← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

وَقَال أبو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ الْمَرْأتَانِ. ــ حاكِمٍ) لأنها إذا تَزَوَّجَتْ، فقد تَعَلَّقَ بها حَقُّ الزَّوْجِ الثاني، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه فِي فسْخِ نِكَاحِه، والقرْعَةُ مِن جِهَةِ الحاكِمِ بالفرْقَةِ لا يُمْكِنُ الزَّوْجَ رَفْعُها، فَتَقَعُ الفُرْقَةُ بِالزَّوْجَينِ. قال أحمدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدَةً مِنْهُنَّ، ولم يَدْرِ أيتهُن طَلَّقَ؟ يُقْرَعُ بَينَهنَّ. فإن وقعتِ القُرْعَة على واحدةٍ، ثم ذَكَرَ، فقال: هذه تَرْجِعُ إليه، والتي ذَكَرَ أنَّها التي طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلاقُ عليها، فإن تَزَوَّجَتْ، فهذا شيءٌ قد مَرَّ، فإن كان الحاكِم أقْرَعَ بينَهُنَّ، فلا أُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ الحاكمَ في ذلك أكثر منه (وقال أبو بكر وابن حامدٍ: تَطْلُقُ المرْأتان) ولا تَرْجِعُ إليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الثَّانيةَ حَرُمَتْ بقَوْلِه، وتَرِثُه إن مات، ولا يَرِثُها، ويَجِئُ على قِياسِ قوْلِهما، أن تَلْزَمَه نَفَقَتُها، ولا يَحِلَّ وَطْؤُها. والأولَى بالقُرْعَةِ. فصل: إذا قال: هذه المُطَلَّقَةُ. قبِلَ منه؛ لِما ذَكَرْنا. وإن قال: هذه المُطَلَّقَةُ، بل هذه. طَلُقَتا؛ لأنَّه أقَرَّ بطَلاقِ الأولَى، فقُبِلَ إقْرارُه، [ثُم قُبِلَ إقْراره] (١) بطَلاقِ الثَّانيةِ، ولم يُقْبَلْ إضْرابه عن إقْرارِه بطلاقِ الأولَى. وكذلك لو كُنَّ ثلاثًا، فقال: هذه بل هذه، بل هذه.

стр. 11132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طَلُقْنَ كلهُنَّ. وإن قال: هذه أو هذه، بل هذه. طَلُقَتِ الثَّالثةُ، وإحْدَى الأولَيَين. وإن قال: طَلَّقْتُ هذه، بل هذه أو هذه. طَلُقَتِ الأولَى، وإحْدَى الأخْرَيَين. وإن قال: أنتِ طالق، وهذه أو هذه. فقال القاضي: هي كذلك. وذكَرَ أنَّه قَوْلُ الكِسائِي (١). وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ الثانيةُ، ويَبْقَى الشَّكُّ في الأولَى والثَّالثةِ. ووَجه الأوَّلِ أنَّه عَطفَ الأولَى على الثَّانيةِ، بغيرِ شَك، ثم فَصَلَ بينَ الثَّانيةِ والثَّالثةِ بحرفِ الشّك، فيَكُونُ الشكُّ فيهما. ولو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه، [وهذه] (٢). طَلُقَتِ الثَّالثَةُ، وكان الشَّكُّ في الأولَيَين. ويَحْتَمِلُ في هاتَينِ المَسْألَتَين أن يَكونَ الشَّكُّ في الجميعِ؛ لأنَّه في الأولَى أتَى بحَرْفِ الشَّكِّ بعدَهما، فيعودُ إليهما، وفي المسْألَةِ الثَّانيةِ عَطف الثَّالثةَ على الشَّكِّ. فعلى هذا، إذا قال: طَلَّقْتُ هذه [وهذه، أو] (٣) هذه. طُولِبَ بالبَيانِ، فإن قال: هي الثَّالثةُ. طَلُقَتْ وحدَها. وإن قال: لم أطَلِّقْها. طَلُقَتِ الأولَيانِ. وإن لم يُبيِّنْ، أُقْرِعَ بينَ الأولَيَينِ والثَّالثَةِ. قال القاضي في

стр. 11133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «المُجَرَّدِ»: وهذا أصَحُّ. [فإن قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه. أُخِذَ بالبيانِ، فإن قال: هي الأولَى. طَلُقَتْ وحدَها] (١). وإن قال: ليستِ الأولَى. طَلُقَتِ الأخِيرَتانِ، كما لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هاتَين. وليس له الوَطْءُ قبلَ التَّعْيِينِ، فإن فَعَلَ، لم يَكُنْ تَعْيِينًا. وإن ماتَت إحْداهما، لم يَتَعَيَّنِ الطَّلاقُ في الأخْرَى. وقال أبو حنيفةَ: يتَعَيَّنُ الطَّلاقُ في الأخْرَى؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ ثُبُوتِ طلاقِها. ولَنا، أنَّ مَوْتَ إحْداهُما أو وَطْأها، لا يَنْفِي احْتِمال كَوْنِها مُطَلَّقَةً، فلم يَكُنْ تَعْيِينًا لغيرِها، كمرَضِها. وإن قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه، [أو هذه] (١) وهذه. فالظَّاهِرُ أنَّه طَلَّقَ اثْنَتَين، لا يَدْرِي أيَّهما، الأولَيانِ أم الآخِرَتان؟ كما لو قال: طَلَّقْتُ هاتَين أو هاتَين. فإن قال: هما الأولَيَان. تَعَيَّنَ الطلاق فيهما. وإن قال (٢): لم أُطَلِّقِ (٣) الأولَيَين. تَعَيَّن الآخِرَتان. وإن قال: إنَّما أشُكُّ في طَلاقِ الثَّانيةِ والآخِرَتَينِ (٤). طَلُقَتِ الأولَى، وبَقِيَ الشَّكُّ في الثّلاثِ. ومتى فَسَّرَ كلامَه بشيءٍ مُحْتَمِل، قُبِلَ منه. فصل: فإن مات بعْضُهُنَّ أو جَمِيعُهُنَّ، أقْرَعْنا بينَ الجميعِ، فمَن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لها، لم يُوَرَّثْها (٥). وإن مات بعْضُهُن قبلَه وبعْضهُنَّ بعدَه، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِميِّتةٍ قَبْلَه، حَرَمْناه مِيراثَها، وإن خَرَجَتْ لمَيِّتةٍ

