليس لذلك أصْلٌ. قيل: كان بينَ إسْلامِها ورَدِّها إليه ثمانِ سِنِينَ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢). وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. والإِجْماعُ المُنْعَقِدُ على تحريمِ فُرُوجِ المسلماتِ على الكُفَّارِ. وأَمَّا قِصَّةُ أبي العاصِ مع امرأَتِه، فقال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): لا يَخْلُو إمَّا أن تكونَ قبلَ نُزُولِ تَحْريمِ المسلماتِ على الكفارِ، فَتكونَ مَنْسُوخةً بما جاءَ بعدَها، أو تكونَ حامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُها حتى أسْلَمَ زَوْجُها، أو مَريضةً لم تحِضْ ثلاثَ حَيضاتٍ حتَّى أسْلَمَ، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنِكاحٍ جديدٍ. فقد روَى ابنُ أبي شَيبَةَ (٤)، في «سُنَنِه» عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّها على أبي العاصَ بنِكاحٍ جديدٍ. رَواه التِّرْمِذِيُّ (٥)، وقال: سمِعتُ عَبْدَ بنَ حُمَيدٍ يَقولُ: سمِعتُ يَزيدَ بنَ هارُونَ يَقولُ: حديثُ ابنِ عباسٍ أجْوَدُ إسْنادًا، والعملُ على

стр. 10076

وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، ــ حديثِ عمرِو بنِ شُعَيب. ٣٢٢١ - مسألة: (فإن أسْلَمَتْ قَبْلَه، فَلَها نَفَقَةُ العِدَّةِ) لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ وإبْقاءِ نِكاحِها بإسْلامِه معها، فكانت لها النَّفقةُ كالرَّجْعِيَّةِ، وسواءٌ أسْلَمَ في عِدَّتِها أو لم يُسْلِمْ. فإن قيل: إذا لم يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّها بَائِنٌ باخْتِلافِ الدِّينِ، فكيف تَجِبُ النفقةُ للبائنِ؟ قُلْنا: لأنَّه كان يُمْكِنُ الزَّوْجَ تَلافِيَ نِكاحِها (١)، بلِ يجِبُ عليه، فكانت في مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ. [وإن كان هو المُسْلِمَ، فلا نفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ إلى تَلافِي نِكاحِها واسْتِبْقائِها، فأَشْبَهَتِ البائِنَ، وسواءٌ أسلمَتْ معهُ أم لا] (٢).

стр. 10077

وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ. ــ ٣٢٢٢ - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في السَّابِقِ مِنْهما) فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْتُ قَبْلَكِ، فلا نَفَقَةَ لكِ. وقالتِ المرأةُ: بل أنا المسلمةُ أوَّلًا، فلي النَّفَقَةُ (فالقولُ قولُها في أحدِ الوَجْهَين) لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وهو يَدَّعِي سُقُوطَها. والثاني، أنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، والأصْلُ عَدَمُه. فإن قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهْرينِ مِن إسْلامِي، فلا نَفَقَةَ لكِ فيها. وقالت: بعدَ شَهْرٍ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِها في الشَّهْرِ الثَّانِي. فأمَّا إنِ ادَّعَى هو ما (١) يَفْسَخُ النِّكاحَ وأنْكَرَتْه، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفسِه بزَوالِ نِكاحِه وسُقُوطِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أنَّها أُخْتُه مِن الرَّضاعِ فكَذَّبَتْه.

стр. 10078

وَعَنْهُ، أنَّ الْفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أحَدِهِمَا، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ بِكُلِّ حَالٍ. ــ ٣٢٢٣ - مسألة: (وعنه، أنَّ الفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بإسْلامِ أحدِهما، كما قبلَ الدُّخولِ) وقد ذَكَرْناه. ٣٢٢٤ - مسألة: (فأمَّا الصَّدَاقُ، فواجبٌ بِكُلِّ حالٍ) يعني إذا وَقَعتِ الفُرْقَةُ بإسْلامِ أحَدِهما بعدَ الدُّخولِ، فإنَّه يَجِبُ لها المَهْرُ كاملًا؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدُّخُولِ، فلم يَسْقُطْ بشيءٍ، فإن كان مُسَمًّى صَحِيحًا، فهو لها؛ لأنَّ أَنْكِحَةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، تَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ، وإن كان مُحَرَّمًا قَبَضَتْهُ، فليس لها غيرُه؛ لأنَّا لا نَتَعَرَّضُ إلى ما مَضَى مِن أحكامِهِم، وإنْ لم تكُنْ قَبَضَتْه، فلها مَهْرُ مِثْلِها (١)؛ لأنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يكونُ صَدَاقًا لِمُسْلمةٍ، ولا في نكاحِ مسلمٍ، وقد صارتْ أحكامُهم أحْكامَ المسلمين. فصل: وسواءٌ فيما (٢) ذَكَرْنا اتَّفَقَتِ (٣) الدارانِ أو اخْتَلَفَتا. وبه قال

