← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

فَصْلٌ فِى الْمُفَوّضَةِ: وَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَو تأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِى تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ. وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِىٌّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالعَقْدِ. ــ للإِجْماعِ الواردِ عن الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضى العُمُومِ. فصلٌ في المُفَوّضَةِ: قال الشَّيخُ، ﵀: (والتَّفْوِيضُ على ضَرْبَيْنِ؛ تَفْويضُ البُضْعِ، وهو أن يُزَوِّجَ الأبُ ابْنَتَه البِكْرَ، أو تَأْذَنَ المرأةُ لِوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ. و) الثانى (تفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يتَزَوَّجَها على ما شاءَتْ) أو شاءَ (أو شاءَ أجْنَبِىٌّ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) يَصِحُّ النِّكاحُ مِن غيرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ، في قولِ عامَّةِ أهلٍ العلمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١). ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ تزَوَّجَها رَجُلٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ. فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضى رسولُ اللَّه

стр. 10292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ، امرأةٍ مِنَّا، مثلَ ما قَضَيْتَ. روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. ولأَنَّ القَصْدَ مِن النِّكاحِ الوُصْلَةُ والاسْتِمْتاعُ دُونَ الصَّداقِ، فصَحَّ مِن غيرِ ذِكْرِه، كالنَّفقَةِ. وسواءٌ تَرَكا ذِكْرَ المَهْرِ، أو شَرَطا نَفْيَه، مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ. فيقْبَله كذلك. ولو قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ في الحالِ، ولا في الثانى. صَحَّ أيضًا. وقال بعضُ الشافعيَّةِ: لا يَصِحُّ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّها تكونُ كالمَوْهُوبَةِ (٢). وليس بصَحِيحٍ، [فإنَّه يَصِحُّ] (٣) فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ. فيَصِحُّ ههُنا؛ لأَنَّ مَعْناهما واحدٌ، فما صَحَّ في إحْدَى الصُّورَتَيْن المُتَساوِيتَيْن، صَحَّ في الأُخْرَى. وليست كالمَوْهُوبَةِ (٤)، لأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، ويَجِبُ المَهْرُ. وقد ذكَرْنا أنَّ المُزَوَّجَةَ بغيرِ مَهْرٍ تسَمَّى مُفَوّضَةً، بكَسْرِ الواوِ وفَتْحِها، فمَنْ كَسَر أضافَ الفِعْلَ إليها (٥) على أنَّها فاعِلةٌ، ومَن فَتَح أضافَه إلى وَلِيِّها. ومعنى التَّفْوِيضِ الإهْمالُ، كأنَّها أهْمَلَتْ أمْرَ المَهْرِ، حيث لم تُسَمِّه. قال الشَّاعِرُ (٦): لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراةَ إذَا جُهَّالُهم سَادُوا

стр. 10293

وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، ــ يعنى مُهْمَلِين. والذى، ذكَرَه الخِرَقِىُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ، وهو الذى يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ (١) التَّفْويضِ. والضَّرْبُ الثانى، تَفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يَجْعَلا الصَّداقَ إلى رأْىِ أحَدِهما، أو رَأْىِ أجْنَبِىٍّ، فيقول: زَوَّجْتُكَ على ما شِئْتَ -أو- على حُكْمِكَ -[أو- حُكْمِى] (٢) -أو- حُكمِها -أو- حُكْمِ أجْنَبِىٍّ. ونحوه. فهذه لها مَهْرُ المِثْلِ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ (٣)؛ لأنَّها لم تُزَوِّجْ نَفْسَها إلَّا بصَداقٍ، لكنَّه مَجْهولٌ، فسَقَطَ لجَهَالَتِه، ووَجَب مَهْرُ المِثْلِ. والتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ أن تَأْذَنَ المرأةُ الجائِزَةُ الأمْرِ لوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ، أو بتَفْوِيضِ قَدْرِه، أو يُزَوِّجَها أبُوها كذلك. فأمَّا إن زوَّجَها غيرُ أبِيها ولم يَذْكُرْ مَهْرًا، بغيرِ إذْنِها في ذلك، فإنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. قال الشَّافعىُّ: لا يكونُ التَّفْويضُ إلَّا الصُّورَةَ الأُولَى. وقد مَضَى الكلامُ معه في أنَّ (٤) للأبِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، فكذلك (٥) يَجوزُ تَفْوِيضُه. ٣٢٩٨ - مسألة: (ولها المُطالَبَةُ بِفَرْضِهِ) [ قبلَ الدُّخولِ، فإنِ] (٢)

стр. 10294

فَإِنْ فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ، جازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، ــ [امْتَنَعَ أُجْبِرَ عليه] (١)؛ لأَنَّ النِّكاحَ لَا يَخْلُو مِن المَهْرِ، فَوَجَب لَها الْمُطالَبَةُ بِبَيانِ قَدْرِهِ. وبهذا قال الشافعىُّ. ولا نعلمُ فيه (٢) مُخالِفًا. فإنِ اتَّفَق الزَّوْجان على فَرْضِه، جازَ ما فَرَضاه، قَلِيلًا كان أو كثيرًا، [سَواءٌ كانا] (٣) عالِمَيْنِ بمَهْرِ المِثْلِ أو لا. وقال الشافعىُّ في [قَولِ له] (٤): لا يَصِحُّ الفَرْضُ لغيرِ (٥) مَهْرِ المِثْلِ إلَّا مع عِلْمِها بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ ما يَفْرِضُه بَدَلٌ عن مَهْرِ المِثْلِ، فيَحْتاجُ أن يكونَ المُبْدَلُ مَعْلُومًا. ولَنا، أنَّه إذا فَرَض لها كثيرًا، فقد بَذَل لها مِن مالِه فوقَ ما يَلْزَمُه، وإن رَضِيَتْ باليَسِيرِ، فقد رَضِيَتْ بدُونِ ما يَجِبُ لها، فلا يُمْنَعُ مِن ذلك. قولُهم: إنَّه بَدَلٌ. لا يَصِحُّ، فإنَّ البَدَلَ غيرُ المُبْدَلِ، والمَفْروضُ إن كان ناقِصًا فهو بعْضُه، وإن كان أكثرَ (٦) فهو الواجِبُ وزِيادَةٌ، ولا يَصِحُّ جَعْلُه بَدَلًا،