стр. 11134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدَه، حَرَمْناها مِيراثَه، والباقياتُ يَرِثُهُنَّ ويَرِثْنَه. فإن قال الزَّوجُ بعدَ مَوْتِها: هذه التي طَلَّقْتُها. أو قال في غيرِ المُعَيَّنة: هذه التي أرَدْتُها. حُرِمَ مِيرَاثَها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، ويَرِثُ الباقياتِ، سَواءٌ صَدَّقَه ورَثتهُنَّ أو كَذَّبُوه؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ بينَهما، وهم يَدَّعُونَ طلاقَه إيَّاها، والأصْلُ عدَمُه. وهل يُسْتَحْلَفُ في ذلك؟ فيه رِوايَتان، فإن قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ. فنَكَلَ، حَرَمْناه مِيراثَها؛ لنُكُولِه، ولم يَرِثِ الأخْرَى؛ لإِقْرارِه بطلاقِها. فإن مات فقال وَرَثته لإحْداهُنّ: هذه المُطَلَّقَةُ. فأقَرَّتْ، أو أقَرَّ ورَثتها بعدَ مَوْتِها، حَرَمْناها مِيراثَه، وإنْ أنْكَرَتْ، أو أنكَرَ ورَثَتُها، فقِياسُ ما ذَكَرْناه أن القولَ قولُها؛ لأنَّها تَدَّعِي بَقاءَ نِكاحِها، وهم يَدَّعُونَ زَواله، والأصْلُ معها، فلا يُقْبَلُ قولُهم عليها إلَّا بِبَينةٍ. وإن شَهِدَ اثْنان مِن وَرَثَتِه أنّه طَلّقَها، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، إذا لم يَكُونا ممَّن يَتَوَفَّرُ عليهما مِيراثُها، ولا على مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما له، [كأمِّهِما وجَدَّتِهما] (١)؛ لأنَّ مِيراثَ إحْدَى الزَّوْجاتِ لا يَرْجِعُ إلى وَرَثَةِ الزَّوجِ، وإنَّما يتَوَفّرُ على ضَرائرِها. وإنِ ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوجاتِ أنَّه طَلَّقَها طلاقًا تَبِينُ به، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه، وإن مات لم تَرِثْه؛ لإقْرارِها بأنَّها لا تَسْتَحِقُّ ميراثَه، فقَبِلْنا قولَها فيما عليها، دُونَ ما لها، وعليها العِدَّةُ؟ لأنَّا لم نَقْبَلْ قوْلَها فيما عليها، وهذا التَّفْريعُ فيما إذا كان الطلاقُ يُبينُها، فإن كان رَجْعِيًّا، ومات في عِدَّتِها، أو ماتت،

стр. 11135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرِثَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه. فصل: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَحَ أُخْرَى بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، ثم مات، ولم يُعْلَمْ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلَّتي تَزَوَّجَها رُبْعُ ميراثِ النِّسْوَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ. ثم يُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ , فأيَّتهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها، حُرِمَتْ، ووَرِثَتِ الباقياتُ نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا. وذهَبَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ الخُرَاسَانِي، وأبو حنيفةَ، إلى أنَّ البَاقِيَ بينَ الأرْبَعِ. وزَعَمَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ جميعًا. وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ البَاقِي بينَهُنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ. ووَجْهُ الأقوالِ (١) ما تَقَدَّمَ. وقد قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُلٍ له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلقَ واحدةً منْهُنَّ ثلاثًا، ووَاحِدَةً اثْنَتَين، وواحدةً واحدةً، ومات على أثَرِ ذلك، ولا يُدْرَى أيَّتهُنَّ طَلَّقَ ثلاثًا، وأيَّتهُنَّ طَلَّقَ اثْنَتَين، وأيَّتهُنَّ (٢) واحدةً: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فالتي أبانَها تَخْرُجُ، ولا مِيراثَ لها. هذا فيما (٣) إذا مات في عِدَّتِهِنَّ، وكان طلاقه في صِحَّتِه، فإنه لا يُحْرَمُ الميراثَ إلَّا المُطَلَّقَةُ ثلاثًا، [والباقيتان رَجْعِيَّتان] (٤)، يَرِثْنَه في العِدَّةِ، ويَرِثُهُنَّ (٥). ومَن انْقضَتْ عِدَّتُها مِنهُنَّ، لم

стр. 11136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَرِثْه ولم يَرِثْها، ولو كان طَلاقُه في مَرَضِه الذي مات فيه، لوَرِثَه الجميعُ في العِدَّةِ، وفيما بعدَها قبلَ التَّزْويجِ رِوايَتان. فصل: إذا طَلَّقَ واحدةً لا بِعَينها، [أو بِعَينها] (١) فأُنْسِيَها (٢)، فأنْقَضَتْ عِدَّةُ الجميعِ، فله نِكاحُ خامِسَةٍ قبلَ القُرْعَةِ. وخَرَّجَ ابنُ حامدٍ وَجْهًا، في أنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُ الخامِسَةِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ في حُكْمِ نِسائِه، بالنِّسْبَةِ إلى وُجُوبِ الإنْفاقِ عليها، وحُرْمَةِ النِّكاحِ في حَقِّها. ولا يَصِحُّ ما قاله؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّ مِنْهُنَّ واحدةً بائنًا منه، ليستْ في نِكاحِه، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاحِه، فكيفَ تكونُ زَوْجَتَه! وإنَّما الإِنْفاقُ عليها لأجْلِ حَبْسِها ومَنْعِها مِن التَّزوُّجِ بغيرِه؛ لأجْلِ اشْتباهها. ومتى عَلِمْناها بعَينها، إمَّا بتَعْيينه، أو بقُرْعَةٍ، فعِدَّتُها مِن حِينَ طَلَّقَها، لا مِن حِينَ عَيَّنهَا. وذَكَرَ أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّ عِدَّتَها مِن حينِ التَّعْيِينِ. وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ حينَ إيقاعِه، وثَبَتَ حُكْمُه في تَحْرِيمِ الوَطْءِ، وحِرْمانِ الميراثِ مِن الزَّوجِ، وحِرْمانِه منها قَبْلَ التَّعْيينِ، فكذلك العِدَّةُ، وإنَّما التعْيينُ تَبْيِينٌ لِمَا كان واقعًا. فإن مات الزَّوْجُ قبلَ التَّعْيِينِ، فعلى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ، في قولِ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعطاء الخُراسَانِيِّ. قال أبو عُبَيدٍ: وهو قولُ أهلِ الحجازِ والعراقِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أنَّها باقية على النِّكاحِ، والأصْلُ بَقاؤه، فتَلْزَمُها عِدَّتُه. والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُ

стр. 11137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كُلَّ واحدةٍ أطوَلُ الأجَلَينِ، مِن عِدَّةِ الوَفاةِ وعِدَّةِ الطَّلاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطلاق مِن حِينَ طَلَّقَ، وعِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكونَ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها المُطَلَّقَةُ، فعليها عِدَّةُ الطَّلاقِ، فلا تَبْرأُ يَقِينًا إلَّا بأطْولِهما. وهذا في الطَّلاقِ البائِنِ، فأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فعليها عِدَّةُ الوفاةِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ. فصل: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ زوْجَها طَلَّقَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِر، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فإن كان لها بما ادَّعَتْه بَيِّنة، قُبلَتْ، ولا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلان. ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أَتَجُوزُ شَهادةُ رَجُلٍ وامْرأتَين في الطَّلاقِ؟ قال: لا (١) واللهِ. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا عَدْلان، كالحدودِ والقِصَاصِ. فإن عُدِمَتِ البَيِّنةُ، استُحْلِفَ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين. نَقَلَها أبو طالبٍ عن أحمدَ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «وَلَكِنَّ اليَمينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (٢). وقولُه: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» (٣). ولأنَّه يَصِحُّ من الزَّوْجِ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمَهْرِ. ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عنه: لا يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ [والنِّكاحِ] (٤)؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالنِّكاحِ

стр. 11138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا ادَّعَى زَوْجيَّتها فأنْكَرَتْه. فإنِ اخْتَلَفا في عَدَدِ الطَّلاقِ، فالقولُ قولُه، لِما ذَكَرْناه. فعلى هذا، إذا طَلّقَ ثلاثًا، وسَمِعَتْ ذلك، فأنْكَرَ، أو ثَبَتَ ذلك عندَها بقولِ عَدْلَينِ، لم يَحِلَّ لها تَمْكِينُه مِن نَفْسِها، وعليها أن تَفِرَّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَمْتَنِعَ منه إذا أرادَها، وتَفْتَدِيَ منه إن قَدَرَت، ولا تَزَيَّنَ له، ولا تَقْرَبَه، وتَهْرُبَ إن قَدَرَتْ، ولا تُقِيمَ معه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. قال (١) جابرُ بنُ زيدٍ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ، وابنُ سِيرِينَ: تفِرُّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَفْتَدِي منه بكُلِّ ما يُمْكِنُ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ: تَفِرُّ منه. وقال مالكٌ: لا تَتَزَيَّنُ له، ولا تُبْدِي له شيئًا مِن شَعَرِها، ولا يُصِيبُها إلَّا مُكْرَهَةً. ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ: يُسْتَحْلَفُ، ثم يَكونُ الإِثمُ عليه. والصَّحِيحُ ما قاله الأوَّلُونَ، لأنَّ هذه تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيّةٌ منه، مُحَرّمَة عليه، فوجب عليها الامْتِناعُ والفِرارُ منه، كسائِرِ الأجانبِ. وهكذا لو ادَّعَى نِكاحَ امْرأةٍ كَذِبًا، وأقامَ بذلك شاهِدَىْ زُورٍ، فحَكَمَ له الحاكِمُ بالزَّوْجِيَّةِ، أو لو تَزَوَّجَها تَزْويجًا باطلًا، فسُلِّمَتْ إليه بذلك، فالحُكمُ في هذا كالحُكْمِ في المُطَلَّقَةِ ثلاثًا. فصل: ولو طَلَّقَها ثلاثًا، ثم جحَدَ طَلاقَها، لم تَرِثْه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، والشافعي، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ: تَرِثُه؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ ظاهِرًا. ولَنا، أنَّها تَعْلَمُ

стр. 11139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّها أجْنَبِيّةٌ، فلم تَرِثْه، كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ. وقال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: تَهْرُبُ منه، ولا تَتَزَوَّجُ حتى يُظْهِرَ طلاقَها، وتَعْلَمَ ذلك، يَجِئُ فيَدَّعِيها، فتُرَدُّ عليه وتُعَاقَبُ، وإن مات ولم يُقِرَّ بِطَلاقِها، لا تَرِثُه، لا تأخُذُ ما ليس لها، تَفِرُّ منه، ولا تَخْرُجُ مِن البَلَدِ، ولكن تَخْتَفِي في بَلَدِها. قيل له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قال: تَقْتُلُه، هي بمَنْزِلَةِ مَن يَدْفَعُ عن نَفْسِه. فلم يُعْجِبْه ذلك. فَمَنَعَها مِن التَّزَوُّجِ قبلَ ثُبُوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكْمِ زَوْجَةُ هذا المُطَلِّقِ، فإذا تَزَوَّجَتْ غيرَه، وَجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرْعِ (١) العُقُوبَةُ، والرّدُّ إلى الأوَّلِ، ويَجْتَمِعُ عليها زَوْجان، هذا بظاهرِ الأمْرِ، وذلك بباطِنِه، ولم يَأذَنْ لها في الخُرُوجِ مِن البَلَدِ؛ لأنَّ ذلك يُقَوِّي التُّهْمَةَ في نُشُوزِها، ولا في قَتْلِه قَصْدًا؛ لأنَّ الدّافِعَ عن نَفْسِه لا يَقْتُلُ قَصْدًا، فأمَّا إن قَصَدَتِ الدَّفْعَ عن نَفْسِها فآلَ إلى نَفْسِه، فلا إثْمَ عليها، ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظَّاهِرِ، فإنَّها تُؤْخَذُ بحُكْمِ القَتْلِ، ما لم يَثْبُتْ صِدْقُها. فصل: قال أحمدُ: إذا طَلَّقَها ثلاثًا، فشَهِدَ أرْبَعَة أنَّه وَطِئَها، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. إنَّما أوْجَبَه، لأنَّها صارَت بالطَّلاقِ أجْنَبِيَّةً، فهي كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحْريمًا؛ لأنَّها مُحَرّمَةٌ وَطْأً ونِكاحًا. فإن جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، ثم قامَتِ البَيِّنةُ بطلاقِه، فلا حَدَّ عليه. وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ الحجازِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ورَبِيعةُ،

стр. 11140

وَإنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَال: إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِق. وَلَمْ يَعْلَمْ حَالهُ، فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ. ــ والشافعي، وَأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ جَحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنَّه نَسِيَه، وذلك شُبْهَةٌ في دَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبِيلَ لنا إلى عِلْم مَعْرِفَتِه بالطَّلاقِ حالةَ وَطْئِه إلَّا بإقْرارِه بذلك. فإن قال: وَطِئْتُها عالِمًا بأننِي كنتُ طَلَّقْتُها ثلاثًا. كان إقْرارًا منه بالزِّنَى، فيُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الإِقْرارِ بالزَّنَى. ٣٦٤٠ - مسألة: (وإن طار طائِرٌ، فقال: إن كان هذا غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ. ولم يَعْلَمْ حاله، فهي كالمنْسِيَّةِ) والحُكْمُ فيها على ما ذَكَرْنا فيها؛ لأنَّها في مَعْناها، والخِلافُ فيها على ما ذَكَرنا.

стр. 11141

وإنْ قَال: إِنْ كَانَ غرَابًا فَفلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ كَان حَمَامًا فَفُلَانَة طَالِق. لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ. ــ ٣٦٤١ - مسألة: (وإن قال: إن كان غُرابًا ففُلانَةُ طالق، وإن كان حَمامًا ففُلانَةُ طالق) لَمْ يُحْكَمْ بحِنْثِه في واحِدَةٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للنِّكاحِ، شاكٌّ في الحِنْثِ، فلا يَزُولُ عن يَقِينِ النِّكاحِ بالشكِّ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أنَّه غيرُهما. فصل: إذا رَأى رجُلان طائِرًا، فحَلَفَ أحَدُهما بالطلاقِ أنَّه غُراب، وحَلَفَ الآخَرُ أنَّه حَمَامٌ. فطارَ، ولم يَعْلَما حاله، لم يُحْكَمْ بحِنْثِ واحدٍ منهما؛ لأنَّ يقينَ النِّكاحِ ثابِتٌ، ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشْكوكٌ فيه. فإنِ ادَّعَتِ

стр. 11142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ امرأةُ أحَدِهما حِنْثَه فيها، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه (١)، واليَقِينَ في جانِبِه. فصل: فإن قال أحَدُ الرَّجُلَينِ: إن كان غُرَابًا فامْرَأتُه طالق ثلاثًا. وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرابًا فامْرأتُه طالقٌ ثلاثًا. فطار، ولم يَعْلَما حاله، فقد حَنِثَ أحَدُهما، لا بعَينه، ولا يُحْكَمُ به في حَقِّ واحدٍ منهما بعَينه، بل تَبْقَى في حَقِّه أحْكامُ النِّكاحِ، مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والسَّكَنِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يَقِينُ نِكاحِه باقٍ، ووُقوعُ طلاقِه مَشْكوكٌ فيه، فأمَّا الوَطْءُ، فذَكَر القاضي، أنَّه يَحْرُمُ عليهما؛ لأنَّ أحَدَهما حانِثٌ يَقِينًا، فامْرأتُه مُحَرَّمَة عليه، وقد أشْكَلَ، فَحَرُمَ عليهما جميعًا، كما لو حَنِثَ في إحْدَى امْرأتَيه لا بعَينها. وقال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ: لا يَحْرُمُ على واحدٍ منهما وَطْءُ امْرأتِه؛ لأنَّه مَحْكُومٌ ببقاءِ نِكاحِه، [ولم يُحْكَمْ بوقُوعِ الطَّلاقِ عليه، وفارَق الحانثَ في إحْدَى امْرأتَيه، فإنَّه معلومٌ زوالُ نِكاحِه] (٢) عن إحْدَى زَوْجَتَيه. قُلْنا: إنَّما تَحَقَّقَ حِنْثُه في واحدةٍ غيرِ مُعَينةٍ، وبالنَّظَرِ إلى كلِّ واحدةٍ مُفْرَدَةٍ، فَيَقِينُ نِكاحِها باقٍ، وطَلاقُها مَشْكوكٌ فيه، لَكِنْ لمَّا تَحَقَّقْنا أنَّ إحْداهما حَرامٌ، ولم يُمْكِنْ تَمْييزُها، حَرُمَتا عليه جميعًا، وكذلك هاهنا قد عَلِمْنا أنّ أحَدَ هذَين الرجُلَينِ قد طَلُقَتِ امْرأتُه، وحَرُمَتْ عليه، وتَعَذَّرَ التمْيِيزُ، فيَحْرُمُ الوَطْءُ

