← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأوْقاتُ ثلاثةُ أضْرُب؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووقتُ اخْتِيار، ووقتُ ضَرُورَة. وقد ذَكَرْنا وَقْتَ الفَضِيلَةِ. ومعنى وقتِ الاخْتِيارِ، هو الذي يَجُوزُ تأخير الصلاةِ إلى آخِرِه مِن غيرِ عُذرٍ. ووقتُ الضَّرورَةِ، [هو الذي] (١) إنّما يُباحُ تَأخِيرُ الصلاةِ إليه مع العُذْرِ. فإن أخَّرَها لغيرِ عُذر أثِمَ، ومتى فَعَلَها فيه فهو مُدْرِك لها أداءً في وَقتِها، سَواءٌ كان لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ». متفق عليه (٢). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك حُكمُ سائِرِ الصَّلوات إذا أدْرَكَ مِن وَقْتِها رَكْعَةً، وإن أدْرَكَ أقلَّ مِن ذلك، فسيَأتى بَيانُه إن شاء الله. ومتى أخَّرَ العَصْرَ عن وقتِ الاخْتِيارِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، أثِمَ إذا كان لغيرِ عُذْرٍ، لِما تَقَدَّم مِن الأخْبارِ،

стр. 1017

وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ بكل حَالٍ، ــ ولِما روَى أنس بنُ مالكٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ (١)، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِين (١)، يَجْلِسُ أحَدُهُمْ، حَتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قرْنَي شَيْطَانٍ، أوْ عَلَى قرْنَي شَيْطَانٍ، قَامَ فنقَرَ أربَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلاً». رَواه مسلمٌ (٢). ولو أُبِيحَ تأخِيرُها لَما ذَمَّه عليه (٣)، وجَعَلَه عَلامَةَ النفاق. ٢٨٦ - مسألة: (وتَعجِيلُها أفْضَلُ بكلِّ حالٍ) رُوِى ذلك عن عُمَرَ (٤)، وابنِ مسعودٍ، وعائشة، وأنس، وابنِ المُبارَكِ، وأهلِ المدِينَةِ، والأوزاعِى، والشّافعيّ، وإسحاق. ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ مسعودِ، أنَّهما كانا يُؤخِّران العَصر. ورُوِىَ عن أبي قلابَةَ وابنِ شُبْرُمَةَ، أنَّهما قالا: إنَّما سُمِّيَتِ العَصر لتُعْصَرَ. وقال أصحابُ الرَّأي: الأفْضَلُ

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِعْلُها في آخِر وَقْتِها المُخْتارِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ (١)، أن النَّبيَّ ﷺ كان يَأمُرُ بتَأخِيرِ العَصْرِ (٢). وعن عليّ بنِ شَيْبان (٣)، قال: قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ ، فكان يُؤخِّرُ العصر ما دامَتِ الشَّمْسُ (٤) بَيْضاءَ نَقِيَّة (٥). ولأنَّها آخِرُ صلَاتي جَمْع، فاسْتُحِبَّ تَأخِيرُها كالعِشاءِ. ولَنا، ما روَى أبو بَرْزَةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّىِ العَصرَ، ثم يَرْجِعُ أحَدُنا إلى رَحْلِه في أقصَى المدِينَةِ والشمس حَيَّةٌ. مُتَّفق عليه (٦). وقال رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: كُنّا نُصَلى مع رسول الله ﷺ صلاةَ العصر، ثم نَنْحَرُ الجَزُورَ، فيُقْسَمُ عشرة أجْزاء، ثم نطْبُخُ فنَأكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قبلَ غُرُوبِ الشمس. مُتَّفَق عليه (٧). وعن أبي أمامَةَ بنِ سَهْل، قال: صَليْنا مع عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز الظُّهْرَ، ثم خَرَجْنا حتَّى دَخَلْنا على أنس بنِ مالكٍ، فوَجَدْناه يُصَلِّى العَصْرَ، فقُلْنا: يا أبا حَمْزَةَ، ما هذه الصلاةُ التى صَلَّيْتَ؟

стр. 1019

ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَهِىَ الْوِترُ، وَوَقتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْس إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ، ــ قال: العَصْرُ، وهذه صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ التى كُنَّا نُصَلِّيها معه. مُتفَق عليه (١). وروَى الترمِذِى (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قالْ: «الْوَقْتُ الْأولُ مِنَ الصلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ الله». وحديثُ رافِع لا يَصِحُّ. قاله الترمِذِى. وقال الدّارَقطنى (٣): يَرْوِيه عبدُ الواحِدِ بنُ نافِع، وليس بالقَوِى، ولا يَصح عن رافِعٍ ولا عن غيرِه مِن الصحابَةِ، والصحيح عنهم تعجِيلُ صلاةِ العَصْرِ والتبكيرُ بها. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأخْبارُ الثّابِتَةُ عن النَّبيِّ ﷺ تدل على أنَّ أفْضَلَ الأمْرَيْن تَعْجِيلُ العَصْرِ في أولِ وَقتِها. ٢٨٧ - مسألة: (ثم المَغْرِبُ وهى الوتر، ووَقتُها مِن مَغِيبِ الشَّمْس إلى مغيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في دُخُولِ وَقْتِ المَغْرِبِ بغروبِ الشمس، والأحادِيثُ تَدُل عليه، وآخِرُه إذا غاب

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشفَقُ. وهو قولُ الثورِى، وإسحاق، وأبي ثَوْر، وأصحابِ الرَّأىِ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِى، والشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: ليس لها إلَّا وَقت واحِد؛ لأن جِبْرِيلَ ﵇، صَلّاها بالنبى ﷺ في اليَومَيْن لوَقتٍ واحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ (١). وقال النبيُّ ﷺ : «لَا تَزَالُ أمتِى بِخَيْر مَا لَمْ يُؤخِّرُوا الْمغرِبَ إلَى أنْ تشتَبِكَ النجُومُ» (٢). وعن طاوُس: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى الفَجْرِ. وعن عَطاء: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى النَّهارِ. ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ، وفيه أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغْربَ في اليَوم الثانى حينَ غاب الشفَقُ. وروَى أبو موسى، أن النبى ﷺ أخرَ المَغْربَ في اليَومِ الثانى حتَّى كان عندَ سُقوطِ الشفَقِ. رَواهما مسلمٌ (٣). وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَقتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ». رَواه مسلمٌ (٤). وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لا يَجُوزُ مُخالفَتُها بشئ مُحْتَمل، ولأنَّ ما قبل مَغِيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكان وَقتاً لابتدائِها، كأوَّلِ وقتها. وأحادِيثُهم مَحْمُولَة على الاسْتِحْبابِ