стр. 10295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولو كان بَدَلًا لَما جازَ مع العِلْمِ؛ لأنَّه يُبْدِلُ ما فيه الرِّبا (١) بجِنْسِه مُتَفاضِلًا، وقد رَوى عُقْبَةُ بنُ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ [لرَجُلٍ: «أتَرْضَى أَنَّى أزَوِّجُكَ فُلَانةَ؟» قال: نعم. وقال للمرأةِ: «أَتَرْضَيْنَ أن أَزَوِّجَكِ فُلَانًا؟»] (٢) قالت: نعم. فزَوَّجَ أحَدَهما بصاحبِه، فدَخَلَ عليها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ قال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ زَوَّجَنِى فُلانَةَ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم أُعْطِها شيئًا، وإنى قد أعْطَيْتُها عن صَداقِها سَهْمِى الذى بخَيْبَرَ. فأخَذَت سَهْمَه، فباعَتْه بمائةِ ألْفٍ (٣). فأمَّا إن تَشاحَّا فيه، ففَرَضَ لها مَهْرَ مِثْلِها أو أكثرَ منه، فليس لها المُطالَبَةُ بسِواه. فإن لم تَرْضَ به، لم يَسْتَقِرَّ لها حتى تَرْضاه. فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعَةُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها بفَرْضِه ما لم تَرْضَ به، كحالةِ الابْتِداءِ. وِإن فَرَض لها أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فلها المُطالَبَةُ بتَمامِه، ولم يَثْبُتْ لها بفَرْضِه (٤) ما لم تَرْضَ به. فإنِ ارْتَفَعا إلى الحاكمِ، فليس له أن يَفْرِضَ لها إلَّا مَهْرَ المِثْلِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مَيْلٌ عليه،

стр. 10296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنُّقْصانَ مَيْلٌ عليها، ولا يَحِلُّ المَيْلُ، ولأنَّه إنَّما يَفْرِضُ (١) بَدَلَ البُضْعِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كالسِّلْعَةِ إذا تَلِفَتْ، يُرْجَعُ إلى تَقوِيمِها [بما يَقولُه] (٢) أهلُ الخِبْرَةِ. ويُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ المِثْلِ ليُتَوَصَّلَ إلى إمْكانِ فَرْضِه. ومتى صَحَّ الفَرْضُ صارَ كالمُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّه يتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ، ولا تجبُ المُتْعَةُ معه. ويَلْزَمُها ما فرَضَه الحاكمُ، سواءٌ رَضِيَتْ به أو لم تَرْضَ، كما يَلْزَمُ ما حَكَم به. فصل: وإن فَرَض لها أجْنَبِىٌّ مَهْرَ مِثْلِها فرَضِيَتْه، لم يَصِحَّ فَرْضُه (٣)، وِكان وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّه ليس بزَوْجٍ ولا حاكمٍ. فإن سَلَّمَ إليها ما فرَض لها فرَضِيَتْه، احْتَمَلَ أن لا (٣) يَصِحَّ؛ لما ذكَرْنا، ويكونُ حُكْمُها حُكْمَ مَن لم يُفْرَضْ (٤) لها، ويَسْتَرْجِعُ ما (٥) أعْطاهَا؛ لأَنَّ تَصَرُّفَه ما صَحَّ، ولا بَرِئَتْ به ذِمَّةُ الزَّوْجِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقومُ [مَقامَ الزَّوجِ] (٦) في قَضاءِ المُسَمَّى، فيقومُ مَقامَه في قَضاءِ ما يُوجِبُه العَقْدُ غير المُسَمَّى. فعلى هذا، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَّكَه

стр. 10297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيَّاه حينَ قَضَى به دَيْنًا عليه، فيَعُودُ إليه، كما لو دَفَعَه هو. ولأصْحابِ الشافعىِّ مثلُ هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، ولهم وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يَرْجِعُ نِصْفُه (١) إلى الأجْنَبِىِّ. وذكَرَه القاضى لنا وَجْهًا ثالثًا. قال شيْخُنا (٢): وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلْناه. ولو أنَّ رَجُلًا قَضَى المُسَمَّىِ عنِ الزَّوْجِ، صَحَّ، ثم إن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إليه، وإن فسَختْ نِكاحَ نَفْسِها بفِعْلٍ مِن جِهَتِها، رَجَع جميعُه إليه. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَرْجِعُ إلى مَن قَضَاه. فصل: ويَجِبُ المَهْرُ للمُفَوّضةِ بالعَقْدِ، وإنَّما يَسْقُطُ إلى المُتْعَةِ بالطَّلاقِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّه يجبُ بالعَقْدِ. وقال بعضُهم: لا يجبُ بالعَقْدِ، قولًا واحدًا، ولا يَجِئُ على أصلِ الشافعىِّ غيرُ هذا؛ لأنَّه لو وَجَب بالعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بالطَّلاقِ، كالمُسَمَّى في العَقْدِ. ولَنا، أنَّها تَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، فكان واجِبًا، كالمُسَمَّى، ولأنَّه لو لم يَجِبْ بالعَقْدِ، لَما اسْتَقَرَّ بالموتِ، كما في العَقْدِ الفاسدِ، ولأَنَّ النِّكاحَ لا يجوزُ أن يَخْلُوَ عن المَهْرِ، والقَوْلُ بعَدَمِ وُجوبِه يُفْضِى إلى خُلُوِّه عنه، وإلى أنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ صَحِيحًا ومَلَكَ الزَّوْجُ الوَطْءَ ولا مَهْرَ فيه، وإنَّمَا لم يَتَنَصَّفْ لأَنَّ اللَّه تعالى نَقَل غيرَ المُسَمَّى لها بالطَّلاقِ إلى المُتْعَةِ، كما نَقَل مَن (٣) سُمِّى لها إلى

стр. 10298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نِصْفِ المُسَمَّى لها (١). فعلى هذا، لو فَوَّض الرجلُ مَهْرَ أمَتِه، ثم أعْتَقَها أو باعَها، ثم فُرِضَ لها المَهْرُ، كان لمُعْتِقِها أو بائِعِها، لأَنَّ المَهْرَ وَجَب بالعَقْدِ في مِلْكِه. ولو فَوَّضَتِ المرأةُ نَفْسَها، ثم طالَبَتْ بفرْضِ مَهْرِها بعدَ تَغيُّرِ (٢) مَهْرِ مِثْلِها، أو دَخَل بها، لَوَجَب مَهْرُ مِثْلِها حالةَ العَقْدِ؛ لِما ذكَرْناه. ووَافَقَ أصْحابُ الشافعىِّ على ذلك؛ لأَنَّ الوُجوبَ يَسْتَنِدُ إلى حالةِ العَقْدِ، إلَّا في الأمَةِ التى أعْتَقَها أو باعَها، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. فصل: يجوزُ الدُّخولُ بالمرأةِ قبلَ إعْطائِها شيئًا، سواءٌ كانت مفَوّضةً أو مُسَمًّى لها. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. ورُوِى عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ: لا يَدخُلُ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا (٣). قال الزُّهْرِىُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن لا يَدْخُلَ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا. قال ابنُ عبَّاسٍ: يَخْلَعُ إحدَى نَعْلَيْه، ويُلْقِيها إليها (٤). ورَوى أبو داودَ (٥)، بإسْنادِه، عن رَجُلٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّ عَلِيًّا لمَّا تَزَوَّجَ فاطمةَ، أرادَ أن يدْخُلَ بها، فمَنَعَه رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى يُعْطِيَها شيئًا، فقال: يا رسولَ اللَّه،

