← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا أذَّنَ في الوَقَّتِ كُرِه له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ إلَاّ لحاجَةٍ، ثم يَعُودَ؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى الإقامَةِ فلا يُوجَدُ. وإن أذَّن قبلَ الوقتِ للفَجْرِ، فلا بَأسَ بذَهابِه؛ لأنَّه لا يُحْتاجُ إلى حُضُورِه قبلَ الوَقتِ: قال أحمدُ، في الرجلِ يُؤذِّنُ في اللَّيْلِ، على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المَنْزِلَ، وَيَدَعُ المَسْجدَ: أرْجُو أن يكُونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّن وهو مُتَوَضِّئٌ في وَقْتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ حتى يُصَلِّىَ، إلاّ أن يكُونَ لحاجَةٍ. فصل: إذا أذَّن في بَيْتِه، وكان قَريِبًا مِن المسجدِ، فلا بَأْسَ، وإن كان بَعِيدًا كُرِه له ذلك؛ لأنَّ القَرِيبَ مِن المَسجدِ يُسْمَعُ أذانُه عندَ المَسجِدِ، فيَأْتُون إلى المسجدِ، والبَعِيدَ قد يَسْمَعُه مَن لا يَعْرِفُ المسجدَ، فيَغْتَرُّ به

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجدِ، فإنَّه قد رُوِىَ عن أحمدَ، في الذى يُؤَذِّنُ في بَيْتِه، وبينَه وبينَ المسجدِ طَرِيقٌ يسْمِعُ (١) النَّاسَ: أرْجُو أن لا يَكُونُ به بَأْسٌ. وقال، في رِوايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، في مَن يُؤَذِّنُ في بَيْتِه على سَطْحٍ: معاذَ اللهِ، ما سَمِعْنا أن أحدًا يَفْعَلُ هذا. فحُمِلَ الأوَّلُ على القَرِيبِ، والثانى على البَعِيدِ، وقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يُؤَذِّنُ على سَطْحِ امرأةٍ مِن الأنْصارِ. واللهُ أعلمُ. فصولٌ في المَساجِدِ فَصلٌ في فَضْلِ المَساجِدِ وبِنائِها، وغيرِ ذلك: عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ ﷺ : «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا» قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قال: «يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى الله له بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن جابِرِ بين عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ بَنَى للهِ [مَسْجِدًا، وَلَوْ] (٣) كَمَفحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْجَنَّةِ». رَواه ابنُ ماجَه (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُها، وَأَبغَضُ الْبِلادِ إِلى اللهِ أسْوَاقُهَا». رَواه مسلمٌ (٢). ويُسْتَحَبُّ اتِّخاذُ المَساجِدِ في الدُّورِ، وتَنْظِيفُها [وتَطْيِيبُها؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ببِاءِ المَساجِدِ في الدُّورِ] (٣)، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ. رواه الإِمامُ أحمدُ (٤). وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَىَّ أْجُورُ أُمَّتِى، حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ». رواه أبو داودَ (٥). وعن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أخْرَجَ أذًى مِنَ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» (٦). فصل: ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ (٧) المسجدِ، وأن يُسْرَجَ فيه؛ لِما رُوِىَ

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فغَضِبَ حتى احْمَرَّ وَجْهُه، فجاءَتْه امرأةٌ مِن الأنْصارِ، فحَكَّتْها وجَعَلَتْ مَكانَها خَلُوقًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أحْسَنَ هَذَا». رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه (١)، وعن مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ. فقال: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ». وكانتِ البِلادُ إذ ذاك حَرْبًا (٢)، قال: «فإنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِى قَنَادِيِلِهِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه (٣). وفى رِوايةِ الإِمام أحمدَ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فإنَّ [صلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ] (٤) صلَاةٍ». قالت: أرأيْتَ مَن لم يُطِقْ أن يَتَحَمَّلَ إليه، أو يَأْتِيَه؟ قال: «فَلْيُهْدِ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرجُ فِيهِ، فإن مَنْ أهْدَى لَهُ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ». فصلٌ فيما يُباحُ في المَسْجدِ: يُباحُ النَّوْمُ فيه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أنَّه كان يَنامُ، وهو شابٌّ عَزَبٌ لا أهْلَ له في مسجدِ النبىِّ ﷺ . مُتفَقٌ عليه (٥). وكان أهلُ الصُّفَّةِ يَنامُون في المسجدِ. ويُباحُ للمَرِيضِ أن

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكُونَ في المسجدِ، وأن تكُونَ فيه خَيْمَةٌ. قالت عائشةُ: أُصِيب سعدٌ (١) يومَ الخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فضَرَبَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً في المسجِدِ؛ يَعُودُه مِن قرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ويُباحُ دُخُولُ البَعِيرِ المسجدَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ طاف في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ (٣). مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولا بَأْسَ بالاجْتِماعِ في المسجدِ، والأكْلِ فيه، والاسْتِلْقاءِ فيه؛ لِما روَى أبو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، قال: بَيْنَما رسولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ إذ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وذَهَب واحِدٌ، فأمَّا أحَدُهما فرَأى فُرْجَةً، فجَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمّا فَرَغ رسُولُ اللهِ ﷺ قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ

стр. 986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَاسْتحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَض اللهُ عَنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، قال: كُنَّا نَأْكُلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ في المسجدِ الخُبْزَ واللَّحْمَ. رَواه ابنُ ماجَه (٢). وعن عَبَادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عَمِّه عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه رَأى رسول اللهِ ﷺ مُسْتلْقِيًا في المسجدِ، واضِعًا إحْدَى رِجْلَيْه على الأْخرَى. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ويَجُوزُ السُّؤالُ في المسجدِ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بَكْرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟». وذَكَر الحديثَ. رَواه أبو داودَ (٤). ويَجُوز إنْشادُ الشِّعْرِ، واللِّعانُ في المسجدِ؛ لِما رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ عُمَرَ مَرَّ بحَسَّانَ، وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجدِ، فلَحَظَ. إليه، فقال: قد كنْتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه [مَنْ هُو] (٥) خَيْرٌ

