← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إن كان الطَّلاقُ يقَعُ عليك للسُّنَّةِ. وهى في زمنِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ بوُجودِ الصِّفَةِ. وإن لم تكُنْ في زمنِ السُّنَّةِ، انْحَلَّتِ الصِّفَةُ، ولم يَقَعْ بحالٍ؛ لأنَّ الشَّرْطَ ما وُجِدَ. وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ لِلبدْعةِ إن كان الطَّلاقُ يَقَعُ عليك للبدْعةِ. إن كانت في زمنِ البِدْعةِ، وقَعَ، وإلَّا لم يَقَعْ بحالٍ. فإن كانت ممَّن لا سُنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ، فذكرَ القاضى فيها احْتمالَيْن؛ أحدُهما، لا يقَعُ في المسألَتَين؛ لأنَّ الصِّفَةَ ما وُجِدَتْ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ إن كنتِ هاشِميَّةً. ولم تكُنْ كذلك. والثانى، تَطْلُقُ؛ لأنَّه شَرَطَ لوُقوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا، فلَغَى، ووَقَعَ الطَّلاقُ. والأوَّلُ أشْبَهُ. وللشَّافعيَّةِ (١) وَجْهان كهذَيْن.

стр. 10712

وَإِنْ قَالَ لَهَا: أنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَهُ. فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. ــ ٣٤٤٠ - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِق أحْسَنَ الطَّلاقِ -أَوْ- أجْمَلَه. فهو كقَوْلِه: أنْتِ طَالِق للسُّنَّةِ) وكذلك إنْ قال: أعْدلَه -أو- أبهْملَه -أو- أتَمَّه -أو- أفْضَلَه. أو: طَلْقة جيلةً (١) -أو- سَنِيَّةً. فذلك كلُّه عبارة عن طلاق السُّنَّةِ. وبه قال الشافعى. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا قال: أعْدلَ الطَّلاق -أو- أحْسنَه. كقَوْلِنا، وإن قال: [سَنِيَّةً -أو- عَدْلَةً] (٢). وقعَ الطَّلاقُ في الحالِ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ لا يتَّصِفُ بالوقْتِ، والسُّنَّةُ والبِدْعَةُ وقتٌ، فإذا وصَفَها بما لا تتَّصِفُ به، سَقَطَتِ الصِّفةُ، كما لو قال لغيرِ المدْخولِ بها: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً رجْعيَّةً. أو قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبِدْعةِ. ولَنا، أنَّ ذلك عبارة عن طَلاق السُّنَّةِ، ويَصِحُّ وَصْفُ الطَّلاقِ بالسنةِ والحُسْنِ؛ لكَوْنِه في ذلك الوقتِ مُوافِقًا للسُّنَّةِ، مُطابِقًا للشَّرْعِ، فهو كقَوْلِه: أحْسَنَ الطَّلاقِ (٣). وفارقَ قوْلَه: طلْقةً رَجْعِيَّةً. لأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لا تكونُ إلَّا في عِدَّةٍ، ولا عِدَّة لها، فلا يحْصُلُ ذلك بقَوْلِه.

стр. 10713

وإنْ قَالَ لَهَا: أَقْبَحَ الطَّلاقِ -أو- أَسْمَجَهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: للْبِدْعَةِ. إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ: أَحْسَنُ أَحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحُهَا أَنْ تَكُونِى مُطَلَّقَةً، فَيَقَعُ ــ فإن قال: نَوَيْتُ بقولِى: أعْدلَ الطَّلاقِ. وُقُوعَه في زمانِ الحَيْضِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بأخْلاقِها القَبيحَةِ، ولم أُرِدِ الوَقْتَ. وكانت في الحَيْضِ، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على نفْسِه بما فيه تَغْلِيظٌ. وإن كانت في حالِ السُّنَّةِ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَيْن، كما تَقَدَّمَ. ٣٤٤١ - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: أقْبَحَهُ وأسْمَجَهُ) أو -أفْحَشَهُ- أو -أرْدَأهُ -أو- أنْتَنَهُ (١). حُمِلَ عَلَى طَلَاقِ البِدْعَةِ، فإنْ كانت في وقتِ البِدْعةِ، وألا وقفَ على مَجِئِ زمانِ البِدْعةِ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّه يقعُ ثلاثًا، إن قُلْنا: أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ بدْعة. ويَنْبغِى أن تَقَعَ الثلاث في وقْتِ البِدْعةِ؛ ليكُونَ جامِعًا لبِدْعَتى الطَّلاقِ، فيكونَ أقْبَحَ الطَّلاقِ. وإن نَوَى بذلك غيرَ طَلاقِ البِدْعةِ، نحوَ أن يقولَ: إنَّما أرَدْتُ أنَّ طَلاقَكِ أقْبَحُ الطَّلاقِ؛ لأنَّك لا تَسْتَحِقِّينَه؛ لحُسْنِ عِشْرَتِك، وجَميلِ طَريقَتِك. وقَعَ في الحالِ. وإن قال: أرَدْتُ بذلك طَلاقَ السُّنَّةِ. ليَتأَخَّرَ الطَّلاقُ عن نَفْسِه إلى زمَنِ السُّنَّةِ، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ لفْظَه لا يَحْتَمِلُه. ٣٤٤٢ - مسألة: وإنْ قَالَ: أرَدْتُ أنَّ (أحْسَنَ أحْوَالِكِ أَوْ أقْبَحَهَا

стр. 10714

فِى الْحَالِ. وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً. طَلُقَتْ فِى الْحَالِ. ــ أَنْ تَكُونِى مُطَلقَةً. فَيَقَعُ في الحَالِ) لأَنَّ هذا يُوجَدُ في الحالِ، فوقَعَ فيه. ٣٤٤٣ - مسألة: (وإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً) فَاحِشَةً جَمِيلَةً، تَامَّةً نَاقِصَةً (وقَعَ في الحَالِ) لأنَّه وَصَفَها بصِفَتَيْن مُتَضادَّتَيْنِ، فلَغَتا، وبَقِىَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فَوقَعَ. فإن قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنَةٌ لكَوْنِها في زمانِ السُّنَّةِ، وقَبِيحَةٌ لإضْرارِها بكِ. أو قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنةٌ لتخْليصِى مِن شَرِّكِ، وسُوءِ خُلُقِكِ، وقَبِيحةٌ لكَوْنِها في زَمانِ البِدْعةِ. وكان ذلك يُؤَخِّرُ وُقوعَ الطَّلاقِ [عنه، دُيِّنَ] (١). وهَل يُقبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على وَجْهَيْنِ.

