← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن جَدَّد نِكاحَ البائِنِ، ثم قال لها: إن تَكَلَّمتِ فأنتِ طالقٌ. فقد قيلَ: يَطْلُقانِ حِينَئذٍ؛ لأنَّه صار بهذا حالِفًا بطَلاقِها (١)، وقد حَلَفَ بطَلاقِ المدْخولِ بها بإعادةِ قَوْلِه في المَرَّةِ الثَّالثةِ، فطَلُقَتا حينَئذٍ. قال شيخُنا (٢): ويَقْوَى عندِي أنَّه لا يقَعُ الطَّلاقُ بهذه التي جَدَّدَ نِكاحَها؛ لأنها حينَ إعادَتِه المرَّةَ الثَّالثةَ بائنٌ، فلم تَنْعقِدِ الصِّفَةُ بالإِضافَةِ إليها، كما لو قال لأجْنَبِيَّةٍ: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ. ثم تَزَوَّجَها وحَلَفَ بطَلاقِها، ولكن تَطْلُقُ المدْخولُ بها حينَئذٍ؛ لأنَّه قد حَلَفَ بطَلاقِها في المرَّةِ الثَّالثةِ، وحَلَفَ بطَلاقِ هذه حينَئذٍ، فكَمَلَ شَرْطُ طَلاقِها، فَطَلُقَتْ وحدَها.

стр. 11027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان له امْرأتانِ، حَفْصَةُ وعَمْرَةُ، فقال: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكما فعَمْرَةُ طالقٌ. ثم أعادَه، لم تَطْلُقْ واحدة منهما؛ لأنَّ هذا حَلِفٌ بطلاقِ عَمْرَةَ وحدَها، فلم يوجَدِ الحَلِفُ بطَلاقِهما. وإن قال بعدَ ذلك: إن حَلَفْتُ بطَلاقِكما فحَفْصَةُ طالقٌ. طَلُقَتْ عَمْرةُ؛ لأنَّه حَلَفَ بطَلاقِهما بعدَ تَعْليقِه طَلاقَها (١) على الحَلِفِ بطلاقِهما، ولمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ؛ لأنَّه ما حَلَفَ بطَلاقِهما بعْدَ تَعْليقِه طَلاقَها (١) عليه. فإن قَال بعْدَ هذا: إن حَلَفْتُ

стр. 11028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِطَلاقِكُمَا فعَمْرةُ طالقٌ. لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ بطلاقِهما، إنَّما حَلَفَ بطَلاقِ عَمْرةَ وحدَها. فإن قال بعدَ هذا: إن حَلَفْتُ بطلاقِكما فحفْصَةُ طالقٌ. طَلُقَتْ حَفْصَةُ. وعلى هذا القياسُ. فصل: إذا قال لإِحْداهما: إنْ حَلَفْتُ بطلاقِكِ فَضَرَّتُكِ طالقٌ. ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، طَلُقَتِ الثَّانيةُ؛ لأنَّ إعادَتَه للثَّانيةِ هو حَلِفٌ بطلاقِ الأُولَى، وذلك شَرْطُ وقُوعِ طلاقِ الثَّانيةِ، ثم إن أعادَه للأُولَى، طَلُقَتْ، ثم كلَّما أعادَه على هذا الوَجْهِ لامْرأةٍ، طَلُقَتْ، حتى يَكْمُلَ للثَّانيةِ ثلاثٌ، ثم إذا أعادَه للأُولَى، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ الثَّانيةَ قد بانَتْ منه، فلم يَكُنْ ذلك حَلِفًا بطَلاقِها. ولو قال هذا القولَ لامرأةٍ، ثم أعادَه لها، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، لأنَّ ذلك ليس بحَلِفٍ بطَلاقِها، إنَّما هو حَلِفٌ بطلاقِ ضَرَّتِها، ولم يُعَلِّقْ على ذلك طَلاقًا. ٣٥٨٧ - مسألة: فإن قال لإحْداهما: إذا حَلَفْتُ بطَلاقِ ضَرَّتِكِ فَأنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ قَال ذَلِكَ للأُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى؛ لأنَّ التَّعْليقَ حَلِفٌ، وقد عَلَّقَ طلاقَ ضَرَّتِها، فَتَطْلُقُ الأُولَى؛ لوُجُودِ شَرْطِ طلاقِها، وهو تَعْليقُ طَلاقِ ضَرَّتِها، فإن أعادَه للأُولَى، طَلُقَتِ الأُخْرَى لذلك، وكلَّما أعادَه لامرأةٍ [منهما على هذا الوَجْهِ] (١)، طَلُقَتِ الأُخْرَى، [إلى أن يبلغَ ثلاثًا] (٢).

стр. 11029

وَإنْ قَال لِمَدْخُولٍ بهما: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ. وَأَعَادَهُ ثَانِيَةً، طَلُقَتْ كلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَينِ. وَإِنْ قَال: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ. أَوْ: فَضَرَّتُهَا طَالِقٌ. وَأعَادَهُ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً. ــ وإن كانت إحْداهما غيرَ مَدْخولٍ بها، فطَلُقَتْ مَرَّةً، [لم تَطْلُقْ أُخْرَى] (١)، ولم تَطْلُقِ الأُخْرَى بإعادَتِه لها؛ لأنَّه ليس بحَلِفٍ بطلاقِها، لكَوْنِها بائنًا. ٣٥٨٨ - مسألة: (وإن قال لمَدْخُولٍ بها: كُلَّما حَلَفْتُ بطَلاقِ وَاحِدةٍ مِنْكُمَا فأنتما طَالِقَتانِ. وأعَادَهُ ثَانِيًا، طَلُقَتْ كُل واحِدَةٍ طَلْقَتَينِ) لأنَّ قولَه ذلك حَلِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما، وحَلِفُه بكلِّ واحدةٍ يَقْتَضِي طلاقَ الثِّنْتَينِ، فطَلُقَتا بحَلِفِه بطلاقِ واحدةٍ طَلْقةً طلقةً، وبحَلِفِه بطَلاقِ الأُخْرَى طَلْقةً طلقةً. ٣٥٨٩ - مسألة: (وإن قال: كُلَّما حَلَفْتُ بِطَلاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ. أوْ: فَضَرَّتُهَا طَالِقٌ. وأعَادَهُ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُن (٢) (طَلْقَةً) لأنَّ حَلِفَه بطَلاقِ واحدةٍ إنَّما اقْتَضَى طلاقَها وحدَها، وما حَلَفَ بطلاقِها إلا مَرَّةً، فلا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً. فصل: وإن قال لإِحْداهُما: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِكِ فهي طالقٌ. ثم قال لأُخْرَى مثلَ ذلك، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، ثم إن أعادَ ذلك

