. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه لم يَفْصِلْ بينَه وبينَ الطَّلاقِ طُهْرٌ كاملٌ، فإذا مَضَى ومَضَتِ الحَيْضَةُ التى بعدَه، أمرَه بطَلاقِها. وقولِه في حدِيثِه الآخَرِ: «والسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ» (١). ورَوَى النَّسَائِىُّ (٢) بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ، قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها تطليقةً وهى طاهرٌ في غيرِ جِماعٍ، فإذا حاضَتْ وَطَهُرَتْ، طَلَّقَها أُخْرَى، فإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ، طَلَّقَها أُخْرَى، ثُمَّ تَعْتَدُّ بعدَ ذلك بِحَيْضَةٍ (٣). ولَنا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا يُطَلِّقُ أحَدٌ للسُّنَّةِ فيَنْدَمُ. رَوَاه الأَثْرَمُ (٤). وهذا لا يَحْصُلُ إلَّا في حَقِّ مَن لم يُطَلِّقْ ثَلاثًا. وقال ابنُ سِيرِينَ: إنَّ عليًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَه، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمَرَ اللَّهُ مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبِعُ رجلٌ نَفْسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أن تحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ رَاجَعَها. رَواه النَّجَّادُ (٥) بإسْنادِه. ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ (٦) عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها وهى طاهِرٌ، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، أو يُراجِعَها إنْ شاء. فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ الأَوَّلُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه، لأنَّه ليس فيه جمعُ الثَّلاثِ، وأمَّا حديثُه الآخرُ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك بعدَ ارْتِجَاعِهاِ، ومتى ارْتَجَعَ
стр. 10677
وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِى حَيْضِهَا، أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ.
ــ
بعدَ الطَّلْقَةِ ثم طَلَّقَها، كان للسُّنَّةِ على كلِّ حالٍ، حتى قد قال أبو حنيفةَ: لو أمْسَكَها بيَدِه (١) لشَهْوةٍ، ثم والَى [بينَ الثَّلاثِ] (٢)، كان مُصِيبًا للسُّنَّةِ؛ لأنَّه يكونُ مُرْتَجِعًا لها (٣). والمعنى فيه أنَّه إذا ارْتَجَعَها، سَقَطَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الأُولَى، فصارتْ كأنَّها لم تُوجَدْ، ولا غِنَى به عن الطَّلْقَةِ الأُخْرَى إذا احْتاجَ إلى فِراقِ امْرأتِه، بخِلافِ ما إذا لم يَرْتَجعْها؛ فإنَّه مُسْتَغْنٍ عنها، لإِفْضائِها إلى مَقْصودِه مِن إبانَتِها، فافْتَرقا، ولأَنَّ ما ذَكَرُوه إرْدافُ طَلاقٍ مِن غيرِ ارْتجاعٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ [في طُهْرٍ واحدٍ، أو تَحْرِيمٌ للمَرأةِ لا يَزولُ إلَّا بِزَوْجٍ وإصابةٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ] (٤).
٣٤٣٣ - مسألة: (وإنْ طَلَّقَ المَدْخُولَ بِهَا في حَيْضِهَا، أَوْ طُهْرٍ أصَابَهَا فيهِ، فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٌ، وَيَقَعُ) طلاقُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ
стр. 10678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ (١): لم يُخالِفْ في ذلك إلَّا أهلُ البِدَعِ والضَّلالِ. وحكاه أبو نَصْرٍ (٢) عن ابنِ عُلَيَّةَ، وهِشامِ بنِ الحَكَمِ (٣)، والشِّيعةِ، قالوا: لا يَقَعُ طَلاقُه؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ به في قُبُل العِدَّةِ، فإذا طَلَّقَ في غيرِه لم يَقَعْ، كالوكيلِ إذا أوْقَعَه في زَمَنٍ أمَرَه مُوَكِّلُه بإيقاعِه في غيرِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ أنَّه طَلَّقَ امْرأتَه وهى حائِضٌ فأمَرَه النبىُّ ﷺ بمُراجَعَتِها. وفى روايةِ الدَّارَقُطْنِىِّ (٤)، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: أفَرَأَيْتَ لو أنِّى طَلَّقْتُها ثلاثًا، أكان يَحِلُّ لى أَنْ أُراجِعَها؟ قال: «لَا، كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ، وتَكُونُ مَعْصِيةً». وقال نافعٌ: وكان عبدُ اللَّهِ طَلَّقَها تطليقةً، فحُسِبَتْ مِن طَلاقِه، وراجَعَها كما أمَرَه رسولُ اللَّهِ
стр. 10679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ (١). ومِن روايةِ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: أفتُعْتَدُّ عليه -أو- تُحْتَسَبُ عليه؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتحْمَقَ (٢)! وكلُّها أحاديثُ صِحَاحٌ. ولأنَّه طَلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ في مَحَلِّ الطَّلاقِ، فوَقَعَ، كطلاقِ الحامِلِ، ولأنَّه ليس بقُرْبَةٍ فيُعْتَبَرَ لوُقُوعِه مُوافَقَةُ السُّنَّةِ، بل هو إزالةُ عِصْمَةٍ وقَطْعُ مِلْكٍ، فإيقاعُه في زمنِ البدْعةِ أوْلَى، تغْليظًا عليه، وعُقوبةً له، أمَّا غيرُ الزَّوْجِ، فلا يَمْلِكُ الطَّلاقَ، والزَّوْجُ يَمْلِكُه بمِلْكِ مَحَلِّه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتُحِبَّتْ مُراجَعَتُها لأمرِ النبىِّ ﷺ بمُراجَعَتِها، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ، ولأنَّه بالرجْعَةِ يُزيلُ المعنى الذى حَرَّمَ الطَّلاقَ. ولا يَجِبُ في ظاهِرِ المذهبِ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. وحَكَى ابنُ أبى موسى عن أحمدَ أنَّ الرَّجْعَةَ تَجِبُ. واخْتارَها. وهو قولُ مالكٍ، وداودَ؛ [لظاهِرِ الأمرِ] (١)، ولأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرى مَجْرَى [اسْتبْقاءِ النِّكاحِ، واسْتِبْقاؤُه] (٢) ههُنا واجبٌ؛ بدليلِ تحْريمِ الطَّلاقِ، ولأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْساكٌ للزَّوْجَةِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣). فوَجَبَ ذلك، كإمْساكِها قبلَ الطَّلاقِ. وقال مالكٌ، وداودُ: يُجْبَرُ على رَجْعَتِها. قال أصحابُ مالكٍ: يُجْبَرُ على رَجْعَتِها ما داتْ في العِدَّةِ. إلَّا أشْهَبَ، قال: ما لم تَطْهُرْ، ثم تَحِيضُ، ثم تَطْهُرُ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه إمْساكُها في تلك الحالِ، فلا
стр. 10682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَجِبُ عليه رَجْعَتُها فيه. ولَنا، أنَّه طَلاقٌ لا يَرْتَفِعُ بالرَّجْعَةِ، فلم تَجِبْ عليه الرَّجْعَةُ فيه، كالطَّلاقِ في طُهْرٍ أصابَها (١) فيه، فإنَّهم أجْمَعُوا على أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَجِبُ. حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢) عن جميعِ العُلَماءِ. وما ذكَرُوه مِنَ المعنى يَنْتَقِضُ بهذه الصُّورةِ. والأمْرُ بالرَّجْعَةِ مَحْمولٌ على الاسْتحبابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإن راجَعَها وجبَ إمْساكُها حتى تَطْهُرَ، ويُسْتَحَبُّ أن يُمْسِكَها حتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثم تَطْهُرَ، على ما أمرَ به (٣) النبىُّ ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيْناه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٤): ذلك مِن وُجُوهٍ عندَ أهلِ العلمِ؛ منها، أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَكادُ تُعْلَمُ صِحَّتُها إلَّا بالوَطْءِ؛ لأنَّه المُبْتَغَى (٥) مِن النِّكاحِ، ولا يحْصُلُ الوَطْءُ إلَّا في الطُّهْرِ، فإذا وَطِئَها