стр. 10715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلاقَ الحَرَجِ. فقال القاضى: معناه طلاقُ البِدْعةِ؛ لانَّ الحَرَجَ الضِّيقُ والإِثْمُ، فكأنَّه قال: طلاقَ الإِثْمِ. وطلاقُ البِدْعةِ طلاقُ إثمٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يَقَعُ ثلاثًا (١)؛ لأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ، والذى يُضَيِّقُ عليه، ويَمْنَعُه الرُّجوعَ إليها، ويَمْنَعُها الرُّجوعَ إليه (٢)، هو الثلاثُ، وهو مع ذلك طلاقُ بِدْعةٍ، وفيه إثْمٌ، فيَجْتَمِعُ عليه الأمْرانِ؛ الضِّيقُ والإِثْمُ. وإن قال: طلاقَ الحَرَجِ والسُّنَّةِ. كان كقولِه: طلاقَ البِدْعةِ والسُّنَّةِ.

стр. 10716

بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ ــ بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِه لا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفْظٍ، لم يَقَعْ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ويَحْيَى ابنُ أبى كَثِيرٍ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالمٍ، والحسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهْرِىُّ: إذا عَزَم على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ في مَن طَلَّقَ في نفْسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا، مَا لَم تكلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ». رَواه النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالبَيْعِ والهِبَةِ. وكذلك إن نَواه بقَلْبِه وأشارَ بإِصْبَعِه، فإنَّه لا يَقَعُ؛ لِما ذَكَرْناه. إذا ثَبَتَ

стр. 10717

وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، فِى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ؛ الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ. ــ أنَّه يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ، فهو يتَصرَّفُ إلى صريحٍ وكنايةٍ (فصَريحُه لفْظُ الطَّلاقِ وما تَصرَّفَ منه، في الصَّحيحِ) وهو اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ. فإذا قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقَةٌ -أو- قد (١) طَلَّقْتُكِ. وَقَعَ الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ. والكِنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مَقامَ نِيَّتِه. ٣٤٤٤ - مسألة: (وَقَالَ الخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ ألْفَاظٍ؛ الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ، وما تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ) وهذا مذهبُ

стр. 10718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشافعىِّ. ومذهبُ أبى حنيفةَ، أنَّ صَرِيحَه يخْتَصُّ بلَفْظِ الطَّلاقِ وما تصرَّفَ منه [ووَجْهُه] (١) أنَّ لفْظَ الفِراقِ والسَّراحِ يُسْتَعْملانِ في غيرِ الطَّلاقِ كثيرًا، فلم يكونا صَرِيحَيْن فيه، كسائِرِ كِنَاياتِه. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ هذه الألْفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ بمَعْنى (٢) الفُرْقَةِ بين الزَّوْجَيْنِ، فكانا صَرِيحَيْنِ فيه، كلَفْظِ الطَّلاقِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٦). والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ

стр. 10719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّرِيحَ في الشئِ ما كان نصًّا فيه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه إِلَّا احْتمالًا بعيدًا، ولفظةُ الفِراقِ والسَّراحِ إنْ ورَدَتْ [في القرْآنِ] (١) بمعنى الفُرْقةِ بينَ الزَّوْجَيْن، فقد ورَدَتْ فيه لغيرِ ذلك المعنى، وفى العُرْفِ كثيرًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣). فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بفرْقَةِ الطَّلاقِ، على أنَّ

стр. 10720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولَه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١). لم يرِدْ به الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارْتِجاعِها، وكذلك قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ولا يَصِحُّ قياسُه على لفظِ الطلاقِ، فإنَّه مُخْتَصٌّ بذلك، سابِقٌ إلى الأَفْهامِ مِن غيرِ قَرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخِلافِ الفِرَاقِ والسَّراحِ.

стр. 10721

فَمَتَى أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ. ــ ٣٤٤٥ - مسألة: (فمتى أَتَى بصَرِيحِ الطَّلاق، وَقَعَ، نَواه أو لم يَنْوِه) وجلة ذلك، أنَّ الصَّريحَ لا يحْتاج إلى نِيَّةٍ، بل يقَع مِن غيرِ قَصْدٍ، فمتى قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقةٌ -أو- طَلَّقْتُكِ. وقَعَ من غيرِ نِيَّةٍ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ ما يعْتَبَر له القَوْل يكْتَفَى فيه به مِن غيرِ نِيَّةٍ، إذا كان صَرِيحًا فيه، كالبَيْعِ. وسَواءٌ قَصَدَ المَزْحَ أو الجِدَّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وَهَزْلهُنَّ جِدٌّ؛ النِّكَاحٌ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ». روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ. قال ابن

стр. 10722

وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. مِنْ وَثَاقٍ. أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ. ــ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على (١) أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزْلَه سواءٌ. رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ مسعودٍ. ونحوُه عن عَطاءٍ، وعَبيدَةَ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ سفيانَ، وأَهلِ العراقِ. فأمَّا لَفْظُ الفِرَاق والسَّراحِ، فيَنْبَنِى على الخِلافِ فيه؛ فمَن جعلَه صَرِيحًا أوْقعَ به الطَّلاقَ مِن غيرِ نيَّةٍ، ومَن جعلَه كِنايةً لم يُوقِعْ به الطَّلاقَ حتى يَنْوِيَه، ويكونُ بمَنْزلةِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ. فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: فارَقْتُكِ: أى بجِسْمِى، أو بقَلْبِى، أو بمَذْهَبِى، أو سَرَّحْتُكِ مِن يَدِى، أو شُغْلِى، أو مِن حَبْسِى، أو سَرَّحْتُ شعَرَكِ. قُبِلَ قوْلُه. ٣٤٤٦ - مسألة: (فَإنْ نَوَى بقَوْلِه: أنْتِ طَالِقٌ. مِن وَثَاقٍ. أو أراد

