. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن خالَعَ امْرأتَه بنِصْفِ صَداقِها قبلَ الدُّخولِ بها، صَحَّ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له؛ نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالخُلْعِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِيرَ له ثلاثةُ أرْباعِه؛ لأنَّه إذا خالَعها بنِصْفِه مع عِلْمِه أنَّ النِّصْفَ يَسْقُطُ عنه، صارَ مُخالِعًا (١) بنِصْفِ النِّصْفِ الذى يَبْقَى لها، فيَصِيرُ له النِّصْفُ بالطَّلاقِ، والرُّبْعُ بالخُلْعِ. كان خالَعها [بمثلِ نصفِ] (٢) الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صحَّ، وسَقَط (٣) جميعُ الصَّداقِ (٤)، نِصْفُه بالطَّلاقِ، ونِصْفُه بالمُقاصَّةِ بما في ذِمَّتِها له مِن (٥) عِوَضِ الخُلْعِ. ولو قالتْ له (٥): اخْلَعْنِى
стр. 10257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بما تُسَلِّمُ لى مِن صَدَاقِى. ففَعَلَ (١)، صَحَّ، وبَرِئَ مِن جميعِ الصَّداقِ. وكذلك لو قالت: اخْلَعْنِى على أن لا تَبِعَةَ عليكَ في المَهْرِ. صَحَّ، ويَسْقُطُ جَمِيعُه عنه. وإن خالَعَتْه بمثلِ جيعِ الصَّداقِ في ذِمَّتِها، صَحَّ، ويَرْجِعُ عليها بنِصْفِه؛ [لأنَّه يَسْقُطُ نصفُه] (٢) بالمُقاصَّةِ بالنِّصْفِ
الذى لها عليه، ويَسْقُطُ عنه النّصفُ بالطَّلاقِ (٣)، يَبْقَى [له عليها] (٤) النِّصْفُ. وإن خالَعَتْه بصَداقِها كلِّه، فكذلك في أحَدِ الوَجْهيْن. وفى الآخَرِ، لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ؛ لأنَّه لمَّا خالَعَها به مع العِلْمِ بسُقوطِ نِصْفِه بالطَّلاقِ، كان مُخالِعًا لها بنِصْفِه، ويَسْقُطُ عنه بالطَّلاقِ نِصْفُه، ولا يَبْقَى لها شئٌ.
فصل: وإذا أبْرَأتِ المُفَوّضَةُ مِنِ المَهْرِ، صَحَّ قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، وسواءٌ في ذلك مُفَوّضةُ البُضْعِ ومُفَوّضةُ المَهْرِ. وكذلك مَن سُمِّىَ لها
стр. 10258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَهْرٌ فاسِدٌ، [كالخَمْرِ والمجْهُولِ] (١)؛ لأَنَّ المَهْرَ واجِبٌ في هذه المواضِعِ، وإنَّما جُهِلَ قَدْرُه، والبراءةُ مِن المجْهولِ صحيحةٌ؛ لأنَّها إسْقاطٌ، فصَحَّتْ في المجْهُولِ، كالطَّلاقِ (٢). وقال الشافعىُّ: لا تَصِحُّ البراءةُ في شئٍ مِن هذا؛ لأَنَّ المُفَوَّضةَ لم يجبْ لها مهر، فلا يَصِحُّ الإِبْراءُ ممَّا لم يَجِبْ، وغيرُها مَهْرُها مَجْهُولٌ، والبراءةُ مِن المجهولِ لا تَصِحُّ، إلَّا أن تَقولَ: أبْرَأْتُك من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ. فيَبْرَأُ مِن مَهْرِها إذا كان دُونَ الألْفِ. وسوف نَذْكُرُ الدَّلَيلَ على وُجُوبِه فيما يَأْتِى، فيَصِحُّ الإِبْراءُ منه، كما لو قال: أبْرَأْتُك مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ. فإذا أبْرأَتِ المُفَوّضةُ، ثم طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ إلى المُسَمَّى لها. لم يرجع ههُنا. وإن قُلْنا: يرْجِعُ ثَمَّ. احتَمَلَ أن لا يرجِعَ ههُنا؛ لأَنَّ المَهْرَ كلَّه سَقَط بالطَّلاقِ، ووَجَبتِ المُتعَةُ بالطَّلاقِ ابْتِداءً. ويَحتَمِلُ أن (٣) يرْجِعَ؛ لأنَّه عادَ إليه مَهْرُها بسَبَبٍ غيرِ الطَّلاقِ. وفيما يَرْجِعُ به احْتِمالانِ؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه الذى وَجَب بالعَقْدِ، فهو كنِصْفِ (٤)
стр. 10259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَفْروضِ. والثانى، يَرْجِعُ بنِصْفِ المُتْعَةِ؛ لأنَّها التى تَجِبُ بالطَّلاقِ، فأَشْبَهَتِ المُسَمَّى.
فصل: فإن أبْرَأَتْه المُفَوّضةُ مِن نِصْفِ صَداقِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فلا مُتْعَةَ لها؛ لأن المُتْعَةَ قائمةٌ مَقامَ نِصْفِ الصَّداقِ، وقد أبْرأتْ منه، فصارَ كما لو قَبَضَتْه. ويَحتَمِلُ أن يَجبَ لها نِصْفُ المُتْعَةِ، إذا قُلْنا: [إنَّ الزَّوْجَ] (١) لا يَرْجِعُ عليها بشئٍ إذا أْبْرَأَتْ مِن جميعِ صَداقِها.
فصل: إذا باعَ رجلٌ عبْدًا بمائةٍ، ثم أبرَأهُ البائِعُ مِن الثَّمَنِ، أو قَبَضَه ثم وَهبَه إيَّاه، ثم وَجَد المُشْتَرِى بالعبدِ عَيْبًا، فهل له رَدُّ المَبِيعِ والمطالبةُ بالثَّمَنِ، أو أخْذُ أرْش العَيْبِ مع إمْساكِه؟ على وَجْهيْنِ، بِنَاءً على الرِّوايتَيْنِ في الصَّداقِ إذا وَهبَتْه المرأةُ لزَوْجِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ. وإن كانت بحَالِها، فوَهَب المُشْتَرِى العبدَ للبائعِ، ثم أفْلَسَ المُشْتَرِى، والثَّمَنُ في ذِمَّتِه، فللبائعِ أن يَضْرِبَ بالثَّمَنِ مع الغُرَماءِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ الثَّمَنَ ما عادَ [إلى البائِعِ منه شئٌ] (٢)، ولذلك (٣) كان يَجِبُ أداؤُه إليه
стр. 10260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ الفَلَسِ، بخلافِ التى قبلَها ولو كاتَبَ عبْدًا، ثم أسْقَطَ عنه مالَ الكتابَةِ، بَرِئَ، وعَتَق، ولم يَرْجِعْ على سَيِّدِه بالقَدْرِ الذى كان يَجِبُ على السَّيِّدِ أن يُؤْتِيَه إيَّاه. وكذلك لو أسْقَطَ عنه القَدْرَ الذى يَلْزَمُه إِيتاؤُه إيَّاه، واسْتَوْفَى الباقِىَ، لم يَلْزَمه أن يُؤْتِيَه شيئًا؛ لأَنَّ إسْقاطَه عنه يقومُ مَقامَ الإِيتاءِ. وخرَّجَه بعضُ أصْحابِنا على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في الصَّداقِ. ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ أسْقَطَتِ الصَّداقَ الواجِبَ لها قبلَ وُجودِ سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الزَّوْجِ عليها نِصْفَه، وههُنا أسْقَطَ السَّيِّدُ عن المُكاتَبِ ما وُجِدَ سَبَبُ (١) إيتائِه إيَّاه، فكان (٢) إسْقاطُه مَقَامَ إيتائِه، ولهذا لو قَبَضَه السَّيِّدُ منه، ثم آتاه إيَّاه (٣)، لم يرجِع عليه بشئٍ، ولو قبَضَتِ المرأةُ صَداقَها و (٤) وَهبَتْه لزَوْجِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع عليها، فافْتَرَقا.