стр. 11143

وَإنْ قَال: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ. فَقَال آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ. وَلَمْ يَعْلَمَاهُ، لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنِ اشْتَرَى ــ عليهما، ويَصِيرُ كما لو تَنَجَّسَ أحَدُ الإناءَين لا بعَينه، فإنَّه يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ كلِّ واحدٍ منهما، سواءٌ كانا لرَجُلَين أو لرَجُل واحدٍ. وقال مَكْحُولٌ: يُحْمَلُ الطَّلاقُ عليهما جميعًا. ومال إليه أبو عُبَيدٍ. فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه عَلِمَ الحال، وأنَّه لم يَحْنَثْ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى. ونحوَ هذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِي، والزُّهْرِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاه. وإن أقَرَّ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه الحانِثُ، طَلُقَتْ زَوْجتاهُما بإقْرارِهما على أنْفُسِهما. وإن أقَرَّ أحَدُهما، حَنِثَ وحدَه. فإنِ ادّعَتِ امرأةُ أحَدِهما عليه الحِنْثَ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه. وهل يَحْلِفُ؟ على رِوايَتَين. ٣٦٤٢ - مسألة: (فإن قال) أحَدُهما: (إن كان غُرابًا فعَبْدِي حُر. وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرَابًا فعَبْدِي حُر. فطار، ولم يَعْلَما) حاله (لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ مِن العَبْدَين) لأنّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ (فإنِ

стр. 11144

أحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخَرِ، أُقْرِعَ بَينَهُمَا حِينَئِذٍ. وَقَال الْقَاضِي: يَعْتِقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ. ــ اشْتَرَى أحَدُهما عبدَ الآخَرِ) بعدَ أن أنْكَرَ حِنْثَ نَفْسِه، عَتَقَ الذي اشْتَرَاه؛ لأنَّ إنْكارَه حِنْثَ نَفْسِه (١) اعْتِرَافٌ منه بحِنْثِ صاحِبِه، وإقْرارٌ منه بعِتْقِ الذي اشْتَراه. وإنِ اشْتَرَى مَن أقرَّ بحُرِّيته، عَتَقَ عليه. وإن لم يَكُنْ منه إنْكارٌ ولا اعْتِرافٌ، فقد صارَ العَبْدان في يَدِه؛ أحَدُهما حُر، لا يُعْلَمُ عَينُه، فيُرْجَعُ في تَعْيِينه إلى القُرْعَةِ. وهو قولُ أبي الخَطَّابِ (وقال القاضي: يَعْتِقُ الذي اشْتَراه) في الموْضِعَينِ؛ لأنَّ تَمَسُّكَهُ بعَبْدِه اعْتِرافٌ منه بِرقِّه وحُرِّيَّةِ صاحِبِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ولَنا، أنَّه لم يَعْتَرِفْ لَفْظًا، ولا فَعَلَ ما يَلْزَمُ منه الاعْتِرافُ، فإنَّ الشَّرْعَ سَوَّغَ له إمْساكَ عبْدِه مع الجَهْلِ، اسْتِنادًا إلى الأصْلِ، فكيف يكونُ مُعْتَرِفًا مع تَصْريحِه بأنَّني لا أعْلَم الحُرَّ منهما! وإنَّما اكْتَفَينا في إبْقاءِ رِقِّ عبدِه باحْتِمالِ الحِنْثِ في حَقِّ صاحِبِه.

стр. 11145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإذا صار العَبْدان له، وأحَدُهما حُرٌّ لا بعَينه، صار كأنهما كانا له، فأعْتَقَ أحَدَهما وحدَه، فيُقرَعُ بينَهما حِينَئذٍ. فإن كان الحالِفُ واحدًا، فقال: إن كان غرابًا فعَبْدِي حُرٌّ، وإن لم يَكنْ غرابًا فأمَتِي حرَّة. ولم يَعْلَمْ حاله، فإنه يُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ أحَدُهما، فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه الذي أُعْتِقَ، أو ادَّعَى كل واحدٍ منهما ذلك، فالقولُ قولُ السَّيِّدِ مع يَمِينه. فصل: فإن قال: إن كان غُرابًا فنِساؤه طوالِقُ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا فعَبِيدُه أحْرارٌ. ولم يَعْلَمْ حاله، مُنِعَ مِن التَّصرُّفِ في المِلْكَين حتى يبينَ، وعليه نَفَقَةُ الجميعِ. فإن كان غُرابًا، طَلَّقَ نِساؤه، ورَقَّ عَبِيدُه. فإنِ ادَّعَى العَبِيدُ أنَّه لم يَكنْ غُرابًا لِيَعْتِقوا، فالقول قولُ السَّيِّدِ. وهل يَحلِفُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين. وإن قال (١): لم يكُنْ غُرابًا. عَتَقَ عَبِيدُه، ولم تَطْلُقِ النِّساءُ. فإنِ ادَّعَين أنَّه كان غرابًا لِيَطْلَّقْنَ، فالقولُ قولُه. وفي تَحْليفِه وَجْهان. وكل مَوْضع قلْنا: يُسْتَحْلَفُ. فنَكَلَ، قُضِيَ عليه بنُكولِه.

стр. 11146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن قال: لا أعْلَمُ ما الطَّائِرُ. فقياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، فإن وَقَعَتِ القُرْعَةُ على الغُرابِ، طَلُقَ النِّساءُ، ورَقَّ العَبيدُ، وإن وَقَعَتْ على العَبِيدِ، عَتقُوا، ولم تَطلُقِ النِّساءُ. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ. [وقال] (١) أصحابُ الشافعيِّ: إن (٢) وقَعَتِ القُرْعَةُ على العَبيدِ، عتَقُوا، وإن وَقَعَتْ على النِّساءِ، لم يَطْلُقْنَ، ولم يَعْتِقِ العَبِيدُ؛ لأَنَّ القُرْعَةَ لها مَدْخَلٌ في العِتْقِ، لكَوْنِ النبيِّ ﷺ أقْرَعَ بينَ العَبِيدِ السِّتَّةِ (٣)، ولا مدْخَلَ لها في الطَّلاقِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ مثلُ ذلك فيه، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على العِتْقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، والقُرْعَةُ لا تَدْخُلُ في النِّكاحِ، [والعِتْقَ] (٤) حَلُّ المِلْكِ، والقُرْعَةُ تَدْخُلُ في تَمْييزِ الأمْلاكِ. قالوا: ولا يُقْرَعُ بينَهم إلَّا بعدَ مَوْتِه. قال شيخُنا (٥): ويُمْكِنُ أن يُقال على هذا: إنَّ ما لا يَصْلُحُ للتَّعْيِينِ في حَقِّ الموْروثِ، لا يَصْلُحُ في حَقِّ الوارثِ، كما لو كانتِ اليَمِينُ في زَوْجَتَين، ولأنَّ الإماءَ مُحرَّماتٌ على الموروثِ تَحْريمًا لا تُزِيلُه القُرْعَةُ، فلم يُبَحْنَ