стр. 10723

فَسَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَة. مِنْ زَوْج كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَل فِى الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤالِهَا الطَّلَاقَ، فَلَا يُقْبَلُ. ــ أن يَقُولَ: طَاهِرٌ. فسَبَقَ لِسَانُه) [فقال: طالقٌ] (١) (أَوْ أرَادَ) أنَّها (مُطَلَّقَة مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، فإنِ ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ. وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِها الطَّلاقَ، فَلَا يُقْبَلُ) إذا نَوَى بقولِه: أنتِ طالقٌ. مِن وَثاقٍ. أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: طَلَّبْتُكِ. فسَبَقَ لِسانِى فقلتُ: طَلَّقْتُكِ. أو نحو ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه ذلك، لم يَقَعْ عليه فيما بينَه وبينَ رَبَّه. قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه إذا أرادَ أن يقولَ لزَوْجَتِه: اسْقِينى ماءً. فسبَقَ لسانُه فقال: أنتِ طالقٌ -أو- أنتِ حُرَّةٌ. أنَّه لا طَلاقَ فيه. ونقلَ ابنُ مَنْصُورٍ عنه، أنَّه سُئِلَ عن

стр. 10724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رجلٍ حَلَفَ، فجَرَىِ على لسانِه غيرُ ما في قلْبِه، فقال: أرْجو أن يكونَ (١) الأمرُ فيه واسِعًا. وهل تُقْبَلُ دَعْواه في الحُكْمِ؟ يُنْظَرُ؛ فإنْ كان في حال الغَضَبِ، أو سُؤالِها الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ في الحُكْمِ؛ لأن لَفْظَه ظَاهِرٌ في الطَّلاقِ، وقَرينةَ حالِه تدُلُّ عليه، فكانت دَعْواه مُخالِفةً للظَّاهرِ مِن وجْهَيْن، فلا تُقْبَلُ، وإن لم يكُنْ في هذه الحالِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في روايةِ ابنِ مَنْصورٍ، وأبى الحارِثِ، أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه. وهو قولُ جابرِ ابنِ زيدٍ، والشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ. حَكَاه عنهم أبو حَفْصٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه احْتِمالًا غيرَ بعيدٍ، فقُبِلَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ. وقال: أردتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها. وقال القاضى: فيه رِوَايتان -إحداهما، التى ذَكَرْناها- قال: وهى ظاهرُ كلامِ أحمدَ. والثانيةُ، لا يُقْبَلُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ ما يَقْتَضِيَه الظَّاهِرُ في العُرْفِ، فلم يُقْبَلْ في الحُكْمِ، كما لو أقَرَّ بعشَرةٍ ثم قال: زُيُوفًا -أو- صِغارًا -أو- إلى شهرٍ. فأمَّا إن صَرَّحَ بذلك في اللَّفْظِ فقال: طَلَّقْتُكِ مِن وَثَاقِى. أو: فارَقْتُكِ بجِسْمِى. أو: سرَّحتُكِ مِن يَدِى. فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يقعُ؛ لأنَّ ما يتَّصِلُ بالكَلامِ يَصْرِفُه عن (٢) مُقْتضاه، كالاسْتِثْناءِ

стр. 10725

وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِى. وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ، وَإِلَّا فَلَا. ــ والشَّرْطِ. وذكَرَ أبو بكرٍ في قولِه: أنتِ مُطَلَّقَةٌ. [أنَّه إن] (١) نَوَى أنَّها مُطَلَّقة طلاقًا ماضِيًا، أو (٢) مِن زَوْجٍ كانَ قَبْلَه، لم يَكُنْ عليه شئٌ، وإنْ لم يَنْوِ شيئًا، فعلى قوْلَيْن؛ أحدُهما، يقَعُ. والثانى، لا يَقَعُ. وهذا مِن قولِه يَقْتَضِى أن تكونَ هذه اللَّفْظَةُ غيرَ صَرِيحةٍ في أحَدِ القَوْلَيْن. قال القاضى: والمنْصوصُ عن أحمدَ أنَّه صَرِيحٌ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ هذه مُتصَرِّفةٌ مِن لفظِ الطَّلاقِ، فكانتْ صَرِيحةً فيه، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ (فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى أنَّها مُطَلَّقةٌ مِن زَوْجٍ) كان (قَبْلِى) ففيهِ (وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يُقْبَلُ إنْ كان وُجِدَ) لأَنَّ كلامَه يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ إن لم يكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُه. وقد ذَكَرْنا في ذلك رِوايَتَيْن غيرَ هذا الوَجْهِ.