стр. 1021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والاخْتِيارِ، وتَأكِيدِ فِعْلِها في أوَّلِ وَقْتِها، جَمْعًا بَيْنَها وبينَ أحادِثِنَا، ولو تَعارَضت وَجَب حَمْلُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنْسُوخَةٌ؛ لأنَّهَا في أوَّلِ فَرْضِ الصلاةِ بمَكَّةَ، وأحادِيثُنا بعدَها بالمَدِينَةِ، فتَكُونُ ناسِخَةً لِما قَبْلَها مِمّا يُخالِفُها. واللهُ أعلمُ. فصل: والشَّفَقُ الحُمْرَةُ. هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ. وعن أنَسٍ وأبى هُرَيْرَةَ، ما يَدُلُّ على أنَّ الشَّفَقَ البَياضُ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، وأبى حنيفةَ. وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، ورُوىَ عن ابن عباسٍ أيضًا، لأنَّ بخُرُوجِ وَقْتِها يَدْخُلُ وقتُ العِشاءِ (١)، الآخِرَةِ. وأوَّلُ وقتِ العِشاءِ إذا غاب البَياضُ، لأنَّ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ قال: أنا أعْلَمُ النَّاسِ بوَقْتِ هذه الصلاةِ، كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّها لسُقُوطِ القمَرِ لثالِثَةٍ (٢). رَواه

стр. 1022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١). ورُوِىَ عن أبى مسعودٍ (٢)، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّيها حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ (٣). ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ». رَواه أبو داودَ (٤). ورُوِىَ: «ثوْرُ الشَّفَقِ» (٥). وفَوْرُ الشَّفَقِ: فَوَرانُه وسُطُوعُه. وثَوْرُه: ثَوَرانُ حُمْرَتِه. وروَى ابنُ عُمَرَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الْعِشَاءُ». رَواه الدّارَقُطْنِىُّ (٦). وما رَوَوْه ليس فيه بَيانُ أنَّه أوَّلُ الوَقْتِ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ كان يُؤخِّرُ الصلاةَ عن أوَّلِ الوقتِ قَلِيلًا، ولهذا رُوِىَ عنه ﷺ ، أنَّه قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» (٧).

стр. 1023

وَالأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَهَا، ــ ٢٨٨ - مسألة: (وَتَعْجِيلُها أفْضَلُ، إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ لمَن قَصَدَها) لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ تَعْجِيلِ المَغْرِبِ، في غيرِ حالِ العُذْرِ، إلَّا ما ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِهم في الغَيْمِ. وهو قولُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ ومَن بعْدَهم. قاله التِّرمِذِيُّ (١). وذلك لِما روَى جابِرٌ، أن النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّى المَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ. وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: كُنَّا نُصَلِّى المَغْرِبَ مع النبىِّ ﷺ ، فيَنْصَرِفُ أحَدُنا وإنَّه لَيُبْصِرُ مَواقِعَ نَبْلِه. مُتَّفَقٌ عليهما (٢). وعن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى المَغْرِبَ ساعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إذا غاب حاجِبُها. رَواه أبو داودَ، واللَّفْظُ

стр. 1024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له (١)، ورَواه التِّرمِذِيُّ (٢) وقال: حديث (٣) حسنٌ صَحِيحٌ. وفِعْلُ جِبْرِيلَ ﵇ لها في اليَوْمَيْن في وَقْتٍ واحِدٍ دَلِيلٌ على تَأكِيدِ (٤) اسْتِحْبابِها؛ ولأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ فكان أوْلَى. واللهُ أعلمُ. فأمَّا لَيْلَةُ جَمْعٍ، وهي لَيْلَةُ المُزْدَلِفَةِ، فيُسْتَحَبُّ تَأخِيرُها؛ ليُصَلِّيَها مع العِشاءِ الآخِرَةِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَل ذلك (٥)، والإجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ على ذلك. واللهُ أعلمُ.

стр. 1025

ثُمَّ الْعِشَاءُ، وَوَقْتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. وَعَنْهُ، نِصْفِهِ. ــ ٢٨٩ - مسألة: (ثم العِشاءُ، ووَقْتُها مِن مَغِيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ إلى ثُلثُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ (١). وعنه، نِصْفِه) لا خِلافَ بينَ النَّاسِ في دُخُولِ وقتِ العِشاءِ الآخِرَةِ بغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، وقد ذَكَرْناه، فمتى غاب الشَّفَقُ الأحْمَرُ، دَخَل وقتُ العِشاءِ، إن كان في مكانٍ يَظْهَرُ له الأُفُقُ، وإن كان في مكانٍ يَسْتَتِرُ عنه الأُفُقُ بالجِبالِ أو نَحْوِها، اسْتَظْهَرَ حتَّى يَغِيبَ البَياضُ، فيَسْتَدِلَّ به على غَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ، لا لنَفْسِه.