стр. 11030

وَإنْ قَال لإِحْدَاهُمَا: إِذَا حَلَفْتُ بِطَلاقِ ضَرَّتِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ قَال ذَلِكَ لِلأُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى، فَإِنْ أَعَادَهُ لِلأُولَى، طَلُقَتِ الْأُخْرَى. ــ لإِحْداهما، طَلُقَتِ الأُخْرَى، ثم إن أعادَه للأُخْرَى، طَلُقَتْ صاحِبَتُها، ثم كلَّما أعادَه لامْرأةٍ، طَلُقَتِ الأُخْرَى، إلَّا أن تكونَ إحْداهما غيرَ مَدْخولٍ بها، أو لم يَبْقَ مِن طلاقِها إلَّا دونَ الثَّلاثِ، فإنَّها إذا بانَتْ صارتْ كالأجْنَبِيَّةِ. فإن قال لإِحْدَاهما: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فهي طالقٌ. ثم قال للأُخْرَى: إذا حَلَفْتُ بطلاقِك فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ في الحالِ، ثم إن قال للأُولَى مثلَ ما قال لها، أو قال للثَّانيةِ مثلَ ما قال لها، طَلُقَتِ الثَّانيةُ، وكذلك الثَّالثةُ، ولا يَقَعُ بالأُولَى بهذا طلاقٌ؛ لأنَّ الحَلِفَ في الموضِعَينِ إنَّما هو بطَلاقِ الثَّانيةِ. ولو قال للأُولَى: إن حَلَفْتُ بطلاقِكِ فأنتِ طالقٌ. ثم قال للأُخْرَى: إن حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فهي طالقٌ. طَلُقَتِ الأُولَى (١)، ثم متى أعادَ [أحَدَ] (٢) هذين الشَّرْطَينِ مَرَّةً أُخْرَى، طَلُقَتِ الأُولَى ثانيةً، وكذلك الثَّالثةُ، ولا يقَعُ بالثَّانيةِ بهذا طلاقٌ. ولو قال لإِحْداهما: إذا حَلَفْتُ [بطلاقِكِ فَضَرَّتُكِ] (٣) طالقٌ. ثم قال للأُخْرَىِ: إذا حَلَفْتُ بطلاقِ ضَرَّتِك فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ واحدة منهما؛ لأنَّه في الموضِعَينِ عَلَّقَ طلاقَ الثَّانيةِ على الحَلِفِ بطلاقِ الأُولَى، ولم يَحْلِفْ

стр. 11031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بطلاقِها. ولو أعادَ ذلك لهما، لم (١) تَطْلُقْ واحدةٌ منهما، وسَواء تَقَدَّمَ القولُ للثَّانيةِ على القولِ للأُولَى، أو تأَخَّرَ عنه. فصل: فإن كان له ثلاثُ نِسْوَةٍ، فقال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ زَينبَ فعَمْرَةُ طالقٌ. ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرةَ فحفْصةُ طالقٌ. ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حَفْصَةَ فزينبُ طالقٌ. طَلُقَتْ عَمْرَةُ. وإن جعلَ مكانَ زينبَ عَمْرةَ، طَلُقَتْ حَفْصةُ. ثم متى أعادَه بعدَ ذلك، طَلُقَتْ منهنَّ واحدةٌ، على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه. وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ زينبَ فنِسائِي طَوالِقُ. [ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرَةَ فنِسائِي طَوالِقُ. ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حفْصةَ فنِسائِي طوالقُ. طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَتَينِ؛ لأنَّه لمَّا قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ عَمْرةَ فنسائِي طوالقُ] (٢). فقد حَلَفَ بطلاقِ زينبَ بعدَ تَعْليقِه طلاقَ نِسائِه على الحلفِ بطلاقِها، فطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَةً، ولمَّا قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ حفصةَ فنِسائِي طوالِقُ. فقد حَلَفَ بطلاقِ عَمْرَةَ [وزينبَ، فطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طلقةً بحَلِفِه بطلاقِ عَمرةَ] (٢)، ولم يَقَعْ بحَلِفِه بطلاقِ زينبَ شيءٌ؛ لأنَّه قد حَنِثَ به مَرَّةً فلا يَحْنَثُ ثانيةً. ولو كان مكانَ قولِه: «إن». «كلَّما»، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ ثلاثًا؛ لأنَّ «كُلَّما» تَقْتَضِي التَّكْرارَ. ولو قال: كلَّما حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ منكنَّ فأنْتُنَّ طوالقُ. ثم

стр. 11032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أعادَ ذلك مَرَّةً ثانيةً، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّه بإعادَتِه حالِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهنَّ، وحَلِفُه بطلاقِ كلِّ (١) واحدةٍ شَرْطٌ لطلاقِهنَّ جميعًا. وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ منكنَّ فأنْتُنَّ طوالقُ. ثم أعَادَ ذلك، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طَلْقَةٍ؛ لأنَّ «إن» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ. وإن قال بعدَ ذلك لإحْداهُنَّ: إن قمتُ فأنت طالقٌ. [طَلُقَتْ كل واحدةٍ منهنَّ طَلقةً أُخْرَى. ولو قال: كلَّما حَلَفْت بطلاقِكنَّ فأنْتنَّ طوالقُ. ثم أعَادَ ذلك، طَلُقَتْ كل واحدةٍ طَلقةً. فإن قال بعد ذلك لإِحْداهُنَّ: إن قُمْتُ فأنتِ طالقٌ] (٢). لم تَطْلُقْ واحدة منهنَّ. وإن قال ذلك للاثْنَتَين الباقِيَتَينِ، طَلُقَ الجميعُ طَلْقةً طلقةً. فصل: وإن قال لزَوْجتِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدِي فأنتِ طالقٌ. ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِكِ فعَبْدِي حُرٌّ. طَلُقَتْ. ثم إن (١) قال لعَبْدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ فامْرأتِي طالِقٌ. عَتَقَ العبدُ. ولو قال له: إن حَلَفْتُ بطلاقِ امْرأتِي فأنتَ حُرٌّ. ثم قال لها: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدِي فأنتِ طالقٌ. عَتَقَ العبدُ. ولو قال لعبدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ فأنتِ حُرٌّ. ثم أعَادَه، عَتَقَ العبدُ.