стр. 10079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن أسْلَم أحَدُهما وهما في دارِ الحربِ، ودخَل (١) دَارَ الإِسلامِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولو تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، ثم دَخَل (٢) دارَ الإِسلام، وعَقَدَ الذِّمَّةَ (٣)، انفَسَخَ نِكاحُهُ؛ لاخْتِلافِ الدَّارَين. ويَقْتَضِي مَذْهَبُه أنَّ أحدَ الزَّوْجَين الذِّمِّيَّينِ إذا دَخَلَ دارَ الحربِ ناقِضًا للعَهْدِ، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لأنَّ الدارَ اخْتَلَفَتْ (٤) بهما فِعْلًا وحُكْمًا، فوجَب أن تقَعَ الفُرْقةُ بَينَهما، كما لو أسْلَمتْ في دارِ الإِسْلامِ قبلَ الدُّخولِ. ولَنا، أنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ بمَرِّ الظَّهْرانِ وامرأتُه بمكَّةَ لم تُسْلِمْ، وهي دارُ حَرْبٍ، وأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمتْ بمكةَ، وهرَب زَوْجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمنِ (٥)، وامرأةُ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ أسْلَمتْ يومَ الفَتْحِ، وهرَب زَوْجُها، ثم أسْلَمُوا، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم مع اختلافِ الدِّينِ والدارِ بهم، ولأنَّه عَقْدُ معاوَضةٍ، فلم ينْفَسِخْ باخْتِلافِ الدارِ، كالبَيعِ، ويُفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّ القاطِعَ للنِّكاحِ اخْتلافُ الدِّينِ، المانعُ مِن الإِقرارِ على النِّكاحِ، دُونَ ما ذكَرُوه. فعلى هذا، لو تَزوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بدارِ الإِسْلامِ حَرْبِيَّةً مِن أهلِ الكتابِ،

стр. 10080

فَصْلٌ: وَإنِ ارْتَدَّ أحَدُ الزَّوْجَينِ قَبْلَ الِدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتِ الْمُرْتَدَّةَ، وَإنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، ــ صَحَّ نكاحُه، وعندَهم لا يَصِحُّ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). ولأنَّها امرأةٌ يُباحُ نِكاحُها إذا كانت في دارِ الإِسلامِ، فأُبِيحَ نِكاحُها في دارِ الحَرْبِ، كالمسْلِمَةِ. فصل: قال الشيخُ، ﵀: (وإنِ ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين قبلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولا مَهْرَ لها إن كانتِ المُرتَدَّةَ، وإن كان هو المُرتَدَّ، فلها نِصْفُ المَهْرِ) إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَينِ قبلَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن داودَ، أنَّه لا ينْفَسِخُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢). ولأنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإِصابةَ،

стр. 10081

وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تُتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ أَوْ تَقِفُ عَلى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ فوَجَبَ فَسْخُ النِّكاحِ، كما لو أسْلَمَتْ تحتَ كافرٍ. ثم يُنْظرُ؛ فإن كانت المرأةُ هي المُرْتَدَّةَ، فَلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن قِبَلِها، وإن كان الرجلُ هو المُرْتَدَّ، فعليه نِصفُ المَهْرِ؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَ، وإن كانتِ التَّسْمِيةُ فاسدةً، فعليه نِصْف مَهْرِ المِثْلِ. ٣٢٢٥ - مسألة: (وإن كانتِ الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخُولِ، فهل تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العدَّةِ؟ على رِوايَتَين) اخْتَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فيما إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجين بعدَ الدُّخولِ، حَسَبَ اخْتِلافِهما فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين الكافِرَينِ، ففي إحْداهما تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ،

стр. 10082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثَّوْرِيِّ، وزُفَرَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ فَسْخَ النِّكاحِ اسْتَوَى فيه ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ. والثانيةُ، يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ المرْتَدُّ قبلَ انْقِضائِها، فهما على النِّكاحِ، وإن لم يُسْلِمْ حتى انْقَضَتْ، بانَتْ منذُ اخْتِلافِ الدِّينَينِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ [لأنَّه لَفْظٌ] (١) تَقَعُ به الفُرْقَةُ، فإذا وُجِدَ بعدَ (٢) الدُّخولِ، جاز أن يَقِفَ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، أو نقولُ: اخْتِلافُ دِينٍ بعدَ الإِصابةِ، فلا يُوجِبُ فَسْخَه في الحالِ، كإسْلامِ الحَرْبِيَّةِ تحتَ الحَرْبِيِّ، وقياسُه على إسْلام أحدِ الزَّوْجَين أقربُ مِن قياسِه على الرَّضاعِ، ولأنَّ الرَّضاعَ تَحْرُمُ به المرأةُ على التَّأْبِيدِ، فلا فائِدَةَ في تَأْخِيرِ الفَسْخِ إلى بعدِ انْقِضاءِ العِدَّةِ.