فصل: ولا يَبْرأُ الزَّوْجُ مِن الصَّداقِ إلَّا بتَسْلِيمِه إلى مَن يتَسَلَّمُ مالَها، فإن كانت رَشِيدَةً، لم يَبْرَأ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إليها، أو إلى وَكِيلها، ولا يَبْرأُ بالتَّسْلِيمِ إلى أبِيها ولا إلى غيرِه، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا. قال أحمدُ: إذا أخَذ مَهْرَ ابْنَتِه، وأنْكَرَتْ، فذاك لها، تَرجِعُ على زَوْجِها بالمَهْرِ، ويَرْجِعُ الزَّوْجُ
стр. 10261
وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ؛ كَطَلَاقِهِ، وَخُلْعِهِ، وَإسْلَامِهِ، وَرِدَّتِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِىٍّ، كَالرَّضَاعِ، وَنَحْوِهِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، يَتَنَصَّفُ بِها الْمَهرُ بَيْنَهُمَا.
ــ
على أبِيها. فقيلَ له؛ أليس قال النَّبِىُّ ﷺ : «أَنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ» (١)؟ قال: نعم (٢)، ولكنَّ هذا لم يأْخُذْ منها، إنَّما أَخَذَ مِن زَوْجِها. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: له قَبْضُ صَداقِ البِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ؛ لأَنَّ ذاك العادَةُ، ولأَنَّ البِكْرَ تَسْتَحِى، فقامَ أبُوها مَقامَها، كما قامَ مَقامَها في تَزْوِيجِها. ولَنا، أنَّها رَشِيدَةٌ، فلم يَكُنْ لغيرِها قَبْضُ صَداقِها، كالثَّيِّبِ، أو عِوَضٌ مَلَكَتْه وهى رَشِيدَةٌ، فلم يكُنْ لغيرِها قَبْضُه بغيرِ إذْنِها، كثَمَنِ مَبِيعِها. وإن كانت غيرَ رَشِيدَةٍ، سَلَّمه إلى وَلِيِّها في مالِها، مِن أبِيها أو وَصِيِّه، أو (٣) الحاكمِ؛ لأنَّه مِن جُملةِ أمْوالِها، فهو كأَجْرِ دَارِها.
٣٢٨٨ - مسألة: (وكلُّ فُرْقَةٍ جَاءت مِن) قِبَلِ (الزَّوْجِ قبلَ الدُّخولِ؛ كطَلاقِه، وخُلْعِه، وإسْلامِه، وَرِدَّتِه، أو مِن أجْنَبِىٍّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، يَتَنَصَّف بها المَهْرُ بينَهما) لقولِ اللَّهِ تعالَى: ﴿وَإن
стр. 10262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ثبتَ في الطَّلاقِ، وقِسْنا عليه سائرَ ما اسْتقَلَّ به الزَّوجُ. وأمَّا فُرقَةُ الأجْنَبِىِّ، كالرَّضاعِ ونحوِه، تُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ، ويجبُ نِصْفُه، أو المُتْعَةُ لغيرِ (١) مَن سُمِّى لها، ثم يَرْجِعُ الزَّوجُ على مَن فَسَخ النِّكاحَ، إذا جاءَ الفَسْخُ مِن قِبَلِ أجْنَبِىٍّ، لأنَّه قَرَّرَه عليه. كان قُتِلَتِ المرأةُ، اسْتقَرَّ المَهْرُ جميعُه، لأنَّها فرقةٌ حصَلَتْ بالموتِ وانْتِهاءِ (٢) النِّكاحِ، أشْبَهَ ما لو ماتتْ حَتْفَ أنْفِها، سواءٌ قَتلَها زوْجُها، أو أجْنَبِىٌّ، أو قتَلَتْ نفْسَها، أو قتل الأمَةَ سيِّدُها. وإن طَلَّقَ الحاكمُ على الزَّوْجِ في الإِيلاءِ، فهو كطَلاقِه؛ لأنَّه قامَ مَقَامَه في إيفاءِ الحقِّ عندَ امْتِناعِه منه.
وَفِى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ وَشِرَائِهَا لَهُ وَجْهَانِ.
ــ
٣٢٩١ - مسألة: (وفى فُرْقَةِ بَيْعِ الزَّوْجَةِ مِن الزَّوْجِ وَشِرائِها له وَجهان) إذا اشْتَرتِ المرأةُ زوْجَها، ففيه وَجهان؛ أحدُهما، يتَنَصَّفُ به مهرُها؛ لأَنَّ البيعَ المُوجِبَ للفَسْخِ تَمَّ (١) بالسَّيِّدِ وبالمرأةِ، فأَشْبَهَ الخُلْعَ. والثَّانِى، يَسْقُطُ به المَهْرُ؛ لأَنَّ الفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِها، فأَشْبَهَ فَسْخَها لعَيْبِه. وكذلك شِراءُ الزَّوْجِ امرأتَه. وإن جعلَ لها الخِيارَ فاخْتارَتْ نفْسَها، أو وَكَّلَها في الطَّلاقِ فطَلَّقَتْ نفْسَها، فهو كطَلاقِه، لا يسقطُ
стр. 10267
وَفُرْقَةُ الْمَوْتِ يَسْتَقِرُّ بِها الْمَهْرُ كُلُّهُ كَالدُّخُولِ. وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَها لَاسْتَقَرَّ مَهْرُها كَامِلًا.
ــ
مَهْرُها؛ لأَنَّ المرأةَ وإن باشَرَتِ الطَّلاقَ، فهى نائِبَةٌ عنه، ووَكِيلَةٌ عنه، وفِعلُ الوَكِيلِ كفِعْلِ المُوَكِّلِ، فكَأنَّه صَدَر عن مُباشَرَتِه. وإن عَلَّقَ
طَلاقَها على فعلٍ من قِبَلِها، لم يسْقُطْ مَهْرُها؛ لأَنَّ السَّبَبَ منه وُجِدَ، وإنَّما هى حَقَّقَتْ شَرْطَه، والحُكْمُ يُنْسَبُ إلى صاحبِ السَّبَبِ.