стр. 10683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَرُمَ طَلاقُها فيه حتى تَحِيضَ تَطْهُرَ، فاعْتَبرْنا مَظِنَّةَ الوَطْءِ ومَحَلَّه لا حَقِيقَتَه، ومنها، أنَّ الطَّلاقَ كُرِهَ في الحَيْضِ لتَطْويلِ العِدَّةِ، فلو طَلَّقَها عَقِيبَ الرَّجْعَةِ مِن غيرِ وَطْءٍ، كانت في مَعْنى المُطَلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ، وكانت تَبْنِى على عِدَّتِها، فأرادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَ حُكْمِ الطَّلاقِ بالوَطْءِ، واعْتَبَرَ الطُّهْرَ الذى هو مَوْضِعُ الوَطْءِ، فإذا وَطِئَ حَرُمَ طَلاقُها حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ، وقد جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإنْ شَاءَ طَلَّقَها، وإنْ شَاءَ أمْسَكَهَا». رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (١). ومنها، أنَّه عُوقِبَ على إيقاعِه في الوقتِ المُحَرَّمِ بمنْعِه منه في الوقتِ الذى يُباحُ له. وذكَرَ غيرَ هذا. فإن طَلَّقَها في الطُّهْرِ الذى يَلى الحَيْضَةَ قبلَ أن يَمَسَّهَا، فهو طلاقُ سُنَّةٍ. وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُطَلِّقُها حتى تَطهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، على ما جاء (٢) في الحديثِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وهذا مُطَلِّقٌ للعِدَّةِ، فيَدْخُلُ [في الأمرِ] (٣). وقد روَى يُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وابنُ سِيرِينَ،
стр. 10684
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، كُرِهَ. وَفِى تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ.
ــ
وزيدُ بنُ أسْلَمَ، وأبو الزُّبَيْرِ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ أمرَه أَنْ يُراجِعَها حتى تَطْهُرَ، ثم إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وإنْ شَاء أمْسَكَ. ولم يذْكُروا تلك الزِّيادَةَ. وهو حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه طُهْرٌ لم يَمَسَّها فيه، فأشْبَهَ الطُّهْرَ الثَّانِىَ، وحَدِيثُهم محْمولٌ على الاسْتِحْبابِ.
٣٤٣٥ - مسألة: (وإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا في طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فيه، كُرِهَ. وَفِى تَحْرِيمِه رِوَايَتَان) اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في جَمْعِ الثَّلاثِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ. اخْتَارَها الخِرَقِىُّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ. ورُوِىَ ذلك عن الحَسنِ بنِ علىٍّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، والشَّعْبِىِّ؛ لأَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِىَّ لمَّا لاعَنَ امْرأتَه، قال: كذبتُ عليها يا رسولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أَنْ يَأْمُرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 10685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَّفَقٌ عليه (١). ولم يُنْقَلْ إنْكارُ النبىِّ ﷺ عليه. وعن عائشة أنَّ امرأةَ رِفَاعةَ (٢) جاءتْ إلى رسوِلِ اللَّهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهَ، إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فبَتَّ طَلاقِى. مُتَّفقٌ عليه (٣). وفى حديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، أنَّ زَوْجَها أرْسَلَ إليها [بثلاثِ تَطْليقاتٍ] (٤). ولأنَّه طلاقٌ جازَ تَفْرِيقُه، فجازَ جَمْعُه، كطَلاقِ النَّساءِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مُحَرَّمٌ، وهو طَلاقُ بِدْعَةٍ. اخْتارَها أبو بكرٍ، وأبو حَفْصٍ. رُوِى ذلك عن عمرَ،
стр. 10686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. قال علىٌّ: لا يُطَلِّقُ أحَدٌ للسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ. وفى رِوايةٍ قال: يُطَلِّقُها واحدةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أَنْ تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فمتى شاءَ راجَعَها (١). وعن عمرَ، أنَّه كان إذا أُتِى برَجُلٍ طَلَّقَ ثلاثًا، أوْجَعَه ضَرْبًا (٢). وعن مالكِ بنِ الحارِثِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنَّ عَمِّى (٣) طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثًا. فقال: إنَّ عَمَّكَ (٤) عَصَى اللَّهَ، وأطَاعَ الشَّيْطانَ، فلم يَجْعَلِ اللَّهُ له مَخْرَجًا (٥). ووَجْهُ ذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٦). ثم قال بعدَ ذلك:
стр. 10687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١). ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٢). [ومَن جمعَ الثَّلاثَ، لم يَبْقَ له أمرٌ يَحْدُثُ، ولا يجْعَلُ اللَّهُ له مخرجًا، ولا مِن أمْرِه يُسْرًا] (٣). وروَى النَّسَائِىُّ (٤) بإسْنادِه عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ قال: أُخْبِرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن رجلٍ طَلَّقَ امْرأتَه ثلاثَ تطْليقاتٍ جميعًا، فغَضِبَ، ثم قال: «أيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟». حتى قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا أقْتُلُه. وفى حديثِ ابنِ عمرَ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ (٥) لو طَلَّقْتها ثلاثًا. قال: «إِذًا عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ» (٦). ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٧) بإسْنادِه عن علىٍّ، قال: سَمِعَ النبىُّ ﷺ رجلًا طَلَّقَ