стр. 11147

وَإنْ قَال لِامْرأتِهِ وَأجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ. أوْ قَال: سَلْمَى طَالِقٌ. وَاسْمُ امْرَأتِهِ سَلْمَى، طَلُقَت امْرَأتُهُ، فَإِنْ أرَادَ الْأجْنَبِيَّةَ، لَمْ تَطْلُقِ امْرَأتُهُ، وَإنِ ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ. وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ للوارثِ بها، كما لو تَعَيَّنَ العِتْقُ فِيهنَّ. ٣٦٤٣ - مسألة: (إذا قال لامْرَأتِه وأجْنَبِيَّةٍ: إحْداكُما طالقٌ) أو قال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طَالقٌ (أو قال: سَلْمَى طالقٌ. واسْمُ امْرَأتِه سَلْمَى، طَلُقَتِ امْرَأتُه) لأنَّه لا يَمْلِكُ طلاقَ غيرِها، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو باعَ ماله ومال غيرِه، صَحَّ في مالِه دُونَ غيرِه. فإن قال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ. لم يُصَدَّقْ. قال أحمدُ في رجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، فقال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طالقٌ. وقال: أردْتُ ابْنَتَكِ الأخْرَى التي ليستْ بزَوْجَتِي: فلا يُقْبَلُ منه. وقال في رِوايةِ أبي داودَ، في رجلٍ له امْرأتانِ، اسْماهُما فاطِمَةُ، ماتتْ إحْدَاهما، فقال: فاطمةُ طالقٌ. يَنْوي المَيِّتةَ، فقال: المَيِّتةُ تَطْلُقُ! قال أبو داودَ: كأنَّه أراد في الروايةِ الأولَى أن لا يُصَدِّقَه في الحُكْمِ، وفي الثَّانيةِ يُدَيَّنُ. وقال القاضي، فيما إذا نَظَرَ إلى امْرأتِه وأجْنَبِيَّةٍ، فقال: إحْداكما طالقٌ (١). وقال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ. فهل يُقْبَلُ؟ على رِوايَتَين. وقال الشافعيُّ: يُقْبَلُ هاهُنا، ولا يُقْبَلُ فيما إذا قال: سَلْمَى

стр. 11148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طالقٌ. وقال: أرَدْتُ أجْنَبِيَّةً اسْمُها سَلْمَى؛ لأنَّ سَلْمَى لا يتَناولُ الأجْنَبِيَّةَ بصَرِيحِه، بل مِن جِهَةِ الدَّليلِ، وقد عارَضَه دليلٌ آخَرُ، وهو أنَّه لا تَطْلُقُ غيرُ زَوْجَتِه، فصارَ اللفْظُ في زَوْجَتِه أظْهَرَ، فلم يُقْبَلْ خِلافُه، أمَّا إذا قال: إحْداكُما. فإنَّه يَتَناوَلُ الأجْنَبِيَّةِ بصَرِيحِه. وقال أصحابُ الرَّأي، وأبو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ في الجميعِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه. ولَنا، أنَّه لا يَحْتَمِلُ غيرَ امْرأتِه على وجهٍ صَحِيح، فلم يُقْبَل تَفْسِيرُه به، كما لو فَسَّرَ كلامَه بما لا يَحتَمِلُه، وكما لو قال: سَلْمَى طالق. عندَ الشافعيِّ، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه مِن الفَرقِ، فإنَّ قولَه (١): إحْداكما. ليس بصَريح في واحدةٍ منهما بعَينها، وسَلمَى يتَناوَلُ واحدةً لا بعَينها، ثم تَعَينَّتِ الزَّوْجَةُ لكَوْنِها مَحَلًّا للطَّلاقِ، وخِطابُ غيرِها به عَبَثٌ، كما إذا قال: إحْداكما طالقٌ. ثم لو تَناوَلَها بصَريحِه لكِن صَرَفَه عنها دَليل، فصار ظاهِرًا في غيرِها، فإنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قال للمُتَلاعِنَين: «أحَدُكُما (٢) كَاذِبٌ» (٣). لم يَنْصرِفْ

стр. 11149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا إلى الكاذِبِ منهما وحدَه، ولمَّا قال حَسَّانُ (١)، يعني النبيَّ ﷺ وأبا سفيانَ: * فشَرُّكما لخيرِكما الفِداءُ * لم ينْصَرِفْ شَرُّهما إلَّا إلى أبي سفيانَ، وخيرُهما إلى النبيِّ ﷺ وحدَه. وهذا في الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى فَيُدَيَّنُ فيه، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه أراد الأجْنَبِيَّةَ، لم تَطْلُقْ زَوْجَتُه، لأنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ له وإن كان غيرَ مُقَيَّدٍ. ولو كانت ثَم قَرِينَة دالَّة على إرادَتِه الأجْنَبيَّةَ، مثلَ أن يَدْفَعَ بيَمِينه ظُلْمًا، أو يتَخلّصَ بها مِن مَكْروهٍ، قُبِلَ قولُه في الحُكْمِ، لوُجودِ الدَّليلِ الصَّارفِ إليها. وإن لم يَنْو زَوْجتَه، ولا الأجْنَبِيَّةَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه، لأنّها محَل الطَّلاقِ، واللَّفْظُ يحْتمِلُها ويَصْلُح لها (٢)، ولم يَصْرِفه عنها، فوقَعَ بها، كما لو نَوَاها.

стр. 11150

وَإنْ نَادَى امْرأتَهُ، فَأجَابَتْهُ امْرأةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَال: أنْتِ طَالِقٌ. يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ، طَلُقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالأُخْرَى، تَطْلُقُ الَّتِي نَادَاهَا. ــ ٣٦٤٤ - مسألة: (فإن نادَى امْرأتَه، فأجابَتْه امْرأةٌ له أُخْرَى، فقال: أنْتِ طالقٌ. يَظُنُّها المُنَاداةَ، طَلُقَتا في إحْدَى الرِّوايَتَين) وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي. واخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّه خاطَبَها بالطَّلاقِ، وهي مَحَلٌّ له، فطَلُقَتْ، كما لو قَصَدَها (والثَّانيةُ، تَطْلُقُ التي ناداها) وحدَها. وهو قولُ الحسَنِ، والزُّهْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ. قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، في رجل له امْرأتانِ فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق. فالْتَفَتَ، فإذا هي غيرُ التي حَلَفَ عليها، قال: قال إبراهيمُ: يَطْلُقان. والحسَنُ يقولُ: تَطْلُقُ التي نَوَى. قيل له: ما تقولُ أنتَ؟ قال: تَطْلُقُ التي نَوَى؛ وذلك لأنَّه لم يَقْصِدْها بالطَّلاق، فلم تَطْلُقْ، كما لو أراد أن يقولَ: أنتِ طاهرٌ. فسَبَقَ لسانُه، فقال: أنتِ طالق. وقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ أنَّها لا تَطْلُقُ. وقال الشافعيُّ: تَطْلُقُ