стр. 1026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في آخِرِ وَقْتِ الاخْتِيارِ، فرُوِى عنه، أنَّه ثُلُثُ اللَّيْلِ. نَصَّ عليه في رِوايَةِ الجَماعَةِ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ. وهو قولُ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، والشافعىِّ أحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّ في حديثِ جِبْرِيلَ، أنَّه صَلَّى بالنبىِّ ﷺ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وقال: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذيْنِ» (١). وفى حديثِ بُرَيْدَةَ، أنَّه صَلاها في اليَوْمِ الثاني حينَ ذَهَب ثُلُثُ اللَّيْلِ. رَواه مسلمٌ (٢). وقال النَّخَعيُّ: آخِرُ وَقْتِها إلى رُبْع اللَّيْلِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: آخِرُ وَقْتِها إلى طُلُوعِ الفَجْرِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وَقْتِها إلى نِصْفِ اللَّيْلِ. وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحاب الرَّأى، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: أخَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثم صَلَّى، ثم قال: «صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أمَا إنَّكُمْ في صَلَاةٍ مَا انتظَرْتُمُوهَا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو، عن النبيِّ

стр. 1027

ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ في الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، وَتَأْخِيُرهَا أفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ، ــ ﷺ ، أنَّه قال: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ». رَواه مسلمٌ وأبو داودَ (١). والأوْلَى أن لا تُؤَخَّرَ عن ثُلُثِ اللَّيْلِ، لأنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّواياتِ، والزِّياداتُ تَعارَضَتْ فيها الأخْبارُ، وإن أخَّرَها جاز؛ لِما ذَكَرْنا. ٢٩٠ - مسألة: (ثم يَذْهَبُ وَقْتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثانى، وهر البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، ولا ظُلْمَةَ بعدَه، وتأْخِيرُها أفْضَلُ ما لم يَشُقَّ) متى ذَهب نِصْفُ اللَّيْلِ أو ثُلُثُه، على الخِلافِ فيه، خَرَج وَقْتُ الاخْتِيارِ، وما بعدَه وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني، والحُكْمُ فيه حُكمُ الضَّرُورَةِ في وقتِ العَصْرِ، على ما بَيَّنَا. وتَأخِيرُها أفْضَلُ إلى آخِرِ وَقْتِها إذا لم يَشُقَّ. وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ

стр. 1028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ والتَّابِعِين. كذلك قال التِّرْمِذِيُّ (١). وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ الأفْضَلَ تَقدِيمُها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ «الْوَقْتُ الْأوَّلُ رِضْوَانُ اللهِ، والْوَقْتُ الآخِرُ عَفْو اللهِ». رَواه التِّرْمَذِيُّ (٢). وعن القاسِمِ بنِ غَنَّامٍ، عن أُمَّهاتِه، عن أُمِّ فَرْوَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ ، وسألَه رجلٌ عن أفْضَل الأعْمالِ، فقال رسولُ الله ﷺ : «الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا». رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ يُؤخِّرُها، وإنَّما أخَّرَها لَيْلَةٌ واحِدَةٌ. ولَنا، قولُ أبى بَرْزَةَ: إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَسْتَحِبُّ أن يُؤْخِّرَ مِن العِشاءِ التي تَدْعُونَها العَتَمَةَ (٤). وقولُ النبيِّ ﷺ : «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لَأمَرْتُهُمْ أنْ يُؤْخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ

стр. 1029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْ نِصْفِهِ». رواه التِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ صحيحٌ. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللهَ ﷺ يُؤخِّرُ عِشاءَ الآخِرَةِ. رَواه مسلمٌ (٢). وأحادِيثُهم ضَعِيفَةٌ. أمّا خَبَرُ: «أوَّلُ الْوَقْتِ رضْوَانُ اللهِ» (٣)، فيَرْوِيه عبدُ (٤) اللهِ العُمَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وحديثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُواتُه مَجاهِيلُ، وقال فيه التِّرمِذِيُّ أيضًا (٥): لا يُرْوَى إلَّا مِن حديثِ العُمَرِيِّ، وليس بالقَوِيُّ في الحدثِ. قال أحمدُ: لا أعْرِفُ ثَبَت في أوْقاتِ الصلاةِ: أوَّلُها كذا، وأوْسَطُها كذا، وآخِرُها كذا. ولو ثَبَت كان الأخْذُ بأحادِيثِنا أوْلَى؛ لأنَّها خاصَّةٌ، وأخْبارَهم عامَّةٌ. وإنَّما يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها للمُنْفَرِدِ ولجَماعَةٍ راضِين بالتَّأخِيرِ، فأمّا مع المَشَقُّةِ بالمَأمُومِين أو بَعْضِهم فلا يُسْتَحَبُّ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم؛ قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: كم قَدْرُ تَأْخِيرِ العِشاء؟ فقال: يُؤخِّرُها بعدَ أن لا يشُقَّ على المَأمُومِين. وقد تَرَك النبيُّ ﷺ الأمْرَ بتَأخِيرِها كَراهِيَةَ المَشَقَّةِ، ورُوِىَ

стр. 1030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه: «مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِى شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ» (١). وروَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّى العِشاءَ أحيانًا وأحيانًا؛ إذا رآهم اجْتَمَعُوا عَجَّل، وإذا رآهم أبْطَئُوا أخَّر (٢). وهذا يَدُلُّ على مُراعاةِ حالِ المَأمُومِين. وقد روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّيها لسُقوطِ القَمَرِ لثالِثَةٍ (٣).

стр. 1031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن أبى مسعودٍ، قال: رَأيتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّى هذه الصلاةَ حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ (١). فيُسْتَحَبُّ الاقْتِداءُ بالنبىِّ ﷺ إحْدَى هاتَيْن الحالَتَيْن، ولا يَشُقُّ على المَأْمُومِين؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأمُرُ بالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بالمَأمُومِين. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ هذه الصلاةِ العَتَمَةَ، وكان ابنُ عُمَر إذا سَمِعِ رجلًا يقُول: العَتَمَةُ. صاح وغَضِب، وقال: إنَّما هي العِشَاءُ (٢). ورُوىَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، ألَا إنَّها الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ (٣) بِالإبِلِ». رَواه مسلمٌ (٤). وإن سَمّاها جاز؛ لقَوْلِ مُعاذٍ: بَقَيْنا (٥) رسولَ اللهِ ﷺ فِي صلاةِ العَتَمَةِ. رَواه أبو داودَ (٦). وفى المُتَّفَقِ عليه (٧)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».