стр. 10688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَتَّةَ، فغَضِبَ، وقال: «تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا -[أَوْ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا] (١) -[وَلَعِبًا] (٢)؟ مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّةَ ألْزَمْنَاهُ ثَلاثًا (٣)، لا تَحِلُّ له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ». ولأنَّه تَحْرِيمٌ للبُضْعِ بقولِ الزَّوْجِ مِن غيرِ حاجةٍ، فَحَرُمَ كالظِّهارِ، بل هذا أوْلَى؛ لأَنَّ الظِّهارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُه بالتَّكْفِيرِ، وهذا لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَفْعِه (٤) بحالٍ، ولأنَّه ضَرَرٌ وإضْرارٌ بنَفْسِه وبامْرأتِه مِن غيرِ حاجةٍ، فيَدْخُلُ في عمُومِ النَّهْى، ورُبَّما كان وَسِيلةً إلى عَوْدِه إليها حَرامًا، أو بحِيلةٍ لا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ، ووُقُوعِ النَّدَمِ، وخَسارةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فكان أوْلَى بالتَّحْرِيمِ مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ، الذى ضَرَرُه بَقاؤُها في العِدَّةِ أيَّامًا يَسِيرةً، أو الطَّلاقِ في طُهْرٍ مَسَّها فيه، الذى ضرَرُه احْتِمالُ النَّدَمِ بظُهورِ الحَمْلِ؛ فإنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعَفُ على ذلك أضْعافًا كثيرةً، فالتَّحْريمُ ثَمَّ [تَنْبيهٌ على] (٥) التَّحْريمِ ههُنا، ولأنَّه
стр. 10689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ههُنا. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، رَواه الأَثْرَمُ وغيرُه، ولم يَصِحَّ عندَنا في عَصْرِهم خِلافُ قولِهم، فيكونُ ذلك إجْماعًا. فأمَّا حديثُ المُتلَاعِنَيْن فغيرُ لازِمٍ، فإنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعَتْ بمُجَرَّدِ لِعَانِهما، وعندَ الشافعىِّ بمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، فلا حُجَّةَ فيه. ثم إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَه كالطَّلاقِ بعدَ انْفساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غيرِه، ولأَنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لِما يَعْقُبُه مِنَ النَّدَمِ، ويحْصُلُ به مِنَ الضَّرَرِ، ويَفُوتُ عليه مِن حِلِّ نِكاحِها، ولا يَحْصُلُ ذلك بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعَانِ، لحُصُولِه باللِّعَانِ، وسائِرُ الأحاديثِ ليس [فيها جَمْعُ الثَّلاثِ] (١) بينَ يَدَىِ النبىِّ ﷺ ، فيكون مُقِرًّا عليه، ولا حضرَ المُطَلِّقُ عندَ النبىِّ ﷺ حين أُخْبِرَ بذلك لِيُنْكِرَ عليه. على أنَّ حديثَ فاطمةَ قد جاءَ فيه أنَّه أرْسَلَ إليها بتَطْليقةٍ كانتْ بَقِيَتْ لها مِن طَلاقِها (٢)، وحديثُ
стр. 10690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
امْرأةِ رِفاعةَ جاءَ فيه [أنَّه طَلَّقَها] (١) آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ. مُتَّفَقٌ عليه، فلم يكُنْ في شئٍ مِن ذلك جَمْعُ الثَّلاثِ. ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في (٢) أنَّ الاختِيارَ والأَوْلَى أن يُطَلِّقَ واحدةً، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، إلَّا ما حَكَيْنا مِن قولِ مَنْ قالَ: إنَّه يُطَلِّقُها في كلِّ قَرْءٍ طَلْقةً. والأَوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ في ذلك امْتِثالًا لأَمرِ اللَّه سِبحانه، ومُوافَقَةً لقولِ السَّلَفِ، وأمْنًا مِنَ النَّدَمِ، فإنَّه متى نَدِمَ رَاجَعها، فإنْ فاته ذلك بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فله نِكاحُها. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: إنَّ عَليًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّهُ مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبعُ رجلٌ نَفْسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تَطْليقةً ثم يَدعُها (٣) ما بينَها وبينَ أن تَحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ راجَعَها.
стр. 10691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
روَاه النَّجَّادُ بإسْنادِه (١). وقال عبدُ اللَّهِ: مَن أرادَ أن يُطَلِّقَ الطَّلاقَ الذى هو الطَّلاقُ، فَلْيُمْهِلْ، حتى إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ، طَلَّقَها تَطْليقةً في غيرِ جماعٍ، ثم يَدَعُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، ولا يُطَلِّقُها ثلاثًا (٢) وهى حامِلٌ، فيجْمَعُ اللَّهُ عليه نَفَقَتَها وأجرَ رَضاعِها، ويُنْدِمُه، فلا يَسْتطيعُ إليها سبيلًا (٣).
стр. 10692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن طَلَّقَ ثلاثًا بكلمةٍ واحدةٍ، وقعَ الثَّلاثُ، وحَرُمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، ولا فَرْقَ بينَ قبلِ الدُّخولِ وبعدِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن التَّابِعينَ والأئِمَّةِ بعدَهم. وكان عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو الشَّعْثاءِ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، يقولونَ: مَن طلَّقَ البِكْرَ ثَلاثًا فهى واحدةٌ. ورَوَى طاوسٌ عن ابنَ عباسٍ، قال: كان الطَّلاقُ على عَهْدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بكرٍ وسَنَتَيْن
стр. 10693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن خِلافَةِ عمرَ، طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً. رَواه أبو داودَ (١). ورَوَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومُجاهِدٌ، ومالكُ بنُ الحارِثِ، عن ابنِ عباسٍ، خِلافَ روايةِ طَاوُسٍ. أخْرَجَه أيضًا أبو داودَ (٢). وأفْتَى ابنُ عباسٍ بخِلافِ ما روَى عنه طَاوسٌ (٣). وقد ذَكَرْنا حديثَ ابنِ عمرَ: أرأيتَ لو طَلَّقْتُها (٤) ثلاثًا. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٥) بإسْنادِه عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: طَلَّقَ بعضُ آبائِى امْرأتَه ألفًا، فانْطلَقَ بَنوه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبانا طَلَّقَ أُمَّنا ألفًا، فهلِ له مَخْرَجٌ؟ فقال: «إِنَّ أبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَل لَهُ مِنْ أمْرِهِ مَخْرَجًا، بَانتْ مِنْهُ بثَلاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَتِسْعُمائَةٍ وسبعةٌ وتِسْعُونَ إثمٌ في عُنُقِهِ». ولأَنَّ النِّكاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزالَتُه مُتَفرِّقًا، فصَحَّ مُجْتَمِعًا، كسائرِ الأمْلاكِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فقد صَحَّتِ الرِّوايةُ عنه بخِلافِه، وأفْتَى بخلافِه. قال الأَثْرَمُ:
стр. 10694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن حديثِ ابنِ عباسٍ، بأىِّ شئٍ تَدْفَعُه؟ فقال: أدْفَعُه بروايةِ النَّاسِ عن ابنِ عباسٍ مِن وُجُوهٍ خلافَه. ثم ذَكَرَ عن [عِدَّةٍ، عن] (١) ابنِ عباسٍ مِن وُجوهٍ خلافَه، أنَّها ثلاثٌ. وقيلَ: معنى حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النَّاسَ كانوا يُطَلِّقُونَ واحدةً على عَهْدِ رسولِ
стр. 10695
وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ حَامِلًا قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا، فَلَا سُنَّةَ لطَلاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ إِلَّا في الْعَدَدِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ، طَلُقَتْ فِى الْحَال وَاحِدَةً.