стр. 11151

وَإنْ قَال: عَلِمْتُ أنَّهَا غَيرُهَا، وَأرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ. طَلُقَتَا مَعًا، وَإنْ قَال: أردْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ. طَلُقَتْ وَحْدَهَا. ــ المُجِيبَةُ وحدَها؛ لأنَّها مُخاطَبَةٌ بالطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو لم يَنْو غيرَها، ولا تَطْلُقُ المَنْويَّةُ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولم يَعْتَرِفْ بطَلاقِها (١). وهذا يَبْطُلُ بما لو عَلِمَ أنَّ المُجِيبَةَ غيرُها، فإنَّ المَنْويَّةَ تَطْلُقُ بإرادَتِها بالطَّلاقِ، ولولا ذلك لم تَطلُقْ بالاعْتِرافِ به، لأنَّ الاعْتِرافَ بما لا يُوجِبُ لا يُوجِبُ، ولأنَّ التي لم تُجِبْ مقْصودَةٌ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فطلُقَتْ، كما لو عَلِمَ الحال (فإن قال: عَلِمْتُ أنَّها غيرُها، وأرَدْتُ طَلاقَ المُنادَاةِ. طَلُقَتا معًا) في قوْلِهم جميعًا (وإن قال: أرَدْتُ طلاقَ الثَّانيةِ) وحدَها (طَلُقَتْ وحدَها) لقَصْدِه لها وخِطابِه.

стр. 11152

وَإنْ لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا امْرأتَهُ، فَقَال: فُلَانَةُ، أنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتِ أمْرَأتهُ. ــ ٣٦٤٥ - مسألة: (وإن لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا زَوجَتَه، فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق) فإذا هي أجْنَبِيَّة (طَلُقَتْ زَوْجَتُه) نصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعيُّ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه خاطبَ بالطَّلاقِ غيرَها، فلم يَقَعْ، كما لو عَلِمَ أنها أجْنَبِيَّةٌ، فقال: أنتِ طالق. ولَنا، أَنه قَصَدَ زَوْجتَه بلَفْظِ الطَّلاقِ، [فطَلُقَتْ، كما لو قال: عَلِمْتُ أنَّها أجْنَبِيَّة، وأرَدْتُ طلاقَ زوجتي. فإن قال لها: أنتِ طالق. ولم يَذْكُرِ اسمَ زوجتِه، احْتَمَل ذلك أيضًا؛ لأنَّه قَصَدَ زوجتَه بلفظِ الطلاقِ] (١)، واحْتَمَلَ أن لا تَطْلُقَ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولا ذكَرَ اسْمَها معه، وإن عَلِمَها أجْنَبِيَّةً، وأرادَ بالطَّلاقِ زَوْجَتَه، طَلُقَتْ. وإن لم يُرِدها بالطَّلاقِ، لم تَطلُقْ. فصل: وإن لَقِيَ امْرأتَه، فظنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ طالق. أو: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ. أو لَقِيَ أمَتَه، فظَنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ حُرَّة. أو:

стр. 11153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تُنَحَّيْ يا حُرَّةُ. فقال أبو بكر في مَن لَقِيَ امْرأةً، فقال: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ. أو: يا حُرَّةُ. وهو لا يَعْرِفُها، فإذا هي زَوْجَتُه أو أمتُه: لا يَقعُ بهما طَلاقٌ

стр. 11154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا حُرِّيَّةٌ؛ لأنه لم يُرِدْهُما بذلك، فلم يَقَعْ بهما شيءٌ، كسَبْقِ اللِّسانِ إلى ما لم يُرِدْه. ويَحْتَمِلُ أن لا تَعْتِقَ الأمَةُ؛ لأنَّ عادةَ النَّاسِ مُخاطَبَةُ مَن لا يَعْرِفُها بقولِه: يا حُرَّةُ. وتَطْلُقُ الزَّوْجةُ؛ لعَدَمِ العادةِ في المُخاطَبَةِ بقولِه: يا مُطَلَّقةُ. والله أعلمُ.

стр. 11155

كتابُ الرَّجْعَةِ ــ كتابُ الرَّجْعَةِ وهي ثابِتَةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (١). والمرادُ به الرَّجْعَةُ عندَ جماعةِ العُلَماءِ وأهْلِ التَّفْسِيرِ. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). أي بالرَّجْعَةِ، ومَعْناه: إذا قارَبْنَ بُلُوغَ أجَلِهنَّ، أي انْقِضاءَ عِدَّتِهنَّ. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى ابنُ عمرَ، قال: طَلَّقْتُ امرَأتِي وهي حَائِضٌ، فسأل عمرُ النبيَّ ﷺ فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجعْهَا». مُتَّفقٌ عليه (٣). وروَى أبو داودَ (٤) عن عمرَ، قال: إنَّ النبيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثم رَاجَعَها. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الحُرَّ إذا طَلَّقَ الحرَّةَ دُونَ الثَّلاثِ، أو العَبْدَ إذا طَلَّقَ واحِدَةً، أنَّ لهما الرَّجْعَةَ في العِدَّةِ. ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.

стр. 11156

إِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأتَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، أو الْعَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيرِ عِوَضٍ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، رَضِيَتْ أوْ كَرِهَتْ. ــ ٣٦٤٦ - مسألة: (إذا طَلَّقَ الحُرُّ امْرَأتَه بعدَ دُخُولِه بِها أقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو العَبْدُ وَاحِدَةً بِغَيرِ عِوَضٍ) [ ولا أمْرٍ] (١) يَقْتَضِي (٢) بَينُونتها (فله رَجْعَتُها ما دامَتْ في العِدَّةِ، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ) لِما ذَكَرْنا، أجمعَ على ذلك أهلُ العلمِ، وأجْمَعُوا على أنَّه لا رَجْعَة له عليها بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها. وقد ذَكَرْنا أنَّ الطَّلاقَ مُعْتَبَرٌ بالرِّجالِ، فيكونُ له رَجْعَتُها ما لم يُطَلِّقْها ثلاثًا، كالحُرَّةِ. وفيما إذا طَلَّقَ الأمَةَ اثْنَتَين خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. ولا يُعْتَبَرُ في الرَّجْعَةِ رِضَا المرأةِ في ذلك؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. أي في العِدَّةِ. فجعَلَ الحَقَّ لهم. وقال سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فخاطبَ الأزْواجَ بالأمْرِ، ولم يَجْعَلْ لهُنَّ

стр. 11157

وَألفَاظُ الرَّجْعَةِ: رَاجَعْتُ امْرأتِي. أوْ: رَجَعْتهَا. أو: ارْتَجَعْتهَا. أَوْ: رَدَدْتهَا. أوْ: أمْسَكْتهَا. ــ اخْتِيارًا. ولأنَّ الرَّجْعةَ إمْساكٌ للمَرْأةِ بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم يُعْتَبَرْ رِضاهَا في ذلك، كالتي في صُلْبِ نِكاحِه. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على هذا. وللعَبْدِ بعدَ الواحدةِ ما للحُرِّ قبلَ الثَّلاثِ. وقد أجمعَ العُلَماءُ على أن للعَبْدِ رَجْعَةَ امْرأتِه بعدَ الطَّلْقَةِ الواحدةِ إذا وُجدَتْ شُروطُها، فإذا طَلَّقَها ثانِيَةً، فلا رَجْعةَ له، سواءٌ كانتِ امْرأتُه حُرًّةً أو أمَةً؛ لأنَّ طَلاقَ العَبْدِ اثْنَتانِ، وفي هذا خِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. ٣٦٤٧ - مسألة: (وألْفاظُ الرَّجْعَةِ: راجَعْتُ امْرَأتِي. أو: رَجَعْتُها. أو: ارْتَجَعْتُها. أو: رَدَدْتُها. أو: أمْسَكْتُها) لأنَّ هذه الألْفاظَ