стр. 10726

وَلَوْ قِيلَ لَهُ. أَطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَرَادَ الْكَذِبَ، طَلُقَتْ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرأةٌ؟ قَالَ: لَا. وَأَرَادَ الْكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ. ــ ٣٤٤٧ - مسألة: (ولو قِيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرَأتَكَ؟ فقال: نعم. وأراد الكَذِبَ، طَلُقَتْ. ولو قِيلَ له: ألكَ امْرَأةٌ؟ قال: لا. وأراد الكَذِبَ، لم تَطْلُقْ) أمَّا إذا قيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قال: نعم. أو قيلَ له: امْرأتُكَ طالق؟ فقال: نعم. طَلُقَتِ امْرأتُه وإنْ لم يَنْوِ. وهذا الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعىِّ، واخْتِيَارُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ «نَعَمِ» صَريحٌ في الجوابِ، والجوابُ (١) الصَّريحُ لِلَّفْظِ الصَّريحِ صريحٌ، ألا ترَى أنَّه (١) لو قيلَ له: ألِفُلانٍ عليك ألْفٌ؟ قال: نعم. وجَبَ عليه. فإنْ قيلَ له:

стр. 10727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أطَلَّقْتَ امْرأتَك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك. وقال: أردتُ الإيقاعَ. وقَع. وإن قال: أردتُ أنَّنِى علَّقتُ طَلاقَها بشَرْطٍ. قُبِلَ؛ لأَنَّ ما قالَه مُحْتَمِلٌ. وإن قال: أردتُ الإخْبارَ عن شئٍ ماضٍ. أو قيلَ له: ألكَ امرأةٌ؟ فقال: قد طَلَّقْتُها. ثم قال: إنَّما أردتُ أنِّى طَلَّقتُها في نكاحٍ آخَرَ. دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وأمَّا في الحُكْمِ، فإنْ لم يكُنْ وُجِدَ ذلك منه، لم يُقْبَلْ، وإن كان وُجِدَ، فعلى وَجْهَيْن. وأمَّا إذا قيلَ له: ألك امرأةٌ؟ فقال: لا. وأرادَ به الكذبَ، لم يَلْزَمْه شئ؛ لأنَّ قولَه: ما (١) لى امرأةٌ. كِنايةٌ تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةِ الطَّلاقِ، وإذا نَوَى الكَذِبَ فما نَوَى الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ. وهكذا لو نَوَى أنَّه ليس لى امرأةٌ تَخْدِمُنى، أو تُرضِينى، أو أنِّى كمَنْ لا امرأةَ له، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم تَطْلُقْ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ المُشْتَرطةِ في الكِنايةِ. وإن أرادَ بهذا اللَّفْظِ طَلاقَها، طَلُقَتْ؛ لأنّها كِناية صَحِبَتْها النِّيَّةُ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعِىُّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا ليس بكِنايةٍ، ولكنَّه خبَرٌ هو كاذبٌ فيه، وليس بإيقاع. ولَنا، أنَّه مُحْتَمِلٌ للطَّلاقِ؛ لأنَّه إذا طَلَّقَها، فليست له بامرأةٍ، فأشْبَهَ قوْلَه: أنتِ بائِنٌ. وغيرَها مِن

стр. 10728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكِناياتِ الظَّاهرةِ، وبهذا يَبْطُلُ قوْلُهم. فصل: فأمَّا لفْظةُ الإِطْلاقِ، فليستْ صريحةً في الطَّلاقِ؛ لأنَّها لم يَثْبُتْ لها عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعمال، فأشْبَهَتْ سائرَ كِناياتِه. وذكَرَ القاضى فيها احْتِمالًا، أنَّها صَريحةٌ؛ لأَنَّه لا فَرْقَ بين: فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ، نحو عَظَّمْتُهُ وأعْظَمْتُهُ، وكَرمْتُه وأكْرَمْتُه. وليس هذا الذى ذكَره بمُطَّرِدٍ؛ فإنَّهم يقولون: حَييته مِن التَّحِيَّةِ، وأحْيَيْتُه مِن الحياةِ، وأصْدَقْتُ المرأةَ

стр. 10729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صداقًا، وصَدَّقْتُ حديثَها تَصْديقًا. ويُفَرِّقُونَ بين قَبَل و (١) أقْبَلَ، ودبَرَ و (١) أدْبَرَ، وبَصُرَ وأَبْصَرَ، ويُفَرِّقُون بين المعانى المُخْتَلِفَةِ بحَرَكةٍ أو حرفٍ، فيقولونَ: حَمْلٌ. لما في البطنِ، وبالكسرِ لما على الظَّهْرٍ، والوَقْرُ بالفَتْحِ الثِّقْلُ في الأُذُنِ، وبالكسرِ لثِقْلِ الحِمْلِ. وههُنا فرَّقُوا بينَ حَلِّ (٢) قَيْدِ النِّكاحِ بالتَّضْعيفِ في أحدِهما، والهمزةِ في الآخَرِ، ولو كان معنى اللَّفْظَيْن واحدًا لقِيلَ: طَلَّقْتُ الأسِيرَ، والفَرَسَ (٣)، والطَّائِرَ، فهو طالقٌ، وطَلَّقْتُ الدَّابَّةَ، فهى طالق، ومُطَلَّقةٌ. ولم يُسْمَعْ هذا في كلامِهم. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

стр. 10730

وَلَوْ لَطَمَ امْرأَتَهُ، أَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، وَقالَ: هَذَا طَلَاقُكِ. طَلُقَتْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ــ ٣٤٤٨ - مسألة: (وَإِنْ لَطَمَ امرأتَهُ، أَوْ أطْعَمَهَا، أو سقَاهَا، وَقال: هَذا طَلاقُكِ. طَلُقَتْ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ أنَّ هذَا سَبَبُ طَلاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذلك) لأنَّ هذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ في الطَّلاقِ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ، وَلا يَقَعُ مِن غَيْرِ نِيَّةٍ أو دَلالَةِ حَالٍ؛ لأنَّه أضافَ إليْهَا الطَّلاقَ، فَوَقَعَ بِهَا، كما لو قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ. وقال ابنُ حامدٍ: تَطْلُقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأن تَقْديرَه: أوْقعتُ عليكِ طلاقًا، هذا الضَّربُ مِن أجْلِه. فعلَى قولِه يكونُ صَرِيحًا. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: ليس بكِنايةٍ، ولا يقَعُ به طَلاقٌ وإنْ نَوَى؛