стр. 1032

ثُمَّ الْفَجْرُ، وَوَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِى إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ــ ٢٩١ - مسألة: (ثم الفَجْرُ، ووَقْتُها مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَقْتَ الفَجْرِ يَدْخُلُ بطُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إجْماعًا، وقد دَلَّتْ عليه الأخْبارُ التي ذَكَرْناها، وهو البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ، ويُسَمَّى الفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لأنَّه صَدَقَك عن الصُّبْحِ، والصُّبْحُ ما جَمَع بَياضًا وحُمْرَة ولا ظُلْمَةَ بعدَه، فأمّا الفَجْرُ الأوَّلُ، فهو البَياضُ المُسْتَدِقُّ المُسْتَطِيلُ صُعُدًا مِن غيرِ اعْتِراضٍ، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. وآخِرُ وَقْتِها طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُع

стр. 1033

وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ. وَعَنْهُ، إِنْ أسْفَرَ الْمَأمُومُونَ فَالْأفْضَلُ الْإسْفَارُ. ــ الشَّمْسُ» رَواه مسلمٌ (١). ٢٩٢ - مسألة: (وتَعْجِيلُها أفْضَلُ. وعنه، إن أسْفَرَ المَأمُومُون، فالأفْضَلُ الإسْفارُ) التَّغْلِيسُ بالفَجْرِ أفْضَلُ. رُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ (٢) الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ما يَدُلُّ على ذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.

стр. 1034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): صَحَّ عن النبىِّ ﷺ ، وأبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، أنَّهم كانوا يُغلِّسُون (٢)، ومُحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيان

стр. 1035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفَضائِلِ. ورُوِى عن أحمدَ، أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المَأمُومِين، فإن أسْفَرُوا فالأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لأنَّ جابِرًا روَى أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك في العِشاءِ (١)، فيَنْبَغِى أن يكُونَ كذلك في الفجْرِ. وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأىِ: الأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: «أسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلأجْرِ». رَواه التِّرمِذِىُّ (٢)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: والصُّبْحُ كان النبيُّ يُصَلِّيها بغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى حديثِ أبى بَرْزَةَ: وكان يَنْفَتِلُ مِن صلاةِ الغداةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَه. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّى الصُّبْحَ، فيَنْصَرِفُ النِّساءُ مُتَلَفّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليهما (٤).

стр. 1036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن أبى مسعودٍ الأنْصَارِيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ غلَّسَ بالصُّبحِ، ثم أسْفَرَ مَرَّةً، ثم لم يَعُدْ إلى الإسْفارِ حتَّى قَبَضَه اللهُ. رَواه أبو داودَ (١). فأمّا الإسْفارُ في حَدِيثِهم، فالمُرادُ به أن يَتَبَيَّن ضَوْءُ الصُّبْحِ ويَنْكَشِفَ (٢) ويَكْثُرَ، مِن قوْلِهم: أسْفَرَتِ المرأةُ عن وَجْهِها. إذا كَشَفَتْه. فصل: ولا يَأْثَمْ بتَعْجيلِ الصلاةِ المُسْتَحَبِّ تَأْخِيرُها، ولا [بتَأخِيرِ ما يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُه] (٣)، إذا أَخَّرَه عازِمًا على فِعْلِه، ما لم يَضِقِ الوَقْتُ عن فِعْلِ جَمِيع العِبادَةِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ (٤) صَلّاها بالنبىِّ في آخِرِ الوَقتِ وأوَّلِه، وصَلَّاها النبيُّ ﷺ كذلك أيضًا، وقال: «الْوَقتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ» (٥). ولأنَّ الوُجُوبَ مُوَسَّعٌ، فهو كالتَّكْفِيرِ مُوسُّعٌ في الأعْيانِ، فإن أخَّرَها غيرَ عازِمٍ على الفِعْلِ، أو أخَّرَها بحيث يَضِيقُ الوَقتُ عن فِعْلِ جَمِيعِها فيه، أثِمَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ مِن الصلاةِ، فلم يَجُزْ تَأخِيرُها عن الوقتِ، كالأُولَى. ومتى أخَّرَ الصلاةَ عن أوَّلِ وَقْتِها عازِمًا على الفِعْلِ، فمات قبلَ فِعْلِها، لم يَمُتْ عاصِيًا، لأنَّه فَعَل ما يَجُوزُ له، وليس المَوْتُ مِن فِعْلِه، فلم يَأثَمْ به (٦). واللهُ أعلمُ.

стр. 1037

وَمَنْ أدْرَكَ تَكبِيرَة الْإحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ في وَقْتِهَا، فَقدْ أدْرَكَهَا. ــ ٢٩٣ - مسألة: (ومَن أدْرَكَ تَكبِيرَةَ الإحْرام مِن صلاةٍ في وَقْتِها فقد أدْرَكَها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ ركْعَةً مِن الصلاةِ قبلَ خُرُوجِ وَقْتِها، فقد أدْرَك الصلاةَ، سَواء أخَّرَها لعُذْرٍ، كحائِضٍ تَطْهُرُ، أو مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أدْركَ الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَك

стр. 1038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَكْعَة مِنَ الْعَصْرِ قبْل أنْ تَغْرُبَ الشَّمْس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ» (١). وجَمِيعُ الصَّلَواتِ في ذلك سَواءٌ. وقال أصحابُ الرَّأىِ في مَن طلَعَتِ الشَّمْسُ وقد صَلَّى ركعة: تَفْسُدُ صَلاتُه، لاُنَّه قد صار في وَقْتٍ نُهِىَ عن الصلاةِ فيه. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الصُّبحَ». وفى رِوايَةِ: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْل أنْ تَطْلعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ في وَقْتِها، فكان مُدْرِكًا لها كبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، وإنَّما نُهِى عن النَّافِلَةِ، فأمَّا الفَرائِضُ فتُصَلَّى في كلِّ وقتٍ؛ بدَلِيلِ ما قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإنَّه وقتُ نَهْى، ولا يُمْنَعُ مِن فِعْلِ الفَرْضِ فيه. واللهُ أعلمُ.