стр. 11158

فَإِنْ قَال: نَكَحْتُهَا. أو: تَزَوَّجْتُهَا. فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ وَرَد بها الكتابُ والسُّنَّةُ، فالرَّدُّ والإِمْساكُ وَرَدَ بهما الكتابُ بقولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يَعْنِي الرَّجْعَةَ. والرجْعَةُ ورَدَتْ بها السُّنَّةُ بقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا». وقد اشْتَهَرَ هذا الاسْمُ فيما بينَ أهْلِ العُرْفِ، كاشْتِهارِ اسْمِ الطَّلاق فيه، فإنَّهم يُسَمُّونَها رَجْعَةً، والزَّوْجةَ (١) رَجْعِيَّةً. قال شيخُنا (٢): ويَتَخَرَّجُ أن يكونَ لَفْظُها هو الصَّرِيحَ وَحْدَه؛ لاشْتِهَارِه دُونَ غَيرِه، كقَوْلِنا في صَرِيحِ الطَّلاقِ. فصل: والاحْتِياطُ أن يقولَ: اشْهَدا عليَّ أنِّي قد راجَعْتُ زَوْجَتِي إلى نِكاحِي، أو زَوْجِيَّتي. أو: راجَعْتُها لِمَا وَقَعَ عليها مِن طَلاقِي. ٣٦٤٨ - مسألة: (فإن قال: نَكَحْتُها. أو: تَزَوَّجْتُها) فليس

стр. 11159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو بصَرِيحٍ فيها. وهل تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ به؟ فِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَحْصُلُ به؛ لأنَّ هذا كِنايَةٌ، والرَّجْعَةُ اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلا يَحْصُلُ بالكِنايَةِ، كالنِّكاحِ. والثَّاني، تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ. أوْمَأ إليه أحمدُ. واخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّ الأجْنَبِيَّةَ تُباحُ به، فالرَّجْعِيَّةُ أوْلَى. فعلى هذا، يَحْتاجُ أن يَنْويَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ ما كان كِنايَةً تُعْتَبَرُ له النيةُ، ككِناياتِ الطَّلاقِ. فصل: فإن قال: رَاجَعْتُكِ للمَحَبَّةِ. أو: للإِهانَةِ. أو قال: أرَدْتُ أنَّنِي راجَعْتُكِ لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ، أو: إهانَةً لك. صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأنَّه أتَى

стр. 11160

وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا الإشْهَادُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ بالرَّجْعَةِ، وبَيَّنَ سَبَبَها. وإن قال: أرَدْتُ أنَّنِي كنتُ أُهِينُكِ، أو: أُحِبُّكِ، وقد رَدَدْتُكِ بفِراقِي إلى ذلك. فليس بِرَجْعَةٍ. وإن أطْلَقَ ولم يَنْو شيئًا، صَحَّتِ الرَّجْعَةُ. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّه أتَى بصريحِ الرَّجْعَةِ، وضَمَّ إليه ما يَحْتَمِلُ أن يكونَ سَبَبَها، ويَحْتَمِلُ غَيرَها، فلا يَزُولُ اللَّفْظُ عن مُقْتَضاه بالشَّكِّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ٣٦٤٩ - مسألة: (وهل مِن شَرْطِها الإِشْهادُ؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَفْتَقِرُ إلى وَلِيٍّ، ولا صَداقٍ، ولا رِضَا المرْأةِ، ولا عِلْمِها، بإجْماعِ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ حُكْمَ الرَّجْعِيَّةِ حُكْمُ الزَّوْجاتِ؛ لِما نَذْكُرُه. والرَّجْعَةُ (١) إمْساكٌ لها، واسْتِبْقاءٌ لنِكاحِها، ولهذا سَمَّى اللهُ تعالى الرَّجْعَةَ إمْساكًا، وتَرْكَها فِراقًا وسَراحًا، فقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). وفي آيةٍ (٣) أُخْرَى:

стр. 11161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وإنَّما تَشَعَّثَ النَّكاحُ بالطَّلْقَةِ، وانْعَقَدَ بها (٢) سَبَبُ زوالِه، فالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شَعَثَهُ، وتَقْطَعُ مُضِيَّه إلى البَينُونَةِ، فلم تَحْتَجْ لذلك إلى ما يَحْتَاجُ إليه ابْتِداءُ النِّكاحِ. فأمَّا الإشْهادُ ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يَجِبُ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وظاهرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، ولأنَّه اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مقْصودٍ، فوَجَبَتِ الشَّهادةُ فيه، كالنِّكاحِ، وعَكْسُهُ البَيعُ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ الشَّهادَةُ. وهي اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وقَوْلُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى قَبُولٍ، فلم تَفْتَقِرْ إلى شَهادَةٍ، كسائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ، ولأنَّ ما لايُشتَرَطُ فيه الوَلِيُّ لا يُشتَرطُ فيه الإشْهادُ، كالبَيعِ. وهذه أوْلَى إن شاءَ اللهُ تعالى، ويُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ، ويُؤَكِّدُ ذلك أنَّ الأمْرَ بالشَّهادَةِ عَقِيبَ قولِه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾. فهو يرجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَينِ يقينًا، ولا تَجِبُ الشهادةُ فيه، فكذلك ما قبلَه، وهو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾. بطريقِ الأوْلَى. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ

стр. 11162

وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطَّاقُ وَالظِّهَارُ وَالإيلَاءُ. ــ في اسْتِحْبابِ الإشْهادِ. فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ. فإنَّه يُعْتَبَرُ وُجُودُه حال الرَّجْعَةِ، فإنِ ارْتَجَعَ بغيرِ إشْهادٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ وُجُودُها في الرَّجْعَةِ، دونَ الإِقْرارِ بها، إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الإِقْرَارِ الارْتجاعَ، فيَصِحُّ. ٣٦٥٠ - مسألة: (وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا الطلاقُ والظِّهارُ والإِيلاءُ) ولعانُه، ويَرِثُ أحَدُهُما صاحِبَهُ إن مات، بالإِجْماعِ، وإن خَالعَها صَحَّ خُلْعُهْ. وقال الشافعي في أحَدِ قَوْلَيهِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُرادُ للتَّحْرِيمِ، وهي مُحَرَّمَةٌ. ولَنا، أنَّها زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلاقُها، فصَحَّ خُلْعُها، كما قَبْلَ الطَّلاقِ، وليس مَقْصُودُ الخُلْعِ التَّحْرِيمَ، بل الخَلاصَ مِن ضَرَرِ (١) الزَّوْجِ ونِكَاحِه الذي هو سَبَبُه، والنِّكاحُ باقٍ، ولا نَأمَنُ رَجْعَتَه، على أنَّنا نمْنَعُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً.