стр. 10731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأَنَّ هذا لا (١) يُؤَدِّى معْنى الطَّلاقِ، ولا هو سَبَبٌ له، ولا حُكْمٌ فيه، فلم يَصِحَّ التَّعْبِيرُ به عنه، كما لو قال: غَفرَ اللَّهُ لكِ. ولَنا على أنَّه كِنايةٌ، أنَّه يَحْتَمِلُ هذا التَّفْسِيرَ الذى ذكَرَه ابنُ حامدٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سبَبًا للطَّلاقِ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ مُعلَّقًا عليه، فصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ به عنه، ولأَنَّ الكِنايةَ ما احْتَملتِ الطَّلاقَ، وهذا يَحْتَمِلُه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ قد عَلَّقَ طَلاقَها به (٢)، فلَمّا فعله قال: هذا طَلاقُكِ. إخْبارًا لها، فلَزِمَه ذلك، كقوْلِه: اعْتَدِّى. ويدُلُّ على أنَّه ليس بصَريحٍ، أنَّه احْتاجَ إلى التَّقْدِيرِ، والصَّريحُ

стр. 10732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يحْتاجُ إلى تقْديرٍ، فيكونُ كِنايةً. فإن نَوَى أنَّ هذا سبَبُ طَلاقِك، أو نحوَ ذلك، فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّه إذا أرادَ سبَبَ الطَّلاقِ، جازَ أن يكونَ سَببًا له في زمانٍ بعدَ هذا الزَّمانِ.

стр. 10733

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَىْءَ. أَوْ: لَيْسَ بِشَىْءٍ. أَوْ: لَا يَلْزَمُكِ شَىْءٌ. طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا؟ أَوْ: طَالِقٌ وَاحِدَةً ــ ٣٤٤٩ - مسألة: (وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالقٌ لا شَئَ -أو- ليس بشئٍ -أو- لا يَلْزَمُكِ. طَلُقَتْ) وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تقَعُ عليك -أو- طالقٌ طلْقَةً لا يَنْقُصٌ (١) بها عدَدُ الطَّلاقِ (٢). لأَنَّ ذلك رَفْعٌ لجميعِ ما أوْقَعه، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثناءِ الجميعِ، وإنْ كان ذلك خبرًا، فهو كَذِبٌ؛ لأَنَّ الواحِدَةَ إذا أوْقَعَها وقَعَتْ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ولا نعلمُ فيه مخالفًا. ٣٤٥٠ - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالِقٌ أَوْ لا؟ أَوْ: طالِقٌ وَاحِدَةً

стр. 10734

أَوْ لَا؟ لَمْ يَقَعْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ. ــ أَوْ لا؟ لَم تَطْلُقْ) لأَنَّ هذا اسْتِفْهامٌ، فإذا اتَّصَلَ به خَرَجَ عن أَنْ يَكونَ لَفْظًا لإِيقَاعٍ، ويُخالِفُ المسألةَ قبلَها؛ لأنَّه إيقاع (ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ) لأَنَّ لَفْظَه لَفظُ الإيقاعِ لا لَفْظُ الاسْتِفْهامِ؛ لأَنَّ لَفْظَ الاسْتِفْهامِ يَكون بالهَمْزَةِ أو نحوِها، فيَقَعُ ما أوْقَعَه، ولا يَرْتَفِعُ بما ذكَرَه بعدَه، كالتى قبلَها. وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً أو لا؟ وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ. وهو قِياسُ قولِ الشافعىِّ. وقال محمدٌ في هذه: تَقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ قوْلَه: أو لا. يَرْجِعُ إلى ما يَلِيه منِ اللَّفْظِ، وهو واحدةٌ دُونَ لَفْظِ الإِيقاعِ. ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواحدةَ صِفةٌ للطَّلْقَةِ الواقِعَةِ، فما اتصَلَ بها [يَرْجِعُ إليهما] (١)، فصارَ كقولِه: أنتِ طالقٌ أو لا؟

стр. 10735

وَإِنْ كَتَبَ طَلَاقَ امْرأَتِهِ وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَقَعَ، وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ، لَمْ يَقَعْ. وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٣٤٥١ - مسألة: (وَإِنْ كَتَبَ طَلاقَ امْرَأتِه ونَوَى الطَّلاقَ، وَقَعَ، وإنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أو غَمَّ أهْلِهِ، لَمْ يقَعْ. وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن) إذا كتبَ طَلاقَ زَوْجتِه ونوَى الطَّلاقَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ. وهو المنْصوصُ عن الشافعىِّ. وذكَرَ بعضُ أصحابِه، أنَّ له قَوْلًا آخَرَ، أنَّه لا يَقَعُ به طلاق وإنْ نَوَاه؛ لأنَّه فِعْل مِن قادرٍ على النُّطْقِ، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كالإِشارةِ. ولَنا، أنَّ الكِتابةَ حُروفٌ يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، فإذا أتَى فيها بالطلاق وفُهِمَ منها، ونَواهُ،

стр. 10736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَع كاللَّفْظِ، ولأَنَّ الكِتابةَ تَقومُ مَقامَ قَوْلِ (١) الكاتبِ؛ بدَلالةِ أنَّ النبىَّ ﷺ كان مَأْمُورًا بتَبْليغِ رِسالَتِه، فَحَصَل (٢) ذلك في حَقِّ البعْضِ بالقَوْلِ، وفى حَقِّ آخرينَ بالكتابةِ إلى مُلُوكِ الأطْرافِ، ولأَنَّ كتابَ القاضى يَقومُ مَقامَ لَفْظِه في إثْباتِ الدُّيونِ والحُقُوقِ. فإنْ نَوَى بذلك تَجْوِيدَ خَطِّه، أو تَجْرِبَةَ قَلَمِه، لم يَقَعْ؛ لأنَّه لو نَوَى باللَّفْظِ غيرَ الإِيقاعِ، لم يَقَعْ، فالكَتابةُ أوْلَى. وإذا ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ ذلك يُقْبَلُ في اللَّفْظِ الصَّرِيحِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَههُنا مع أنَّه ليس بلَفْظٍ أوْلَى. وإن قال: نوَيْتُ غَمَّ