стр. 11033

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْكَلَامِ: إِذَا قَال: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأنْتِ طَالِقٌ، فَتَحَقَّقِي ذَلِكَ. أوْ زَجَرَهَا فَقَال: تَنَحَّيْ. أو: اسْكُتِي. أوْ قَال: إِنْ قُمْتِ فَأنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ بِالْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِيَميِنِهِ، لِأنَّ إِتْيَانَهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ الْكَلَامَ الْمُنْفَصِلَ عَنْهَا. ــ فصل في تعْليقِه بالكلام: (إذا قال: إن كلَّمْتُكِ فأنتِ طالقٌ، فتَحَقَّقِي ذلك) طَلُقَتْ؛ لأَنهَ كَلَّمَها بعدَ عَقْدِ اليَمينِ، إلَّا أن يُرِيدَ بعدَ انقِضاءِ كلامِي هذا أو نحوَه. وكذلك إن (زَجَرَها فقال: تَنَحَّيْ. أو: اسْكُتى. أو قال: إن قُمْتِ فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ) لأنَّه كلَّمَها بعدَ عقدِ (١) اليَمِينِ، إلَّا أن يَنْويَ كلامًا مُبْتَدَأً (ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ بالكلامِ المُتَّصِلِ بيَمِينه؛ لأنَّ إتْيانَه به يَدُلُّ على إرادَتِه الكلامَ المنفَصِلَ عنها) وإن سَمِعَها تَذْكُرُه فقال: الكاذبُ عليه لعنةُ اللهِ. حَنِثَ. نَصَّ عليه

стр. 11034

وَإنْ قَال: إِنْ بَدَأْتُكِ بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَقَالتْ: إِنْ بَدَأْتُكَ بِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ. انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إلا أَنْ يَنْويَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ بِبِدَايَتِه إيَّاهَا بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أرَادَ ذَلِكَ بِيَمينِهِ. ــ أحمدُ؛ لأنَّه كَلَّمَها. ٣٥٩٠ - مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ بَدَأْتكِ بِالْكَلام فَأنْتِ طالقٌ. فقالتْ: إن بَدَأْتُكَ به فعَبْدِي حُرٌّ. انْحَلَّت يَمِينُه) لأنَّها كَلَّمَتْه، فلم يَكُنْ كلامُه لها بعدَ ذلك ابْتِداءً (إلَّا أنْ يَنْويَ) أنَّه لا يَبْدَؤُها في مَرَّةٍ أُخْرَى، وبَقِيَتْ يَمِينُها مُعَلَّقةً. فإن بدَأَها بكلامٍ، انحَلَّتْ يَمِينُها أيضًا، وإن بَدَأتْه هي، عَتَقَ عبدُها. هكذا ذكرَه أصحابُنا. قال شيخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ ببِدايَتِه إيَّاها بالكَلامِ في وقْتٍ آخَرَ؛ لأنَّ الظَّاهرَ إرادَتُه ذلك بيَمِينِه).

стр. 11035

وَإِنْ قَال: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأنْتِ طَالِقٌ. فَكَلَّمَتْهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ كَاتَبَتْهُ أوْ رَاسَلَتْهُ، حَنِثَ. ــ ٣٥٩١ - مسألة: (وإذَا قَال: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فأنْتِ طَالِقٌ. فَكَلَّمَتْهُ فلم يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِه أوْ غَفْلَتِه، أوْ كَاتَبَتْهُ أو رَاسَلَتْهُ، حَنِثَ) إذا كَلَّمَتْه فلم يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِه أو غَفْلَتِه، حَنِثَ؛ لأنَّها كَلَّمَتْه، وكذلك إن كَاتَبَتْه أو راسَلَتْه، إلَّا أن يكونَ قَصَدَ أن لا تُشافِهَه. نَصَّ عليه أحمدُ، وذلك لقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (١). ولأنَّ القَصْدَ بالتَّرْكِ لكلامِها إيَّاه هِجْرانُه، ولا يحْصُلُ ذلك مع مُواصَلَتِه بالرُّسُلِ والكُتُبِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ إلَّا أنْ يَنْوىَ تَرْكَ ذلك، لأنَّ هذا القِسْمَ ليس بِتكَلُّم حقيقةً، ولأنَّه لو حَلَفَ (٢) ليكَلِّمنَّه (٣)، لم يَبَرَّ (٤) بذلك إلَّا أن يَنْويَه، فكذلك

стр. 11036

وَإنْ أشَارَتْ إِلَيهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ. ــ لا يحْنَثُ به. فإن أرْسَلَتْ إنْسانًا يسْألُ أهلَ العلمِ عن مسْألةٍ [أو حَديثٍ] (١)، فجاءَ الرَّسولُ فسألَ المحْلُوفَ عليه، لم يَحْنَث بذلك. ٣٥٩٢ - مسألة: (وإن أشارَتْ إليه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ) أحدُهما، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه لَم يُوجَدِ الكلامُ. والثَّاني، تَطْلُقُ؛ لأنَّه يحْصُلُ به مقْصودُ الكلامَ. والأوَّلُ أوْلَى.

стр. 11037

وَإنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ أَوْ أَصَمَّ بحَيثُ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُكَلِّمُهُ، أَوْ مَجْنُونًا بِحَيثُ يَسْمَعُ كَلَامَهَا، حَنِثَ. وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ. ــ ٣٥٩٣ - مسألة: (وَإنْ كَلَّمَتْه سَكْرَانَ أو أصَمَّ، بحَيثُ يَعْلَمُ أنَّها تُكَلِّمُهُ، أوْ مَجْنُونًا يَسْمَعُ كَلامَهَا، حَنِثَ) لأنَّ السَّكْرانَ يُكلَّمُ ويَحْنَثُ، ورُبَّما كان تكْلِيمُه في حالِ سُكْرِه أضَرَّ مِن تَكْليمِه في صَحْوه، ولأنَّ المجنونَ يسْمَعُ الكلامَ أيضًا ويَحْنَثُ، وكذلك إن كَلَّمتْ صَبِيًّا يَسْمَعُ ويَعْلَمُ أنَّه مُكَلَّمٌ حَنِثَ. فأمَّا إن جُنَّتْ هي، وكَلَّمتْهُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ القَلَمَ مرْفوعٌ عنها، ولم يَبْقَ لكلامِها حُكْمٌ. وإن كَلَّمَتْه سَكْرانةً، حَنِثَ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ الصَّاحِي (وقيلَ: لا يَحْنَثُ) لأنَّه لا عَقْلَ لها. [فإنْ كان السَّكْرانُ أو المجنونُ مصروعًا، لم يَحْنَثْ] (١).