ــ
اللَّهِ ﷺ وأبى بكرٍ. وإلَّا فلا يَجوزُ أن يُخالِفَ عمرُ ما كان في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بكرٍ، ولا يَسُوغُ لابنِ عباسٍ أَنْ يَرْوِىَ هذا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ويُفْتِىَ بخِلافِه.
فصل: فإنْ طَلَّقَ اثْنَتين في طُهْرٍ، ثم تَركَها حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فهو للسُّنَّةِ؛ لأنَّه لم يُحَرِّمْها على نَفْسِه، ولِم يَسُدَّ على نَفْسِه المَخْرَجَ مِنَ النَّدَمِ، ولكنَّه تركَ الاخْتِيارَ؛ لأنَّه فَوَّتَ على نفْسِه طَلْقَةً جعلَها اللَّهُ له مِن غيرِ فائدةٍ تحْصُلُ بها، فكان مكْروهًا، كتَضْيِيعِ المالِ.
(فإن كانتِ المرأةُ صغيرةً، أو آيِسَةً، أو غيرَ مَدْخولٍ بها، أو حامِلًا قد اسْتَبانَ حَمْلُها، فلا سُنَّةَ لِطَلاقِها ولا بِدْعَةَ إلَّا في العَدَدِ، فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. أو قال: للبِدْعَةِ. طَلُقَتْ في الحالِ واحدةً) قال ابنُ
стр. 10696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبدِ البَرِّ (١): أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ طَلاقَ السُّنَّةِ إنَّما هو للمَدْخولِ بها، فأمَّا غيرُ المَدْخولِ بها، فليس لِطَلاقِها سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ، إلَّا في عَدَدِ الطَّلاقِ. على اخْتِلافٍ بينَهم فيه؛ وذلك لأَنَّ الطَّلاقَ في حَقِّ المدْخُول بها إذا كانتْ مِن ذَواتِ الأقْراءِ إنَّما كان له سُنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأَنَّ [العِدَّةَ تطولُ] (٢) عليها بالطَّلاقِ في الحَيْضِ، وتَرْتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى جامَعَها فيه، ويَنْتَفى عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ الذى لم يُجامِعْها فيه، أمَّا غيرُ المدْخُولِ بها، فلا عِدَّةَ عليها [يُنْفَى تَطْويلُها ولا] (٣) الارْتِيابُ فيها، وكذلك ذَواتُ الأشْهُرِ؛ كالصَّغِيرةِ التى لم تَحِضْ، والآيِسَاتِ مِنَ المَحِيضِ، لا سُنَّةَ لِطلاقِهِنَّ ولا بِدْعةَ؛ لأَنَّ العِدَّةَ لا تَطولُ بطلاقِها في حالٍ، ولا تَحْمِلُ فتَرْتابَ. وكذلك الحامِلُ التى اسْتَبانَ حَمْلُها، فهؤلاءِ كلُّهنَّ ليس لطلاقِهِنَّ سُنَّةٌ ولا بِدْعَةٌ مِن جِهَةِ الوقتِ، في قولِ أصحابِنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ. فإذا قال لإِحْدَى هؤلاءِ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- لِلبدْعةِ. وقَعتْ طَلْقةٌ في الحالِ، ولَغَتِ الصِّفَةُ؛ لأَنَّ طَلاقَها لا يَتَّصِفُ بذلك، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ. ولم يَزِدْ. وكذلك إن قال:
стр. 10697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ والبِدْعةِ. أو قال: أنتِ طالقٌ لا لسُّنَّةِ ولا لِلبدْعةِ. طَلُقَتْ في الحالِ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يكونَ للحامِلِ طلاقُ سُنَّةٍ؛ لأنَّه طَلاقٌ أُمِرَ به؛ لقولِه ﵊: «ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا». روَاه مسلمٌ (١). وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: أذْهَبُ إلى حديثِ سالمٍ عن أبِيه. يعنى هذا الحديثَ. ولأنَّها في حالٍ انْتقَلتْ إليها بعدَ زَمَنِ البِدْعَةِ، ويُمْكِنُ أن تَنْتقِلَ عنها إلى زمانِ البِدْعَةِ، فكان طلاقُها طَلاقَ سُنَّةٍ، كالطّاهِرِ مِن الحَيْضِ مِن غيرِ مُجَامَعَةٍ. ويتَفَرَّعُ مِن هذا، أنَّه لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ. لم تَطْلُقْ في الحالِ، فإذا وضَعَتِ الحَمْلَ طَلُقَتْ؛ لأَنَّ النِّفاسَ
стр. 10698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زمانُ بدْعَةٍ، كالحَيْضِ. وقولُه: إلَّا في العَدَدِ. يعنى أنَّه يُكْرَهُ له أن يُطَلِّقَ ثلاثًا أوَ يَحْرُمُ؛ لأنَّه إذا طلَّقَ ثلاثًا، لم يَبْقَ له سَبِيلٌ إلى الرَّجْعَةِ، فطلاقُ السُّنَّةِ في حَقِّهم أن يكونَ واحدةً؛ ليكونَ له سَبِيلٌ إلى تَزَوُّجِها مِن غيرِ أن تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.
فصل: وإنْ قال لصغيرِةٍ أو غيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالقٌ لِلبدْعَةِ. ثم قال: أرَدْتُ إذا حاضَتِ الصغيرةُ -أو- أُصيبتْ (١) غيرُ المَدْخولِ بها. أو قال لهما: أنْتُما طالقتانِ للسُّنَّةِ. وقال: أرَدْتُ طلاقَهما في زمنٍ يصيرُ طَلاقُهما فيه للسُّنَّةِ. دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان، ذكَرَهُما القاضى؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ. وهو [مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ. ثم قال: أرَدْتُ إذا دَخَلتِ الدَّارَ. والثانى: يُقْبَلُ. وهو] (٢) أشْبَهُ بالمذهبِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه، فيُقْبَلُ (٣)، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، [أنتِ طالقٌ] (٤). وقال: أرَدْتُ [بالثانيةِ إفْهامَها] (٥).