стр. 10737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهْلِى. فقد قال في رِوايَةِ أبى طالبِ، في مَن كتبَ طَلاقَ زَوْجَتِه ونَوَى الطَّلاقَ: وَقَعَ، وإن أرادَ أن يَغُمَّ أهْلَه، فقد عَمِلَ في ذلك أيضًا. يعنى أنه يُؤاخَذُ به؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «عُفِىَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ (١)». فظاهِرُ هذا أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ؛ لأَنَّ غَمَّ أهْلِه يَحْصُلُ بالطَّلاقِ، فيَجْتَمِعُ غَمُّ أهْلِه ووُقُوعُ طَلاقِه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ. يُرِيدُ به غَمَّها. ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّه أرادَ غَمَّ أهْلِه بتَوَهُّمِ الطَّلاقِ دُونَ حقيقتِه، فلا يَكونُ ناوِيًا للطَّلاقِ، والخَبَرُ إنَّما يدُلُّ على مُؤاخَذَتِه بما نَوَاه عندَ العَمَلِ به أو الكلامِ، وهذا لم يَنْوِ طَلاقًا، فلا يُؤاخَذُ به.

стр. 10738

وَإن لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٣٤٥٢ - مسألة: (وإن لم يَنْوِ شَيْئًا) فقال أبو الخَطَّابِ: قد خَرَّجَها القاضى الشريفُ (١) في «الإِرْشادِ» على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يقعُ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ؛ لما ذَكَرْنا مِن أنَّ الكِتابةَ تقومُ مَقامَ اللَّفْظِ. والثانيةُ، لا يقعُ إلا بِنيَّةٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، ومَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الكِتابَةَ مُحْتَمِلَة؛ فإنَّه يُقْصَدُ بها تَجْرِبةُ القلمِ، وتَجْويدُ الخَطِّ، وغَمُّ الأهْلِ، فلم يقَعْ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.

стр. 10739

وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَىْءٍ لَا يَبِينُ، لَمْ يَقَعْ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ. ــ ٣٤٥٣ - مسألة: (وإن كَتَبَه بِشئٍ لا يَبِينُ) مِثْلَ [أن كتبَه] (١) بإصْبَعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ، أَوْ في الهَوَاءِ، فَظَاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه لا يَقَعُ (وقال أبو حفصٍ) العُكْبَرِىُّ: (يَقَعُ) ورَواهُ الأَثْرَمُ عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه كتبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كَتَبَه بشئٍ يَبِينُ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ (٢) الكِتابةَ التى (٣) لا تَبِينُ كالهمْسِ بالفمِ (٤) بما لا يَسْتَبِينُ، وثَمَّ لا يَقَعُ، فههُنا أوْلَى.

стр. 10740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لَفْظٍ إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، إذا كتبَ الطَّلاقَ ونَوَاه، وقد ذَكَرْناه. الثانى، مَنْ لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَسِ إذا طَلَّقَ بالإِشارَةِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه. وبهذا قال [مالكٌ و] (١) الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خلافَهم؛ لأنَّه لا طريقَ له [إلى الطَّلاقِ] (٢) إلَّا بالإِشَارَةِ، فقامَتْ إشارَتُه مَقامَ النُّطْقِ مِن غيرِه فيه، كالنِّكاحِ. فأمَّا القادِرُ، فلا يَصِحُّ طَلاقُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِح نِكاحُه بها. [فإنْ أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثَّلاثِ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى] (٣).

стр. 10741

وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِى لِسَانِ الْعَجَمِ بِهِشْتَمْ. فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِىُّ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ نَطَقَ الْعَجَمِىُّ بِلَفْظِ الطَّلَاق وَلَا يَفْهَمُهُ، لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٣٤٥٤ - مسألة: (وصَرِيحُ الطَّلاقِ في لِسَانِ العَجَمِ بِهِشْتَمْ) فإذَا أتَى بها العَجَمِىُّ، وقَعَ الطَّلاقُ منه بغيرِ نِيَّةٍ. وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هو كنايةٌ، لا تَطْلُقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لأَنَّ معناه خلَّيْتُكِ، وهذه اللَّفْظَةُ كِنايةٌ. ولَنا، أنَّ هذه اللَّفْظةَ بلِسانِهم موْضوعةٌ للطَّلاقِ، ويَسْتَعْمِلونها فيه، فأشْبَهَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، ولو لم تكُنْ هذه صريحةً، لم يكُنْ في العَجَمِيَّةِ صريحٌ للطَّلاقِ (١)، وهذا بعيدٌ، ولا يَضُرُّ كوْنُها بمعنى خَلَّيْتكُ، فإنَّ معنى طَلَّقْتُكِ خَلَّيْتُك أيضًا، إلَّا أنَّه لمَّا كان موْضوعًا له، يُسْتَعْمَلُ فيه، كان صريحًا، كذا هذه. ولا خلافَ في أنَّه إذا نَوَى بها الطَّلاقَ، كانت طلاقًا. كذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، وزُفَرُ، والشافعىُّ (فإنْ قالَه العَرَبِىُّ ولا يَفْهَمُه، أو [نطقَ العَجَمِىُّ بلفظِ الطَّلاقِ وِلا يَفْهَمُهُ] (٢)، لم يَقَعْ) لأنَّه لم يَخْتَرِ الطَّلاقَ؛ لعَدمِ عِلْمِه بمعناه (وإنْ نوَى موجَبَه، فعلَى وَجْهَيْن) أحدُهما، لا يَقَعُ؛

стр. 10742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه لا يتَحَقَّقُ اخْتِيارُه لما لا يَعْلَمُه، فأشْبَهَ ما لو نَطَقَ بكلمةِ الكُفْرِ مَنْ (١) لا يعْرفُ معناها. والثانى، يقَعُ؛ لأنَّه أتَى بالطَّلاقِ ناوِيًا مقْتضاهُ، فوَقَعَ، كما لو عَلِمَه.