стр. 1039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وهل يُدْرِكُ الصلاةَ بإدْراكِ ما دُونَ الرَّكْعَة؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا يُدْرِكها. وهو ظاهِر كلام الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ الَّذي رَوَيْناه، فإنَّ تَخْصِيصَهَ برَكعَةٍ يَدُلُّ عِلى أنَّ الإدْراكَ لا يَحْصُلُ بدُونِها، ولأنَّه إدْراكٌ للصلاةِ، فلا يَحْصُلُ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ. والثانيةُ، يُدْرِكُها بإدْراكِ جُزْءٍ منها، أىَّ جُزْءٍ كان. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ في مَن أدْرَكَ تَكْبِيرَةَ الإحْرامٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن؛ لأنَّ أبا هُرَيَرةَ روَى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وللنَّسائِىِّ: «فَقَدْ أدْرَكَهَا» (٢). ولأن الإدْراكَ إذا تَعَلَّقَ به حُكْمْ في الصلاةِ اسْتَوَى فيه من الرَّكْعَةُ وما دُونَها، كإدْراكِ الجَماعَةِ، وإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، والقِياسُ يَبْطُلُ بإدْراكِ الرَّكْعَةِ دُونَ تَشَهُّدِها. والله أعلمُ.

стр. 1040

وَمَنْ شَكَّ في الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ، ــ ٢٩٤ - مسألة: (ومَن شَكَّ في الوَقْتِ، لم يُصَلِّ حتى يَغْلِبَ على ظَنِّهِ [دُخُولُه) متى شَكَّ في دُخُولِ وقتِ الصلاةِ، لم يُصَلِّ حتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَه، أو يَغْلِبَ على ظَنِّهِ] (١) ذلك، مِثْلَ مَن له صَنْعَةٌ جَرَتْ عادَتُه بعَمَلِ شيءِ مُقَدَّرٍ إلى وَقْتِ الصلاةِ، أو قارِئْ جَرَتْ عادَتُه بقراءةِ شيءٍ فقرَأه، وأشْباهِ هذا، فمتى فَعَل ذلك، وغَلَب على ظَنِّهِ دُخُولُ الوقتِ، أُبِيحَ له فِعْلُ (٢) الصلاةِ، والأوْلَى تَأخِيرُها قليلًا احْتِياطًا، إلَّا أن يَخْشَى خُرُوجَ الوقتِ، أو تكُونَ صلاةُ العَصْرِ في وقتِ الغَيْمِ، فإنَّه (٣) يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بها، لِما روَى بُرَيْدَةُ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في غَزْوَةٍ، فقال: «بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ في اليَوْمَ الغَيْمَ؛ فَإنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ (٤) عَمَلُهُ». رَواه البُخارِيُّ (٥). قال شَيْخُنا (٦): ومَعْناه، واللهُ

стр. 1041

فَإنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ عَنْ يَقِينٍ قَبِلَ قَوْلَهُ، وِانْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ لَمْ يَقْبَلْهُ. ــ أعلمُ، التَّبكِيرُ بها إذا حَلَّ فِعْلُها ليَقِينٍ، أو غَلَبَةِ ظَنٍّ، وذلك لأنَّ وَقْتَها (١) المُخْتارَ في زَمَنِ الشِّتاءِ ضَيِّقٌ، فيُخْشَى خُرُوجُه. ٢٩٥ - مسألة: (فإن أخْبَرَهُ بذلك مُخْبِرٌ في يَقِينٍ قَبِل قولَه، وإن كان عن ظَنٍّ يَقْبَلْه) متى أخْبَرَه بدُخُولِ الوَقْتِ ثِقَةٌ عن عِلُمٍ، لَزِمَه قَبُولُ خَبَرِه؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ، فقُبِلَ فيه تولُ الواحِدِ كالرِّوايَةِ، فأمّا إن أخْبَرَه عن ظَنٍّ، لم يُقَلِّدْه، واجْتَهَدَ لنَفْسِه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على الصلاةِ باجْتِهادِ نَفْسِه، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كحالَةِ اشْتِباهِ القِبْلَةِ. والبَصِيرُ

стр. 1042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأعْمَى والمَطْمُورُ القادِرُ على التَّوَصُّلِ إلى الاسْتِدْلالِ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهم في إمْكانِ التَّقْدِيرِ بمُرُورِ الزَّمانِ كما بَيَّنَا. فصل: وإذا سَمِع الأذانَ مِن ثِقَةٍ عالِمٍ بالوَقْتِ، فله تَقْلِيدُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُؤَذِّنُ إلَّا بعدَ دُخولِ الوقتِ، فجَرَى مَجْرَى خَبَرِه، وقد قال النبيُّ ﷺ الْمُؤْذِّنُ مُؤتَمَنٌ» (١). ولولا أنَّه يُقَلَّدُ ويُرْجَعُ إليه ما كان مؤتَمَنًا، وعنه ﷺ قال: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ في أعْنَاقِ المُؤذِّنِينَ للْمُسْلِمِينَ؛ صَلَاتُهُمْ، وَصِيَامُهُمْ». رَواه ابنُ ماجَة (٢). ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ بالوَقْتِ، فلو لم يَجُزْ تَقْلِيدُ المُؤذِّنِ لم تَحْصُلِ الحِكْمَةُ التي شُرِع الأذانُ لها، ولم يَزَلِ النَّاسُ يَجْتَمِعُون للصلاةِ في مَساجِدِهم، فإذا سَمِعُوا الأذانَ قامُوا إلى الصلاةِ، وبَنَوْا على قولِ المُؤذِّنِ، مِن غيرِ مُشاهَدَةٍ للوقتِ، ولا اجْتِهادٍ فيه، مِن غيرِ نَكِير، فكان إجْماعًا.

стр. 1043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومَن صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، لم تُجْزئْه صَلاتُه، في قولَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، سَواءٌ فَعَل ذلك عَمْدًا أو خَطأً، كلَّ الصلاةِ أو بَعْضَها. وبه قال الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْى، والشافعيُّ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وأبى موسى، أنَّهما أعادا الفَجْرَ؛ لأَنَّهما صَلَّياها قبلَ الوَقتِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في مُسافِر صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوالِ: يُجْزِئُه. ونَحْوُه قولُ الحسن والشُّعْبى. وعن مالك كقَوْلِنا. وعنه، في مَن صَلَّى العِشاءَ قبلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جاهِلًا أو ناسِيًا: يُعِيدُ ما كان في الوَقْتِ، فإذا ذَهَب الوقتُ قبلَ عِلْمِه أو ذِكْرِه، فلا شئَ عليه. ولَنا، أنَّ الخِطابَ بالصلاةِ يَتَوَجَّهُ إلى المُكَلَّفِ عندَ دُخُولِ وَقْتِها، وما وُجِد بعدَ ذلك ما يُزِيلُه ويُبْرِئُ الذِّمَّةَ منه، فَيَبْقى بحالِه.