стр. 10299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ليس لى شئٌ. فقال: «أعْطِها دِرْعَكَ». فأعْطاهَا دِرْعَه، ثم دَخَل بها. ورَواه ابنُ عبَّاسٍ أيضًا، قال: لَمَّا تَزَوَّجَ علىٌّ فاطمةَ، قال له رسولُ اللَّهِ ﷺ : «أعْطِها شَيْئًا». قال: ما عندِى. قال: «أعْطِها دِرْعَكَ الحُطَمِيَّةَ (١)». رواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (٢). ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، في الذى زوَّجَه النَّبِىُّ ﷺ ، ودَخَل بها، ولم يُعْطِها شيئًا (٣). ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: أمَرَنِى رسولُ اللَّه ﷺ أن أُدْخِلَ امرأةً على زَوْجِها قبلَ أن يُعْطِيَها شيئًا. روَاه ابنُ ماجَه (٤). ولأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَقِفْ جَوازُ تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ على قَبْضِ شئٍ منه، كالثَّمَنِ في البَيْعِ، والأُجْرَةِ في الإِجارَةِ. وأمَّا الأخْبارُ فمَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْباب، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعْطِيَها قبلَ الدُّخولِ شيئًا، مُوافَقةً للأَخْبارِ، ولعادةِ النَّاسِ فيما بينَهم، ولِتَخْرُجَ المُفَوّضةُ عن شِبْهِ المَوْهُوبَةِ، وليكونَ ذلك أقْطَعَ للخُصُومَةِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ ومَن وافَقَه على الاسْتِحْبابِ، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْنِ فَرْقٌ. واللَّه أعلمُ.

стр. 10300

وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا. وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا. ــ ٣٢٩٩ - مسألة: (وَإن مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وَرِثَةُ صاحِبُه، ولها مَهْرُ نِسائِها) إذا مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وقبلَ الفَرْضِ، فلِلْآخَرِ المِيراثُ، بغيرِ خلافٍ فيه؛ فإنَّ اللَّه تعالى فَرَض لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ فَرْضًا، وعَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ (١) ههُنا صَحِيحٌ ثابتٌ، فيُورَثُ به؛ لدُخولِه في عُمُوم النَّصِّ. فصل: (ولها مَهْرُ نِسائِها. وعنه، أنَّه يتَنَصَّفُ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ لها مَهْرَ نِسائِها. وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. وإليه ذهب ابنُ مسعودٍ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى ليْلَى،

стр. 10301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثَّوْرِىّ، وإسْحاقُ. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ (١)، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والأوزاعِىِّ: لا مَهْرَ لها، لأنَّها فُرْقَةٌ وَرَدَتْ على تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قبلَ فَرْض ومسِيسٍ، فلم يَجِبْ بها مَهْرٌ، كفُرْقَةِ الطَّلاقِ. وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في المُسْلِمةِ، وكقَوْلِهم في الذِّمِّيَّةِ. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، لا يَكْمُلُ، ويَتَنَصَّفُ إذا لم يكُنْ فَرَضَه لها، لأَنَّ المَفْرُوضَ لها تُخالِفُ التى لم يُفرَضْ لها في الطَّلاقِ، فجازَ أن تُخالِفَها بعدَ الموتِ. وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتيْنِ. ولَنا، ما رُوِى [أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه] (٢)، قَضَى لامرأةٍ لم يَفْرِضْ لها زَوْجُها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى ماتَ، فقال: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ،

стр. 10302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ. فقام مَعْقِلُ بن سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ مثلَ ما قَضَيْتَ (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهو نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ. ولأَنَّ الموْتَ مَعْنًى يَكْمُلُ به المُسَمَّى، فكَمَلَ به مَهْرُ المِثْلِ للمُفَوّضةِ، كالدُّخولِ. وقياسُ الموتِ على الطَّلاقِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الموتَ يتمُّ به النِّكاحُ، فيَكْمُلُ به الصَّداقُ، والطلاقُ يَقْطَعُه ويُزِيلُه قبلَ إتْمامِه، ولذلك (٢) وَجَبتِ العِدَّةُ بالموتِ قبلَ الدُّخولِ، ولم تجبْ بالطَّلاقِ، وكَمَل المُسَمَّى بالموتِ، ولم يَكْمُلْ بالطَّلاقِ. [وأمَّا الذِّمِّيَّةُ] (٣) فإنَّها زَوْجَةٌ مُفارقَةٌ بالموتِ، فكَمَلَ لها الصَّداقُ، كالمُسْلِمَةِ، أو كما لو سُمِّىَ لها، ولأَنَّ المُسْلِمةَ والذِّمِّيَّةَ [لا يَخْتلفانِ في الصَّداقِ في موضعٍ، فوَجَبَ أن] (٤) لا يَخْتَلِفا ههُنا. وإن كان قد فَرَضَه لها، لم يَتَنَصَّفْ بالموتِ، على الرِّوايتَيْنِ جميعًا.

стр. 10303

وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ، ــ ٣٣٠٠ - مسألة: (فَإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَكُنْ لها عليه إلَّا المُتْعَةُ) إذا طُلِّقَتِ المُفَوّضةُ البُضْعِ قبلَ الدُّخولِ، فليصر لها إلَّا المُتْعَةُ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ جماعةٍ. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابن عبَّاسٍ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والشَّعْبِى، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ (١) لها نِصْف مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه نِكاحٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ مَهْرَ المثلِ بعدَ الدُّخولِ، فيُوجِبُ نِصْفَه بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، كما لو سَمَّى لها مُحَرَّمًا. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، وابنُ أبى ليلَى: المُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالَى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). فخَصَّهم بها، فيَدُلُّ على أنَّها على سَبِيلِ الإِحْسانِ والتَّفَضُّلِ (٣)، والإِحْسانُ ليس بوَاجِبٍ، ولأنَّها لو كانت وَاجِبَةً لم تَخْتَصَّ (٤) المُحْسِنينَ دُونَ غيرِهم. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾. والأمْرُ. يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقالَ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). وقالَ تعالى:

стр. 10304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (١). ولأنَّه طَلاقٌ في نِكاحٍ يقْتَضِى عِوَضًا، فلم يَعْرُ (٢) عن العِوَضِ (٣)، كما لو سَمَّى مَهْرًا، وأداءُ الواجِبِ مِن

стр. 10305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإحْسانِ، فلا تَعارُضَ بينَهما. فصلِ: فإن فَرَض لها بعدَ العَقْدِ، ثم طَلَّقَها [قبلَ الدُّخولِ] (١)، فلها نِصْف ما فرَض لها، ولا مُتْعَةَ. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ أنَّ لها المُتْعَةَ، ويَسْقُطُ المَهْرُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه نِكاحٌ عَرِىَ عن تَسْمِيَةٍ، فوَجَبَتِ المُتْعَةُ، كما لو لم يَفْرِض لها. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ولأنَّه مَفْروضٌ يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فتَنَصَّف بالطَّلاقِ قبلَه، كالمُسَمَّى في العَقْدِ.