٣٢٩٢ - مسألة: (وفُرْقَةُ الْموْتِ يَسْتَقِرُّ بها المَهْرُ كلُّه كالدُّخُولِ) إذا كان المهرُ مُسَمًّى. وفى المُفَوّضةِ اخْتِلافٌ نذْكُرُه في مَوضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى (ولو قتَلَتْ نفْسَها) أو قَتلَها غيرُها، فهو كالموتِ حَتْفَ أنْفِها؛ لأنَّها فُرقَةٌ حصَلَتْ بانْقِضاءِ الأجَلِ، وانْتِهاء (١) النِّكاحِ، فهو كمَوْتِها حَتْفَ أنْفِها. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 10268
فَصْلٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِى قَدْرِ الصَّدَاقِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ. وَعَنْهُ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِى مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا.
ــ
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ مع يَمِينِه. وعنه، القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثلِ منهما) إذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في قَدْرِ الصَّداقِ، ولا بَيِّنَةَ لهما، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك؛ فرُوِىَ عنه أنَّ القولَ
стр. 10269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ. وهذا قول الشَّعبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى ثَوْرٍ. وبه قال أبو يوسفَ، إلَّا أن يَدَّعِىَ مُسْتَنْكَرًا، وهو أن يَدَّعِىَ مَهْرًا لا يُتَزَوَّجُ بمِثْلِه في العادةِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، ومُدَّعًى عليه، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه ﵊: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْه» (١). ورُوِىَ عنه أنَّ القولَ قولُ مَن يَدَّعِى مهرَ المِثْلِ منهما (٢). وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مهرَ المِثْلِ، أو أقلَّ منه، فالقولُ قولُها، وإنِ ادَّعى الزَّوْجُ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، فالقولُ قولُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وهو الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وعن الحسَنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، وأبى عُبَيْدٍ، نحوُه.
стр. 10270
فَإِنِ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْهُ، وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ، عِنْدَ الْقَاضِى فِى الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، تَجِبُ الْيَمِينُ.
ــ
٣٢٩٣ - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أقَلَّ منه، وادَّعَتْ أكثرَ منه، رُدَّ إليه بلا يَمِينٍ، عندَ القاضى في الأَحْوالِ كلِّها) لأَنَّ الظَّاهِرَ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ، فكان القولُ قولَه، قياسًا على المُنْكِرِ في سائرِ الدَّعاوَى، وعلى المُودَعِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ أو الرَّدَّ. وقال أبو الخَطَّابِ: (تجِبُ اليَمِينُ) لأنَّه اخْتِلافٌ فيما يجوزُ بَذْلُه، فتُشْرَعُ فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى في الأَمْوالِ. وقال القاضى: لا تُشْرَعُ اليَمِينُ في الأَحْوالِ كلِّها؛
стр. 10271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّها دَعوى في النِّكاحِ. والأَوْلَى أن يتَحالَفا، فإنَّ ما يقوله كلُّ واحدٍ منهما يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بيَمِينِ صاحِبِه (١)، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّهما تَساوَيا في عدَمِ الظُّهُورِ، فيُشْرَعُ التَّحالُفُ، كما لو اخْتلَفَ المُتَبايِعان. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: يتَحالَفانِ، فإن حَلَف أحَدُهما ونَكَل الآخَرُ، ثَبَت [ما قالَه] (٢)، وإن حَلَفا، وَجَب
стр. 10272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَهْرُ المِثْلِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، قياسًا على المُتَبايِعَينِ إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ. وقال مالكٌ: إن كان الاخْتِلاف قبلَ الدُّخولِ، تَحالفا وفُسِخَ النِّكاحُ وإن كان بعدَه، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ. وبَناه على أصلِه في البَيْعِ (١)؛ فإنَّه يُفرِّقُ (٢) في التَّحالُفِ بينَ (٣) قبل القَبْضِ وبعدَه؛ لأنَّها إذا سلَّمَتْ نَفْسَها بغيرِ إشْهادٍ، فقد رَضِيَتْ بأمانَتِه. ووَجْهُ قولِ مَن لا يَرَى التَّحالُفَ، أنَّه
стр. 10273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقْدٌ لا يَنْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، فلا يُشْرَعُ فيه، كالعَفْوِ عن دَمِ العَمْدِ، ولأَنَّ القولَ بالتَّحالُفِ يُفْضِى (١) إلى إيجابِ أكثرَ ممَّا يَدَّعِيه، أو أَقَلَّ ممَّا يُقِرُّ لها به، فإنَّها إذا كان مَهْرُ مِثْلِها مائةً، فادَّعَتْ ثمانينَ، وقال (٢): بل هو خَمْسونَ. أوْجَبَ لها عِشْرينَ، يتَّفِقانِ على أنَّها غيرُ واجبةٍ. ولو ادَّعَتْ مائتين، وقال: بل هو مائةٌ وخَمْسونَ. ومَهْرُ مِثْلِها مائةٌ، فقد أسْقَطَ خَمْسِينَ يتَّفِقان على وُجُوبِها. ولأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ إن لم يُوافِقْ دَعْوَى أحَدِهما، لم يَجُزْ إيجابُه؛ لاتِّفاقِهِما على أنَّه غيرُ ما أوْجَبَه العَقْدُ، وإن وافَقَ قولَ أحَدِهما، فلا حاجَةَ في إيجابِه إلى يَمِينِ مَن يَنْفِيه؛ لأنَّها لا تُؤَثِّرُ في إيجابِه. وفارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه ينْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما في ما لَه. وما ادَّعاه مالِكٌ بِن أنَّها اسْتَأُمَنَتْه، لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لم تَجْعَلْه أمِينَها، ولو كان أمِينًا لها لوَجَبَ أن تكونَ أمِينَةً له (٣)، حينَ لم يُشْهِدْ عليها، على أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الاخْتِلافِ عدَمُ الإِشْهادِ؛ لأنَّه قد يكونُ بينَهما بَيِّنَةٌ، فتَمُوتُ أو تَغِيبُ أو تَنْسَى الشَّهادةَ. إذا ثَبَتَ هذا، فكلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه. فهو مع يَمِينِه؛ لأنَّه اخْتِلافٌ فيما (٤) يجوزُ بَذْلُه (٥)، فتُشْرَعُ
стр. 10274
وَإِنْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى هذَا الْعَبْدِ. قَالَتْ: بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ. خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
فيه اليَمِينُ، كسائرِ الدَّعاوَى، ولِما ذكَرْنا مِن الحديثِ.