стр. 11038

وَإنْ كَلَّمَتْهُ مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عَلَيهِ، أو نَائِمًا، لَمْ يَحْنَثْ. وَقَال أَبُو بَكرٍ: يَحْنَثُ. ــ ٣٥٩٤ - مسألة. (وَإنْ كَلَّمَتْه مَيِّتًا، أو غَائِبًا، أو مُغْمًى عليهِ، أو نَائِمًا، لم يَحْنَثْ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ) لقَوْلِ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ : كَيفَ تُكَلِّمُ أجْسَادًا لَا أرْواع فيها؟ (١) ولَنا، أنَّ التَّكْليمَ فِعْلٌ يتَعدَّى إلى المُتَكَلَّمِ، وقد قِيلَ: إنَّه مأْخُوذٌ مِن الكَلْمِ، وهو الجُرْحُ؛ لأنَّه يُؤثِّرُ فيه كتَأْثيرِ الجُرْحِ، ولا يكونُ ذلك إلَّا بإسْماعِه (٢)، فأمَّا تَكْليمُ النبيِّ ﷺ المَوْتَى، فَمِن مُعْجِزَاتِه، فإنَّه قال: «مَا أنْتُمْ بأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ». ولم يَثْبُتْ هذا لغيرِه، وقولُ أصحابِ النبيِّ ﷺ : كيف تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فيها؟ حُجَّةٌ لنا، فإنَّهم قالوا ذلك اسْتِبعادًا (٣)، أَو سُؤالًا

стр. 11039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمَّا خَفِيَ عنهم سَبَبُه وحِكْمَتُه، حتى كَشَفَ لهم النبيُّ ﷺ حِكْمَةَ (١) ذلك بأمْرٍ مُخْتَصٍّ به، فيَبْقَى الأمْرُ [في حَقِّ مَن] (٢) سِوَاه على النَّفْي. وإن سَلَّمَتْ عليه حَنِثَ؛ لأنَّه كلامٌ. فإن كان أحَدُهما إمامًا، والآخَرُ مَأْمُومًا، لم يَحْنَثْ بتَسْلِيمِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه للخُروجِ منها، إلَّا أن يَنْوِيَ بتَسْلِيمِه (٣) المأْمُومِينَ، فيكونُ حُكْمُه كما لو سَلَّمَ عليهم في غيرِ الصَّلاةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَث بحالٍ؛ لأنَّ هذا لا يُعَدُّ تَكْليمًا، ولا يُريدُه الحالِفُ. فصل: وإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ إنْسانًا، فكَلَّمَ غيرَه وهو يسْمَعُ، يَقْصِدُ بذلك إسْماعَه، كما لو قال: * إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ (٤) حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فكلَّمَ إنسانًا وهو يَسْمَعُ، يُرِيدُ بكَلامِه إيَّاه المحْلُوفَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه قد أرادَ تَكْليمَه. ورُوِيَ عن أبي بَكْرةَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ؛ فإنَّه كان (١) حَلَفَ أن لا يُكَلِّمَ أخَاه زِيادًا، فأرادَ زيادٌ الحَجَّ، فجاءَ أبو بَكْرةَ، فدخلَ

стр. 11040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قصرَه وأخذَ ابنَه في حِجْرِه، فقال: إنَّ أباكَ يُريدُ الحَجَّ والدُّخولَ على زَوْجِ رسول اللهِ ﷺ بهذا السَّبَب، وقد علمَ أنَّه غيرُ صَحيحٍ. ثم خرَجَ، ولم يَرَ أنَّه كلَّمَه (١). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أسْمَعَه كلامَه يُريدُه به، فأشْبَهَ ما لو خاطَبَه به، ولأنَّ مقْصودَ تكْليمِه قد حَصَلَ بإسْماعِه كلامَه. فصل: فإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ امرأتَه، فجامَعَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه هِجْرانَها. قال أحمدُ في رجلٍ قال لامرأتِه: إن كَلَّمْتُك خمسةَ أيَّام فأنتِ طالقٌ. ألَهُ (٢) أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها؟ فقال: أيُّ شيءٍ [كان بُدُوُّ هذا، أيَسُوءُها أو يغيظُها] (٣)؟ فإن لم تكُنْ له نِيَّةٌ، فله أن يُجامِعَها ولا يُكَلِّمَها. وإن حَلَفَ لا يَقْرأُ كتابَ فلانٍ، فقَرأَه في نفسِه، ولم يُحَرِّكْ شَفَتَيه به (٤)، حَنِثَ؛ لأنَّ هذا قراءةُ الكُتُبِ في عُرْفِ النَّاسِ، فتَنْصرِفُ يَمِينُه إليه، إلَّا أن يَنْويَ حقيقةَ القراءة (٥). قال أحمدُ: إذا حَلَفَ: لا قَرَأْتُ لفُلانٍ كتابًا. ففَتَحَه حتى اسْتَقْصَى آخِرَه، إلَّا أنَّه لم يُحَرِّكْ (٦) شَفَتَيه،

стр. 11041

وَإنْ قَال: لِامْرَأَتيهِ: إِن كَلَّمْتُمَا هَذَينِ فَأنْتُمَا طَالقَتَانِ. فَكَلَّمَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا، طَلُقَتَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ــ فإن أرادَ: أن [لا يَعْلَمَ] (١) ما فيه، فقد عَلِمَ ما فيه وقرأه. ٣٥٩٥ - مسألة: (فإن قال لامْرَأتَيه: إنْ كَلَّمْتُما هَذَينِ) الرجُلَينِ (فَأنْتُما طَالِقَتَانِ. فَكَلَّمَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنْهُما وَاحِدًا، طَلُقَتا. وَيَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْنَثَ حَتَّى تُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ واحدٍ منهما) هذه المسألةُ فيها وَجْهانِ؛ أحْدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقَتانِ. فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيضَةً. وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابتَّيكُما فأنْتُما طالقتان. فرَكِبَتْ كلُّ واحدةٍ دابتَّهَا. والثاني، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كُلُّ واحدةٍ منهما الرَّجلَين معًا؛ لأنَّه عَلَّقَ طَلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدة بكلامِ الأُخْرَى

стр. 11042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحدَها. وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ. وهو أوْلَى إن شَاء اللهُ تعالى، إذا لم تكُنْ له نِيَّةٌ. وهكذا إن قال: إن دَخْلتُما هاتَين الدَّارَينِ. فالحُكْمُ فيها كذلك؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ. قال شيخُنا (١): [وهذا] (٢) فيما لم تَجْرِ العادَةُ بانْفِرادِ الواحِدَةِ به. فأمَّا ما جَرَتِ العادةُ بانْفرادِ الواحدَةِ فيه بالواحدِ، كنحو: رَكِبَا دابَّتَيهما، ولَبِسا ثوبَيهما، وتَقَلَّدا سَيفَيهما، واعْتَقَلا رُمْحَيهما، ودَخَلا بزَوْجَتَيهما. وأشْباه هذا، فإنَّه يَحْنَثُ إذا وُجِدَ (٣) منهما مُنْفَردَينِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك،

стр. 11043

وَإنْ قَال: إِنْ أمَرْتُكِ فَخَالفْتِنِي فَأنْتِ طَالِقٌ. فَنَهَاهَا وَخَالفَتْهُ، لَمْ ــ فهو على الوَجْهَينِ. فأمَّا إن قال: إن أكلْتُما هذَينِ الرَّغِيفَينِ. فأكلتْ كُلُّ واحدةٍ منهما رَغِيفًا، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغيفينِ، بخِلافِ الرَّجُلَينِ والدَّارَينِ. ٣٥٩٦ - مسألة: (فَإنْ قَال: إنْ أمَرْتُكِ فخالفْتِني فأنْتِ طالقٌ