стр. 11163

وَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا وَطْؤهَا، وَالْخَلْوَةُ وَالسَّفَرُ بِهَا، وَلَهَا أن تَتَشَرَّفَ لَهُ وَتَتَزَيَّنَ، وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، نَوَى الرَّجْعَةَ بِهِ أوْ لَمْ يَنْو. ــ ٣٦٥١ - مسألة: (ويُباحُ لزَوْجِها وَطْؤُها، والخَلْوةُ والسَّفَرُ بِهَا، ولَها أن تَتَزَيَّنَ) له (وتَتَشَرَّفَ له) قال القاضي: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: لا تَحْتَجِبُ عنه. وفي رِوايةِ أبي الحارِثِ: تتشَرَّفُ له ما كانت في العِدَّةِ. فظاهِرُ هذا أنَّها مُباحَةٌ له، له أن يُسافِرَ بها،

стр. 11164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَخْلُوَ بها، ويَطَأها. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ،

стр. 11165

وَعَنْهُ لَيسَتْ مُبَاحَةً، وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، وَإنْ أَكْرَهَهَا عَلَيهِ، فَلَهَا الْمَهْرُ إِذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا بَعْدَهُ. ــ فأُبِيحَتْ له، كما قبلَ الطَّلاقِ (وعن أحمدَ) ﵀، أنَّها (ليستْ مُباحَةً، ولا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها، وإن أكْرَهَها عليه، فلها المهْرُ إن لم يَرْتَجِعْها بعدَه) وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ ذلك عن عطاءٍ، ومالكٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فكانت مُحَرَّمَةً، كما لو طَلَّقَها بعِوَضٍ (١)، ولا حَدَّ عليه بالوَطْءِ، [بغيرِ خِلافٍ] (٢). وإن قُلْنا: إنَّها مُحَرَّمَةٌ. ولا يَنْبَغِي أن يَلْزَمَه مَهْرٌ، سواءٌ راجَعَ أو لم يُراجِعْ؛ لأنَّه وَطِئَ

стр. 11166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَوْجَتَه التي يَلْحَقُها طَلاقُه، فلم يكن عليه مَهْرٌ، كسائِرِ الزَّوْجاتِ، ويُفارِقُ ما لو وَطِئَ الزَّوْجُ بعدَ إسْلامِ أحَدِهما في العِدَّةِ؛ حيثُ يَجِبُ المَهْرُ إذا لم يُسْلِمِ الآخرُ في العِدَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينِ إسْلامِ الأوَّلِ، وهي فُرْقَةُ فَسْخ تَبِينُ به مِن نِكاحِه، فأشْبَهَتِ التي أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخ نِكاحُها برَضَاعِه، وفي مَسْألَتِنا لا تَبِينُ إلَّا بانْقِضاءِ (١) العِدَّةِ، فافْتَرَقا. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا أكْرَهَها على الوَطْءِ، وَجَبَ عليه المَهْرُ عندَ مَن حَرَّمَها. وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشْروحِ، وهو المنْصُوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ حَرَّمَه الطَّلاقُ، فَوَجَبَ به المَهْرُ، كوَطْءِ [المُخْتَلِعَةِ في عِدَّتِها] (٢). والأوَّلُ أَولَى؛ لظُهُورِ الفَرْقِ بينَهما؛ فإنَّ البائِنَ ليستْ زَوْجَةً له، وهذه زَوْجَةٌ يَلْحَقها طَلاقُه، وقِياسُ الزَّوْجَةِ على الأجْنَبِيَّةِ في الوَطْءِ وأحْكامِه بَعيدٌ.

стр. 11167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإذا قُلْنا: إنَّها مُباحَةٌ. حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها، سواءٌ نَوَى الرَّجْعَةَ أو لم يَنْو. اخْتارَها ابنُ حامدٍ، والقاضي. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، وأصحابِ الرَّأْي. قال بعْضُهم: ويُشهِدُ. وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يكونُ رَجْعَةً إذا أَرادَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ هذه مُدَّةٌ تُفْضِي إلى بَينُونَةٍ، فتَرْتَفِعُ بالوَطْءِ، كَمُدَّةِ الإيلاءِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سَبَبٌ لزَوالِ المِلْكِ ومعه خِيَارٌ، فتَصَرُّفُ المالِكِ بالوَطْءِ يَمْنَعُ (١) عَمَلَه، كوَطْءِ البائِعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ في مُدَّةِ الخِيارِ، وكما يَنْقَطِعُ به التَّوْكيلُ في طَلاقِها. فصل: وإن قُلْنا: ليستْ مُباحةً. لم تَحْصُلِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها, ولا تَحْصُلُ إلَّا بالقَوْلِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه: والمُراجَعَةُ أنْ يَقولَ لرَجُلَينِ مِن المسْلِمين: اشْهَدا أنِّي قد راجَعْتُ امْرأتِي. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، أُمِرَ بالإِشْهادِ فيه، فلم يَحْصُلْ مِن القادِرِ بغَيرِ قَوْلٍ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ غيرَ القَوْلِ فِعْل مِن قادِرٍ على القَوْلِ، فلم تَحْصُلْ به الرَّجْعَةُ، كالإِشارَةِ مِن النَّاطِقِ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.

стр. 11168

وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ. نَصَّ عَلَيهِ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ٣٦٥٢ - مسألة: (ولا تَحْصُلُ بمُباشَرَتِهَا، والنَّظَرِ إلى فَرْجِهَا، والخَلْوَةِ بِهَا لشهوةٍ. نَصَّ عليه) أحمدُ (وخَرَّجَه ابنُ حامدٍ على وَجْهَينِ) مَبْنيَّينِ على الرِّوايَتَينِ في تَحْريمِ المُصاهَرَةِ به؛ أحَدُهما، هو رَجْعَةٌ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يُباحُ بالزَّوْجِيَّةِ، فحصَلَتِ الرَّجْعَة به، كالوَطْءِ. والثاني، ليس برَجْعَةٍ؛ لأَنه أمْرٌ (١) لا يتَعَلَّقُ به إيجَابُ عِدَّةٍ ولا مَهْرٍ، فلا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، كالنَّظرَ. فأمَّا الخَلْوَةُ بها، فليستْ بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّه ليس باسْتِمْتاعٍ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ.

стр. 11169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحُكِيَ عن غيره مِن أصحابِنا، أنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُل به؛ لأنه مَعْنًى يَحْرُمُ مِن الأجْنَبِيَّةِ، ويَحِلُّ مِن الزَّوْجَةِ، فَحَصَلَتْ به الرَّجْعَة، كالاسْتِمْتاعِ. والصَّحِيحُ أنَّ الرَّجْعَةَ لا تَحْصُلُ بها؛ لأنَّها لا تُبْطِلُ خِيارَ المُشْتَرِي للأمَةِ، [فلم تَكنْ رَجْعَةً] (١)، كاللَّمْسِ لغَيرِ شَهْوَةٍ، فأمَّا اللَّمْسُ للشَّهْوَةِ، والنَّظَرُ لذلك (٢) ونَحْوُهُ، فليس بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ في غَيرِ الزَّوْجَةِ عندَ الحاجَةِ، فأشْبَهَ (٣) الحَدِيثَ معها.

стр. 11170

وَلا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ، وَلَا الارْتِجَاعُ في الرِّدَّةِ. ــ ٣٦٥٣ - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ على شَرْطٍ) لأنَّه اسْتِباحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ النِّكاحَ. فلوقال: راجَعْتُكِ إن شِئْتِ. لم يَصِحَّ لذلك. ولو قال: كُلَّما طَلَّقْتُكِ فقد راجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ أَيضًا؛ لأَنه راجَعَها قبلَ أن يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فأشْبَهَ الطَّلاقَ قبلَ النِّكاحِ. وإن قال: إن قَدِمَ أبوكِ فقد راجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَعْليق على شَرْطٍ. فإن راجَعَها في الرِّدَّةِ مِن أحَدِهما، لم يَصِح. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وهو صَحِيحُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلم يَصِحَّ مع الرِّدَّةِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرٌ للنِّكاحِ، والرِّدَّةَ تُنافِي ذلك، فلم يَصِحَّ اجْتِماعُهما.
следующие страницы →