стр. 10306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والمُتْعَةُ تجبُ على كلِّ زَوْجٍ لكلِّ زَوْجَة مُفَوّضةٍ طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، وسواءٌ في ذلك الحُرُّ والعَبْدُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، والمُسْلِمُ والذِّمِّىُّ، والمُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا مُتْعَةَ للذِّمِّيَّةِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن كان الزَّوْجانِ أو أحَدُهما رَقِيقًا، فلا مُتْعَةَ. ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، ولأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ نِصْفِ المَهْرِ في حَقِّ مَن سَمَّى، فتجِبُ لكلِّ زَوْجَةٍ على كلِّ زَوْجٍ، كنِصْفِ المُسَمَّى، ولأَنَّ ما يجبُ مِن الفَرْضِ يَسْتَوِى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، والحُرُّ والعَبْدُ، كالمَهْرِ. فصل: فأمَّا المُفَوّضةُ المَهْرِ، وهى التى تَزَوَّجَها على ما شاءَ أحَدُهما، أو التى زَوَّجَها غيرُ أبِيها بغيرِ إذْنِها بغيرِ صَداقٍ، أو التى مَهْرُها فاسِدٌ، فإنَّه يجبُ لها مَهْرُ المِثْلِ، ويَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، ولا مُتْعَةَ لها. هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ، أنَّ لها المُتْعَةَ دونَ نِصْفِ المَهْرِ. وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ (١)، كالمُفَوّضةِ البُضْعِ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَلا عَقْدُها عن تَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ، فأشْبَهَتِ التى لم يُسَمَّ لها شئٌ. ولنا، أنَّ هذه لها مَهْرٌ واجبٌ قبلَ الطَّلاقِ (٢)، فَوجَبَ أن يَتَنَصَّفَ، كما لو سَمَّاه.

стр. 10307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو نقولُ: لم تَرْضَ بغيرِ صَداقٍ، فلم تجبِ المُتْعَةُ، كالمُسَمَّى لها. وتُفارِقُ التى رَضِيَتْ بغيرِ عِوَض؛ فإنَّها رَضِيَتْ بغيرِ صَداقٍ، وعادَ بُضْعُها (١) سَلِيمًا، فعُوِّضَتِ (٢) المُتْعَةَ (٣)، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ يَتَنَصَّفُ بها المُسَمَّى، تُوجِبُ المُتْعةَ، إذا كانت مُفَوّضةً. وما سَقَط به المُسَمَّى مِن الفُرَقِ، كاخْتِلافِ الدينِ والفَسْخِ بالرَّضاعِ ونحوِه، إذا جاءَ مِن قِبَلِها، لا تَجِبُ به مُتْعَةٌ؛ لأنَّها أقِيمَتْ مُقامَ نِصفِ (٣) المُسَمَّى، فسَقَطَتْ في كلِّ موضع يَسْقُطُ، كما تَسْقُطُ الأبْدالُ إذا سَقَط مُبْدَلُها. فصلِ: قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ تَزَوَّج امرأةً، ولم يكُنْ فرَض لها مَهْرًا، ثم وَهَبَ لها غُلامًا، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؟ قال: لها المُتْعَةُ. وذلك لأَنَّ الهِبَةَ لا تَنْقَضى (٤) بها المُتْعَةُ، كما لا يَنْقَضِى (٥) بها نِصْفُ المُسَمَّى، ولأَنَّ (٦) المُتْعَةَ إنَّما تجبُ بالطَّلاقِ، فلا يَصِحُّ قَضاؤُها

стр. 10308

عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، فأعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تجْزِئُهَا فِى صَلَاتِهَا. ــ قبلَه، ولأنَّها واجِبَةٌ (١)، فلا تَنْقَضِى (٢) بالهِبَةِ، كالمُسَمَّى. ٣٣٠١ - مسألة: (على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، فَأَعْلاها خَادِمٌ، وَأَدْناها كُسْوَةٌ) يَجوزُ لها أن تُصَلِّىَ فيها. وجملةُ ذلك، أنَّ المُتْعَةَ مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ، في يَسارِه وإعْسارِه. نصَّ عليه أحمدُ. وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ. والوَجْهُ الآخَرُ، هو مُعْتَبَرٌ بحالِ الزَّوْجَةِ، لأن المهرَ مُعْتَبَرٌ بها، كذلك المُتْعَةُ القائمةُ مَقامَه. ومنهم مَن قال: يُجْزِئُ في المُتْعَةِ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كما يُجْزِئُ في الصَّداقِ ذلك. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. وهذا نَصٌّ في أنَّها مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ. ولأنَّها تَخْتلِفُ، ولو أجْزَأَ ما يقَعُ عليه الاسْمُ سَقَط الاخْتِلافُ، ولو اعْتُبِرَ بحالِ المرأةِ، لَما كان على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه. إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيها، فرُوِىَ عنه: أعْلاها خادِمٌ إذا كان مُوسِرًا، وإن كان فَقِيرًا مَتَّعَها كُسْوَتَها

стр. 10309

وَعَنْهُ، يُرْجَعُ فِى تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ. وَعَنْهُ، يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلَ. ــ دِرْعًا وخِمارًا وثَوْبًا تصَلِّى فيه. ونحوَ ذلك قال ابن عَبَّاسٍ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ. قال ابنُ عبَّاسٍ: أعْلَى المتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك النَّفقَةُ، ثم دونَ ذلك الكُسْوَة (١). ونحوَ ما ذكَرْنا في أدْناهَا قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، قالوا: درْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ. ٣٣٠٢ - مسألة: (وعن أحمد، يُرْجَعُ في تَقْدِيرِها إلى الحاكِمِ) وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ بتَقْدِيرِه، وهو ممَّا يَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى الحاكِمِ، كسائرِ المُجتَهَداتِ. وعنه، يَجِبُ لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ. ذكَرَها القاضى، في «المُجَرَّدِ» فقال: هى [مُقَدَّرَة بما يُصادِفُ نِصْفَ مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّها بدلٌ عنه، فيَجِبُ أن تَتَقَدَّرَ به. قال شيخُنا (٢): وهذه الروايةُ تَضْعُف لِوَجهين] (٣)

стр. 10310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدُهما، أنَّ نَصَّ الكتابِ يَقْتَضِى تَقْديرَها بحالِ الزَّوْجِ، وتَقْدرُها بنِصْفِ المَهْرِ يُوجِبُ اعْتِبارَها بحالِ المرأةِ، لأَنَّ مَهْرَها مُعْتَبَرٌ بها لا بزَوْجِها. الثانى، أنَّا لو قَدَّرْناها بنِصْفِ مَهْرِ المثلِ لَكانت نِصْفَ المَهرِ (١)، إذ ليس المَهْرُ مُعَيَّنًا في شئٍ (٢). ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى قولُ ابنِ عبَّاسٍ: أعْلَى المُتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك إلى (٣) الكُسْوَةِ. روَاه أبو حَفْصٍ بإسنادِه. وقَدَّرَها بكُسْوَةٍ يَجوزُ لها الصَّلاةُ فيها، لأَنَّ الكُسْوةَ الواجِبَةَ بمُطلقِ الشَّرْعِ تتَقَدَّرُ بذلك، كالكُسْوَةِ في الكفَّارَةِ، والسُّتْرَةِ في الصَّلاةِ. ورَوَى كَثِيفٌ (٤) السُّلَمِىُّ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امرأته (٥) تُماضِرَ الكَلْبِيَّةَ، فحَمَّمَها (٦) بجارِيَةٍ سَوْداءَ (٧). يعنى مَتَّعَها. قال إبراهيمُ