стр. 11044

يَحْنَثْ، إلَّا أنْ يَنْويَ مُطْلَقَ الْمُخَالفَةِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ تَطْلُقَ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، حَنِثَ. ــ فَنَهاها فخالفَتْه، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يَنْويَ مُطْلقَ المُخالفَةِ) اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها خالفَتْ [نَهْيَه لا أمْرَه] (١) (وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ إذا لم يَكُنْ ممَّن يَعْرِفُ حقيقةَ الأمْرِ والنَّهْي) لأنَّه إذا كان كذلك فإنَّما يُريدُ نَفْيَ المُخالفَةِ. (ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ) بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الأمْرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضدِّه، والنَّهْيُ عنه أمْرٌ بضدِّه، فقد خالفَتْ أمْرَه. وإن قال لها: إن نَهَيتِني عن نَفْعِ أُمِّي فأنتِ طالقٌ. [فقالت له] (٢): لا تُعْطِها مِن مالِي شيئًا. لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ إعْطاءَها مِن مالِها لا يَجوزُ، ولا يجوزُ النَّفْعُ به، فيكونُ هذا النَّفْعُ مُحَرَّمًا، فلا تَتَناوَلُه يَمِينُه. ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ؛ لأنَّه نَفْعٌ، ولَفْظُه عامٌّ، فيَدْخلُ المُحَرَّمُ فيه.

стр. 11045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا قل: أنتِ طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالٍ كَوْنِ محمدٍ فيها مع خالدٍ. وذَكَرَ القاضي أنَّه يَحْنَثُ بكلامِ زيدٍ فقط؛ لأنَّ قوْلَه: ومحمدٌ مع خالدٍ. اسْتِئْنافُ كلام؛ بدليلِ أنَّه مَرْفوعٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه متى أمْكَنَ جعلُ الكلامِ مُتَّصِلًا كان أوْلَى مِن فَصْلِه، والرَّفْعُ لا يَنْفِي كَوْنَه حالًا، فإنَّ الجملةَ مِنَ المُبتَدأَ والخَبَرِ تكونُ حالًا، كقولِه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (١). وقال: ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢). وهذا كثيرٌ، فلا يجوزُ قَطْعُه عن الكلامِ الذي هو في سِياقِه مع إمْكانِ وَصْلِه به، ولو قال: إن كلُّمْتِ زيدًا ومحمدٌ مع خالدٍ [فأنتِ طالقٌ] (٣). لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا في حالِ كَوْنِ محمدٍ مع خالدٍ، فكذلك إذا تأخَّرَ قولُه: محمدٌ مع خالدٍ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمْتِ زيدًا وأنا غائِبٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في حالِ غَيبَتِه. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا وأنتِ راكِبَةٌ. أو: وهو راكبٌ. أو: ومحمدٌ راكبٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه في تلك الحالِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كَلَّمتِ زيدًا ومحمدٌ أخوه مريضٌ.

стр. 11046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَه وأخوه محمدٌ مريضٌ. فصل: وإن قال: إن كلَّمْتِنِي إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. أو: حتى يَقْدَمَ زيدٌ، فأنتِ طالقٌ. فكَلَّمَتْه قبلَ قُدومِه، حَنِثَ، لأنَّه مَدَّ المنْعَ إلى غايةٍ هي قُدومُ زيدٍ، فلا يَحْنَثُ بعدَها. فإن قال: أرَدْتُ إنِ اسْتَدَمْتِ كلامِي مِن الآنَ إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. دُيِّنَ، وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.

стр. 11047

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالإذْنِ: إِذَا قَال: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيرِ إِذْنِي. أوْ: إلا بِإِذْنِي. أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فَانْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ أذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ، ثمَّ خَرَجَتْ بِغَيرِ إِذْنِهِ، طَلُقَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَطْلُقُ إلَّا ــ فصلٌ في تعليقِه بالإِذْنِ: ٣٥٩٧ - مسألة: (إذا قال: إن خَرَجْتِ بغَيرِ إذْنِي. أوْ: إلَّا بإذْنِي. أوْ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، فأنْتِ طالقٌ. ثُمَّ أَذِنَ لَهَا، فَخرَجَت، ثُمَّ خَرَجَتْ بغَيرِ إذْنِه، طَلُقَتْ) لخُرُوجِهَا بغَيرِ إذْنِهِ (وعنه، لا تَطْلُقُ حَتَّى

стр. 11048

أَنْ يَنْويَ الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَإنْ أَذِنَ لَهَا مِنْ حَيثُ لَا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ. ــ يَنْويَ الإِذْنَ في كُلِّ مَرَّةٍ) لأنَّ «إنْ» لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَتَتناوَلُ الخُروجَ في المرَةِ الأُولَى. ٣٥٩٨ - مسألة: (وإن أذِنَ لها مِن حَيثُ لا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ، طَلُقَتْ) لأنَّها إذا لم تَعْلَمْ فليس بإذْنٍ، لأنَّ الإِذْنَ هو الإِعْلامُ، ولم يُعْلِمْها (ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ) لأنَّه يُقَالُ: أذِنَ لها ولم تَعْلمْ.

стр. 11049

وَإنْ قَال: إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيرِ الْحَمَّامِ بِغَيرِ إِذْنِي فَأنْتِ طَالِقٌ. ــ ٣٥٩٩ - مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ خَرَجْتِ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ بغَيرِ إذْنِي فَأنْتِ طالقٌ) فخَرَجَتْ إلَى غَيرِ الحَمَّامِ طَلُقَتْ، سَواءٌ عَدَلَتْ إلَى

стр. 11050

فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْحَمَّامَ وَغَيرَهُ، طَلُقَتْ. وَإنْ خَرَجَتْ إِلَى الْحَمَّامِ ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى غَيرِهِ، طَلُقَتْ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تَطْلُقَ. ــ الحَمَّامِ أو لم تَعْدِلْ. وإن (خَرَجَتْ تُريدُ الحَمَّامَ وغيرَه) ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّها خرَجَتْ إلى غيرِ الحَمَّامِ، وانْضمَّ إليه غيرُه، فحَنِثَ بما حَلَفَ عليه، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زيدًا، [فكلَّمَ زيدًا وعمرًا] (١) والثَّاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّها ما (٢) خرجَتْ إلى غيرِ الحمَّامِ، بل الخُرُوجُ مُشتَرَكٌ. ٣٦٠٠ - مسألة: (وَإنْ خَرَجَتْ تُرِيدُ الحَمَّامَ ثُمّ عَدَلَتْ إلَى غَيرِه) فقياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ ظاهِرَ هذه اليَمِينِ المنْعُ مِن غيرِ الحَمَّامِ، فكيفما صارتْ إليه حَنِثَ، كما لو خالفَتْ لَفْظَه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.