стр. 1044

وَمَتَى اجْتَهَدَ وَصَلَّى، فَبَانَ أنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ، أَوْ مَا، بَعْدَهُ أجْزَأهُ، وَإنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، ثُمْ جُنَّ، أوْ حَاضَتِ الْمَرْأةُ، لزِمَهُمُ الْقَضَاءُ. ــ ٢٩٦ - مسألة: (ومتى اجْتَهَد وصَلَّى، فبان أنَّه وافَقَ الوَقْتَ أو ما بعدَه، أجْزأه) لأنَّه أدَّى (١) ما خوطِبَ بأدائِه وفُرِض عليه. (وإن وافَقَ قبلَه لم تجْزِئْه) لأنَّ المُخاطَبَةَ بالصلاةِ وسَبَبَ الوُجُوبِ وُجِدا بعدَ فِعْلِه، فلم يَسْقُطْ حُكْمُه بما وُجِد قبلَه. فصل: وإن صَلَّى مِن غيرِ دَلِيل مع الشَّكِّ، لم تجْزِئْه صَلاتُه، سَواءٌ أصاب أو أخْطَأ؛ لأنَّه صلَّى مع الشَّكِّ في شَرْطِ الصلاةِ مِن غيرِ دَلِيلٍ، فلم تَصِحَّ، كمَن اشْتَبَهَتْ عليه القِبْلَةُ فصَلَّى مِن غيرِ اجْتِهادٍ. ٢٩٧ - مسألة: (ومَن أدْرَكَ مِن الوَقْتِ قَدْرَ تَكبيرَةٍ، ثم جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم القَضاءُ) لأنَّ الصلاةَ تَجبُ بأوَّلِ الوقتِ، وقد ذَكَرْناه، ويَسْتَقِرُّ وُجُوبُها بذلك، فمتى أدْرَكَ جُزْءًا مِن أوَّلَ الوقت، ثم

стр. 1045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جُنَّ، أو حاضَتِ المرأةُ، لَزِمَهم (١) القَضاءُ كما ذَكَر، إذا أمْكَنَهما. وقال الشافعيُّ إسحاق: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بمُضِىِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُها فيه، ولا (٢) يَجِبُ القَضاءُ بما دُونَه. واخْتارَه أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مِن الوقتِ ما يُمْكِنُه الصلاةُ فيه، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا. ولَنا، أنَّها صلاة وَجَبَتْ عليه، فوَجَبَ قَضاؤُها إذا فاتَتْه، كالتى أمْكَنَ أداؤها، فأمَّا التي لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وَقْتِها، فإنَّها لم تَجِبْ (٣)، وقِياسُ الواجِبِ على ما لم يَجبْ لا يَصِحُّ. والله أعلمُ.

стр. 1046

وَإنْ بَلَغَ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كَافِرٌ، أو أفَاقَ مَجْنُونٌ، أوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لَزِمَهُمُ الصَّبْحُ، وَإنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، وَإنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. ــ ٢٩٨ - مسألة: «وَإِنْ بَلَغ صَبِيٌّ، أو أسْلَمَ كافرٌ، أو أفاق مَجْنُونٌ، أو طَهُرَتْ حائِضٌ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بقَدْرِ تَكبِيرَةٍ، لَزِمَهم الصُّبْحُ، وإن كان قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَزِمَهم الظُّهْرُ والعَصْرُ، وإن كان قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَهم المَغْرِبُ والعِشاءُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى أدْرَكَ أحَدُ هؤلاء جُزْءًا مِن آخِر وقتِ الصلاةِ، لَزِمَه قَضاؤُها، لأنَّها وَجَبَتْ عليه، فلَزِمَه القَضاءُ كما لو أدْرَكَ وقْتًا يَتَّسِع لها. وهذا مذهب الشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال شيخُنا (١): وأقَلُّ ذلك تَكْبِيرَةُ الإحْرامِ، لأنَّها أقَلُّ ما يَتَلَبَّسُ بالصلاةِ بها. وقد أطْلَقَ أصحابُنا القَوْلَ فيه. وقال القاضي: إن أدْرَكَ رَكْعَةً، كان مُدْرِكًا لها، وإن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ركعةٍ، كان مُدْرِكًا لها في ظاهِرِ

стр. 1047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَلامِه (١). فإن أدْرَكَ جُزْءًا مِن آخِرِ وَقْتِ العَصْرِ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو جُزْءًا مِن آخِرِ اللَّيْلِ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، لَزِمَتْه الظُّهْرُ والعَصْرُ في الأُولَى، والمَغْرِبُ والعِشاءُ في الآخِرَةِ. رُوِىَ هذا في الحائِضِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ، وابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. قال الإمامُ أحمدُ: عامَّةُ التَّابِعِين، إلَّا الحسنَ وَحْدَه قال: لا تَجِبُ إلَّا الصلاةُ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها وَحْدَها. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرَّأىِ؛ لأنَّ وقتَ الأُولَى خَرَج في حالِ العُذْرِ، أشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْ شيئًا مِن وقتِ الثانية. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن أدْرَك قَدْرَ خَمْسِ رَكَعاتٍ مِن وقتِ الثانيةِ، وَجَبَتِ الأُولَى، لأنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الأُولى مِن الخمْسِ وقتٌ للصلاةِ الأولَى في حالِ العُذْرِ، فوَجَبَتْ بإدراكِه؛ كما لو أدْرَك ذلك مِن وَقْتِها المُخْتارِ، بخِلافِ ما لو أدْرَك دُون ذلك. ولَنا، ما روَى الأثرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهما، بالإسْنادِ عن عبدِ الرحمن بنِ عَوْفٍ وابنِ عباسٍ، أنَّهمَا قالا، في الحائِضِ تَطْهُرُ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ برَكْعَةٍ: تُصَلِّى المَغرِبَ والعِشاءَ، فإذا طَهُرَتْ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا (٢). ولأنَّ وَقْتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولَى حالَ العُذْرِ، فإذا أدْرَكَه المَعْذُورُ لَزِمَه فَرْضُها، كما يَلْزَمُه فَرْضُ