стр. 10311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّخَعِىُّ (١): العَرَبُ تُسَمِّى المُتْعةَ التَّحْمِيمَ (٢). وهذا فيما إذا تَشاحَّا في قَدْرِها، فإن سَمَح لها بزِيادَة على الخادِم، أو رَضِيَتْ بأقَلَّ من الكُسْوَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، وهو ممَّا يَجوَزُ بَذْلُه، فجازَ ما اتَّفَقا عليه، كالصَّداقِ. وقد رُوِى عن الحسَنِ بنِ علىٍّ، أنَّه مَتَّعَ امرأتَه (٣) بعَشَرَةِ آلافِ درْهمٍ، فقالت: * مَتَاع قَلِيلٌ (٤) من حَبِيبٍ مُفارِقِ (٥) *

стр. 10312

وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا تَجِبُ. ــ ٣٣٠٣ - مسألة: (فإن دخَل بها، اسْتَقَرَّ مَهْرُ المِثْلِ) لأَنَّ الوَطْءَ في نكاحٍ [خالٍ مِن] (١) مَهْرٍ خَالِصٌ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَإن طَلَّقَها بعدَ ذلكَ، فَهل تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ على روايَتَيْن؛ أَصَحُّهُما، لَا تَجِبُ) كلُّ مَن وَجَب لها نِصْفُ المَهْرِ، لم تَجِبْ لها مُتْعَة، سواء كانت ممَّن سُمِّىَ لها صَداقٌ، أو لم يُسَمَّ لها لكنْ فُرِضَ لها بعدَ العَقْدِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، في مَن سُمِّىَ لها. وهو قديمُ قوْلى الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ: لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ. ورُوِى ذلك عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبى قِلابَةَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والضَّحَّاكِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى

стр. 10313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُتَّقِينَ﴾. ولقولِه سبحانه لنَبيِّه ﵇: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ (١). فعلى هذه الرِّوايةِ، لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ، سواءٌ كانت مُفوّضةً أو مُسَمًّى لها، مدْخُولًا بها أو غيرَها؛ لما ذكَرْنا. وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُتْعةَ لا تجبُ إلَّا [للمُفَوّضةِ التى] (٢) لم يُدْخَلْ بها إذا طُلِّقَتْ. قال أبو بكرٍ: كلُّ مَن رَوى عن أبى عبدِ اللَّهِ، فيما أعلمُ، رَوى عنه أنَّه لا يَحْكُمُ بالمُتْعَةِ إلَّا لمَنْ [لم يُسَمَّ] (٣) لها مَهْرٌ، إلَّا حَنْبَلًا، رَوَى عن أحمدَ أنَّ لكلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا. قال أبو بكرٍ: والعملُ عليه عندِى، لولا تَواتُرُ الرِّواياتِ عنه بخِلافِها. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. [ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾] (٤). فخَصَّ الأُولَى بالمُتْعَةِ، والثَّانِيَةَ بنِصْفِ المَفْرُوضِ، مع تقسيمه للنِّساءِ قِسْمَيْنِ، وإثْباتِه لكلِّ

стр. 10314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قِسْم حُكْمًا، فيَدُلُّ ذلك على اخْتِصاصِ كلِّ قِسْم بحُكْمِه، وهذا يَخُصُّ ما ذَكَرُوه. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ الأمْرُ بالمَتاعِ في غيرٍ المُفَوّضةِ على الاسْتِحْبابِ؛ لدَلالةِ (١) الآيتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكَرْناهما على نفْىِ وُجُوبِها، جَمْعًا بينَ دَلالاتِ الآياتِ والمعنى، فإنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في عَقْدٍ، فإذا سُمِّىَ فيه عِوَضٌ صحيحٌ لم يَجِبْ غيرُه، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضَةِ، ولأنَّها لا تَجِبُ لها المُتْعَةُ قبلَ الفُرْقَةِ، ولا ما يقومُ مَقامَها، فلم تَجِبْ لها عندَ الفُرْقَةِ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها. فصل: قد ذكَرْنا أنَّ الزَّوْجَ إذا طَلَّق المُسَمَّى لها، أو المُفَوّضةَ المَفْروضَ لها بعدَ الدُّخولِ، فلا مُتْعةَ لواحدةٍ منهما، على رِوايةِ حَنْبَلٍ. وذكَرْنا قولَ مَن ذهبَ إليه. وظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا مُتْعَةَ لواحدةٍ منهما. وهو قولُ أبى حنيفة. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ، وقد ذكَرْنا ذلك.

стр. 10315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُمَتِّعَها. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أنا أُوجِبُها على مَن لم يُسَمِّ لها صَداقًا، فإن كان قد سَمَّى لها صَداقًا، فلا أوجِبُها عليه، وأسْتَحِبُّ أن يُمَتِّعَ وإن سَمَّى لها صَداقًا. وإنَّما اسْتَحَبَّ ذلك لعُمُومِ النَّصِّ الواردِ فيها، ودَلالتِه على إيجابِها، وقولِ علىٍّ ومَن سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ بها، فلمَّا امْتَنَعَ الوُجوبُ لدلالةِ الآيَتَيْنِ المَذْكورَتَيْن على نَفْىِ الوُجوبِ، ودَلالةِ المَعْنَى المَذْكُورِ عليه، تَعَيَّنَ حَمْلُ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها على الاسْتِحْبابِ، أو على أنَّه أرِيدَ به الخُصوصُ. وأمَّا المُتَوَفَّى عنها، فلا مُتْعَةَ لها بالإِجْماعِ؛ لأَنَّ النَّصَّ العامَّ لم يَتَناوَلْها، وإنَّما تَناوَلَ المُطَلَّقاتِ، ولأنَّها أخَذَتِ العِوَضَ المُسَمَّى لها في عَقْدِ المُعاوَضَةِ (١)، فلم يَجِبْ لها به سِواه، كما في سائرِ العُقُودِ.