٣٢٩٤ - مسألة: (وإن قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبْدِ. قالت: بل على هذه الأَمَةِ. خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن) فإن كانت قِيمَةُ العبدِ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، وقيمةُ الأمَةِ فوقَ ذلك، حَلَف الزَّوْجُ ووَجَب لها قِيمَةُ العبدِ؛ لأَنَّ قولَه يُوافِقُ الظَّاهِرَ، ولا تَجِبُ عَيْنُ العَبْدِ، لئلَّا يُدْخِلَ في مِلْكِها ما يُنْكِرُه (١)، وإن كانت قِيمَةُ الأمَةِ مهرَ المِثْلِ أو أقَلَّ، وقيمةُ العبدِ أقلَّ مِن ذلك، فالقولُ قولُ الزَّوْجةِ مع يَمِينِها. وهل تَجِبُ الأمَةُ أو قِيمَتُها؟ فيه وجَهْان؛ أحدُهما، تجبُ [عينُ الأمةِ] (٢)؛ لأنَّنا قَبِلْنا قوْلَها في القَدْرِ، فكذلك في العَيْنِ، فأوْجَبْناه، وليس في ذلك إدْخالُ ما تُنْكِرُه (٣) في مِلْكِها. والثانى، تَجِبُ لها قِيمَتُها؛ لأَنَّ قَوْلَها إنَّما وافقَ
стр. 10275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظَّاهِرَ في القَدْرِ لا في العَيْنِ، فأوْجَبْنا لها ما وافَقَ الظاهِرَ فيه. وإن كان كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو كان العبدُ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، والأمَةُ أكثرَ منه، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ بالتَّحالُفِ. وظاهِرُ قولِ القاضى ومَن وافَقَه، أنَّ اليَمِينَ لا تُشْرَعُ في هذا كلِّه. واللَّه أعلمُ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ صَداقَ امْرأتِه، وادَّعَتْ ذلك عليه، فالقولُ قولُها فيما يوافِقُ مَهْرَ مِثْلِها، سواءٌ ادَّعَى أنَّه وَفَّاها أو أبْرَأَتْه منه، أو قال: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا. وسواءٌ في ذلك ما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه. وبه قال سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبَى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ أنَّهم قالوا: إن كان بعدَ الزَّفَافِ (١) فالقولُ قولُ الزَّوْجِ، والدُّخولُ بالمرأةِ يَقْطَعُ الصَّداقَ. وبه قال مالِكٌ. قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا كانتِ العادةُ تَعْجِيلَ الصَّداقِ، كما كان بالمَدينَةِ، أو كان الخِلافُ فيما تُعُجِّلَ منه في العادةِ؛ لأنَّها لا تُسَلِّمُ نَفْسَها في العادةِ إلَّا بقَبْضِه، فكان الظَّاهِرُ معه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : «اليَمِين على الْمُدَّعَى عليهِ» (٢). ولأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ الحَقِّ الذى عليه، فلم يُقْبَلْ بغيرِ بَيِّنَةٍ، كما لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، أو كما قبلَ الدُّخولِ.
стр. 10276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن دَفَع إليها ألْفًا، ثم اخْتلَفا، فقال: دَفَعْتُها إليكِ صَداقًا. وقالتْ: بل هِبَةً. فإنِ اخْتلَفا [في نِيَّتِه] (١)، فقالت: قَصَدْتَ الهِبَةَ. فقال: بل قَصَدْتُ دَفْعَ الصَّداقِ. فالقولُ قولُ الزَّوْجِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه (٢)، ولا تَطَّلِعُ المرأةُ عليها. وإنِ اخْتلَفا في لَفظِه، فقالت: قد قُلْتَ: [خُذِى هذا] (٣) هِبَةً -أو- هَدِيَّةً. فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّها تَدَّعِى عليه عَقْدًا على مِلْكِه، وهو يُنْكِرُه، فأشْبَهَ ما لو (٤) ادَّعَتْ عليه بَيْعَ مِلْكِه لها، لكنْ إن كان المدْفوعُ مِن غيرِ جِنْسِ الواجِبِ عليه، كأن أصْدَقَها دَراهِمَ، فدَفَع إليها عَرْضًا، ثم اخْتلَفا، وحَلَف أنَّه دَفَع إليها ذلك مِن صَداقِها، فللمَرْأةِ رَدُّ العِوَضِ (٥)، ومَطالَبَتُه بصَداقِها. قال أحمدُ، في روايةِ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ، في رَجُلٍ تَزوَّجَ امرأةً على صَداقِ ألْفٍ، فَبَعث إليها بقِيمَتِه مَتاعًا وثِيابًا، ولم يُخبِرْهُم أنَّه مِن الصَّداقِ، فلمَّا دَخَل سألَتْه الصَّداقَ، فقال لها: قد بعَثْتُ إليك بهذا المَتاعِ، واحْتَسَبْتُه مِن الصَّداقِ. فقالتِ المرأةُ: صَداقِى دَراهِمُ. تَرُدُّ
стр. 10277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثِّيابَ والمَتاعَ، وتَرْجِعُ عليه (١) بصداقِها. فهذه الرِّوايةُ إذا لم يُخْبِرْهُم أنَّه صَداقٌ، فأمَّا إذا ادَّعَى أنَّها احْتَسَبَتْ به مِن الصَّداقِ، وادَّعَتِ المرأةُ أنَّه قال: هى هِبَةٌ. فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ. كلُّ واحدٍ منهما، ويتَراجَعانِ بما لكُلِّ واحدٍ منهما. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن كان ممَّا جَرَتِ العادةُ بهَديَّتِه، كالثَّوْب والخاتَمِ، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ معها، وإلَّا فالقولُ قولُه. ولَنا، أنَّهما اخْتلَفا في صِفَةِ انْتِقالِ مِلْكِه، فكان القولُ قولَ المالِكِ، كما لو قال: أوْدَعْتُكِ هذه العَيْنَ. قالت (٢): بل وَهَبْتَنِيها.
فصل: فإن مات الزَّوْجانِ، فاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُما، قامَ ورَثَةُ كلِّ واحدٍ منهما مَقامَه، إلَّا أنَّ مَن يَحْلِفُ منهم على الإِثْباتِ يَحْلِفُ على البَتِّ، ومَن يَحْلِفُ على النَّفْى يَحْلِفُ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن مات أحدُ الزَّوْجَيْن فكذلك، وإن مات الزَّوْجانِ، فادَّعَى ورَثَةُ المرأةِ التَّسْمِيَةَ (٣)، وأنْكَرَها
стр. 10278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورَثَةُ الزَّوْجِ جُمْلَةً، لم يُحْكَمْ عليهم بشئٍ. قال أصْحابُه: إنَّما قال ذلك إذا تقادَمَ العَهْدُ؛ لأنَّه تعَذَّرَ الرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، لأنَّه (١) تُعْتَبَرُ فيه الصِّفاتُ والأوْقاتُ. وقال محمدُ بن الحَسنِ: يُقْضَى بمَهْرِ المِثْلِ. وقال زُفَرُ: بعَشَرَةِ دَراهِمَ؛ لأنَّه أقَلُّ الصَّداقِ. ولَنا، أنَّ ما اخْتلفَ فيه المُتَعاقِدانِ، قامَ وَرَثَتُهما مَقامَهما، كالمُتَبايِعَين. وما ذكَرُوه ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَسْقُطُ لتَقادُمِ العَهْدِ، ولا يتَعَذَّرُ الرُّجوعُ في ذلك، كقِيَمِ سائرِ المُتْلَفاتِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وأبو الصَّغيرةِ والمَجْنُونةِ، قامَ الأبُ مَقامَ الزَّوْجَةِ في اليَمِينِ، لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه، ولأَنَّ قولَه مقبولٌ فيما اعْتَرفَ به مِن الصَّداقِ، فسُمِعَتْ يَمِينُه، كالزَّوْجَةِ. فإن لم يَحْلِفْ حتى بَلَغَتْ وعَقَلَتْ، فاليَمِينُ عليها دُونَه؛ لأَنَّ الحقَّ لها، وإنَّما يَحْلِفُ هو لتَعَذُّرِ اليمِينِ مِن جهَتِها، فإذا أمْكَنَ في (٢) حَقها، صارتِ اليَمِينُ عليها، كالوَصِىِّ إذا بَلَغ الأطْفالُ قبلَ يَمِينِه فيما يَحْلِف فيه. فأمَّا أبو (٣) البِكْرِ البالِغَةِ العاقِلَةِ؛ فلا تُسْمَعُ مُخالَفَةُ الأبِ، لأَنَّ قولَها مَقْبولٌ في الصَّداقِ،