فصل: إذا قال لها في طُهْرٍ جَامَعَها فيلا: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
стр. 10699
وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ فِى الْحَال، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، طَلُقَتْ إِذَا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِى طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، طَلُقَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
ــ
فيَئِسَتْ مِن الحَيْضِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه وَصَفَ طلاقَها بأنَّه للسُّنَّةِ في زمنٍ يَصْلُحُ له، فإذا صارتْ آيِسَةً، فليس لطَلاقِها سُنَّةٌ، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ، فلا يَقَعُ. وكذلك إنِ اسْتَبانَ حَمْلُها، لم يَقَعْ أيضًا، إلَّا على قولِ مَنْ جعلَ طلاقَ الحامِلِ طلاقَ (١) سُنَّةٍ، فإنَّه يَنْبَغِى أن يَقَعَ؛ لوُجُودِ الصِّفَةِ، كما لو حاضَتْ ثم طَهُرَتْ.
٣٤٣٦ - مسألة: (وإن قال لمَن لها سُنَّةٌ وبِدْعَةٌ: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّةِ. في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، طَلُقَتْ في الحالِ، وإن كَانَتْ حَائِضًا، طَلُقَتْ إذا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَ في طُهْرٍ أصَابَها فِيهِ، طَلُقَتْ إذَا طَهُرَتْ مِن الحَيْضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ) إذا قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. فمَعْناه في وَقْتِ
стр. 10700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السُّنَّةِ، فإن كانت في طُهْرٍ غيرَ مُجامَعَةٍ فيه، فهو وقتُ السُّنَّةِ على ما أسْلَفْناه، وكذلك إن كانت حامِلًا قد اسْتَبَانَ حَمْلُها، على ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في الحامِلِ. فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. في الحَالَتَيْن، طَلُقَتْ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها، فوَقَعَتْ في الحالِ. وإن قال ذلك لحائضٍ، لم يَقَعْ في الحالِ؛ لأَنَّ طَلاقَها طَلاقُ بِدْعَةٍ، لكنْ إذا طَهُرَتْ طَلُقَتْ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ حِينَئِذٍ، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ في النَّهارِ. فإن كان في النَّهارِ طَلُقَتْ، وإن كانت في اللَّيْلِ طَلُقَتْ إذا جاءَ النَّهارُ. وإنْ كانت في طُهْرٍ جَامَعَها فيه، لم يَقَعْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ؛ لأَنَّ الطُّهْرَ الذى جَامَعَها فيه والحَيْضَ بعدَه زمانُ بِدْعةٍ، فإذا طَهُرَتْ مِن الحَيْضَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، طَلُقَتْ حِينَئذٍ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. فإن أوْلَجَ في آخِرِ الحَيْضَةِ، واتَّصَلَ بأوَّلِ الطُّهْرِ، أو أوْلَجَ مع أوَّلِ الطُّهْرِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ في ذلك الطُّهْرِ، لكنْ متى جاءَ طُهْرٌ لم يُجامِعْها فيه، طَلُقَتْ في أوَّلِه. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا أعلمُ فيه مخالفًا.
فصل: إذا انْقَطَعَ الدَّمُ مِن الحَيْضِ، فهو زمانُ السُّنَّةِ، يَقَعُ عليها طلاقُ السُّنَّةِ وإن لم تغْتَسِلْ. كذلك قال أحمدُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وبه
стр. 10701
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ. وَهِىَ حَائِضٌ أَوْ فِى طُهْرٍ أَصَابَهَا
ــ
قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، إن طَهُرَتْ لأكْثرِ الحَيْضِ مثلَ ذلك: وإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أكْثرِه، لم يَقَعْ حتى تَغْتسلَ أو تَتيَمَّمَ عندَ عدمِ الماءِ و (١) تُصَلِّىَ، أو يَخْرُجَ عنها وقتُ صلاةٍ؛ لأنَّه متى لم يُوجَدْ، فما حكَمْنا بانْقِطاعِ حَيْضِها. ولَنا، أنَّها طاهرٌ، فوَقَعَ بها طَلاقُ السُّنَّةِ، كالتى طَهُرَتْ لأكْثرِ الحَيْضِ، والدَّليلُ على أنَّها طاهرٌ، أنَّها تُؤْمَرُ بالغُسْلِ، ويَلْزَمُها، ويَصِحُّ منها، وتُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، وتَصِحُّ صلاتُها، ولأَنَّ في حديثِ ابنِ عمرَ: «فَإِذَا طَهُرَتْ، طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ» (٢). وما قالَه لا يَصِحُّ، فإنَّنا لو لم نَحْكُمْ بالطُّهْرِ، لَما أمَرْناها بالغُسْلِ، ولا صَحَّ منها.
٣٤٣٧ - مسألة: (وإنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ لِلْبدْعَةِ. وهى حَائِضٌ
стр. 10702
فِيهِ، طَلُقَتْ فِى الْحَالِ. وَإِنْ كَانَتْ فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ طَلُقَتْ إِذَا أَصَابَهَا أَوْ حَاضَتْ.
ــ
أَوْ في طُهْرٍ أصَابَهَا فيهِ، طَلُقَتْ في الحَالِ. وإن كان في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، طَلُقَتْ إذا أصابَها أو حاضَتْ) هذة المسألةُ عكسُ المسألةِ التى قبلَها، فإنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بأنَّها لِلبدْعَةِ، فإذا كان ذلك لحائضٍ أو طاهرٍ مُجَامَعَةٍ فيه، وقَعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها. وإنْ كانت في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، لم يَقَعْ في الحالِ، فإذا حاضَتْ طَلُقَتْ بأوَّلِ الحَيْضِ، وإنْ أصابَها طَلُقَتْ بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ، فإن نَزَعَ مِن غيرِ تَوَقُّفٍ، فلا شئَ عليهما، وإنْ أوْلَجَ بعدَ النزْعِ، فقد وَطِئَ مُطلَّقَتَه، ويَأْتِى بَيانُ حُكْمِ ذلك. وإنْ وَطِئَها واسْتدامَ، فسنذْكُرُها إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فيما بعدُ.