стр. 1048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثانيةِ. والقَدْرُ الَّذي يَتَعَلَّقُ به الوُجُوبُ قَدْرُ تَكبِيرَةِ الإحْرامِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وقال الشافعيُّ: قَدْرُ رَكْعَةٍ، لأنَّه الَّذي رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ وابنِ عباسٍ في الحائِضِ، ولأنَّه إدْراك تَعَلَّقَ به إدْراكُ الصلاةِ، فلم يَحْصُلْ بأقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، كإدْراكِ الجُمُعَةِ. وقد ذكَرْنا قولَ مالكٍ. ولَنا، أنَّ ما دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ به الثانيةُ، فوَجَبَتْ به الأُولَى، كالرَّكْعَةِ والخَمْسِ عندَ مالكٍ، ولأَنَّه إدْراكٌ فاسْتَوَى فيه القليلُ والكثيرُ، كإدْراكِ المُسافِرِ صلاةَ المُقِيمِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّما اعْتُبِرَتِ الرَّكْعَةُ فيها بكمالِها؛ لأنَّ الجَماعَةَ شَرْطٌ لصِحَّتِها، فاعْتُبِرَ إدْراكُ ركعةٍ لِئَلَّا يَفُوتَه الشَّرْطُ في مُعْظَمِها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: فإن أدْرَكَ مِن وَقْتِ الأولَى مِن صَلَاتىِ الجَمْعَ قَدْرًا تَجِبُ به، ثم طَرَأ عليه العُذْرُ، ثم زال العُذْرُ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِهما، وَجَبَتِ الأُولَى، وهل يَجِبُ قَضاءُ الثانيةِ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يجِبُ ويَلْزَمُ قَضاؤُها؛ لأَنَّها إحْدَى صَلَاتِىِ الجَمْع، فوَجَبَتْ بإدْراكِ جُزْءٍ مِن وَقْتِ الأُخْرَى، كالأُولَى. والثانيةُ، لا يَجِبُ. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن وَقْتِها، ولا مِن وقتِ تَبَعِها، فلم يَجِبْ كما لو لم يُدْرِكْ مِن وَقْتِ الأُولَى شيئًا، وفارَقَ مُدْرِكَ وقتِ الثانيةِ، فإنه أدْرَكَ وَقْتَ تَبَع الأُولَى؛ لأنَّ الأُولَى تُفْعَلُ في وقتِ الثانية مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً، ولأنَّ مَن لا يُجَوِّزُ الجَمْعَ في وَقْتِ الأُولَى، ليس وَقْتُ الأُولَى عندَه وقتًا للثانيةِ بحالٍ، ومَن جَوُّز الجَمْعَ

стр. 1049

وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ مُرَتَّبًا، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، ــ في وَقتِ الأُولى، فإنَّه يُجَوِّزُ تقْديم الثانية رُخْصَةً، ويَحْتاجُ إلى نِيَّةِ التَّقْدِيم، وتَرْكِ التَّفْرِيقِ، بخِلافِ الأُولَى إذا أخَّرَها إلى الثانيةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُ الثانيةِ على الأُولَى. والأصْلُ أن لا تَجِبَ صلاةٌ إلا بإدْراكِ وَقْتِها فأمَّا إن أدْرَكَ وَقْتَ الفَجْرِ لم تَجِبْ عليه العِشَاءُ، ولا تَجِبُ العَصْرُ بإدْراكِ وَقْتِ المَغْرِبِ، لأنَّه لم يُدْرِكْ وَقْتَها، ولا تُجْمَعُ معها في حالٍ، ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. ٢٩٩ - مسألة: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفَوْرِ مُرَتَّبًا؛ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن فاتَتْه صلاةٌ، لَزِمَه قَضاؤُها على الفوْرِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إذَا

стр. 1050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكَرَهَا». مُتَّفَقٌ عليه (١). وإن فاتَتْه صَلَواتٌ، لَزِمَه قَضاؤُهُنَّ مُرَتَّباتٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَواضِعَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ ما يَدُلُّ على وُجُوبِ التَّرتِيبِ. ونَحْوُه عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ ومالكٍ، واللَّيْثِ (٢)، وأبى حنيفة، وإسحاقَ. وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ، لأنَّه قَضاءٌ لفَرِيضَةٍ فاتَتْه، فلا يَجبُ فيه التَّرْتيبُ، كالصِّيامِ (٣). ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ فاتَتْه أرْبَعُ صَلَواتٍ، فقَضاهُنَّ مُرَتَّبات. رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ،

стр. 1051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنَّسائِى (١). وقال: «صَلُّوا كما رأيتُمُونِى أُصَلِّى» (٢). وعن أبى جُمُعَةَ حَبِيبِ بنِ سِباعٍ، وله صُحبَةٌ، قال: إنَّ النبي ﷺ عامَ الأحزابِ صَلى المَغْرِب، فلَما فَرَغ قال: «هلْ عَلِمَ أحَد مِنْكُم أنِّىِ صلَّيْت الْعصرَ»؟ قالُوا: يا رسولَ الله، ما صَلَّيْتَها. فأمَرَ المُؤذِّن، فأقام الصلاةَ، فصَلَّى العصرَ، ثم أعادَ المَغْرِبَ. رَواه الإمامُ أحمدُ (٣). ولأنهما صَلاتان مؤقتتان، فوجَبَ الترتِيبُ بَيْنَهما كالمجْمُوعتين. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجبُ الترتِيبُ فيها وإن كثُرتْ. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يَجِبُ التَّرتِيبُ في أكْثَرَ مِن صلاةِ يَوْم وليْلَةٍ؛ لأن اعتِباره فيما زاد يَشُقُّ، ويُفْضِى -إلى الدخُولِ في التَكْرارِ، فسَقط، كالتَّرتيبِ في قَضاءِ رمضانَ. ولَنا، أنَّها صلوات واجِبات، تُفعل [في وَقْتٍ] (٤) يَتَّسِعُ لها، فوَجَبَ فيها التَّرَتِيبُ كالخمس، وإفْضاؤُه إلى التَّكْرارِ لا يَمنَعُ وُجُوبَه، كتَرْتِيبِ الرُّكُوعَ على السجودِ.