стр. 10279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَقُّ لها دُونَه. وأمَّا سائِرُ الأوْلِياءِ، فليس لهم تَزْوِيجُ صغيرةٍ، إلَّا على رِوايةٍ في بِنْتِ تِسْعٍ، وليس لهم أن يُزَوِّجوا بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ولو زَوَّجوها بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ثَبَت مَهْرُ المِثْلِ مِن غيرِ يَمِينٍ. فإنِ ادَّعَى أنَّه زَوَّجَها بأكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها، فاليَمِينُ على الزَّوْجِ؛ لأَنَّ القولَ قولُه في قَدْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
فصل: إذا أنْكَرَ الزَّوْجُ تَسْمِيَةَ الصَّداقِ، وادَّعَى أنَّه تَزَوَّجَها بغيرِ صَداقٍ، فإن كان بعدَ الدُّخول، نَظَرْنا، فإنِ ادَّعَتِ المرأةُ مَهْرَ المِثْلِ أو دُونَه، وَجَب مِن غيرِ يَمِينٍ؛ لأَنَّها لو صَدَّقَتْه في ذلك لَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا فائدةَ في الاخْتِلافِ، وإنِ ادَّعَتْ أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فهى مُقِرَّةٌ بنَقْصِها عمَّا يَجبُ لها بدَعْوَى الزَّوْجِ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ قوْلُها بغيرِ يَمِينٍ، وإنِ ادَّعَتْ أكثرَ من مَهْرِ المِثْلِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ على نَفْى ذلك، ويَجِبُ لها مَهْرُ المِثْلِ. وإن كان اخْتِلافُهما قبلَ الدُّخولِ، انْبَنَى على الرِّوايتَيْن فيما إذا اخْتلَفا في قَدْرِ الصَّداقِ، فإن قُلْنا: القولُ قولُ الزَّوْجِ. فلها المُتْعَةُ. وإن قُلْنا: القولُ قولُ مَن يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ. قُبِلَ قولُها ما ادَّعَتْ مَهْرَ المِثْلِ. هذا إذا طَلَّقَها، وإن لم يُطَلِّقْها، فُرِضَ لها مَهْرُ المِثْلِ على الرِّوايتَين. وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه. فعليه اليَمِينُ.
стр. 10280
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى قَبْضِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ، أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ. وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَها غَيْرُهُ.
ــ
٣٢٩٥ - مسألة: (وَإِنِ اخْتَلَفا في قَبْضِ الصَّداقِ، فالقولُ قولُها) مع يَمِينِها إذا لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ؛ لأَنَّ الأصلَ عدَمُه (وإنِ اخْتَلفا فيما يَسْتَقِرُّ به، فالقَوْلُ قولُه) لأنَّه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأَنَّ الأَصْلَ عدَمُه.
٣٢٩٦ - مسألة: (وَإن تَزَوَّجَها على صَداقينِ سِرٍّ وَعَلانِيَةٍ، أُخِذ بالعلانِيَةِ وَإن كان قد انْعَقَدَ بالسِّرِّ) في ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ (وقال القاضى: إن تَصادقا على السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لها غَيْرُهُ) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه
стр. 10281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُؤْخَذُ بالعلانِيَةِ، على ما روَاه الأَثْرَمُ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال القاضى: الواجِبُ المَهْرُ الذى انْعقَدَ به النِّكاحُ، سِرًّا كان أو عَلانِيَةً. وحَمَل كلامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ على أنَّ المرأةَ لم تُقِرَّ بنِكاحِ السِّرِّ، فثَبَتَ مَهْرُ العَلانِيَةِ؛ لأنَّه الذى انْعَقَدَ به النِّكاحُ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وأبى حنيفةَ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ. ونحوُه عن شُرَيْحٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ (١)، ومالكٍ، وإسْحاق؛ لأَنَّ العَلانِيَةَ ليس بعَقْدٍ، ولا يتَعَلَّقُ به وُجوبُ شئٍ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه [إذا عَقَد في الظَّاهرِ عَقْدًا بعدَ عقْدِ السرِّ، فقدْ وُجِدَ منه بذْلُ الزائدِ على مهرِ المِثْلِ، فيَجِبُ ذلك عليه، كما لو زادَها على صداقِها. ومُقْتَضَى ما ذكرناه مِن التَّعْليلِ لكلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه] (٢) إن كان مَهْرُ السرِّ أكثرَ مِن العَلانِيَةِ؛ وَجَب مَهْرُ السِّرِّ؛ لأنَّه وَجَب عليه بعَقْدِه، ولم تُسْقِطْه العَلانِيَةُ، فبَقِىَ (٣) وُجُوبُه. فأمَّا إنِ اتَّفَقا على أنَّ المهْرَ
стр. 10282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألفٌ، وأنَّهما يعْقِدان العَقْدَ بألْفَيْنِ تَجَمُّلًا، ففَعَلا ذلك، فالمَهْرُ ألْفانِ؛ لأنَّها تَسْمِيَةٌ صَحِيحةٌ في عَقْدٍ صحيح، فَوجَب، كما لو لم يتَقَدَّمْها اتِّفاقٌ على خِلافِها. وهذا أيضًا قولُ القاضى، ومذهبُ الشافعىِّ. ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بينَ أن يكونَ السِّرُّ مِن جِنْسِ العَلانِيَةِ، نحوَ أن يكونَ السِّرُّ ألْفًا والعَلانِيَةُ ألْفَيْنِ، أو يكُونَا مِن جِنْسَيْنِ، مثلَ أن يكونَ السِّرُّ مائةَ دِرْهمٍ والعَلانِيَةُ مائةَ دِينارٍ. وإذا قُلْنا: إنَّ الواجِبَ مَهْرُ العَلانِيَةِ. فيُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تَفِىَ للزَّوْجِ بما وَعَدَتْ به وشَرَطَتْه، مِن أنَّها لا تَأْخُذُ إلّا مَهْرَ السِّرِّ. قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ: إذا زَوَّجَ امرأةً في السِّرِّ بمَهْرٍ، وأعْلَنُوا بمَهْرٍ، يَنْبَغِى لهم أن يَفُوا، ويُؤْخَذُ بالعَلانِيَةِ. فاسْتَحَبَّ الوَفاءَ بالشَّرْطِ؛ لئلَّا يحْصُلَ منهم غُرُورٌ، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: «المُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). وعلى قولِ القاضى، إذا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا في السِّرِّ انْعقَدَ به النِّكاحُ، فيه مَهْرٌ قليلٌ، فصَدَّقَتْه المرأةُ، فليس لها سِواه، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ.
стр. 10283
وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ. وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.