فصل: فإنْ قال لطاهرٍ: أنتِ طالقٌ لِلبدْعةِ في الحالِ. فقد قيل: تَلْغُو الصِّفَةُ، ويَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وَصَفَها بما لا تَتَّصِفُ به، فلَغَتِ الصِّفَةُ دُونَ الطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ ثلاثًا في الحالِ؛ لأَنَّ ذلك طَلاقُ بِدْعةٍ، فانْصَرَفَ الوَصْفُ بالِبدْعةِ إليه، لتَعَذُّرِ صِفَةِ البِدْعَةِ مِن الجِهَةِ الأُخْرَى. وإن قال لحائِضٍ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ في الحالِ. لَغَتِ الصِّفَةُ، ووَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقَةَ بما لا تَتَّصِفُ به. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ، وثلاثًا للبِدْعَةِ. طَلُقَتْ ثلاثًا في الحالِ، بِناءً على ما سنذْكُرُه.
стр. 10703
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ. طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِى الْأُخْرَى، تَطْلُقُ فِيهِ وَاحِدَةً، وَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِى طُهْرَيْنِ فِى نِكَاحَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ.
ــ
٣٤٣٨ - مسألة: (وإن قال لها: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ. طَلُقَتْ ثَلاثًا في طُهْرٍ لَم يُصِبْهَا فيهِ، فِى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. وفى الأُخْرَى، تَطْلُقُ في الحَالِ وَاحدَةً، وتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةَ في طُهْرَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ إنْ أمْكَنَ) المنْصوصُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا إن كانت في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، وإن كانت حائِضًا، طَلُقَتْ ثلاثًا إذا طَهُرَتْ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ: هذا على الرِّوايةِ التى قال فيها: إنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ يكونُ (١) سُنَّةً. فأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإذا طَهُرَتْ طَلُقَتْ واحدةً، وتَطْلُقُ الثَّانيةَ والثَّالِثَةَ في نِكاحَيْنِ آخَرَيْنِ، أو بعدَ رَجْعَتَيْنِ. وقد أنْكَرَ أحمدُ هذا القولَ، فقال في رِوايةِ مُهَنَّا، إذا قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ ثَلاثًا للسُّنَّةِ: فقد اخْتَلَفُوا فيه، فمنهم مَن يقولُ: يَقَعُ
стр. 10704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها السَّاعَةَ واحدةٌ، فلو راجعَها تَقَعُ عليها تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى، وتكونُ عندَه على أُخْرَى. وما يُعْجِبُنِى قوْلُهم هذا. فيَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ أوْقَعَ الثَّلاثَ؛ لأَنَّ ذلك عندَه سُنَّةٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أوْقَعَها لوَصْفِه الثَّلاثَ بما لا تَتَّصِفُ به، فألْغَى الصِّفَةَ وأوْقَعَ الطَّلاقَ، كما لو قال لحائضٍ: أنت طالقٌ في الحالِ للسُّنَّةِ. وقد قال في روايةِ أبى الحارِثِ ما يَدُلُّ على هذا، قال: يَقَعُ عليها الثَّلاثُ، ولا مَعْنَى لقولِه: للسُّنَّةِ: وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ في كلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ، وإن كانتْ مِن ذَواتِ الأشْهُرِ وقعَ في كلِّ شَهْرٍ طَلْقةٌ. وبناه على أصْلِه في أنَّ السُّنَّةَ تَفْرِيقُ الثَّلاثِ على الأطْهارِ، وقد بَيَّنَّا أن ذلك في حُكْمِ جَمْعِ الثَّلاثِ. فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: لِلسُّنَّةِ. إيقاعَ واحدةٍ في الحالِ،
стр. 10705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واثْنَتَيْن في نِكاحَيْن آخَرَيْنِ. قُبِل منه. وإن قال: أرَدْتُ أن يَقَعَ في كلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ. قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه مذهبُ طائِفةٍ مِن أهلِ العلمِ، وقد ورَدَ به الأثَرُ، فلا يَبْعُدُ أن يُرِيدَه. وقال أصحابُنا: يُدَيَّنُ (١). وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ ذلك ليس بسُنَّةٍ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لِما قَدَّمْنا. فإن كانت في زمنِ البِدْعَةِ، فقال: سَبَقَ لِسانِي إلى قَوْلِى: للسُّنَّةِ، ولم أُرِدْه، وإنَّما أرَدْتُ الإِيقاعَ في الحالِ. وقعَ في الحالِ؛ لأنَّه مالكٌ لإيقاعِها، فإذا اعْتَرَفَ بما يُوقِعُها قُبِلَ منه.
стр. 10706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بعضُهُنَّ للسُّنَّةِ وبعْضُهنَّ لِلبدْعةِ. طَلُقَتْ في الحالِ طَلْقَتَيْنَ، وتَأَخَّرَتِ الثّالثةُ إلى الحالِ الأُخْرَى؛ لأنَّه سَوَّى بينَ الحالَينِ، فاقْتَضَى الظَّاهِرُ أن يكُونا سَواءً، فيَقَعُ في الحالِ واحدةٌ ونِصْفٌ، ثم يُكَمَّلُ النِّصْفُ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ لا يَتَبَعَّضُ. ويَحْتَمِلُ أن تَقَعَ طَلْقَةٌ، وتَتَأَخَّرَ اثْنَتانِ إلى الحالِ الأُخْرَى؛ لأَنَّ البعضَ يقعُ على ما دُونَ الكُلِّ، ويتَناولُ القليلَ مِن ذلك والكثيرَ، فيقَعُ أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ لا يقَعُ بالشَّكِّ، فيتَأَخَّرُ إلى الحالِ الأُخْرى. فإن قيلَ: فلِمَ لا يَقَعُ مِن كلِّ طَلْقَةٍ بعضُها، ثم تُكَمَّلُ، فتَقَعُ الثَّلاثُ؟ قُلْنا: متى (١) أمْكَنَتِ القِسْمَةُ مِن غيرِ تَكْسيرٍ، وجَبَتِ القِسْمةُ على الصِّحَّةِ. فإن قال: نِصْفُهنَّ للسُّنَّةِ ونِصْفُهنَّ لِلبدْعةِ. وقعَ في الحالِ
стр. 10707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اثْنَتانِ، وتَأَخَّرَتِ الثَّالثَةُ. وإن قال: طَلْقتانِ للسُّنَّةِ وواحدةٌ لِلبدْعةِ -أو- طَلْقَتانِ لِلبدْعةِ وواحدةٌ للسُّنَّةِ. فهو على ما قال. فإنْ أَطلَقَ (١) ثم قال: نوَيْتُ ذلك. إن فَسَّرَ نِيَّتَه بما يُوقِعُ في الحالِ طَلُقَتْ، وقُبِلَ؛ لأنَّه مُقْتَضَى (٢) الإِطْلاقِ، ولأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ فيه. وإن فَسَّرَها بما يُوقِعُ طَلْقةً واحدةً، ويُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعْالى. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما، أنَّه يُقْبَلُ؛ لأَنَّ البعْضَ حَقِيقةٌ في القليلِ والكثيرِ، فما فَسَّرَ كلامَه به لا يُخالِفُ الحقيقةَ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ. والثانى، لاْ يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بأخَفَّ ممَّا يَلْزَمُه حالَةَ الإِطْلاقِ. ومذهبُ الشافعىِّ على نحوِ هذا. فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بعضُها (٣) للسُّنَّةِ. ولم يَذْكُرْ شيئًا آخَرَ، احْتَمَلَ أن تكونَ كالتى قبلَها؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن ذلك أن يكونَ بعضُها للبِدْعةِ، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به. ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ في الحالِ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُسَوِّ بينَ الحالَيْنِ، والبَعْضُ لا يَقْتَضِى النِّصْفَ، فتَقَعُ الواحدةُ؛ لأنَّها اليقِينُ، والزَّائدُ لا يقَعُ بالشَّكِّ. وكذلك لو قال: بعضُها للسُّنَّةِ وباقِيها لِلبدْعةِ -أو- سائِرُها لِلبدْعةِ.