стр. 987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منك. ثم الْتفَتَ إلى أبى هُرَيْرةَ، فقال: أنْشُدُكَ اللهَ، أسَمِعْتَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «أَجِبْ عَنِّى، اللَّهُمَّ أيِّدهُ بِرُوحِ الْقدُسِ»؟ قال: نعم. مُتَّفَقٌ عليه (١) -. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أكْثَرَ مِن مِائةِ مَرَّةٍ في المسجدِ، وأصحابُه يَتَذاكرُون الشِّعْرَ وأشْياءَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فرُبَّما تَبَسَّم معهم. رَواه الإمامُ أحمدُ (٢). وفى حديثِ سَهْلِ ابنِ سعدٍ ذَكر حديثَ اللِّعانِ، قال: فتَلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). فصلٌ فيما يُكْرَه في المَسْجِدِ: يُكْرَهُ إنْشادُ الضّالَّةِ في المسجدِ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِى الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ (٤). إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ

стр. 988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِهَذَا». رَواه مسلمٌ (١). عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن البَيْعِ والابْتِياعِ، وعن تَناشُدِ الأشْعارِ في المَساجِدِ. رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ المَساجِدِ وزَخْرَفَتُها؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجدَهُمْ». رَواه ابن مْاجه (٣). وعن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ». قال ابنُ عباسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى. رَواه أبو داودَ (٤). وعن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينكُمْ، وَشِراكمْ وبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أصْوَاتِكمْ، وَإقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبوَابِهَا

стр. 989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِى الجُمَعِ». رَواه ابنُ ماجَه (١) مِن رِوايَةِ الحارِثِ ابنِ نَبْهانَ، قال فيه يحيى بنُ مَعِينٍ: لا يُكْتَبُ حَدِيثُه، ليس بشئٍ. ويُكْرَهُ أن يَكتُبَ على حِيطانِ المسجدِ قُرآنًا أو غيرَه؛ لأنَّه يُلْهِى المُصَلِّىَ ويَشْغَلُه، وهو يُشْبِهُ الزَّخْرَفَةَ وقد نُهِىَ عنها. والبُصاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وهل يُكْرَهُ الوُضُوءُ في المسجدِ؟ على رِوايَتيْن، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ، إلَّا ابنَ عَقِيلٍ قال: إن قُلْنا بنَجاسَةِ الماءِ الْمُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، حَرُم ذلك في المسجدِ. واللهُ أعلمُ.

стр. 990

بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهِىَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِىَ سِتٌّ؛ أَوَّلُهَا، دُخُولُ الْوَقْتِ. وَالثَّانِى، الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ. ــ بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ٢٨١ - مسألة؛ قال: (وهى ما يَجِبُ لها قبلها، وهى سِتٌّ؛ أوَّلُها دُخُولُ الوَقْتِ، والثانى، الطهارةُ مِن الحَدَثِ) أمّا الطهارةُ مِن الحَدَثِ، فقد مَضَى ذِكْرُها، وهى شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا (١) يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أحَدِكُمْ إذَا أَحدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول:

стр. 991

وَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ؛ ــ «لَا يقْبَلُ اللهُ صَلَاةً (١) بغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ». رَواه مسلمٌ (٢). ٢٨٢ - مسألة؛ قال: (والصَّلَواتُ المَفْروضاتُ خَمْسٌ) أجْمِعَ المُسْلِمُون على أن الصلَواتِ الخَمْس في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَفْرُوضاتٌ، لا خِلاف بينَ المُسْلِمِين في ذلك، وأن غيرَها لا يَجبُ إلَّا لعارِضٍ مِن نَذْرٍ أو نَحْوِه، إلَّا أَنَّهم اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الوِتْرِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى.

стр. 992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأصْلُ في ذلك ما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «خَمْسُ صلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعَبْدِ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِن كَانَ لَهُ عَهدٌ عِنْدَ اللهِ أن يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عليهنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (١). ورُوِىَ أن أعْرابِيًّا أتَى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ماذا فَرَض اللهُ (٢) عَليَّ مِن الصلاةِ؟ قال: «خَمسُ صلوات». قال: فهل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أن تَطَوَّعَ شَيْئًا». فقال الرجلُ: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزيدُ عليها، ولا أنْقصُ منها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أفْلَحَ الرجُلُ (٣)

стр. 993

الظُّهْرُ، وَهِىَ الأولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، بَعْدَ الَّذِى زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. ــ إنْ صَدَقَ». مُتَّفقٌ عليه (١). وأجْمَعُوا على أنَّ الصَّلوات الخَمْس مُؤقَّتات بمَواقِيتَ مَعْلُومَةٍ محْدُودَةٍ، وقد ورَد ذلك في أحادِيثَ صِحاح يأتي أكثرها، إن شاء اللهُ تعالى. ٢٨٣ - مسألة؛ قال: (الظُّهْرُ، وهى الأولَى، ووَقْتُها مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْله، بعدَ الذي زالَتْ عليه الشَّمْسُ) أجمعَ أهلُ العلمِ على أن أوَّلَ وَقْتِ الظهرِ، إذا زالَتِ الشَّمْسُ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ. وتُسَمَّى الهَجيرَ، والأولَى، والظُّهْرَ؛ لأنَّ في حديث أبي برْزَةَ، قال: كان رسول الله ﷺ يُصلِّى الهَجيرَ التى