ــ
٣٢٩٧ - مسألة: (وإن قال: هو عَقْدٌ واحِدٌ، أسْرَرْتُهُ ثم أظْهَرْتُه. وقالت: بل هو عَقْدان. فالقولُ قوْلُها مع يَمِينِها) لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الثَّانىَ
стр. 10284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالأَوَّلِ، ولها (١) المَهْرُ فِى العَقْدِ الثَّانِى إن كان دخَل بها، ونِصْفُ المَهْرِ فِى العَقْدِ الأَوَّلِ إنِ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وإن أصَرَّ على الإِنْكارِ، سُئِلَتِ المرأةُ، فإنِ ادَّعَتْ أَنَّه دَخَل بها في النِّكاحِ الأَوَّلِ، ثم طَلَّقَها طلاقًا بائِنًا، ثم نِكَحَها نِكاحًا ثانِيًا، حَلَفَتْ على ذلك، واسْتَحَقَّتْ، وإن أقَرَّت بما يُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ أو جميعَه، لَزِمَها ما أقَرَّتْ به.
فصل: إذا خَلا الرجلُ بامْرأتِه بعدَ العَقْدِ الصَّحِيحِ، اسْتَقَرَّ عليه مَهْرُها، ووَجَبَتْ عليها العِدَّةُ، وإن لم يَطَأ. رُوِى ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال علىُّ بنُ الحسينِ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو قولُ (٢) الشافعىِّ القديمُ. وقال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وطاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ في الجديدِ: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالوَطْءِ. وحُكِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورُوِى ذلك عن أحمدَ، فرَوى عنه يَعْقُوبُ ابنُ بختانَ، أنَّه قال: إذا صَدَّقَتْه المرأةُ أنَّه لم يَطَأْها، لم يُكْمِلْ لها الصَّداقَ، وعليها العِدَّةُ. وذلك لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣). وهذه قد طَلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها. وقال اللَّهُ
стр. 10285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (١). والإِفْضاءُ الجِماعُ. ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمَسَّ، أشْبَهَتْ مَن (٢) لم يُخْلَ بها. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، فرَوى الإِمامُ أحمدُ، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما، عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَىِ، قال: قَضَى الخُلفاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ، أنَّ مَن أغْلَقَ بابًا، أو أرْخَى سِتْرًا، فقد وَجَب المَهْرُ، وَوجَبَتِ العِدَّةُ (٣). ورَواه أيضًا عن الأحْنَفِ، عن عمرَ، وعلىٍّ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وعن زيدِ (٤) بنِ ثابتٍ: عليها العِدَّةُ، ولها الصَّداقُ كامِلًا (٥). وهذه قَضايا اشْتَهَرتْ، ولم يُخالِفْهُم أحَدٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. وما رَوَوْه (٦) عن ابنِ عبَّاسٍ، لا يَصِحُّ. قال أحمدُ: يَروِيه ليْثٌ، وليس بالقَوِىِّ، وقد رواه حَنْظَلَةُ خِلافَ ما رواه لَيْثٌ، وحَنْظَلَةُ أقْوَى من لَيْثٍ. وحديثُ ابنِ مسعودٍ مُنْقَطِعٌ (٧). قالَه ابنُ المُنْذِرِ. ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقَّ وُجِدَ من جِهَتِها، فيَسْتَقِرُّ به البَدَلُ، كما لو وَطِئَها، أو كما لو أَجَرَتْ دارَها،
стр. 10286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[أو سَلَّمَتْها أو باعَتْها] (١). وأمَّا قولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. فيَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى [بالمُسَبَّبِ عن السَّبَبِ] (٢) الذى هو الخَلْوَةُ، بدلِيلِ ما ذكَرْناه. وأمَّا قولُه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. فقد حُكِىَ عن الفَرَّاءِ (٣) أنَّه قال: الإِفْضاءُ الخَلْوةُ، دَخَل بها أو لم يَدْخُلْ. لأَنَّ الإِفْضاءَ مَأْخُوذٌ مِن الفَضاءِ، وهو الخالِى، فكأنَّه قال: وقد خَلَا بعْضُكم إلى بعْضٍ.
فصل: وحكمُ الخَلْوةِ حُكْمُ الوَطْءِ، في تَكْمِيلِ المَهْرِ، وَوُجوبِ العِدَّةِ، وتَحْرِيمِ أُخْتِها وأرْبَعٍ سِواها إذا طَلَّقَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، وثُبُوتِ الرَّجْعَةِ له عليها في عِدَّتِها. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا رَجْعَةَ له عليها إذا أقَرَّ أنَّه لم يُصِبْها. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٤). ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن نِكاحٍ صَحيحٍ، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها، ولا كَمَل عَدَدُ طَلاقِها، ولا طَلَّقَها بعِوَضٍ، فكان له عليها الرَّجْعَةُ، كما لو أصابَها. ولها عليه نَفَقةُ العِدَّةِ والسُّكْنَى؛ لأَنَّ ذلك لمَن لزَوْجِها عليها الرَّجْعةُ. وتُفارِقُ الخَلْوَةُ الوَطْءَ في أنَّها لا تَثْبُتُ بها الإِباحةُ للزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثلاثًا؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ لامْرأةِ رِفاعَةَ القُرَظِىِّ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (٥).
стр. 10287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَثْبُتُ بها الإِحْصانُ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لإِيجابِ الحَدِّ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولا يجبُ الغُسْلُ؛ لأنَّها ليستْ مِن مُوجِباتِ الغُسْلِ إجْماعًا، ولا يَخْرُجُ بها مِن العُنَّةِ؛ لأَنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، فلا تَزُولُ إلَّا بحَقِيقَتِه، ولا تحْصُلُ بها الفَيْئَةُ؛ لأنَّها الرُّجوعُ عمَّا حَلَف عليه وإنَّما حَلَف على تَرْكِ الوَطْءِ، ولأَنَّ حَقَّ المرأةِ لا يحْصُلُ إلَّا بيَقِينِ الوَطْءِ، ولا تَفْسُدُ بها العِباداتُ، ولا تَجِبُ بها الكفارَةُ. وأمَّا تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ، فعن أحمدَ، أنَّه (١) يَحْصُلُ بالخَلْوَةِ. وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: لا تُحَرِّمُ. وحَمَل القاضى كلامَ أحمدَ على أنَّه حَصَل مع الخَلْوَةِ نَظَرٌ أو مُباشَرَةٌ، فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، أنَّ ذلك يُحَرِّمُ. والصَّحِيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ؛ لقول اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢). والدُّخَولُ كِنايَة عن الوَطْءِ، والنَّصُّ صريحٌ في إباحَتِها بدُونِه، فلا يَجوزُ خِلافُه.