стр. 1052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وهذا التَّرْتِيبُ شَرط لصِحةِ الصلاةِ، فلو أخَلَّ به، لم تَصحَّ صلاتُه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعنَى، ولأنَّه ترتِيبٌ في الصلاةِ، فكان شَرطًا، كالرُّكُوعَ والسجُودِ. فصل: فإن ذَكَر أن عليه صلاةً، وهو في أخْرَى، والوَقْتُ متسِعٌ، أتمَّها، وقَضَى الفائِتَةَ، ثم أعادَ الصلاةَ التى كان فيها، إمامًا كان أو مَأمُومًا أو مُنْفَردًا. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِى وأبي بكرٍ. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والليْثِ، وإسحاقَ، في المَأمُومِ. وهو الذى نَقَلَه الجَماعَةُ عن أحمدَ في المَأمُومِ. ونُقِل عنه في المأمُومِ (١)، أنَّه يَقْطَعُ الصلاةَ. ونُقِل عنه في المُنْفَردِ روايَتان؛ إحداهما، يَقْطَعُ الصلاةَ ويَقْضى الفائتةَ. وهو قولُ النخَعى، والزُّهْري، ويَحيى الأنْصارِى. والثانية، إنّه يتِمُّ الصلاةَ. وإن كان إمامًا، فقال القاضى: يَقْطَعُ الصلاةَ إذا كان الوَقْتُ واسِعًا، ويَسْتَأنِفُ المَأمُومُون. نقَلَها عنه حَرب. ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَ هذه الروايَةِ، فصار في الجَمِيع رِوايَتان، إحداهما، يَقْطَعُها ويَقْضى الفائِتَةَ. [والأخْرَى، يُتِمُّها ويَقْضى الفائتَةَ] (٢)، ويُعيدُ التى كان

стр. 1053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها. والدَّلِيلُ على وُجُوبِ الإعادَةِ، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ نسِىَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرها إلا وَهُوَ مَعَ الْإمَامِ، فَإذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاِتهِ فَلْيُعِدِ الصَلَاةَ الَّتِى نَسِىَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِى صَلاها مَعَ الإمَامِ». رَواه أبو يَعلَى المَوْصِلِى بإسْنادٍ حسن (١). ولحديث أبى جُمُعَةَ الذى ذَكرناه. قال شبخُنا (٢): والأوْلَى أنَّه لا يَقْطَعُ الصلاةَ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوأ أَعمَلَكُم﴾ (٣). ولحديثِ ابن عُمَرَ. قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في المَأمُومِ، أنَّه يَمضِى، واخْتَلَف قَوْلُه في المُنْفَرِدِ، والذى أقُولُ (٤): إنَّه يمضِى. فصل: فإن مَضَى الإمامُ في صَلاِته بعدَ ذِكْرِه، فهل تَصحُّ صلاةُ المَأمُومِين؟ يَنْبَنِى على ائتمامِ الْمُفْتَرِضِ بالمُتَنَفلِ. وإنِ انْصَرَف، فالمَنْصُوصُ أنَّهم يَسْتَأنِفُون الصلاةَ. قال شيخُنا (٢): ويَتَخرج أن يَبْنُوا كما لو سَبَقَه الحَدَثُ، وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَمْضِى في صَلاتِه. فإنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، لأنَّها صلاة لا يُعتَدُّ بها، فلم يَلْزمه إتْمامُها، كالتَّطوعِ.

стр. 1054

فَإنْ خَشِىَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أو نَسِىَ الترتِيبَ، سَقَطَ وُجُوبهُ. ــ ٣٠٠ - مسألة: (فإن خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، أو نسِىَ التَّرتِيبَ، سَقَط وُجوبُه) متى خَشِىَ فَواتَ الحاضِرَةِ، سَقَط وُجوبُ الترتِيبِ، مِثْلَ أن يَشرعَ في صلاة حاضِرَةٍ، فيَذْكُرَ فائِتَة والوَقْتُ ضيِّقٌ، أو لم يَكنْ في صلاةٍ، لكنْ لم يَبْقَ مِن وَقْتِ الحاضِرَةِ ما يَتَّسعُ لهما جَمِيعًا، فإنَّه يُقَدِّمُ الحاضِرَة، ويُسْقِطُ الترتِيبَ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهبِ. وهذا قولُ سعيدِ

стр. 1055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ المُسيَّبِ، والحسنِ، والثوْرى، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأىِ. وعن أحمدَ، أن الترتِيبَ واجب بكل حالٍ، اخْتارَها الخلالُ. وهى مذهبُ عَطاءٍ، والزُّهْرِى، والليْثِ، ومالك. ولا فَرقَ بينَ كَوْنِ الحاضِرَةِ جُمُعَة أو غيرَها؛ لقَوْله ﷺ : «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا، فَلْيُصَلها إذَا ذَكَرها» (١). ولأنَّه تَرتِيب، فلم يَسْقُطْ بضِيقِ الوقْتِ، كتَرتِيبِ الركوعِ والسجُودِ. ولأَنَّه قد رُوِىَ: «لَا صَلَاةَ لمَنْ عَلَيْهِ صَلَاة» (٢). والروايَةُ الأولَى هى المَشْهُورَةُ. قال القاضى: عِنْدِى أنَّ المسألةَ رِوايَة واحِدَة، وأنَّ التَّرتِيبَ يَسْقُط. وقال أبو حَفْصِ عن الروايةِ الثَّانِيَةِ: هذه الرِّوايَةُ تُخالِفُ ما نَقَلَه الجَماعَةُ؛ فإمّا أن تَكُون غَلَطًا، أو
следующие страницы →