стр. 994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَدْعُونَها الأُولَى حينَ تَدْحَضُ الشَّمسُ. مُتفَّقٌ عليه (١). وإنَّما بَدَأ بذكْرِها، لأنَّ جِبْريل بَدَأ بها حينِ أمَّ النبيَّ ﷺ في حديثِ ابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وبَدَأ بها النبيُّ ﷺ حين عَلَمَ أصحابَه مَواقِيتَ الصلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَةَ وغيرِه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبيُّ ﷺ ، قال: «أمَّنِى جِبْرِيلُ، ﵇، عِندَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ فِى الأولَى مِنْهُما، حين كَان الْفَىْءُ مِثْلَ الشِّراكِ (٢)، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كاد ظِلُّ كُل شَئٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمس (٣) وَأَفطر الصَّائِمُ، ثمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ علَى الصَّائِمِ. وصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ لوقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ (٤) ظِلُّ كل شَىْءٍ

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْلَيْهِ (١)، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقتهِ الْأوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشاء الْآخِرَةَ (٢) حينَ ذَهب ثلُث اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حين أسْفَرَتِ الْأرْضُ، ثُمَّ الْتفتَ جِبْريلُ فقَالَ: يا محمَّد، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ قَبلَكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْن». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِىُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ (٤). وروَى جابِرٌ نَحْوَه ولم يَذْكُرْ فيه: «لِوَقتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ» (٥). قال البُخاريُّ: أصَحُّ حديثٍ في المَواقِيتِ حديث جابر. وروَى بريْدَةُ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ رجلًا سألَه عن وَقتِ الصلاةِ، فقال: «صلِّ مَعَنَا هَذيْنِ الْيوْمَيْنِ» (٦). فلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ أمَر بِلالًا فأذَّنَ، ثم أمَرَه فَأقام الظُّهْرَ، ثم أمَرَه فأقامَ العَصْرَ، والشَّمْسُ مُرْتَفِعَة بَيْضاءُ نقِيَّةٌ، لم يُخالِطْها صُفْرَةٌ، ثم أمَرَه فأقامَ المَغْرِبَ حينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمرَه فأقامَ العِشاءَ حينَ غاب الشَّفَقُ، ثم أمَرَه فَأقامَ الفَجْرَ حينَ طَلَع الفَجْرُ، فلَمَّا كان اليَوْمُ الثاني أمَرَه فأبْرَدَ بالظُّهرِ، فأنْعَمَ أن يُبْرِدَ بها، وصَلى العصر والشَّمسُ بَيْضاءُ مُرْتَفعَة، آخِرُها فوق الذي كان، وصَلَّى الْمَغْرِبَ حينَ غاب

стр. 996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّفَقُ، وصَلَّى العِشاءَ حيَنَ (١) ذَهَب ثُلثُ اللَّيلِ، وصَلَّى الفَجْرَ فأسْفرَ بها، ثم قال: «أينَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟» فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله. فقال: «وَقْتُ صَلَاِتِكُمْ بَيْنَ ما رَأيتُمْ». رَواه مسلمٌ (٢). ومَعْنَى زوالِ الشَّمس، مَيْلُها في وَسَطِ السَّماء، وإنَّما يُعرَفُ ذلك بطُولِ الظِّلِّ بعدَ تَناهِى قِصَره؛ لأنَّ الشَّمْسَ حين تَطلُعُ يكونُ الظِّلُّ طَويلًا، وكلَّما ارْتَفَعَتْ قَصُرَ، فإذا مالَتْ عن كَبِدِ السَّماءِ، شَرَع في الطولِ، فذلك زَوالُ الشَّمس، فمَن أرادَ معرِفَةَ ذلك فلْيُقَدِّرْ ظِلَّ شيءٍ، ثم يَصْبِرْ قَلِيلاً، ثم يُقدِّره ثانيًا، فإن نَقَص لم يَتَحَقَّقِ الزَّوالُ، وإن زاد فقد زالتْ، وكذلك إن لم يَنْقص؛ لأنَّ الظل لا يَقِفُ فيَكُونُ قد نَقص ثم زاد. وأمّا مَعْرِفَةُ قدْر ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ بالأقدامِ فيَخْتَلِفُ باخْتلافِ الشُّهُورِ والبلْدانِ، فكلما طال النَّهارُ، قَصر الظِّلُّ، وإذا قَصر طال الظِّل. وقد ذَكَر أبو العَبّاس السِّنجىُّ (٣)، ﵀، ذلك تَقْرِيبًا، قال: إن الشَّمسَ تزُولُ في نِصْفِ حَزِيران على قدَمٍ وثلثٍ، وهو أقل ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ، وفي نِصْفِ تمُّوزَ وأيارَ على قدم ونِصْفٍ وثُلُثٍ، ونصف آبَ ونَيْسانَ على ثلاثة أقدام، وفي نصفِ آذارَ وأيلولَ على أربَعَةِ أقدام ونصفٍ، وفى

стр. 997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نصفِ شُباطٍ وتَشرِينَ الأوَّلِ على سِتةِ أقدامِ، وفي نِصْفِ كانُونَ الثانى وتَشرِينَ الثانى على تِسْعَةِ أقدام، وفي نصفِ كانُونَ الأوَّلِ على عَشْرَةِ أقْدامٍ وسُدْسٍ، وهو أكْثَرُ ما تَزُولُ عليه [الشَّمْسُ في] (١) إقلِيمِ الشَّامِ والعِراقِ وما سامَتَهُما، فإذا أرَدْتَ مَعْرفةَ ذلك، فقِفْ على مُسْتَوٍ مِن الأرضِ، وعَلِّمِ المَوْضِعَ الذي انتهَى إليه ظِلُّك، ثم ضَعْ قدَمك اليُمنَى بينَ يَدَي قدَمِك اليُسْرَى، وألْصِقْ عَقِبَك بإبْهامِك، فإذا بَلَغَتْ مِساحَتُه هذا القدْرَ بعدَ انْتِهاءِ النَّقْصِ فهو وَقْتُ زَوالِ الشَّمس، وتجِبُ به الظُّهْرُ. واللهُ أعلمُ. فصل: وتَجِبُ الصلاةُ بدُخُولِ أوَّلِ وَقْتِها في حَقّ مَن هو مِن أهْلِ الوُجُوبِ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بآخِرِ وَقْتِها إذا بَقِىَ منه ما لا يَتّسِعُ لأكْثَرَ منها؛ لأَنَّه في أوَّلِ الوَقْتِ يَتَخَيَّر بينَ فِعْلِها وتركِها، فلم تَكُنْ واجبَة كالنَّافلَةِ. ولَنا، أنَّه مَأمُورٌ بها في أوَّلِ وَقْتِها بقَوْلِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢). والأمْرُ [يَقْتَضِى الوُجُوبَ] (٣) على الفَوْرِ، ولأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبٌ للوجُوبِ (٤) فتَرَتَّبَ عليه حُكْمُه عندَ وُجُودِه، ولأنَّها تشترَطُ لها نِيَّةُ (٥) الفَرْض، ولو كانت نَفْلًا لأجزأتْ بنيَّةِ النَّفْلِ، كالنَّافِلَةِ، وتُفارِقُ النَّافِلَةَ مِن حيثُ إن النافِلَةَ يَجُوزُ تركُها لا إلى بَدَلٍ، وهذه إنَّما يَجُوزُ تَرْكُها مع العَزْمِ على فِعْلِها، كما تُؤخَّرُ صلاةُ المَغْرِبِ