стр. 10316

فَصْلٌ: وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا من نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا؛ كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا وَعَمِّهَا. وَعَنْهُ، يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا؛ كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا. ــ فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ومَهْرُ المِثْلِ مُعْتَبَرٌ بمن يُساوِيها من نِساءِ عَصَباتِها؛ كأُخْتِها، وعَمَّتِها، وبنتِ أخِيها وعَمِّها. وعنه، يُعْتَبَرُ جميعُ أقارِبِها؛ كأمِّها وخالَتِها) وقال مالكٌ: يُعْتَبَرُ بمَن هى في مِثْلِ جَمالِها ومالِها وشَرَفِها، ولا يَخْتَصُّ بأقْرِبائِها؛ لأَنَّ الأعْواضَ (١) إنَّما تَخْتَلِفُ بذلك دُونَ الأقاربِ. ولَنا، قولُه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: لها مَهْرُ نِسائِها (٢). ونِساؤُها أقارِبُها. وما ذكَرَه فنحنُ نَشْتَرِطُه، ونَشْتَرِطُ معه أن تكونَ من نِساءِ أقارِبِها؛ لأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِنَّ. وقولُه: إنَّما يَخْتَلِفُ بهذه الأوْصافِ دونَ الأقارِبِ. لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ تُطْلَبُ لحَسَبِها، كما جاءَ في الأَثَرِ (٣)، وحَسَبُها يَخْتَصُّ به أقَارِبُها، ويَزْدادُ المَهْرُ لذلك (٤)

стр. 10317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَقِلُّ، وقد يكونُ الحَىُّ وأهلُ القَرْيَةِ لهم عادةٌ في الصَّداقِ، ورَسْمٌ مُقَرَّرٌ لا يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ولا يُغَيِّرُونَه بتَغَيُّرِ الصِّفاتِ، فيُعْتَبَرُ ذلك دُونَ سائرِ الصِّفاتِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في مَن يُعْتَبَرُ مِن أقارِبِها، فقال في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لها مَهْرُ مِثْلِها من نِسائِها من قِبَلِ أبِيها. فاعْتَبَرَ بنِساءِ العَصَباتِ خاصَّة. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال في رِوايةِ إسْحاقَ بنِ هانئٍ: لها مَهْرُ نِسائِها، مثل أمِّها أو أخْتِها أو عَمَّتِها أو بنتِ عَمِّها. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، وابنِ أبى ليْلَى؛ لأنَّهُنَّ من نِسائِها. والأُولَى أوْلَى؛ فإنَّه قد رُوِى في قِصَّةِ بَرْوَعَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى في بَرْوَعَ (١) بنتِ واشِقٍ بمثلِ مَهْرِ نِساءِ قَوْمِها. ولأَنَّ شَرَف المرأةِ مُعْتَبَرٌ في مَهْرِها، وشَرَفُها بنَسَبِها، وأمُّها وخالَتُها لا تُساوِيَانِها في (٢) شَرَفِها، وقد تكونُ أمها مَوْلاةً وهى شَرِيفةٌ، وقد تكونُ أمها قُرَشِيَّةً وهى غيرُ قُرَشِيَّةٍ. ويَنْبَغِى أن يُعْتَبَرَ (٣) الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فأقْرَبُ نِساءِ عَصَباتِها

стр. 10318

وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِى الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، والأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فَوْقَهَا، نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا. ــ أخَواتُها لأبِيها، ثم عَمَّاتُها، ثم بَناتُ عَمِّها، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ. ٣٣٠٤ - مسألة: (وَتُعْتَبَرُ المُساواةُ فِى المَالِ، والجَمَالِ، والعَقْلِ، والأَدَبِ، والسِّنِّ، والبَكارَةِ، والثُّيُوبَةِ، والبَلَدِ) وصَراحَةِ نَسَبِها، وكلِّ ما يَخْتَلِفُ لأجْلِه الصَّداقُ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ هذه الصِّفاتُ [كلُّها؛ لأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فاعْتُبِرَتِ الصِّفاتُ] (١) المَقْصُودَةُ فيه. فإن لم يكُنْ في عَصَباتِها مَن هو في مِثْلِ حَالِها، فمِن نِساءِ أرْحامِها، كأمِّها وجَدَّاتِها وخَالاتِها وبَناتِهِنَّ. ٣٣٠٥ - مسألة: (فَإن لم يُوجَدْ إلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بقَدْرِ فَضِيلَتِها) لأَنَّ زِيادةَ فَضِيلَتِها تَقْتَضِى زِيادةً في المَهْرِ، فتَقَدَّرَتِ الزِّيادةُ بقَدْرِ الفَضِيلَةِ (وإن لم يُوجَدْ إلَّا فَوْقَها، نَقَصتْ بقَدْرِ نَقْصِها) كأَرْشِ العَيْبِ يُقَدَّرُ (٢) بقَدْرِ نَقصِ المَبِيعِ. فصل: ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ حالًا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فأَشْبَهَ قِيَمَ المُتْلَفاتِ. ولا يكونُ إلَّا من نَقْدِ البَلَدِ؛ لما ذكَرْنا. ولا تَلْزَمُ الدِّيَةُ؛ لأنَّها

стр. 10319

وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ، ــ تَخْتلِفُ باخْتِلافِ صِفاتِ المُتْلَفِ، بل هى مُقَدَّرَةٌ بالشَّرْعِ، فكانت بحُكْمِ ما جَعلَه من الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ، فلا يُعْتَبَرُ بها غيرُها، ولأنَّها عُدِلَ بها عن سائرِ الأبْدَالِ في مَن وَجَب عليه، فكذلك في تَأْجِيلِها تَخْفِيفًا عنه، بخلافِ غيرِها. ٣٣٠٦ - مسألة: (فَإن كانت) عادةُ نِسائِها تَأْجِيلَ المَهْرِ (فُرِضَ مُؤَجَّلًا في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) لأنَّه مَهْرُ مِثْلِها. والثانى، يُفْرَضُ حالًا؛ لما ذكَرْنا (وإن كان عادَتُهُم التَّخْفِيفَ عن عَشِيرَتِهم دُونَ غيرِهم، اعْتُبِرَ ذلك) وهذا مذهبُ الشافعىِّ. فإن قيلَ: فإذا كان مَهْرُ المِثْلِ بَدَلَ مُتْلَفٍ، يَجِبُ أن لا يَخْتَلِفَ باختلافِ المُتْلَفِ، كسائرِ المُتْلَفاتِ. قُلْنا: النِّكاحٍ يُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، [فإنَّ سائِرَ المُتْلَفاتِ] (١) المقْصُودُ بها المالِيَّةُ خاصَّةً، فلم تَخْتَلِفْ باخْتِلَافِ المُتْلِفينَ، والنِّكاحُ يُقْصَدُ به أعْيانُ الزَّوْجَيْنِ، فاخْتَلَف باخْتِلافِهم، ولأَنَّ سائرَ المُتْلَفاتِ لا تَخْتَلِفُ

стр. 10320

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ، اعْتُبِرَ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا، ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شِبْهًا بِهَا. فَصْلٌ: وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلاقٍ ــ باخْتِلافِ العَوائدِ، والمَهْرُ يَخْتَلِفُ بالعاداتِ، فإنَّ المرأةَ إذا كانت من قَوْمٍ عادتُهم تَخْفِيفُ مُهورِ نِسائِهم، وَجَب مهرُ المرأةِ منهم خَفِيفًا، وإن كانت أفْضَلَ وأشْرَفَ من نِساءِ مَن (١) عادَتهم تَثْقِيلُ المَهرِ. وعلى هذا، متى كانت عادَتُهُم التَّخْفِيفَ لمَعْنًى، مثل الشَّرَفِ واليَسَارِ ونحو ذلك، اعْتُبِرَ جَرْيًا على عادَتِهِم. ٣٣٠٧ - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها أقَارِبُ، اعْتُبِرَ) شِبْهُها من أَهْلِ بَلَدِها فإن عُدِمَ ذلك، اعْتُبرَ (بأَقْرَبِ النِّساءِ شِبْهًا بها) من أقْرَبِ البلادِ إليها؛ [لأنَّه لمَّا تعذَّرَ الأَقارِبُ، اعْتُبِرَ اقرَبُ النَّاسِ شِبْهًا بها] (٢) مِن غيرِهم، كما اعْتَبَرْنا قَرابَتَها البَعِيدَ إذا لم يُوجَدِ القَرِيبُ. فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (فأمَّا النِّكاحُ الفاسدُ، فمتى افْتَرَقَا