стр. 10708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ. فقَدِمَ وهى حائضٌ، طَلقَتْ لِلبدْعةِ، إِلَّا أنَّه لا يَأْثَمُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْه. وإن قال (١): أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ للسُّنَّةِ. فقَدِمَ زيد في زَمانِ السُّنَّةِ، طَلقَتْ. وإن قَدِمَ في زمانِ البِدْعَةِ، لم يَقَعْ، حتى إذا صارتْ إلى زمانِ السُّنَّةِ وقعَ، ويَصير كأنَّه قال: إن قَدِمَ زيدٌ أنتِ طالق للسنةِ. لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بقدومِ زيدٍ على صِفَةٍ، فلا يَقَعُ إلَّا عليها. وإن قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إذا قَدِمَ زيد. قبلَ أَنْ يدْخلَ بها، طَلُقَتْ عندَ قدومِه، حائضًا كانت أو طاهِرًا؛ لأنَّها لا سنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ. وإن قَدِم بعدَ دخولِه بها، وهى في طُهْرٍ لم يصِبْها فيه، طَلقَتْ. وإن قدِمَ في زمنِ البِدْعَةِ، لم تَطْلُقْ حتى يَجِئَ زمن السُّنَّةِ؛ لأنَّها صارتْ ممَّن لطلاقِها سُنَّةٌ وبِدْعة. وإن قال لامْرأتِه: أنتِ طالقٌ إذا جاءَ رأسُ الشَّهْرِ للسُّنَّةِ. فكان رأسُ الشَّهْرِ في زمنِ السُّنَّةِ، وقَعَ، وإلَّا وقَعَ إذا جاء زمانُ السُّنَّةِ.
стр. 10709
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ فِى كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةً. وَهِىَ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ فِى كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً. وَإِنْ قُلْنَا: الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. فَهَلْ تَطْلُقُ طَلْقَةً فِى الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَيَقَعُ بِهَا الْبَاقِى فِى الأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ.
ــ
٣٤٣٩ - مسألة: (وإنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِق في كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةً. وَهِىَ مِنَ اللَّائِى لَمْ يَحِضْنَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ في كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً) فإن كانت مِن ذَواتِ القُروءِ، وقعَ في كُلِّ قَرْءٍ طلقةٌ. فإن كانت في القَرْءِ (١) وقَعتْ بها واحدة في الحالِ، ووَقَعَ بها طَلْقتانِ في قَرْأَيْن آخَرَيْن في أوَّلِهِما (٢)، سواء قُلْنا: القُروءُ (٣) الحِيَضُ -أو- الأطْهارُ. وسواءٌ كانت مَدْخولًا بها أو غيرَ مَدْخولٍ بها، إلَّا أن غيرَ المَدْخولِ بها تَبِينُ بالطَّلْقَةِ الأُولَى، فإن تَزَوَّجَهَا، وقَعَ بها في القَرْءِ الثَّانى طَلْقة أُخْرَى. وكذلك الحُكْمُ في الثَّالثةِ. فإنْ كانت مِن اللَّائِى لم يَحِضْنَ، وقُلْنا: القُروءُ (٣) الحِيَضُ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيض، فتَطْلُقُ في كلِّ حَيْضَةٍ طَلْقةً (وإنْ قُلْنا: القُروءُ الأطْهارُ) احْتَمَلَ أَنْ تَطْلُقَ في الحالِ واحدةً، ثم لا تَطْلُقُ حتى
стр. 10710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ فتَطْلُقَ الثَّانيةَ، ثم الثَّالثةَ في [الطُّهْرِ الآخَرِ] (١)؛ لأَنَّ الطُّهْرَ قبلَ الحَيْضِ كله قَرْء واحد. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ حتى تَطْهُرَ بعدَ الحَيْضِ، لأَنَّ القَرْءَ هو الطُّهْرُ بينَ حَيْضَتَيْنِ، فلذلك (٢) لو حاضَتِ الصَّغيرةُ في عِدَّتِها، لم تَحْتَسبْ بالطُّهْرِ الذى قبلَ الحَيْضِ مِن عِدَّتِها، في أحَدِ الوَجْهَيْن. والحُكْمُ في الحامِلِ كالحُكْمِ في الصَّغيرةِ؛ لأَنَّ زمنَ الحَمْلِ كلَّه قَرْءٌ واحدٌ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، إذا قُلْنا: الأقْراءُ الأطْهارُ. والوَجْهُ الآخَرُ، ليس بقَرْء على كلِّ حالٍ. وإن كانت آيِسَةً، فقال القاضى: تَطْلُقُ واحدَةً على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَها بصفَةٍ تَسْتَحِيلُ فيها، فَلغَتْ ووَقَعَ بها الطَّلاقُ، كما لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبدْعَةِ. وإذا طَلُقَتِ الحاملُ في حالِ حَمْلِها، بانَتْ بوَضْعِه (٣)؛ لأَنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِى به، فلم يَلْحَقْها طلاق آخَرُ. فإنِ اسْتَأنَفَ نكاحَها (٤)، أو راجَعَها قبلَ وَضْعِ حَمْلِها، ثم طَهُرَتْ مِن النِّفاسِ، طَلُقَتْ أُخْرَى، ثم إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ وقَعتِ الثَّالثةُ.