стр. 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَيْلَةَ المُزْدَلفَةِ عن وَقْتِها، وكما تُؤخَّرُ سائر الصَّلَواتِ عن وَقْتها لمن هو مشتغل بشَرْطِها. فصل: وآخِرُ وقْتِها إذا زاد على القَدْرِ الذي زالَتْ عليه الشَّمسُ قَدْرَ طُولِ الشَّخْصِ. قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ الله: وأى شيء آخِرُ وَقْتِ الظهْرِ؟ قال: أن يَصِيرَ الظل مِثْلَه. قيل له: فمتى يكُونُ الظل مِثْلَه؟ قال: إذا زالتِ الشَّمس فكان الظل بعدَ الزَّوالِ مِثْله. ومَعْرِفَة ذلك أن يَضْبُطَ ما زالتْ عليه الشمسُ، ثم يَنظرَ (١) الزيادَة عليه، فإن بَلَغَتْ قَدْر الشَّخْصِ، فقد انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وقدْرُ شَخْص الإنْسانِ سِتَّةُ أقْدام ونِصْف وسُدْس بقَدَمِه، تقْرِيبًا، فإذا أرَدْتَ اعْتِبار الزيادَةِ بقَدَمك مَسَحْتَها على ما ذَكَرْناه في الزَّوالَ، ثم أسْقَطْتَ منه القَدْرَ الذي زالَتْ عليه الشمس فإذا بَلَغ الباقى سِتَّةَ أقدام وثُلُثَيْن، فهو آخِر وَقْتِ الظهْرِ وأولُ وقْتِ العَصْر، فيَكُونُ ظِلُّ الإنْسانِ في نِصْفِ حَزيرانَ، على ما ذَكَرْنا في آخِرِ وَقْتِ الظهْرِ وأوَلِ (٢) وَقْتِ العَصْرِ، ثَمانِيَةَ أقدام بقَدَمِه، وفى بَقِيَّةِ الشُّهُورِ كما بَيَّنَّا. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ والثَّوْرِىّ والشْافعىِّ والأوْزاعِى. ونَحْوه قول أبي يُوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم. وقال عَطاء: لا تَفْرِيطَ للظهر حتَّى تَدْخُلَ الشمَّس صُفْرَة. وقال طاوُس: وَقْتُ الظهْر والعَصْرِ إلى اللَّيْلِ. وحُكِىَ عن مالكٍ: وَقْت الاخْتِيار إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَهُ (٣)، ووَقْتُ

стр. 999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأداء إلى أن يبْقَى من غُرُوبِ الشمس قَدْر ما يُؤدى فيه العَصْرُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ جَمَع بينَ الظهر والعَصْرِ في الحَضَرِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذا صار ظِل كل شئٍ مثلَيْه؛ لأنَّ النبى ﷺ قال: «إنما مَثَلُكُمْ وَمَثَل أهْل الْكِتَابَيْنِ، كَمثَلِ رجل استأجَرَ أجَرَاءَ (١) فَقَالَ: منْ يَعْملُ لِى مِنْ غُدْوَة إلَى نِصْفِ النهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهود، ثمَّ قَال: مَنْ يَعْمَلُ لِي من نِصْفِ النهارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاط؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثم قالَ: مَنْ يَعْمَل لِى مِنَ الْعَصْرِ إلى غرُوبِ الشَّمس عَلَى قِيراطَيْنِ؟ فأنْتمْ همْ. فَغَضبتِ الْيَهود والنصارَى، وقَالُوا: مَا لَنَا أكثَر عَمَلاً وَأقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هلْ نَقَصْتُكُمْ (٢) منْ حَقِّكُمْ؟ قالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِك فَصلِى أوتِيهِ مَنْ أشَاءُ». أخْرجه البُخارِى (٣). وهذا يَدُل على أنَّ ما بين الظُّهْر والعَصْرِ أَكْثَرُ مِن العَصْرِ إلى المغْرِبِ. ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ وابنِ عباس، وفيه قوْلُ جبْرِيلَ فيه: «الْوَقْت مَا بَيْنَ هَذَيْن» (٤). وحديث مالك مَحْمولْ على العُذْرِ بمَطَرٍ أو مَرَضٍ. وما