стр. 11051

وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّها لم تَفْعَل ما حَلَفَ عليه وتَناوَلَه لَفْظُه. ونَقَلَ الفَضْلُ بنُ زيادٍ عن أحمدَ أنَّه سُئِلَ: إذا حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَخْرُجَ مِن بغْدادَ إلَّا لنُزْهَةٍ، فخرجَ إلى النُّزْهةِ، ثم مَرَّ إلى مكَّةَ، فقال: النُّزْهة لا تَكونُ إلى مكَّةَ. فظاهرُ هذا أنَّه أحْنَثَه، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا. وقال في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاقِ أن لا يَأْتِيَ أرْمِينيَةَ (١) إلَّا بإذْنِ امرأتِه، فقالتِ امرأتُه: اذهبْ حيثُ شِئْتَ. فقال: لا حتى تقولَ: إلى أرْمِينيَةَ. والصحيحُ أنَّه متى أذِنَتْ له إذْنًا عامًّا لم (٢) يَحْنَثْ. قال القاضي: وهذا مِن كلامِ أحمدَ محمولٌ على أنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَضَبِ والكَرَاهةِ، ولو قالت هذا بطِيبِ قَلْبِها، كان إذْنًا منها، وله الخُروجُ، وإن كان بلَفْظٍ عامٍّ. ٣٦٠١ - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أن لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، فَعُزِلَ، فَهَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُه؟ عَلَى وَجْهَينِ) وهذا مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلَفَ

стр. 11052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يمينًا عامَّةً لسَبَبٍ خاصٍّ، هل تَخْتَصُّ يَمِينُه بسَبَبِ اليَمينِ؟ على وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّها تَخْتَصُّ به؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أرادَه، فاخْتَصتْ يَمِينُهُ به، كما لو نَوَاه. فعلى هذا، تَنْحَلُّ يَمينُه؛ لأنَّه إنَّما حَلَفَ عليه لكَوْنِه عامِلًا له. وهذا قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ يَمينَه تُحْمَلُ على العُمُومِ، فقال في مَن قال: للهِ عليَّ أن لا أصِيدَ في هذا النَّهرِ. لظُلْمٍ رآه، فتَغَيَّرَ حالُه، فقال: النَّذْرُ يُوفَى به. وذلك لأنَّ اللَّفْظَ دليلُ الحُكْمِ، فيَجِبُ اعْتِبارُه في الخُصُوصِ والعُمُومِ، كما في لَفْظِ الشَّارِعِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السَّبَبَ الخاصَّ يدُلُّ على قَصْدِ الخُصوصِ، ويقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ عند عَدَمِها (١)؛ لدَلالتِه عليها، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ به اللَّفْظُ العامُّ كالنِّيَّةِ، وفارَقَ لَفْظَ الشَّارِعِ، فإنَّه يُرِيدُ بيانَ الأحْكامِ، ولا يَخْتَصُّ بمحَل السَّبَبِ؛ لكَوْنِ الحاجَةِ داعِيةً إلى مَعْرفةِ الحُكْمِ في غيِر محَلِّ السَّببِ. فعلى هذا، لو قامتِ امْرأتُه لتَخْرُجَ فقال: إنْ خَرَجْتِ فأنتِ طالقٌ. فرَجَعَتْ، ثُمَّ خرجتْ بعدَ ذلك، أو دَعَاهُ إنْسانٌ إلى غَدَائِه، فقال: امْرأتِي طالقٌ إن تَغَدَّيتُ. ثم رَجَعَ فتَغَدَّى في مَنزِله، لم يَحْنَثْ على الأوَّلِ، ويَحْنَثُ على الثاني. وإن حَلَفَ لعامل أنْ لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، أو حَلَفَ بذلك على امْرأتِه أو مَمْلوكِه، فَعَزلَ العامِلَ، أو طَلَّقَ المرأةَ، أو بَاعَ المَمْلُوكَ، أو حَلَفَ على وَكيلٍ فَعَزَلَه، خُرِّجَ في ذلك كُلِّه وَجْهانِ.

стр. 11053

فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ: إذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ. أوْ: كَيفَ شِئْتِ. أوْ: حَيثُ شِئْتِ. أوْ: مَتَى شئْتِ. لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ. سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَو التَّرَاخِي. ــ فصلٌ في تعليقِه بالمشِيئَةِ: (إذَا قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ) أو: إذا شئْتِ (أو: متى شِئتِ) أو: كلَّما شِئْتِ (أو: كيف شِئْتِ. أو: حيث شئتِ) أو: أنَّى شئتِ. (لم تَطْلُقْ حتى تقولَ: قد شئْتُ) لأنَّ ما في القَلْبِ لا يُعْلَمُ حتى يُعَبِّرَ عنه اللسانُ، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ بما يَنْطِقُ به، دُونَ ما في القَلْبِ، فلو شاءت بقلْبِها دُونَ نُطْقِها، لم يَقَعْ به طَلاقٌ. ولو قالت: قد شِئْتُ. بلسانِها وهي كارِهَة، وقَعَ الطَّلاقُ، اعْتِبارًا بالنُّطْقِ. وكذلك إن عَلَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئةِ غيرِها. ٣٦٠٢ - مسألة: ومَتى وُجِدَتِ المَشيئةُ بِاللِّسَانِ، وَقَعَ الطلاقُ (سَوَاء كان علَى الفَوْرِ أو التَّرَاخِي) نَصَّ عليه أحمدُ، في تَعْليقِ الطَّلاقِ بمشِيئَةِ فُلانٍ، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ حيثُ شئتِ. أو: أينَ شئتِ.

стр. 11054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونحوَ هذا قال الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ. وقال أبو حنيفةَ دُونَ صاحِبَيه: إذا قال: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ. تَطْلُقُ في الحالِ طَلْقةً رَجْعِيَّةً؛ لأنَّ هذا ليسِ بشَرْطٍ، إنَّما هو صِفَةٌ للطَّلاقِ الواقعَ بمَشِيئَتِها. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاق إلى مَشِيئَتِها، فأشْبَهَ ما لو قال: حيت شِئْتِ. وقال الشافعيُّ في جميعِ الحروفِ: إن شاءَتْ (١) في الحالِ، وإلَّا فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا تَمْليكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِى. وقال أصحابُ الرَّأْي في «إن» كقولِه، وفي سائرِ الحُروفِ كقَوْلِنا؛ لأنَّ هذه الحُروفَ صَرِيحةٌ في التَّراخِي، فحُمِلَتْ على مُقْتَضاها، بخِلافِ «إن»، فإنَّها لا تَقْتَضِي زمانًا، وإنَّما هي لمُجَرَّدِ الشَّرْطِ، فتُقَيَّدُ بالفَوْرِ بقضِيَّةِ (٢) التَّمْلِيكِ (٣). وقال الحسنُ، وعطاءٌ، في قولِه: أنتِ طالقٌ إن شِئْتِ. إنَّما ذلك ما دامَا في المجْلِسِ. ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ، [فكان على التَّراخِي، كسائِرِ التَّعْليقِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ على المشيئةِ] (٤)، فكان على التَّراخِي، كالعتقِ، وفارقَ: اخْتارِي (٥). فإنَّه ليس بشَرْطٍ،