стр. 10321

أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا مَهْرَ فِيهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى. وَعَنْهُ، يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَهِىَ أَصَحُّ. ــ قبلَ الدُّخول بِطلاقٍ أو غيرِه، فلا مَهْرَ) لأَنَّ المَهْرَ يجبُ بالعَقْدِ، والعَقْدُ فاسِد، فإنَّ وُجودَه كالعَدَمِ، ولأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ، فيَخْلُو عن (١) العِوَضِ، كالبَيْعِ الفاسدِ. ٣٣٠٨ - مسألة: (فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى. [وعنه، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهى أصَحُّ) المنصوصُ عن أحمدَ أنَّ لها المُسَمَّى] (٢)؛ لأَنَّ في بعضِ ألفاظِ حديثِ عائشةَ: «ولها الَّذِى أَعْطاها بما أَصَابَ مِنْها» (٣). قال القاضى (٤): حدَّثناه أبو بكر البَرْقانِىُّ، وأبو محمدٍ

стр. 10322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخَلَّالُ (١)، بإسْنادَيْهما. وقال أبو حنيفةَ: الواجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّها إن رَضِيَتْ بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها فليس لها أكْثَرُ منه، كالعَقْدِ الصَّحيحِ، وإن كان المُسَمَّى أكْثَرَ، لم يَجِبِ الزّائِدُ (٢) بعَقْدٍ غيرِ صَحِيحٍ. والصَّحِيحُ وُجوبُ مَهْرِ المِثْلِ. أوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِىِّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : «فَإن أصابَها، فلها المهرُ بِما اسْتَحَلَّ مِن فرْجِها». فجعلَ لها المَهْرَ بالإِصابةِ، والإِصابةُ إنَّما تُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، ولأَنَّ العَقْدَ ليس بمُوجِبٍ، بدَلِيلِ الخَبَرِ، وأنَّه لو طَلَّقَها قبلَ مَسِّها لم يكُنْ لها شئٌ، وإذا لم يكُنْ مُوجِبًا، كان وُجودُه

стр. 10323

وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ. ــ كعَدَمِه، وبَقِىَ الوَطْءُ مُوجِبًا بمُفْرَدِه، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولأَنَّ التَّسْميةَ (١) لو فَسَدَت لَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، فإذا فَسَدَ، العَقْدُ مِن أصْلِه كان أوْلَى. وقولُ أبى حنيفةَ: إنَّها رَضِيَتْ بدُونِ صَداقِها. إنَّما يَصِحُّ إذا كان العَقْدُ هو المُوجِبَ، وقد بَيَّنَّا أنَّه إنَّما يَجِبُ بالإِصابةِ، فيُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ كاملًا، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ. ٣٣٠٩ - مسألة: (ولا يَسْتَقِرُّ بِالخَلْوَةِ) وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. (وقال أصْحابُنا: يَسْتَقِرُّ) قياسًا على العَقْدِ الصَّحيحِ، ونَصَّ عليه أحمدُ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الصَّداقَ لم يَجِبْ بالعَقْدِ، وإنَّما أوْجَبَه الوَطْءُ، ولم يُوجَدْ، ولذلك لا يَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، فأَشْبَهَ الخَلْوَةَ بالأَجْنَبِيَّةِ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما جَعَل لها المَهْرَ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، ولم يُوجَدْ ذلك في الخَلْوَةِ بغيرِ إصابةٍ، وقد ذكَرْناه.

стр. 10324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا تَزَوَّجَتِ المرأةُ تَزْوِيجًا فاسِدًا، لم يَحِلَّ تَزْوِيجُها لغيرِ مَن تَزَوَّجَها حتى يُطَلِّقَها أو يَفْسَخَ نِكاحَها. فإنِ امْتَنَعَ مِن طَلاقِها، فَسَخ الحاكمُ نِكاحَه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا حاجةَ إلى فَسْخٍ ولا طَلاقٍ؛ لأنَّه نِكاخ غيرُ مُنْعَقِدٍ، أشْبَهَ النِّكاحَ في العِدَّةِ. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ يَسوغُ فيه الاجْتِهادُ، فاحْتِيجَ في (١) التَّفْرِيقِ إلى إيقاعِ فُرْقَةٍ، كالصَّحيحِ المُخْتَلَفِ فيه، ولأَنَّ تَزْوِيجَها مِن غيرِ فُرْقَةٍ يُفْضِى إلى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عليها، كلُّ واحدٍ منهما يَعْتَقِدُ صِحَّةَ نِكاحِه، وفَسادَ نِكاحِ الآخَرِ، ويفارِقُ النِّكاحَ الباطِلَ مِن هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. فعلى هذا، متى تَزَوَّجَتْ بآخَرَ قبلَ التَّفْرِيقِ، لم يَصِحَّ الثَّانى، ولم يَجُزْ تَزْوِيجُها لثالثٍ (٢) حتى يُطَلِّقَ الأوَّلانِ أو يُفْسَخَ نِكاحُهما. ومتى كان التَّفْرِيقُ قبلَ الدُّخولِ، فلا

стр. 10325

وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثلِ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَالْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى، وَلَا يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ. ــ مَهْرَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسدٌ لم يَتَّصِلْ به قَبْضٌ، فلم يَجِبْ به عِوَضٌ، كالبَيْعِ الفاسدِ، وإن كان بعدَ الدُّخولِ، فلها المَهْرُ؛ لما ذكَرْنا. وإن تَكَرَّرَ الوَطْءُ، لم يَجِبْ به أكثرُ مِن مَهْرٍ واحدٍ، بدليلِ قولِه ﵊: «فلَها الْمَهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها». ولأنَّه إصابَةٌ في عَقْدٍ، أشْبَهَ الإِصابةَ في العَقْدِ الصَّحِيحِ. ٣٣١٠ - مسألة: (وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِلْمَوْطوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمُكْرَهَةِ على الزِّنى، ولا يَجِبُ معه أَرْشُ الْبَكارَةِ. ويَحْتَمِلُ أَن يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ) أمَّا المَوْطوءَة بشُبْهَةٍ، فيَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ. بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. ويجبُ للمُكْرَهَة على الزِّنَى، في ظاهرِ المذهبِ. وعن أحمدَ: لا يَجِبُ لها مَهْرٌ إن كانت ثَيِّبًا. اخْتارَه أبو بكرٍ. ولا يَجِبُ معه أَرْشُ