стр. 1000

وَالْأفْضَلُ تَعْجِيلُهَا، إلَّا فِى شِدَّةِ الحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلى جَمَاعَة، ــ احْتَجَّ به أبو حَنِيفَةَ فليس فيه حُجَّة؛ لأنَّه قال: «إلَى صلَاةِ الْعَصْرِ». وفعْلُها يكون بعدَ دُخُولِ الوقْت وتَكامُلِ الْشروطِ، على أنَّ الأخْذَ بأحادِيثنا أوْلَى؛ لأنَّه قُصِد بها بَيانُ الوقتِ، وخَبَرُهم قُصِد به ضَرْبُ المثَلِ، فكانت أحادِيثنا أولَى. قال ابنُ عبدِ البَر: خالَفَ أبو حنيفةَ في هذا (١) الآثارَ والنّاس، وخالَفَه أصْحابُه. ٢٨٤ - مسألة: (وتَعْجيلُها أفْضَلُ، إلَّا في شدةِ الحَرِّ والغَيْمِ لمَن يصَلِّى جَماعَةً) (٢) وجُمْلَة ذلك، أنَّ تَعْجيلَ الظهْرِ في غيرِ الحُرّ والغَيْمِ مُسْتَحَب، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال الترمِذى: وهو الذي اخْتارَه أهلُ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ومَن بعدَهم (٣). لِما روَى أبو بَرْزَةَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى الهَجِير التى تَدْعُونَها الأولَى حينَ تَدْحَضُ (٤) الشَّمْسُ. وقال جابِر: كان النبىّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْر

стр. 1001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالهاجرةِ. مُتَّفَق عليهما (١). وروَى الأمَوِىُّ (٢) في «المَغازِى» بإسْنادِه، عن معاذِ بنِ جَبَل، قال: لَمّا بَعَثنِى رسول الله ﷺ إلى اليَمَنِ قال: «أظْهِرْ كبِيرَ الْإسلَامِ وَصَغِيرَه، وَلْيَكُنْ مِنْ أكْبَرِهَا الصَّلَاة، فَإنَّها رَأسُ الْإسْلَامِ

стр. 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْدَ الإِقرَارِ بِالدِّينِ، إذا كانَ الشتاءُ فَصَل صَلَاةَ (١) الفَجْرِ فِى أوَّل الْفجْرِ، ثُمَّ أطِلِ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ ما تُطِيقُ وَلَا تمِلَّهُمْ وَتُكَرِّه إلَيهِمْ أمْرَ اللهِ، ثم عَجِّلِ الصَّلَاةَ الأولى بَعْدَ أنْ تَمِيلَ الشمْسُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمغْرِبَ فِى الشتاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ الْعَصْرَ وَالشمْسُ بَيْضَاءُ مرْتَفِعَة، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشمْسُ، وَتَتَوَارَى بالْحِجَابِ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأعتِمْ بهَا؛ فَإنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، فإذَا كَانَ الصيف (٢) فَأسْفِرْ بِالصُّبْحِ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ قصِيرٌ، وَإنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فأمْهِلْهُمْ حتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أنْ يَنْقصَ الظل وتَحَرَّكَ الريح؛ فَإن النَّاسَ يقِيلُونَ، فَأمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوها، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشفَق». وقالت عائشة: ما رَأيت أحَدًا [كان] (٣) أشَدَّ تَعْجِيلاً للظهر مِن رسولِ اللَه ﷺ ولا مِن

стр. 1003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي بكرٍ ولا مِن عُمَرَ. حديث حسن. فأمَّا في شدَّةِ الحَرِّ فيُستَحَبُّ تأخِيرها مطْلَقًا في ظاهِرِ كلام أحمدَ، والخِرَقِىّ. حَكاه عنه الأثْرَم. وهو قول إسحاقَ، وأصحابِ الرأىِ، وابنِ المنْذِرِ. وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لعمومِ قولِ النَّبيُّ ﷺ : «إذا اشْتدّ الْحَرُّ فَأبْرِدوا بِالظهْرِ؛ فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ». متَّفَقٌ عليه (١).

стр. 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا هاهُنا أنَّه إنَّما يُسْتَحبُّ تَأخيرها لمَن يُصَلِّى جَماعةً. قال القاضي في «المُجَردِ»: إنَّما يُستَحَبُّ الإبرادُ بها بثَلاثِ شَرائطَ؛ شِدةِ الحَر، وأن يكُون في البُلْدانِ الحارة، ومَساجِد الجماعات، فأما مَن صَلَاها في بَيْته أو في مَسجِدٍ بفِناءِ بَيتِه، فالأفضَلُ تَعجِيلُها. وهذا مذهبُ الشَّافعي؛ لأنَّ التَّأخِيرَ إنَّما اسْتُحِبَّ لينكَسِرَ الحرُّ، ويتَّسع فَىْء الحِيطانِ فيكْثُرَ السَّعىُ إلى الجَماعات، ومَن لا يُصَلِّى في جَماعَةٍ لا حاجَةَ به إلى التَّأخيرِ. وقال في «الجامِع» (١): لا فَرْقَ بين الْبلدانِ الحارَّة وغيرِها، ولا بين كَوْن المسجدِ يَنْتابه النّاسُ (٢) أوّلا؛ لأنَّ أحمد، ﵀، كان يُؤخِّرُها في (٢) مَسْجدِه، ولم يَكُنْ بهذه الصِّفَةِ. ويُؤخرها حتَّى يتَّسِعَ فَىْءُ الحيطانِ؛ فإنَّ في حديثِ أبي ذَرٍّ، أن النبى ﷺ قال للمُؤذن:

стр. 1005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «أبرِدْ». حتَّى رَأينا فَئَ التُّلُولَ (١). ولا يؤخِّرُها إلى آخِرِ وَقْتِها، بل يُصَليها في وقتٍ [إذا فَرَغَ يكُونُ] (٢) بينَه وبينَ آخِرِ الوَقتِ فَصْلٌ. فأمّا الجُمُعَةُ فيُسَنُّ تَعْجِيلُها في كل وَقْتٍ بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ قال: كُنّا نُجمِّعُ مع رسولِ اللهِ ﷺ إذا زالَتِ الشَّمْس. متفق عليه (٣). ولم يُنْقَلْ أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجلُها حتَّى قال سهْل بنُ سعد:

стр. 1006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما كُنّا نَقِيل ولا نَتَغَدَّى إلَّا (١) بعدَ الجُمعَةِ. أخرَجَه البُخارِىُّ (٢). ولأنَّ التَّبكِيرَ إليها سُنة فيَتَأذَى النّاسُ بتَأخِيرِها. ويُسْتَحبُّ تَأخِيرُها في الغَيْمِ، [وتَعْجيلُ العَصْرِ والعِشاءِ] (٣) أيضًا لمَن يُصَلِّى جماعَةً. ذكَره الْقَاضى فقال: يُسْتَحَبُّ تَأخِيرُ الظُّهرِ والمَغْرِبِ في الغَيْمِ، وتَعْجِيل العَصْرِ والعِشاء. قال: ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ المروذي وجَماعَةٍ. وعلَّل القاضي ذلك بأَنَّه وَقت يُخافُ منه العَوارِضُ؛ من المَطَرِ، والرِّيحِ والبَرْدِ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ لكلِّ صلاةٍ، فيُؤخِّرُ الأولَى مِن صَلَاتىِ الجَمْع، ويُعَجِّلُ الثَّانِيَةَ، ويَخْرُج إليهما خُرُوجًا واحِدًا، فيَحْصُلُ له الرِّفْقُ بذلك كما يَحْصُلُ بالجَمْعِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ. ورُوِى عن عُمَرَ

стр. 1007

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَضِىَ اللهُ عنه، مثْلُ ذلك في الظُّهْرِ والعَصْرِ. وعن ابنِ مسعودٍ: يُعَجِّلُ الظُهْرَ والعَصْرَ، ويُؤخرُ المَغْرِبَ. وقال الحسنُ: يُؤخِّر الظُّهْرَ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُسَنُّ تَعْجِيل الظّهْرِ في غيرِ الحَرِّ إذا غَلَب على ظَنِّه دخُول الوَقْتِ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيث. وما رُوِىَ عن أحمدَ، فيُحْمَل على أنَّه أرادَ بالتَّأْخِيرِ؛ ليَتَيَقَّنَ دُخُول الوقت، ولا يُصلِّىَ مع الشَّكِّ، فقد نقل أبو طالِبٍ عنه ما يَدُلُّ على هذا، أنَّه قال: يَوْمَ الغَيْمِ يُؤخِّر الظُّهْرَ حتَّى لا يشُك أنَّها قد حانَتْ، ويُعَجِّلُ العَصْرَ، والمَغْرِبُ يؤخرها حتَّى يَعْلَم أنّه سَوادُ اللَّيْلِ، ويُعَجلُ العِشاءَ.

стр. 1008

ثُمَّ الْعَصْرُ، وَهِىَ الْوُسْطى، وَوَقْتُهَا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْس. وعَنْهُ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْء مِثْلَيْهِ. ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرورَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ــ ٢٨٥ - مسألة؛ قال: (ثم العَصْرُ، وهى الوُسْطَى، ووَقْتُها مِن خُرُوجِ وَقتِ الظُّهرِ إلى اصفِرارِ الشَّمْسِ. وعنه، إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلّ شيء مِثْلَيْه. ثم يَذْهَبُ وقتُ الاخْتِيارِ، ويَبْقَى وقتُ الضَّرُورَةِ إلى غرُوبِ الشَّمْسِ) الصلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العَصْرِ في قوْلِ أكثر أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي ﷺ وغيرِهم؛ منهم عليّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو سعيد، وأبو أيوبَ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، رَضِى الله عنهم. وهو قولُ عَبِيَدَةَ السَّلْمانِى (١)، والحسنِ، والضحَّاكِ (٢)، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه،

стр. 1009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابن المنذر. ورُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وزيد، وعائشةَ، وعبدِ الله بنِ شَدّادٍ (١)، أنَّها صلاةُ الظُّهْرِ؛ لِما رُوِى عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: كان رسولُ اللهَ ﷺ يُصَلى الظُّهْرَ بالهاجِرَةِ، ولم يَكُنْ يُصَلى صلاةً أشَدَّ على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ منها، فنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢). رَواه أبو داودَ (٣). ورَوَتْ عائشةُ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قَرَأ: (حافِظُوا على الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوسْطىَ وصَلاةِ العَصْر). رَواه

стр. 1010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو داودَ، والترمذيُّ (١)، وقال: صَحِيحٌ. وقال طاوُسٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعي: هي الصُّبحُ. ورُوِى أيضًا عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. والقنُوت طُولُ القِيامِ، وهو مخْتصٌّ بالصُّبحِ، ولأنُّها من أثْقَلِ الصلاةِ على المُنافِقِين، فلذلك اخْتَصَّتْ بالوَّصِيَّةِ بالمُحافَظَةِ عليها، وقال النبيُّ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمون مَا في الْعَتَمَةِ وَالصُّبح لَأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» متَّفَقٌ عليه (٢). وقال قوم: هي المَغْرِبُ؛ لأنَّ الأولَى الظُّهْرُ، فتَكون المَغْرِبُ الوُسْطَى، لأنَّها الثَّالِثَة مِن الخَمس، ولأنَّها الوُسْطَى في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، وخُصَّتْ مِن بينِ الصَّلَواتِ بأنَّها وِتْرٌ، واللهُ وِتر يُجبُّ الوِترَ، ولأنَّها تُصَلَّى في أوَّل وَقْتِها في جَمِيع الأمْصارِ والأعْصارِ، ويُكْرَهُ

стр. 1011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَأخِيرُها عنه، وكذلك (١) صَلّاها جبْرِيلُ بالنبى ﷺ في اليَوميْن لوَقْتٍ واحِدٍ، وقد قال ﷺ : «لَا تَزَالُ أمُّتِى بِخَيْرٍ مَا لمْ يُؤخرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» (٢). وهذا كلُّه يَدُل على تَأكِيدِها وفَضِيلَتِها. وقِيلَ: هي العِشاءُ. لِما ذَكَرْنا في الصُّبحِ، ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: مكَثْنا لَيْلةً نَنْتَظِرُ رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخِرَةِ، فخَرَجَ إلينا حينَ (٣) ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بعدَه، فقال: «إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أهْل دِين غَيْرُكمْ، وَلوْلا أنْ أشُقَّ عَلَى أمتِى لَصَلَّيْتُ بهِمْ هَذِهِ السَّاعَة». مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولَنا، قول النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ الأحزاب:

стр. 1012

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوسطى صَلَاةِ الْعَصْرِ». متفق عليه (١). وعن ابنِ مسعودٍ (٢) وسَمرَةَ (٣)، قالا: قال رسول الله ﷺ : «صَلَاةُ الْوُسطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ». قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ خلافُه، وما رَوَتْه عائِشَةُ، فيَجُوزُ أن تكونَ «الواوُ» فيه زائدَة،

стр. 1013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كقَوْلِه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١). وقولِه: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). وقَوْلُه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣). فقد قِيلَ: [قانِتين أى] (٤) مُطِيعين. وقِيل: القُنُوت السُّكوتُ. ولذلك قال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كنّا نَتَكَلَّمُ حتى نَزَل قَوْلُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأمرنا بالسُّكُوت، ونُهينا عن الكَلام (٥). فصل: وأوُّلُ وَقْتِ العَصْرِ مِن خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وهو إذا صار ظِل كل شئٍ مِثْله بعدُ القَدْرِ الذي زالتْ عليه الشَّمس، [فبخُرُوح وقتِ الظُّهْرِ يَدْخُلُ] (٦) وقتُ العَصْرِ، ليس بينهما فصْل. وهو قول الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: أوّل وَقْتِها إذا زاد على المِثْلَيْن. لِما تَقَدَّمَ من

стр. 1014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحديثِ الذي ذَكَرْناه لأبي حنيفةَ في بَيانِ آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ (١)، ولقَوْلِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (٢). وعلى قَوْلِكم تكُونُ وَسَطَ النَّهارِ. وحُكِىَ عن ربيعَةَ، أن وَقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ إذا زالَتِ الشَّمسُ. وقال إسحاقُ: آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أوَّلُ وقتِ العَصْرِ، يَشْتَرِكان في قَدْرِ الصَّلاة، فلو أنَّ رَجُلَيْن صَلَّيا معًا، أحَدُهما يُصَلِّى الظُّهرَ والآخرُ يُصَلِّى (٣) العَصْرَ، حين صار ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَه، لكانا مُصَليَيْن الصَّلاتَيْن في وَقْتِهما. وحُكِىَ عن ابنِ المُبارَكِ، لقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ابن عباس: «وَصَلَّى فِى الْمَرَّةِ الثانية الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بالأمْسِ» (٤). ولَنا، ما تَقَدَّم من حديثِ جِبْرِيلَ، فأمَّا قوْله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾. فإنَّ الطَّرَف ما تَراخَى عن الوَسَطِ، فلا ينْفى ما قلْنا. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لِوقْتِ الْعَصْرِ بالأمس». أرادَ مُقارَبَةَ الوَقْتِ، يَعْنِى أنَّ ابْتِداءَ صلاةِ العَصْرِ مُتَصِل بآخِر صلاةِ الظهر في اليَوْمِ الثانى، وقد بَيَنَه النبىُّ ﷺ في حديث عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ». رَواه مسلمٌ (٥). وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ

стр. 1015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبىَّ ﷺ قال: «إنَّ الصَّلَاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهرِ حِينَ تَزُولُ الشمس، وَآخِرَ: وقتِهَا يَحْيَى يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ». رَواه التِّرمِذِيُّ (١). وآخِرُ وَقْتِها اخْتَلَفَتِ الروايَةُ فيه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ آخِرَ وقتِ الاخْتِيارِ إذا صار ظِلُّ كل شئٍ مِثْلَيْه. وهو قولُ مالك، والثَّوْرِي، والشافعيِّ؛ لقوْلِه في حديث ابنِ عباس: «الْوَقتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ». ورُوِى عنه، أنَّ آخِرَه ما لم تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وهى أصَحُّ، حَكاها عنه جَماعَة، منهما الأثْرمُ. وهذا قولُ أبي يُوسُف ومحمدٍ، ونَحْوُه عن الأوْزاعِىِّ؛ لِما روى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفرَّ الشَّمْسُ». رَواه مسلم (٢). وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبى ﷺ : «وَإنَّ آخِرَ وَقْتِها حِينَ تصْفر الشَّمس» (٣). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: اجْمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن صَلَّى العَصر والشَّمْسُ بَيْضاءُ نقيَّة، فقد صَلّاها في وَقْتِها. وفى هذا دلِيلٌ على أن مُراعاةَ المِثْلَيْن عندَهم استحبابٌ، ولَعَلَّهما متَقارِبان يُوجَدُ أحَدُهما قَرِيبًا مِن الآخَرِ.

стр. 1016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأوْقاتُ ثلاثةُ أضْرُب؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووقتُ اخْتِيار، ووقتُ ضَرُورَة. وقد ذَكَرْنا وَقْتَ الفَضِيلَةِ. ومعنى وقتِ الاخْتِيارِ، هو الذي يَجُوزُ تأخير الصلاةِ إلى آخِرِه مِن غيرِ عُذرٍ. ووقتُ الضَّرورَةِ، [هو الذي] (١) إنّما يُباحُ تَأخِيرُ الصلاةِ إليه مع العُذْرِ. فإن أخَّرَها لغيرِ عُذر أثِمَ، ومتى فَعَلَها فيه فهو مُدْرِك لها أداءً في وَقتِها، سَواءٌ كان لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ». متفق عليه (٢). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك حُكمُ سائِرِ الصَّلوات إذا أدْرَكَ مِن وَقْتِها رَكْعَةً، وإن أدْرَكَ أقلَّ مِن ذلك، فسيَأتى بَيانُه إن شاء الله. ومتى أخَّرَ العَصْرَ عن وقتِ الاخْتِيارِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، أثِمَ إذا كان لغيرِ عُذْرٍ، لِما تَقَدَّم مِن الأخْبارِ،