стр. 10743

فَصْلٌ: وَالْكِنَايَاتُ نَوْعَانِ؛ ظَاهِرَةٌ، وَهِىَ سَبْعَةٌ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ. ــ فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (والكِناياتُ نوْعان؛ ظاهرَةٌ، وهى سَبْعة: أنتِ خَلِية، وبَرِيَّةٌ، وبَائِنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأنتِ حُرَّةٌ، وأنتِ الحَرَجُ) أكثْرُ الرواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، ﵀، كَراهِيَةُ الفُتْيا في هذه الكناياتِ، مع مَيْلِه إلى أنَّها ثلاثٌ. وحَكَى ابنُ أبى موسى في «الإِرْشادِ» عنه رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ. والثَّانيةُ، يُرْجَعُ إلى ما نَوَاه اختارَها أبو الخَطَّابِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، قال: يُرْجَعُ إلى ما نَوَى، فإنْ لم يَنْوِ شيئًا وقَعَتْ واحدةٌ. ونحوُه قولُ النَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقَعُ طلقةٌ بائنةٌ؛ لأنَّ لَفْظَه يقْتَضِى البَيْنُونَةَ، ولا يَقْتَضِى عدَدًا. ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا؛ فإنَّه قال: يَزِيدُها في مَهْرِها إنْ أرادَ رَجْعَتَها. ولو وقَعَ ثَلاثًا لم تُبَحْ له رَجْعَتُها، ولو لم تَبِنْ لم يَحْتَجْ

стр. 10744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى زِيادةٍ في مَهْرِها. واحْتَجَّ الشافعىُّ بما روَى أبو داودَ (١) بإسْنادِه، أنَّ رُكَانَةَ بنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرأتَه سُهَيْمَة البَتَّةَ، فأخْبَرَ النبىَّ ﷺ بذلك، وقال: واللَّهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً. فقال النبىُّ ﷺ : «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلّا وَاحِدَةً». فقال رُكَانَةُ: واللَّهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً. فرَدَّها إليه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زمنِ عمرَ، والثَّالِثةَ في زمن عثمانَ. قال علىُّ بنُ محمدٍ الطَّنافِسىُّ (٢): ما أشْرفَ هذا الحديثَ. ولأَنَّ الكناياتِ مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، فلم يَقَعْ به عندَ الإِطْلاقِ أكثرُ مِنِ واحدةٍ، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: إنْ نوَى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نَوَى اثْنَتَيْن أو واحدةً، وقعتْ وِاحدة، ولا يقعُ اثْنتان؛ لأنَّ الكنايةَ تَقْتَضِى البَيْنُونةَ دونَ العَدَدِ، [والبَيْنُونةُ بَيْنُونَتانِ، صُغْرَى وكُبْرَى، فالصُّغْرَى بالواحدةِ، والكُبْرَى بالثَّلاثِ، ولو أوْقَعْنا اثْنَتَيْن كان مُوجَبُه العَدَدَ] (٣)،

стр. 10745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهى لا تقْتَضِيه. وقال رَبِيعةُ، ومالكٌ: يقَعُ بها الثَّلاثُ وإن لم يَنْوِ، إلَّا في الخُلْعِ (١) أو قبلَ الدُّخولِ، فإنَّها تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها تَقتَضِى [البَيْنُونةَ، والبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ في الخُلْعِ وقبلَ الدُّخولِ بواحدةٍ، فلم يُزَدْ عليها؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِى] (٢) زيادةً عليها (٣)، وفى غيرِهما (٤) يقَعُ الثَّلاثُ ضرورةَ أنَّ (٥) البَيْنُونَةَ لا تحْصُلُ إلَّا بها. ووَجْهُ أنَّها ثلاثٌ أنَّه قَوْلُ أصحاب رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فرُوِىَ عن علىٍّ، [وابنِ عُمَرَ] (٦)، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أَنَّها ثلاثٌ. قال أحمدُ في الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ والبَتَّةِ: قولُ علىٍّ وابنِ عمرَ قولٌ صحيحٌ ثلاثًا. وقال علىٌّ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، في البائِنِ:

стр. 10746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنَّها ثلاثٌ. ورَوَى النَّجّادُ بإسْنادِه، عن نافعٍ، أنَّ رجلًا جاءَ إلى عاصمٍ وابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: إنَّ ظِئْرِى هذا طلَّقَ امْرأتَه البَتَّةَ قبلَ أن يدخلَ بها، فهل تَجِدان له رُخْصةً؟ فقالا: لا، ولكنَّا تَركْنا ابنَ عباسٍ وأبا هُرَيْرَةَ عندَ عائشة فسَلْهُم، ثم ارْجِعْ إلينا فأخْبِرْنا. فسألهم، فقال أبو هُرَيْرَةَ: لا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه. وقال ابنُ عباسٍ: هى ثلاثٌ. وذكَرَ عن عائشةَ مُتابَعَتَهما (١). وروَى بإسْنادِه، أنَّ عمرَ جعلَ البَتَّةَ واحدةً، ثم جعلها بعدُ ثلاثَ تَطليقاتٍ. وهذه أقْوالُ عُلَماءِ الصحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالفٌ في عَصْرِهم؛ فكان إجْماعًا. ولأنَّه طلَّقَ امْرأتَه بلَفْظٍ يَقْتَضِى البَيْنُونةَ، فوَجبَ الحُكْمُ بطَلاقٍ تحْصُلُ به البَيْنُونَةُ، كما لو طلَّقَ ثلاثًا، أو نَوَى الثَّلاثَ، وإفْضاؤُه إلى البَيْنُونَةِ ظاهِرٌ في قوْلِه: أنتِ بائنٌ. وكذا في قوْلِه: البتَّةَ. لأَنَّ البَتَّ القَطْعُ، فكأنَّه قطَع النِّكاحَ كلَّه، ولذلك (٢) يُعَبَّرُ به عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما قالتِ امرأةُ رِفاعةَ: إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى فبَتَّ طَلاقِى (٣). وبَتْلَةٌ (٤) هو مِن القَطْعِ أيضًا؛ ولذلك (٢) قيلَ في مَريمَ: البَتُولُ؛ لانْقِطاعِها عن النِّكاحِ. ونَهَى النبىُّ ﷺ عن التَّبَتُّلِ (٥)، وهو