стр. 11055

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالاخْتِيَارِ. وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ. فَقَالتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ. فَقَال: قَدْ شِئْتُ. لَمْ تَطْلُقْ. ــ إنَّما هو تَخْييرٌ، فتَقَيَّدَ بالمجلسِ، [كخِيَارِ المجْلِسِ] (١). (ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المجْلِسِ، كالاخْتِيَارِ) لأنَّه تَمْلِيكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِي. والصَّحيحُ الأوَّلُ. وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بين الأصْلِ والفَرْعِ. فإن قَيَّدَ المَشِيئَةَ بوقْتٍ، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ اليومَ. تَقَيَّدَ به، فإنْ خَرَجَ اليومُ قبلَ (٢) مَشِيئَتِها، لم تطْلُقْ. وإن عَلَّقَه على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، لم يَقَعْ حتى تُوجَدَ مَشِيئَتُهما. وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا، أنَّه يَقَعُ بمَشِيئَةِ أحدِهما، كما يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه. وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا. ٣٦٠٣ - مسألة: (وَإن قَال: أنتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ. فَقالتْ: قَدْ شِئْتُ إن شِئْتَ. فقَال: قَدْ شِئْتُ. لَمْ تَطْلُقْ) لأنَّها لم تَشَأْ، فإنَّ المشِيئَةَ أمْرٌ حَقِيقيٌّ، لا يَصِحُّ تَعْليقُها على شَرْطٍ. وكذلك إن قالتْ: قد شئتُ إن طَلَعَتِ الشَّمسُ. نَصَّ أحمدُ على هذا، وهو قولُ سائِرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. قال ابنُ

стр. 11056

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ. لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا. ــ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. فقالتْ: قد شِئْتُ إن شاءَ فُلانٌ. أنَّها قد رَدَّتِ الأمْرَ، ولا يَلْزَمُها الطَّلاقُ وإن شاءَ فُلان؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منها مَشِيئَةٌ، إنَّما وُجدَ منها تَعْليقُ مَشِيئَتِها بشَرْطٍ، وليس تَعْليقُ المشِيئَةِ بشَرْطٍ مَشِيئَةً. وإن عَلًّقَ الطلاقَ على مَشِيئَةِ اثْنَينِ، فشاءَ أحدُهما على الفَوْرِ، والآخَرُ على التَّراخِي، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ المشِيئَةَ قد وُجِدَتْ منهما جميعًا. ٣٦٠٤ - مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ إنْ شِئْتِ وَشَاءَ أبُوكِ. لم تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاءَا) لأنَّ الصِّفَةَ مشِيئَتُهما، ولا تَطْلُقُ بمشِيئَةِ أحدِهما؛ لعدَمِ وُجودِ الشَّرْطِ.

стр. 11057

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ، لَمْ تَطْلُقْ، ــ ٣٦٠٥ - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِق إنْ شَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أوْ جُنَّ أو خَرِسَ قَبْلَ المَشِيئَةِ، لَمْ تَطلُقْ) لأنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ لم يُوجَدْ. وحُكِيَ عن أبي بكرٍ أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرْطٍ [تَعَذَّر الوقوفُ عليه] (١)، فوقعَ في الحالِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ اللهُ. وليس بصَحيح؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تَعَذَّرَ شَرْطُه، كالمُعَلَّقِ على دُخولِ الدَّارِ. وإن شاءَ وهو مَجْنونٌ، لم يَقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّه لا حُكْمَ

стр. 11058

وَإنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي طَلَاقِهِ، وَإنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طَلُقَتْ، وَإلَّا فَلَا. ــ لكلامِه. (وإن شاءَ وهو سَكْرانُ) فالصَّحيحُ أنَّه لا يَقَعُ؛ لأنَّه زائلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المجْنونَ. وقال أصحابُنا: (يُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ في طلاقِه) والفَرْقُ بينَهما أنَّ إيقاعَ طلاقِه تَغْليظٌ عليه كيلا تكونَ المعْصِيَةُ سَبَبًا للتَّخْفيفِ عنه، وههُنا إنَّما يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِه، فلا يَصِحُّ منه في حالِ زَوالِ عَقْلِه. وإن شاءَ وهو صَبِيٌّ طفلٌ، لم يَقَعْ، كالمجْنونِ. وإن كان يَعْقِلُ الطَّلاقَ، وقَعَ؛ لأنَّ له مَشِيئةً، ولذلك صَحَّ اخْتيارُه لأحدِ أبَوَيه. وإن كان أخْرسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ إشارَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، ولذلك وقَعَ طَلاقُه بها، وإن كان ناطِقًا حال التَّعْليقِ،

стр. 11059

وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أوْ جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ. ــ فخَرِسَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بها؛ لأنَّ طلاقَه في نَفْسِه يَقَعُ بها، فكذلك طلاقُ مَنْ عَلَّقَه بمَشِيئتِه. والثاني، لا يَقَعُ بها؛ لأنَّه حال التَّعْليقِ كان لا يَقَعُ إلَّا بالنُّطْقِ، فلم يَقَعْ بغيرِه، كما لو قال في التَّعْليقِ: إن نَطَقَ فُلانٌ بِمَشيئَتِه فهي طالقٌ. ٣٦٠٦ - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ زَيدٌ. فَمَاتَ أو جُنَّ أوْ خَرِسَ، طَلُقَتْ) فِي الْحَالِ؛ لأنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه (١) بشَرْطٍ، ولم يُوجَدْ. وأمَّا إذا خَرِسَ فشاءَ بالإِشارَةِ، خُرِّجَ فيه الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهما، بِناءً على وُقوعِ الطَّلاقِ بإشارَتِه إذا علَّقَه (٢) على مَشِيئَتِه.