стр. 1017

وَتَعْجِيلُهَا أفْضَلُ بكل حَالٍ، ــ ولِما روَى أنس بنُ مالكٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ (١)، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِين (١)، يَجْلِسُ أحَدُهُمْ، حَتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قرْنَي شَيْطَانٍ، أوْ عَلَى قرْنَي شَيْطَانٍ، قَامَ فنقَرَ أربَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلاً». رَواه مسلمٌ (٢). ولو أُبِيحَ تأخِيرُها لَما ذَمَّه عليه (٣)، وجَعَلَه عَلامَةَ النفاق. ٢٨٦ - مسألة: (وتَعجِيلُها أفْضَلُ بكلِّ حالٍ) رُوِى ذلك عن عُمَرَ (٤)، وابنِ مسعودٍ، وعائشة، وأنس، وابنِ المُبارَكِ، وأهلِ المدِينَةِ، والأوزاعِى، والشّافعيّ، وإسحاق. ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ مسعودِ، أنَّهما كانا يُؤخِّران العَصر. ورُوِىَ عن أبي قلابَةَ وابنِ شُبْرُمَةَ، أنَّهما قالا: إنَّما سُمِّيَتِ العَصر لتُعْصَرَ. وقال أصحابُ الرَّأي: الأفْضَلُ

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِعْلُها في آخِر وَقْتِها المُخْتارِ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ (١)، أن النَّبيَّ ﷺ كان يَأمُرُ بتَأخِيرِ العَصْرِ (٢). وعن عليّ بنِ شَيْبان (٣)، قال: قَدِمْنا على رسولِ الله ﷺ ، فكان يُؤخِّرُ العصر ما دامَتِ الشَّمْسُ (٤) بَيْضاءَ نَقِيَّة (٥). ولأنَّها آخِرُ صلَاتي جَمْع، فاسْتُحِبَّ تَأخِيرُها كالعِشاءِ. ولَنا، ما روَى أبو بَرْزَةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّىِ العَصرَ، ثم يَرْجِعُ أحَدُنا إلى رَحْلِه في أقصَى المدِينَةِ والشمس حَيَّةٌ. مُتَّفق عليه (٦). وقال رافِعُ بنُ خَدِيجٍ: كُنّا نُصَلى مع رسول الله ﷺ صلاةَ العصر، ثم نَنْحَرُ الجَزُورَ، فيُقْسَمُ عشرة أجْزاء، ثم نطْبُخُ فنَأكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قبلَ غُرُوبِ الشمس. مُتَّفَق عليه (٧). وعن أبي أمامَةَ بنِ سَهْل، قال: صَليْنا مع عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز الظُّهْرَ، ثم خَرَجْنا حتَّى دَخَلْنا على أنس بنِ مالكٍ، فوَجَدْناه يُصَلِّى العَصْرَ، فقُلْنا: يا أبا حَمْزَةَ، ما هذه الصلاةُ التى صَلَّيْتَ؟

стр. 1019

ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَهِىَ الْوِترُ، وَوَقتُهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْس إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأحْمَرِ، ــ قال: العَصْرُ، وهذه صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ التى كُنَّا نُصَلِّيها معه. مُتفَق عليه (١). وروَى الترمِذِى (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قالْ: «الْوَقْتُ الْأولُ مِنَ الصلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ الله». وحديثُ رافِع لا يَصِحُّ. قاله الترمِذِى. وقال الدّارَقطنى (٣): يَرْوِيه عبدُ الواحِدِ بنُ نافِع، وليس بالقَوِى، ولا يَصح عن رافِعٍ ولا عن غيرِه مِن الصحابَةِ، والصحيح عنهم تعجِيلُ صلاةِ العَصْرِ والتبكيرُ بها. قال ابنُ المُنْذِرِ: الأخْبارُ الثّابِتَةُ عن النَّبيِّ ﷺ تدل على أنَّ أفْضَلَ الأمْرَيْن تَعْجِيلُ العَصْرِ في أولِ وَقتِها. ٢٨٧ - مسألة: (ثم المَغْرِبُ وهى الوتر، ووَقتُها مِن مَغِيبِ الشَّمْس إلى مغيبِ الشَّفَقِ الأحْمَرِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في دُخُولِ وَقْتِ المَغْرِبِ بغروبِ الشمس، والأحادِيثُ تَدُل عليه، وآخِرُه إذا غاب

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشفَقُ. وهو قولُ الثورِى، وإسحاق، وأبي ثَوْر، وأصحابِ الرَّأىِ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِى، والشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: ليس لها إلَّا وَقت واحِد؛ لأن جِبْرِيلَ ﵇، صَلّاها بالنبى ﷺ في اليَومَيْن لوَقتٍ واحِدٍ، في بَيانِ مَواقِيتِ الصلاةِ (١). وقال النبيُّ ﷺ : «لَا تَزَالُ أمتِى بِخَيْر مَا لَمْ يُؤخِّرُوا الْمغرِبَ إلَى أنْ تشتَبِكَ النجُومُ» (٢). وعن طاوُس: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى الفَجْرِ. وعن عَطاء: لا تَفُوتُ المَغْرِبُ والعِشاءُ حتَّى النَّهارِ. ولَنا، حديث بُرَيْدَةَ، وفيه أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغْربَ في اليَوم الثانى حينَ غاب الشفَقُ. وروَى أبو موسى، أن النبى ﷺ أخرَ المَغْربَ في اليَومِ الثانى حتَّى كان عندَ سُقوطِ الشفَقِ. رَواهما مسلمٌ (٣). وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَقتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ». رَواه مسلمٌ (٤). وهذه نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لا يَجُوزُ مُخالفَتُها بشئ مُحْتَمل، ولأنَّ ما قبل مَغِيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكان وَقتاً لابتدائِها، كأوَّلِ وقتها. وأحادِيثُهم مَحْمُولَة على الاسْتِحْبابِ
следующие страницы →