стр. 10711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إن كان الطَّلاقُ يقَعُ عليك للسُّنَّةِ. وهى في زمنِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ بوُجودِ الصِّفَةِ. وإن لم تكُنْ في زمنِ السُّنَّةِ، انْحَلَّتِ الصِّفَةُ، ولم يَقَعْ بحالٍ؛ لأنَّ الشَّرْطَ ما وُجِدَ. وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ لِلبدْعةِ إن كان الطَّلاقُ يَقَعُ عليك للبدْعةِ. إن كانت في زمنِ البِدْعةِ، وقَعَ، وإلَّا لم يَقَعْ بحالٍ. فإن كانت ممَّن لا سُنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ، فذكرَ القاضى فيها احْتمالَيْن؛ أحدُهما، لا يقَعُ في المسألَتَين؛ لأنَّ الصِّفَةَ ما وُجِدَتْ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ إن كنتِ هاشِميَّةً. ولم تكُنْ كذلك. والثانى، تَطْلُقُ؛ لأنَّه شَرَطَ لوُقوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا، فلَغَى، ووَقَعَ الطَّلاقُ. والأوَّلُ أشْبَهُ. وللشَّافعيَّةِ (١) وَجْهان كهذَيْن.
стр. 10712
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَهُ. فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ.
ــ
٣٤٤٠ - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِق أحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَه. فهو كقَوْلِه: أنْتِ طَالِق للسُّنَّةِ) وكذلك إنْ قال: أعْدلَه -أو- أبهْملَه -أو- أتَمَّه -أو- أفْضَلَه. أو: طَلْقة جيلةً (١) -أو- سَنِيَّةً. فذلك كلُّه عبارة عن طلاق السُّنَّةِ. وبه قال الشافعى. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا قال: أعْدلَ الطَّلاق -أو- أحْسنَه. كقَوْلِنا، وإن قال: [سَنِيَّةً -أو- عَدْلَةً] (٢). وقعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يتَّصِفُ بالوقْتِ، والسُّنَّةُ والبِدْعَةُ وقتٌ، فإذا وصَفَها بما لا تتَّصِفُ به، سَقَطَتِ الصِّفةُ، كما لو قال لغيرِ المدْخولِ بها: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً رجْعيَّةً. أو قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبِدْعةِ. ولَنا، أنَّ ذلك عبارة عن طَلاق السُّنَّةِ، ويَصِحُّ وَصْفُ الطَّلاقِ بالسنةِ والحُسْنِ؛ لكَوْنِه في ذلك الوقتِ مُوافِقًا للسُّنَّةِ، مُطابِقًا للشَّرْعِ، فهو كقَوْلِه: أحْسَنَ الطَّلاقِ (٣). وفارقَ قوْلَه: طلْقةً رَجْعِيَّةً. لأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لا تكونُ إلَّا في عِدَّةٍ، ولا عِدَّة لها، فلا يحْصُلُ ذلك بقَوْلِه.
стр. 10713
وإنْ قَالَ لَهَا: أَقْبَحَ الطَّلاقِ -أو- أَسْمَجَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: للْبِدْعَةِ. إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ: أَحْسَنُ أَحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحُهَا أَنْ تَكُونِى مُطَلَّقَةً، فَيَقَعُ
ــ
فإن قال: نَوَيْتُ بقولِى: أعْدلَ الطَّلاقِ. وُقُوعَه في زمانِ الحَيْضِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بأخْلاقِها القَبيحَةِ، ولم أُرِدِ الوَقْتَ. وكانت في الحَيْضِ، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على نفْسِه بما فيه تَغْلِيظٌ. وإن كانت في حالِ السُّنَّةِ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَيْن، كما تَقَدَّمَ.
٣٤٤١ - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أقْبَحَهُ وأسْمَجَهُ) أو -أفْحَشَهُ- أو -أرْدَأهُ -أو- أنْتَنَهُ (١). حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ البِدْعَةِ، فإنْ كانت في وقتِ البِدْعةِ، وألا وقفَ على مَجِئِ زمانِ البِدْعةِ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّه يقعُ ثلاثًا، إن قُلْنا: أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ بدْعة. ويَنْبغِى أن تَقَعَ الثلاث في وقْتِ البِدْعةِ؛ ليكُونَ جامِعًا لبِدْعَتى الطَّلاقِ، فيكونَ أقْبَحَ الطَّلاقِ. وإن نَوَى بذلك غيرَ طَلاقِ البِدْعةِ، نحوَ أن يقولَ: إنَّما أرَدْتُ أنَّ طَلاقَكِ أقْبَحُ الطَّلاقِ؛ لأنَّك لا تَسْتَحِقِّينَه؛ لحُسْنِ عِشْرَتِك، وجَميلِ طَريقَتِك. وقَعَ في الحالِ. وإن قال: أرَدْتُ بذلك طَلاقَ السُّنَّةِ. ليَتأَخَّرَ الطَّلاقُ عن نَفْسِه إلى زمَنِ السُّنَّةِ، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ لفْظَه لا يَحْتَمِلُه.
٣٤٤٢ - مسألة: وإنْ قَالَ: أرَدْتُ أنَّ (أحْسَنَ أحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحَهَا
стр. 10714
فِى الْحَالِ.
وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً. طَلُقَتْ فِى الْحَالِ.
ــ
أَنْ تَكُونِى مُطَلقَةً. فَيَقَعُ في الحَالِ) لأَنَّ هذا يُوجَدُ في الحالِ، فوقَعَ فيه.
٣٤٤٣ - مسألة: (وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً) فَاحِشَةً جَمِيلَةً، تَامَّةً نَاقِصَةً (وقَعَ في الحَالِ) لأنَّه وَصَفَها بصِفَتَيْن مُتَضادَّتَيْنِ، فلَغَتا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فَوقَعَ. فإن قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنَةٌ لكَوْنِها في زمانِ السُّنَّةِ، وقَبِيحَةٌ لإضْرارِها بكِ. أو قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنةٌ لتخْليصِى مِن شَرِّكِ، وسُوءِ خُلُقِكِ، وقَبِيحةٌ لكَوْنِها في زَمانِ البِدْعةِ. وكان ذلك يُؤَخِّرُ وُقوعَ الطَّلاقِ [عنه، دُيِّنَ] (١). وهَل يُقبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على وَجْهَيْنِ.
стр. 10715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلاقَ الحَرَجِ. فقال القاضى: معناه طلاقُ البِدْعةِ؛ لانَّ الحَرَجَ الضِّيقُ والإِثْمُ، فكأنَّه قال: طلاقَ الإِثْمِ.
وطلاقُ البِدْعةِ طلاقُ إثمٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يَقَعُ ثلاثًا (١)؛ لأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ، والذى يُضَيِّقُ عليه، ويَمْنَعُه الرُّجوعَ إليها، ويَمْنَعُها الرُّجوعَ إليه (٢)، هو الثلاثُ، وهو مع ذلك طلاقُ بِدْعةٍ، وفيه إثْمٌ، فيَجْتَمِعُ عليه الأمْرانِ؛ الضِّيقُ والإِثْمُ. وإن قال: طلاقَ الحَرَجِ والسُّنَّةِ. كان كقولِه: طلاقَ البِدْعةِ والسُّنَّةِ.