стр. 10083

وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا. ــ ٣٢٢٦ - مسألة: (فإن كان هو المرْتَدَّ، فعليه نَفَقَةُ العِدَّةِ) لأنَّه بسَبِيلٍ مِن (١) الاسْتِمْتاعِ بها بأن يُسْلِمَ، ويُمْكِنُه تلافِي نِكاحِها، فكانتِ النَّفَقةُ [واجِبَةً عليه] (٢)، كزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ (وإن كانت هي المرْتَدَّةَ، فلا نَفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَجْعَتِها وتَلافِي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفَقَةٌ، كما بعدَ العِدَّةِ. فصل: فإنِ ارْتَدَّ الزَّوْجانِ معًا، فحُكْمُهما حكمُ ما لو ارْتَدَّ أحدُهما؛ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان بعدَه، فهل تُتَعَجَّلُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ؟ على رِوايتَين. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. قال أحمدُ في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ: إذا ارْتَدَّا معًا، أو أحَدُهما، ثم تابا، أو تابَ المرْتَدُّ منهما، فهو أحَقُّ بها، ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لم يَخْتَلِفْ بهما الدِّينُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَما. ولَنا، أنَّها رِدَّةٌ طارئةٌ على النِّكاحِ، فوجَب أن يتَعَلَّقَ بها فَسْخُه، كما لو ارْتَدَّ أحَدُهما، ولأنَّ كلَّ ما زال عنه مِلْكُ المُرْتَدِّ إذا ارْتَدَّ

стр. 10084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحدَه، زال إذا ارْتَدَّ غيرُه معه، كمالِه، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا انْتَقَلَ المسلمُ واليهوديَّةُ إلى دِينِ النَّصْرانيَّةِ، فإنَّ نِكاحَهُما ينْفسِخُ، وقد انْتَقَلا إلى دِينٍ واحدٍ، وأمَّا إذا أسْلَما، فقد انْتَقَلا إلى دِينِ الحَقِّ، ويُقَرَّانِ عليه، بخِلافِ الرِّدَّةِ. فصل: وإذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين، أو ارْتَدَّا معًا، مُنِعَ وَطْأها (١) في عِدَّتِها، فإن وَطِئَها في عِدَّتِها، وقُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تُعُجِّلَت. [فلها عليه مَهْرُ مِثْلِها لِهذا الوَطْءِ، مع الذي ثَبَتَ عليه بالنِّكاحِ؛ لأنَّه وطئَ أَجْنَبِيَّةً] (٢)، فيكونُ عليه مَهْرُ مِثْلِها. وإن قُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ. فأسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما، أو أسْلَما جميعًا في عِدَّتِها وكانتِ الرِّدَّةُ منهما (٣)، فلا مَهْرَ لها عليه بهذا الوَطْءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَزُلْ، وأنَّه وَطِئَها وهي زَوْجَتُه. وإن ثَبَتا، أو ثَبَتَ [المُرْتَدُّ منهما] (٤) على الرِّدَّةِ حتى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ لهذا الوَطْءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ بشُبْهةِ النِّكاحِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ منذُ اخْتلفَ الدِّينان (٥). وقد

стр. 10085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكَرْنا مثلَ ذلك، فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ بعدَ (١) الدُّخُولِ، فوَطِئَها في العِدَّةِ؛ لأنَّه مِثْلُه. فصل: إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ ثم ارتدَّ، نَظرتَ، فإن [لَمْ يُسْلِمِ] (٢) الآخَرُ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينَ اخْتَلَفَ الدِّينانِ، وعِدَّتُها مِن حينَ أسْلَمَ المسلمُ منهما. وإن أسْلَمَ الآخَرُ منهما في العِدَّةِ قَبْلَ ارْتِدَادِ الأوَّلِ، اعْتُبِرَ ابْتداءُ العِدَّةِ مِن حينَ ارْتَدَّ؛ لأنَّ حُكْمَ اخْتِلافِ الدِّينِ بإسلامِ (٣) الأَوَّلِ زال بإسْلامِ الثاني في العِدَّةِ. ولو أسْلَمَ وتَحتَه أكثرُ مِن أرْبَعِ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، ثم ارْتَدَّ، لم يكنْ له أن يختارَ منهنَّ، لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ العَقْدَ عليهنَّ في هذه الحالِ. وكذلك لو ارْتَدَدْنَ دُونَه أو معه، لم يكُنْ له أن يختارَ مِنهنَّ؛ لذلك (٤). فصل: إذا تزوَّجَ الكافِرُ بمَن لا يُقَرُّ على نِكاحِها في الإِسْلامِ، مثلَ أن جَمَعَ بينَ الأخْتَين، أو بينَ عَشْرِ نِسْوةٍ، أو نَكَحَ مُعْتَدَّةً أو مُرْتَدَّةً، ثم طَلَّقها ثلاثًا، ثم أسْلَما، لم يكنْ له أن يَنْكِحَها؛ لأنَّنا أجْرَينا أحْكامَهم على الصِّحَّةِ فيما يَعْتَقِدُونه في النِّكاحِ، فكذلك في الطَّلاقِ، ولهذا جاز له إمْسَاكُ الثَّانيةِ مِن الأُخْتَينِ، والخامسةِ المَعْقُودِ عليها آخِرًا.
следующие страницы →