فصل: وسَواءٌ في ذلك الخَلْوَةُ بها وهما مُحْرِمانِ، أو صَائِمانِ، أو حائِضٌ، أو سَالِمانِ مِن [هذه الأشْياءِ. هكذا ذَكَره الخِرَقِىُّ. واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيما إذا كان بهما أو بأحدِهما مانعٌ مِن] (٣) الوَطْءِ شَرْعِىٌّ، كالإِحْرامِ والصِّيامِ والحَيْضِ والنِّفاسِ، أو حَقِيقىٌّ، كالجَبِّ
стр. 10288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والعُنَّةِ، والرَّتَقِ في المرأةِ، فعنه أنَّ الصَّداقَ يَسْتَقِرُّ بكلِّ حالٍ. وبه قال عَطاءٌ، وابنُ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ؛ لعُمُومِ ما ذكَرْناه مِن الإِجْماعِ. وقال
عمرُ، في العِنِّينِ: يُؤَجَّلُ سَنَةً، فإن وَطِئَها، وإلَّا أَخذَتِ الصَّداقَ كامِلًا، وفُرِّقَ بينَهما، وعليها العِدَّةُ (١). ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقّ عليها قد وُجِدَ، وإنَّما الحَيْضُ والإِحْرامُ والرَّتَقُ مِن غيرِ جِهَتِها، فلا يُؤَثِّرُ في المَهْرِ، كما لا يُؤثِّرُ في إسْقاطِ النَّفَقَةِ. ورُوِى أنَّه لا يَكْمُلُ الصَّداقُ. وهو قولُ شرَيْحٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه لم يتَمَكَّنْ مِن تَسَلُّمِها، فلم يَجبْ عليه مَهْرُها، كما لو مَنعَتْ [تَسْلِيمَ نَفْسِها إليه] (٢)، يُحَقِّقُه أنَّ المنعَ مِنَ التًّسْلِيمِ لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه مِن أجْنَبِىٍّ أو مِنَ العاقِدِ، كالإِجارَةِ. وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ: إن كانا صائِمَين صَوْمَ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ، وإن كان غيرَه، كَمَل (٣). قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، وسُئِلَ عن رَجُلٍ دَخَل على أهْلِه، وهما صائمانِ في غيرِ شهرِ رمضانَ، فأغْلَقَ البابَ، وأرْخَى السِّتْرَ؟ قال: وَجَب الصَّداقُ. قيل لأحمدَ: فشَهْرُ رَمضانَ؟ قال: شَهْرُ رمضانَ خِلافٌ لهذا. قيل له: فكان مُسافِرًا في رَمضانَ؟ قال: هذا مُفْطِرٌ. يعنى وَجَب الصَّداقُ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه متى كان المانِعُ مُتأكِّدًا، كالإِحْرامِ وصَوْمِ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ. وقال القاضى: إن كان المانِعُ لا يَمْنَعُ دَواعِىَ الوَطْءِ؛ كالجَبِّ، والعُنَّةِ، والرَّتَقِ، والمرَضِ، والحَيْضِ، والنِّفاسِ، وَجَب الصَّداقُ،
стр. 10289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان يَمْنَعُ دَوَاعِيَه؛ كالإِحْرامِ، وصِيامِ الفرْضِ، فعلى رِوايَتَيْن. وقال أبو حنيفةَ: إن كان المانِعُ مِن جِهَتِها، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ، وإن كان مِن جهَتِه، كصِيامِ فرْضٍ من أو إحرامٍ، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ (١) أيضًا، وإن كان [جَبًّا أو عُنَّةً] (٢)، كَمَل الصَّداقُ؛ لأَنَّ المَنْعَ (٣) مِن جِهَتِه، وذلك لا يَمْنَعُ وُجُودَ التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ منها (٤)، فكَمَلَ حَقّها، كما تَلْزَمُ الصَّغِيرَ نَفَقَةُ امْرأتِه إذا سُلِّمَتْ إليه.
فصل: فإن خَلا بها وهى صغيرةٌ لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، أو كانت كبيرةً فمَنَعَتْه نَفْسَها، أو كان أعْمَى فلم يَعْلمْ بدُخُولِها عليه، لم يَكْمُلْ صَداقُها. نَصَّ عليه أحمدُ في المَكْفُوفِ يتَزَوَّجُ المرأةَ، فأُدْخِلَتْ عليه، فأُرْخِىَ السِّتْرُ، وأُغْلِقَ البابُ: فإن كان لا يَعْلَمُ بدُخولِها عليه، فلها نِصْفُ الصَّداقِ. وأوْمأَ إلى أنَّها إذا نَشَزَتْ عليه، ومَنَعَتْه نَفْسَها، لا يَكْمُلُ صَداقُها. وذكَرَه ابنُ حامِدٍ. وذلك لأنَّه لم يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِن جِهَتِها، فأَشْبَهَ ما لو لم يَخْلُ بها. وكذلك لو خَلا بها وهو طِفْلٌ لا يتمَكَّنُ مِن الوَطْءِ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ؛ لأنَّه في مَعْنَى الصَّغيرةِ في عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن الوَطْءِ.
فصل: فإنِ اسْتَمْتَعَ، بامْرأتِه بمُباشَرَةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ، من غيرِ خَلْوَةٍ، كالقُبْلَةِ ونحوِها، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛
стр. 10290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّه قال (١): إذا أخَذَها فَمَسَّها (٢)، وقَبَض عليها مِن غيرِ أن يَخْلُوَ بها، لها الصَّداقُ كامِلًا إذا نال منها شيئًا لا يَحِلُّ لغيرِه. وقال في روايةِ مُهَنَّا: إذا تزَوَّجَ امرأةً، ونَظَر إليها وهى عُرْيانَةٌ تَغْتَسِلُ، أُوجِبُ عليه المَهْرَ. ورَواه عن إبراهيمَ: إذا اطَّلَعَ منها على ما يَحْرُمُ على غيرِه، فعليه المَهْرُ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فهو كالقُبْلَةِ. قال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ هذا يَنْبَنِى على ثُبوتِ تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ بذلك، وفيه رِوايتانِ، فيكونُ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ به وَجْهان؛ أحدُهما، يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛ لما رَوى الدَّارَقُطْنِىُّ (٣)، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ (٤) ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَن كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ، وَنَظَرَ إلَيْهَا، وَجَبَ الصَّدَاقُ، دَخَلَ بِها أَوْ لَمْ يَدْخُلْ». ولأنَّه مَسِيسٌ، فيدْخُلُ في قولِه: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾. ولأنَّه اسْتِمْتَاعٌ بامْرأتِه، فَكَمَلَ به الصَّداقُ، كالوَطْءِ. والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَكْمُلُ به الصَّداقُ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾. إنَّما أُرِيدَ به في الظَّاهِرِ الجِماعُ، ومُقتَضَى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. أن لا يَكْمُلَ الصَّداقُ لغيرِ مَن وَطِئَها، ولا تَجِبَ عليها العِدَّةُ، تُرِكَ عُمُومُه في مَنْ خَلَا (٥) بها
стр. 10291
فَصْلٌ فِى الْمُفَوّضَةِ: وَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَو تأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِى تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ. وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِىٌّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالعَقْدِ.
ــ
للإِجْماعِ الواردِ عن الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضى العُمُومِ.