стр. 10326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البَكارَةِ. وذكرَ القاضى، أنَّ أحمدَ [قدْ قال] (١)، في رِوايةِ أبى طالبٍ، في حَقِّ الأَجْنَبِيَّةِ إذا أكْرَهَها على الزّنى، [وهى بِكْرٌ] (٢): فعليه المَهْرُ، وأرشُ البَكارةِ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا مَهْرَ للمُكرَهةِ على الزِّنى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : «فلها المَهْرُ بما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجها». وهو حُجَّةٌ على أبى حنيفةَ؛ فإنَّ المُكْرَهَةَ مُسْتَحَلٌّ لفَرْجِها، فإنَّ الاستِحْلالَ الفِعْلُ في غيرِ مَوْضِعِ الحِلِّ؛ لقولِه (٣) ﵇: «مَا آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ» (٤). وهو حُجَّةٌ أيضًا على مَن أوْجَبَ الأَرْشَ؛ لِكَوْنِه أَوْجَبَ المَهْرَ وَحْدَه مِن غيرِ أَرْشٍ، ولأنَّه اسْتَوْفَى ما يَجِبُ بَدَلُه بالشُّبْهَةِ، وفى العَقْدِ الفاسدِ (٥)، فَوَجَبَ بالتَّعَدِّى، كإتْلافِ المالِ،

стр. 10327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأَكْلِ طَعامِ الغَيْرِ. ولَنا [على] (١) أنَّه لا يَجِبُ الأَرْشُ، أنَّه (٢) وَطْء ضُمِنَ بالمَهْرِ، فلم يَجِبْ معه أرْش، كسائرِ الوَطْءِ، يُحَقِّقُه أنَّ المَهْرَ بَدَلُ المَنْفَعَةِ المُسْتَوْفاةِ بالوَطْءِ، وبَدَلُ المُتْلَفِ لا يَخْتَلِفُ بكَوْنِه في عَقدٍ فاسدٍ وكَوْنِه تمَحَّضَ عُدْوَانًا. و (٣) لأَنَّ الأرْشَ يَدْخُلُ في المَهْرِ؛ لكَوْنِ الواجبِ لها مَهْرَ المِثْلِ، ومَهْرُ البكْرِ يَزِيدُ على مَهْرِ الثَّيِّبِ ببَكارَتِها، فكانتِ الزِّيادةُ في المهرِ مُقابِلَة لِما أُتْلِفَ مِن البَكارةِ، فلا يَجِبُ عِوَضُها مَرَّةً ثانيةً. يُحَقِّقُه أنَّه إذا أُخِذَ أَرْشُ البَكارَةِ مَرَّة، لم يَجُزْ أخْذُه مَرَّةً أُخْرَى، فتَصِيرُ كأنَّها مَعْدُومَةٌ، فلا يَجِبُ لها إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ (٤)، ومَهْرُ الثَّيِّبِ مع أَرْشِ البَكارةِ هو مَهْر البِكْرِ. فلا تجوزُ الزِّيادةُ عليه. فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَوْطُوءةِ أجْنَبِيَّةً أو مِن ذَواتِ مَحارِمِه. وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ. ومذهَبُ النَّخَعِىِّ، ومَكْحُولٍ، وأبى حنيفةَ،

стр. 10328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعىِّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ النِّساءَ مِن ذَواتِ مَحارِمِه لا مَهْرَ لَهُنَّ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، لأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ أصْلٍ، فلا يَجِبُ به مَهْرٌ، كاللِّواطِ، وفارَقَ مَن حَرُمَت تَحْرِيمَ المُصاهَرَةِ، فإنَّ تَحْريمَها طارِئٌ (١). وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ الحكمُ في مَن حَرُمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه طارِئ (٢) أيضًا. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَ مَن تَحْرُمُ ابْنَتُها لا مَهْرَ لها، كالأمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ، ومَن تَحِلُّ ابْنَتُها، كالعَمَّةِ والخالَةِ، فلها المَهْرُ، لأَنَّ تَحْرِيمَها أَخَفُّ. ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ للأجْنَبِىِّ، ضُمِنَ للمُناسِبِ، كالمالِ ومَهْرِ الأمَةِ، ولأنَّه أتْلَفَ مَنْفَعَةَ بُضْعِها بالوَطْءِ، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأَجْنَبِيَّةِ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمونٌ على غيرِه، فوَجَبَ عليه ضَمانُه، كالمالِ، وبهذا فارَقَ اللِّواطَ، فإنَّه غيرُ مَضْمُونٍ على أحَدٍ.

стр. 10329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجِبُ المهرُ بالوَطْءِ في الدُّبُرِ، ولا اللِّواطِ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ ببَدَلِه، ولا هو إتْلافٌ لشئ، فأَشْبَهَ القُبْلَةَ والوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ. وقال في «المحرَّرِ» (١): يجبُ بوَطْءِ المرأةِ في الدُّبُرِ، كالوَطْءِ في القُبُلَ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه ليس بسَبَبٍ للبَضْعِيَّةِ (٢)، أشْبَهَ اللِّواطَ. ولا يَجِبُ للمُطاوِعَةِ على الزِّنى؛ لأنَّها باذِلَةٌ لِما يَجِبُ بَذْلُه لها، فلم يَجِبْ لها (٣) شئٌ، كما لو أَذِنَت له في قَطْعِ يَدِها فقَطَعَها (٤)، إلَّا أن تكونَ أمَةً، فيكونُ المهرُ لسَيِّدِها، ولا يَسْقُطُ بِبَذْلِها؛ لأَنَّ الحَقَّ لغيرِها، فأَشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ قَطْعَ يَدِها.

стр. 10330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومَن طَلَّقَ امرأتَه قبلَ الدُّخولِ طَلْقَةً، وظَنَّ أنَّها لا تَبِينُ بها، فوَطِئَها، لَزِمَه مَهْرُ المِثْلِ ونِصْفُ المُسَمَّى. وقال: مالكٌ: لا يَلْزَمُه إلَّا مَهْرٌ واحدٌ. ولَنا، أنَّ المفْرُوضَ تَنَصَّف بطَلاقِه، لقولِه (١) سبحانه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢). ووَطْؤه بعدَ ذلك عَرِىَ عن العَقْدِ (٣)، فَوَجَبَ به مَهْرُ المِثْلِ، كما لو عَلِمَ، أو كغيرِها، أو كما لو وَطِئَها غيرُه. فأمَّا مَن نِكاحُها باطِلٌ بالإِجْماع، كالمُزَوَّجَةِ والمُعْتَدَّةِ، إذا نَكَحَها رَجُلٌ، فوَطِئَها عالِمًا (٤) بالحالِ وتَحْرِيمِ الوَطْء، وهى مُطاوِعَةٌ عالِمَةٌ، فلا مَهْرَ؛ لأنَّه زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ، وهى مُطاوِعَةٌ عليه. وإن جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذلك، أو كَوْنَها في العِدَّةِ، فالمَهْرُ لها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهَةٍ. وقد رَوَى أبو داودَ (٥)، بإسْنادِه، أنَّ رَجُلًا يُقالُ له: بَصْرَةُ (٦) بنُ أكْثَمَ، نَكَح امرأةً،
следующие страницы →