стр. 11060

وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلا أَنْ يَشَاءَ زَيدٌ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الْآخَرِ، لَا تَطْلُقُ. ــ ٣٦٠٧ - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طَالقٌ واحدةً إلَّا أن يَشَاءَ زَيدٌ ثَلاثًا. فَشَاءَ ثَلاثًا) فَقَال أبو بَكْرٍ: (تَطْلُقُ ثَلاثًا فِي أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّ السَّابِقَ إلى الفَهْمِ مِن هذا الكلامِ إيقاعُ الثَّلاثِ إذا شاءَها زيدٌ، كما لو قال: له عَلَيَّ دِرهمٌ إلَّا أن يُقيمَ بَيِّنةً بثلاثةٍ، و: خُذْ درهمًا إلَّا أن تُرِيدَ أكثرَ منه. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيعَ الْخِيَارِ» (١). أي أنَّ بيعَ الخيارِ يَثْبُتُ الخيارُ فيه بعدَ تَفَرُّقِهما. والثَّاني (لا تَطْلُقُ) [إذا شاءَ ثلاثًا. وهو قولُ أصْحابِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ] (٢)؛ لأنَّ

стр. 11061

وَإِنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. طَلُقَتْ، وَإنْ قَال لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. عَتَقَتْ. وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقَ. ــ الاسْتِثْناءَ مِن الإِثْباتِ نَفْيٌ، فتَقْدِيرُه: أنتِ طالقٌ واحدةً، إلَّا أنْ يَشاءَ زيدٌ ثلاثًا فلا تَطْلُقِي. ولأنَّه لو (١) لم يَقُلْ: ثلاثًا. لَما طَلُقَتْ بمشِيئَتِه ثلاثًا، فكذلك إذا قال: ثلاثًا؛ لأنَّه إنَّما ذكرَ الثَّلاثَ صِفَةً لمَشِيئَةِ زيدٍ الرَّافعةِ لطلاقِ الواحدةِ، فيَصِيرُ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أن يُكَرِّرَ زيدٌ مشِيئَتَه ثلاثًا. فأمَّا إن لم يَشَأْ زيدٌ، أو شاءَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، طَلُقَتْ واحدةً. ٣٦٠٨ - مسألة: (وَإنْ قَال: أنْتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ. طَلُقَتْ. وإنْ قَال لأمَتِه: أنْتِ حُرَّةٌ إنْ شَاءَ اللهُ. عَتَقَتْ. وحُكِيَ عنه، أنَّه يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلاقِ) نصَّ أحمدُ، ﵀، على وُقوعِ الطَّلاقِ والعِتْقِ،

стр. 11062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في رِوايةِ جماعةٍ، وقال: ليس هما مِن الأيمانِ. وبهذا قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحول، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالك، واللَّيثُ والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ. وعن أحمدَ ما يدُل على أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، ولا العَتَاقُ. وهو قولُ طاوُس، والحَكَمِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه علَّقه على مشِيئَةٍ لم يُعْلَمْ وُجودُها، فلم يَقَعْ، كما لو علَّقه (١) على مشِيئَةِ زيدٍ، ولقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». روَاه التِّرْمذِي (٢)، وقال: حديث حسنٌ. ولَنا، ما رَوَى [أبو حَمْزَةَ] (٣)، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقولُ: إذا قال

стр. 11063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرجُلُ لامْرأتِه: أنتِ طالق إن شاء الله. فهي طالق. روَاه أبو حفص بإسْنادِه. وعن أبي بُرْدَةَ نحوُه. ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، قالا (١): كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، نَرَى الاسْتِثْناءَ جائِزًا في كلِّ شيءٍ، إلَّا في الطَّلاقِ والعَتَاقِ. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ. وهذا نقل للإِجْماعِ، فإن قُدِّرَ أنَّه قولُ بعْضِهم، فقد انتشرَ، ولم يُعْلَمْ (٢) له مُخافِ، فهو إجْماعٌ، ولأنَّه اسْتِثْناء يَرْفَعُ جمْلةَ الطَّلاقِ، فلم يَصِحَّ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا. ولأنَّه إنْشَاءُ حُكْم في محَل، فلم يَرْتَفِعْ بالمشِيئَةِ، كالبَيعِ والنِّكاحِ، أو نقولُ: إزالةُ مِلْكٍ. فلم يَصِحَّ تَعْليقُه على مشِيئَةِ اللهِ، كما لو قال: أبرَأتك إن شاء الله. أو تَعْليق على ما لا سبيلَ إلى عِلْمِه، فأشْبهَ تَعْليقَه على المُسْتحيلاتِ. والحديثُ لا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الطَّلاقَ [والعَتَاقَ] (٣) إنْشاء، وليس بيَمِين حقيقةً، وإن سُمِّيَ بذلك فَمجاز، لا

стр. 11064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تُتْرَكُ الحَقِيقَةُ مِن أجْلِه، ثم إنَّ الطَّلاقَ إنَّما سُمِّيَ يَمِينًا إذا كان مُعَلَّقًا علي شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُه وتَرْكُه، ومُجَرَّدُ قولِه: أنتِ طالقٌ. ليس بيَمِين حقيقة ولا مَجازًا، فلم يَكُنْ الاسْتِثْناءُ بعدَ يَمِين. وقولُهم: عَلّقَه على مشِيئَةٍ لا تُعْلَمُ. قُلْنا: قد عُلِمَتْ مَشِيئَةُ اللهِ للطَّلاقِ بمُباشَرَةِ الآدَمِيِّ سَبَبَه. قال قَتادةُ: قد شاءَ اللهُ حينَ أذِنَ أنْ تُطَلَّقَ. ولو سَلَّمْنا أنّها لم تُعْلَمْ، لكنْ قد عَلَّقَه على شَرْطٍ يَسْتحيلُ عِلْمُه، فيَكُونُ كتَعْليقِه غلى المُسْتحيلاتِ، يَلْغُو، ويَقَعُ الطَّلاقُ في الحالِ. وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَقَعُ العتقُ دُونَ الطَّلاقِ، وعَلَّلَه أحمدُ، ﵀، بأنَّ العِتْقَ للهِ ، والطَّلاقَ ليس هو للهِ، ولا فيه قُرْبَة إليه، ولأنَّه لو قال لأمَتِه: كلُّ وَلَدٍ تَلِدينَه فهو حُرٌّ.

стр. 11065

وَإنْ قَال: أنْتِ طَالِقٌ إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ. طَلُقَتْ. وَإنْ قَال: إِنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ. فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ فهذا تَعْليقٌ للحُرِّيَّةِ على المِلْكِ، وهو صَحِيح، ولأنّ مَن نَذَرَ العِتْقَ، لَزِمَه الوَفاءُ به، ومَن نَذَرَ الطَّلاقَ، لا يَلْزَمُه الوَفاءُ به، فكما افْتَرَقَا في النَّذْرِ، جازَ أن يَفْتَرِقَا في اليَمِينِ. ٣٦٠٩ - مسألة: (وإنْ قَال: أنْتِ طَالق إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ. طَلُقَتْ) ووَافقَ أصحابُ الشافعيِّ على هذا، في الصَّحيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ، وعَلَّقَ رَفْعَه بمشيئَةٍ لم تُعْلَمْ. ٣٦١٠ - مسألة: (وَإنْ قَال: إنْ لَمْ يَشَأَ اللهُ) أو: مَا لَمْ يَشَأَ اللهُ (فَعَلَى وَجْهَينِ) أحدُهما، يَقَعُ في الحالِ؛ لأنَّ وُقوعَ طلاقِها
следующие страницы →