فصلٌ في المُفَوّضَةِ: قال الشَّيخُ، ﵀: (والتَّفْوِيضُ على ضَرْبَيْنِ؛ تَفْويضُ البُضْعِ، وهو أن يُزَوِّجَ الأبُ ابْنَتَه البِكْرَ، أو تَأْذَنَ المرأةُ لِوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ. و) الثانى (تفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يتَزَوَّجَها على ما شاءَتْ) أو شاءَ (أو شاءَ أجْنَبِىٌّ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) يَصِحُّ النِّكاحُ مِن غيرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ، في قولِ عامَّةِ أهلٍ العلمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١). ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ تزَوَّجَها رَجُلٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ. فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضى رسولُ اللَّه
стр. 10292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ، امرأةٍ مِنَّا، مثلَ ما قَضَيْتَ. روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. ولأَنَّ القَصْدَ مِن النِّكاحِ الوُصْلَةُ والاسْتِمْتاعُ دُونَ الصَّداقِ، فصَحَّ مِن غيرِ ذِكْرِه، كالنَّفقَةِ. وسواءٌ تَرَكا ذِكْرَ المَهْرِ، أو شَرَطا نَفْيَه، مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ. فيقْبَله كذلك. ولو قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ في الحالِ، ولا في الثانى. صَحَّ أيضًا. وقال بعضُ الشافعيَّةِ: لا يَصِحُّ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّها تكونُ كالمَوْهُوبَةِ (٢). وليس بصَحِيحٍ، [فإنَّه يَصِحُّ] (٣) فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ. فيَصِحُّ ههُنا؛ لأَنَّ مَعْناهما واحدٌ، فما صَحَّ في إحْدَى الصُّورَتَيْن المُتَساوِيتَيْن، صَحَّ في الأُخْرَى. وليست كالمَوْهُوبَةِ (٤)، لأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، ويَجِبُ المَهْرُ. وقد ذكَرْنا أنَّ المُزَوَّجَةَ بغيرِ مَهْرٍ تسَمَّى مُفَوّضَةً، بكَسْرِ الواوِ وفَتْحِها، فمَنْ كَسَر أضافَ الفِعْلَ إليها (٥) على أنَّها فاعِلةٌ، ومَن فَتَح أضافَه إلى وَلِيِّها. ومعنى التَّفْوِيضِ الإهْمالُ، كأنَّها أهْمَلَتْ أمْرَ المَهْرِ، حيث لم تُسَمِّه. قال الشَّاعِرُ (٦):
لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراةَ إذَا جُهَّالُهم سَادُوا
стр. 10293
وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ،
ــ
يعنى مُهْمَلِين. والذى، ذكَرَه الخِرَقِىُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ، وهو الذى يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ (١) التَّفْويضِ. والضَّرْبُ الثانى، تَفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يَجْعَلا الصَّداقَ إلى رأْىِ أحَدِهما، أو رَأْىِ أجْنَبِىٍّ، فيقول: زَوَّجْتُكَ على ما شِئْتَ -أو- على حُكْمِكَ -[أو- حُكْمِى] (٢) -أو- حُكمِها -أو- حُكْمِ أجْنَبِىٍّ. ونحوه. فهذه لها مَهْرُ المِثْلِ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ (٣)؛ لأنَّها لم تُزَوِّجْ نَفْسَها إلَّا بصَداقٍ، لكنَّه مَجْهولٌ، فسَقَطَ لجَهَالَتِه، ووَجَب مَهْرُ المِثْلِ. والتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ أن تَأْذَنَ المرأةُ الجائِزَةُ الأمْرِ لوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ، أو بتَفْوِيضِ قَدْرِه، أو يُزَوِّجَها أبُوها كذلك. فأمَّا إن زوَّجَها غيرُ أبِيها ولم يَذْكُرْ مَهْرًا، بغيرِ إذْنِها في ذلك، فإنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. قال الشَّافعىُّ: لا يكونُ التَّفْويضُ إلَّا الصُّورَةَ الأُولَى. وقد مَضَى الكلامُ معه في أنَّ (٤) للأبِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، فكذلك (٥) يَجوزُ تَفْوِيضُه.
٣٢٩٨ - مسألة: (ولها المُطالَبَةُ بِفَرْضِهِ) [ قبلَ الدُّخولِ، فإنِ] (٢)
стр. 10294
فَإِنْ فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ، جازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ،
ــ
[امْتَنَعَ أُجْبِرَ عليه] (١)؛ لأَنَّ النِّكاحَ لَا يَخْلُو مِن المَهْرِ، فَوَجَب لَها الْمُطالَبَةُ بِبَيانِ قَدْرِهِ. وبهذا قال الشافعىُّ. ولا نعلمُ فيه (٢) مُخالِفًا. فإنِ اتَّفَق الزَّوْجان على فَرْضِه، جازَ ما فَرَضاه، قَلِيلًا كان أو كثيرًا، [سَواءٌ كانا] (٣) عالِمَيْنِ بمَهْرِ المِثْلِ أو لا. وقال الشافعىُّ في [قَولِ له] (٤): لا يَصِحُّ الفَرْضُ لغيرِ (٥) مَهْرِ المِثْلِ إلَّا مع عِلْمِها بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ ما يَفْرِضُه بَدَلٌ عن مَهْرِ المِثْلِ، فيَحْتاجُ أن يكونَ المُبْدَلُ مَعْلُومًا. ولَنا، أنَّه إذا فَرَض لها كثيرًا، فقد بَذَل لها مِن مالِه فوقَ ما يَلْزَمُه، وإن رَضِيَتْ باليَسِيرِ، فقد رَضِيَتْ بدُونِ ما يَجِبُ لها، فلا يُمْنَعُ مِن ذلك. قولُهم: إنَّه بَدَلٌ. لا يَصِحُّ، فإنَّ البَدَلَ غيرُ المُبْدَلِ، والمَفْروضُ إن كان ناقِصًا فهو بعْضُه، وإن كان أكثرَ (٦) فهو الواجِبُ وزِيادَةٌ، ولا يَصِحُّ جَعْلُه بَدَلًا،
стр. 10295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو كان بَدَلًا لَما جازَ مع العِلْمِ؛ لأنَّه يُبْدِلُ ما فيه الرِّبا (١) بجِنْسِه مُتَفاضِلًا، وقد رَوى عُقْبَةُ بنُ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ [لرَجُلٍ: «أتَرْضَى أَنَّى أزَوِّجُكَ فُلَانةَ؟» قال: نعم. وقال للمرأةِ: «أَتَرْضَيْنَ أن أَزَوِّجَكِ فُلَانًا؟»] (٢) قالت: نعم. فزَوَّجَ أحَدَهما بصاحبِه، فدَخَلَ عليها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ قال: إنَّ رسول اللَّه ﷺ زَوَّجَنِى فُلانَةَ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم أُعْطِها شيئًا، وإنى قد أعْطَيْتُها عن صَداقِها سَهْمِى الذى بخَيْبَرَ. فأخَذَت سَهْمَه، فباعَتْه بمائةِ ألْفٍ (٣). فأمَّا إن تَشاحَّا فيه، ففَرَضَ لها مَهْرَ مِثْلِها أو أكثرَ منه، فليس لها المُطالَبَةُ بسِواه. فإن لم تَرْضَ به، لم يَسْتَقِرَّ لها حتى تَرْضاه. فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعَةُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها بفَرْضِه ما لم تَرْضَ به، كحالةِ الابْتِداءِ. وِإن فَرَض لها أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فلها المُطالَبَةُ بتَمامِه، ولم يَثْبُتْ لها بفَرْضِه (٤) ما لم تَرْضَ به. فإنِ ارْتَفَعا إلى الحاكمِ، فليس له أن يَفْرِضَ لها إلَّا مَهْرَ المِثْلِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مَيْلٌ عليه،