стр. 10747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الانْقِطاعُ عن النِّكاحِ بالكُلِّيَّةِ. وكذلك الخَلِيَّةُ والبَرِيَّةُ يَقْتضيانِ الخُلُوَّ مِن النِّكاحِ والبَراءَةَ منه، وإذا كان للَّفْظِ معنًى فاعْتبرَه الشَّرْعُ، إنَّما يَعْتبرُه فيما يَقْتَضِية ويُؤَدِّى مَعْناه، ولا سبيلَ إلى البَيْنونَةِ بدُونِ الثلاثِ، فوَقعتْ ضَرُورةَ الوفاءِ بما يَقْتَضِيه لفْظُه، ولا يُمْكِنُ إيقاعُ واحدةٍ بائِنَةٍ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على إِيقاعِ ذلك بصَريحِ الطَّلاقِ، فكذلك بكِنايتِه، ولم (١) يُفَرِّقْ بينَ المدخولِ بها وغيرِها؛ لأَنَّ الصحابةَ لم يُفَرِّقوا؛ لأَنَّ كلَّ لفْظةٍ أوْجَبَتِ الثَّلاثَ في المدخولِ بها أوْجَبَتْها في غيرِها، كقولِه: أنت طالقٌ ثلاثًا. فأمَّا حديث رُكانَةَ، فإنَّ أحمدَ ضَعَّف إسْنادَه، فلذلك تَرَكَه. وقولُه: أنتِ حُرَّة. يَقْتَضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، وخُلوصَها منه، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ. وقولُه: أنت الحَرَجُ. يعنى الحَرَامَ والإِثْمَ، قال اللَّه تعالى: ﴿عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ (٢). أى إثْمٌ، وأصْلُه الضِّيقُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ (٣). فكأنَّه حَرَّمَها وأثَّمَ

стр. 10748

وَالْخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، وَاذْهَبِى، وَذُوقِى، وَتَجَرَّعِى، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَسْتِ لِى بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّى، وَاسْتَبْرِى، وَاعْتَزِلِى، وَمَا أَشْبَهَهُ. ــ نفسَه في إمساكِها، فصارَ في ضِيقٍ مِن أمْرِها، وإنَّما تكونُ بالبَيْنونَةِ على ما مَرَّ. [والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يقعُ ما نَواه. اختَاره أبو الخَطَّابِ؛ لحديثِ رُكَانَةَ. فإِنْ لم يَنْوِ عَددًا، وقعَ واحدةٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وروى عنه حَنْبَلٌ أنَّه يقعُ بها واحدةٌ بائنةٌ. وقد ذكرناه] (١). ٣٤٥٥ - مسألة: (والخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، واذْهَبِى، وذُوقِى، وتَجَرَّعِى، وخَلَّيْتُكِ، وأنْتِ مُخَلَّاةٌ، وأنْتِ وَاحِدَةٌ، ولستِ لى بامْرَأةٍ، واعْتَدِّى، واسْتَبْرِى، ومَا أشْبَهَهُ) واخْتارِى، ووَهَبْتُكِ لأهْلِكِ، فَهَذِهِ ثَلاثٌ إنْ نَوَى ثَلاثًا، واثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا، وَوَاحِدَة إنْ نَوَاهَا أو أطْلَقَ.

стр. 10749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [قال أحمدُ:] (١) ما ظهرَ [مِن الطلاقِ فهو على ما ظَهَر] (٢) وما عَنَى به الطَّلاقَ، فهو على ما عَنَى مثلَ: حَبْلُكِ على غارِبِكِ. [إذا نَوَى واحدةً أو اثْنَتَيْن أو ثلاثًا، فهو على ما نَوَى. وقد ذكَرَ الخِرَقِىُّ (٣) قولَه: حَبْلُكِ على غارِبكِ] (٤). في الكِناياتِ الظَّاهرةِ. وإن فال: أنتِ واحدةٌ. فهى كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لكنَّه لا يَقَعُ بها إلَّا واحدةٌ وإن نوَى ثلاثًا. ذكَره شيخُنا (٥)؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ أكثرَ منها. وإن قال: أغْناكِ اللَّهُ. فهو كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لأنَّه يَحْتَمِلُ: أغْناكِ اللَّهُ بالطَّلاقِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٦). وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ في الكناياتِ: لا يقَعُ اثْنتانِ وإنْ نَوَاهما، وتقَعُ واحدةٌ. وقد ذكَرْناه.

стр. 10750

وَاخْتُلِفَ فِى قَوْلِهِ: الْحَقِى بِأَهْلِكِ، وَ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَ: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، وَ: حَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَ: لَا سَبِيلَ لِى عَلَيْكِ، وَ: لَا سُلْطَانَ لِى عَلَيْكِ. هَلْ هِىَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ. ــ ٣٤٥٦ - مسألة: (واخْتُلِفَ في قولِه: الْحَقِى بأهْلِكِ، و: حَبْلَكِ عَلَى غَارِبِكِ، و: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، و: حَلَلْتِ للأزْواجِ، و: لا سَبِيلَ لى علَيْكِ، و: لا سُلْطَان لِى [عليكِ) و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ، و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَجٌ (هَلْ هِىَ ظَاهِرَة أو خَفِيَّةٌ؟) و: غَطِّى شَعَرَكِ، و: قَدْ أعْتَقْتُكِ. فَهذِه عَنْ أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ. والأُخْرَى، تَرْجِعُ إلى ما نَوَاه، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فواحدةٌ، كسائِرِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ. وقد قاسُوا على هذه: اسْتَبْرِئِى رَحِمَك، و: تَقَنَّعِى] (١).
следующие страницы →