. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَوْجَتَه التي يَلْحَقُها طَلاقُه، فلم يكن عليه مَهْرٌ، كسائِرِ الزَّوْجاتِ، ويُفارِقُ ما لو وَطِئَ الزَّوْجُ بعدَ إسْلامِ أحَدِهما في العِدَّةِ؛ حيثُ يَجِبُ المَهْرُ إذا لم يُسْلِمِ الآخرُ في العِدَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينِ إسْلامِ الأوَّلِ، وهي فُرْقَةُ فَسْخ تَبِينُ به مِن نِكاحِه، فأشْبَهَتِ التي أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخ نِكاحُها برَضَاعِه، وفي مَسْألَتِنا لا تَبِينُ إلَّا بانْقِضاءِ (١) العِدَّةِ، فافْتَرَقا. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا أكْرَهَها على الوَطْءِ، وَجَبَ عليه المَهْرُ عندَ مَن حَرَّمَها. وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشْروحِ، وهو المنْصُوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه وَطْءٌ حَرَّمَه الطَّلاقُ، فَوَجَبَ به المَهْرُ، كوَطْءِ [المُخْتَلِعَةِ في عِدَّتِها] (٢). والأوَّلُ أَولَى؛ لظُهُورِ الفَرْقِ بينَهما؛ فإنَّ البائِنَ ليستْ زَوْجَةً له، وهذه زَوْجَةٌ يَلْحَقها طَلاقُه، وقِياسُ الزَّوْجَةِ على الأجْنَبِيَّةِ في الوَطْءِ وأحْكامِه بَعيدٌ.
стр. 11167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّها مُباحَةٌ. حَصَلَتِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها، سواءٌ نَوَى الرَّجْعَةَ أو لم يَنْو. اخْتارَها ابنُ حامدٍ، والقاضي. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى، وأصحابِ الرَّأْي. قال بعْضُهم: ويُشهِدُ. وقال مالكٌ، وإسْحاقُ: يكونُ رَجْعَةً إذا أَرادَ به الرَّجْعَةَ؛ لأنَّ هذه مُدَّةٌ تُفْضِي إلى بَينُونَةٍ، فتَرْتَفِعُ بالوَطْءِ، كَمُدَّةِ الإيلاءِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سَبَبٌ لزَوالِ المِلْكِ ومعه خِيَارٌ، فتَصَرُّفُ المالِكِ بالوَطْءِ يَمْنَعُ (١) عَمَلَه، كوَطْءِ البائِعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ في مُدَّةِ الخِيارِ، وكما يَنْقَطِعُ به التَّوْكيلُ في طَلاقِها.
فصل: وإن قُلْنا: ليستْ مُباحةً. لم تَحْصُلِ الرَّجْعَةُ بوَطْئِها, ولا تَحْصُلُ إلَّا بالقَوْلِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه: والمُراجَعَةُ أنْ يَقولَ لرَجُلَينِ مِن المسْلِمين: اشْهَدا أنِّي قد راجَعْتُ امْرأتِي. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، أُمِرَ بالإِشْهادِ فيه، فلم يَحْصُلْ مِن القادِرِ بغَيرِ قَوْلٍ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ غيرَ القَوْلِ فِعْل مِن قادِرٍ على القَوْلِ، فلم تَحْصُلْ به الرَّجْعَةُ، كالإِشارَةِ مِن النَّاطِقِ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
стр. 11168
وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَالنَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ. نَصَّ عَلَيهِ. وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
٣٦٥٢ - مسألة: (ولا تَحْصُلُ بمُباشَرَتِهَا، والنَّظَرِ إلى فَرْجِهَا، والخَلْوَةِ بِهَا لشهوةٍ. نَصَّ عليه) أحمدُ (وخَرَّجَه ابنُ حامدٍ على وَجْهَينِ) مَبْنيَّينِ على الرِّوايَتَينِ في تَحْريمِ المُصاهَرَةِ به؛ أحَدُهما، هو رَجْعَةٌ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يُباحُ بالزَّوْجِيَّةِ، فحصَلَتِ الرَّجْعَة به، كالوَطْءِ. والثاني، ليس برَجْعَةٍ؛ لأَنه أمْرٌ (١) لا يتَعَلَّقُ به إيجَابُ عِدَّةٍ ولا مَهْرٍ، فلا تَحْصُلُ به الرَّجْعَةُ، كالنَّظرَ. فأمَّا الخَلْوَةُ بها، فليستْ بِرَجْعَةٍ؛ لأنَّه ليس باسْتِمْتاعٍ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ.
وَلا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ، وَلَا الارْتِجَاعُ في الرِّدَّةِ.
ــ
٣٦٥٣ - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ على شَرْطٍ) لأنَّه اسْتِباحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ النِّكاحَ. فلوقال: راجَعْتُكِ إن شِئْتِ. لم يَصِحَّ لذلك. ولو قال: كُلَّما طَلَّقْتُكِ فقد راجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ أَيضًا؛ لأَنه راجَعَها قبلَ أن يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ، فأشْبَهَ الطَّلاقَ قبلَ النِّكاحِ. وإن قال: إن قَدِمَ أبوكِ فقد راجَعْتُكِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَعْليق على شَرْطٍ. فإن راجَعَها في الرِّدَّةِ مِن أحَدِهما، لم يَصِح. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وهو صَحِيحُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه اسْتِباحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فلم يَصِحَّ مع الرِّدَّةِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرٌ للنِّكاحِ، والرِّدَّةَ تُنافِي ذلك، فلم يَصِحَّ اجْتِماعُهما.
стр. 11171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القاضي: إن قُلْنا بتَعْجيلِ الفُرْقَةِ بالرِّدَّة، لم تَصِحَّ الرجْعَةُ؛ لأنها قد بانَتْ بها. وإن قُلْنا: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ. فالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إن أسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما في العِدَّةِ، صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه ارْتَجَعَها في نِكاحِه، ولأنَّه نَوْعُ إمْساكٍ، فلم تَمْنَعْ منه الرِّدَّةُ، كما لو لم يُطَلِّقْ، وإن لم يُسْلِمْ في العِدَّةِ تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ قبلَ الرَّجْعَةِ. وهذا قَوْلُ المُزَنِيِّ. واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ. وهكذا يَنْبَغِي أن يكونَ فيما إذا راجَعَها بعدَ إسْلامِ أحَدِهما.
فصل: قد ذَكرنا أنَّ مَن طَلَّقَ طلاقًا بغَيرِ عِوَضٍ، فله رَجْعَةُ زَوْجتِه ما دامَتْ في العِدَّةِ، إذا كان طلاقُ الحُرِّ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو العبدِ واحدةً. فعلى هذا، إن كانت حامِلًا باثْنينِ، فوَضَعَتْ أحَدَهما، فله مُراجَعَتُها ما لم تَضَعِ الثَّانِيَ. هذا قولُ عامَّةِ العُلَماءِ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بوَضْعِ الأوَّلِ. وما عليه سائِرُ أهْلِ العِلْمِ أصَحُّ؛ فإنَّ العِدَّةَ لا تَنْقَضِي إلَّا بوَضْعِ الحَمْلِ كلِّه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). واسْمُ الحَمْلِ مُتَناولٌ لكُلِّ ما في
стр. 11172
فَإِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيضَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمَّا تَغْتَسِلْ، فَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
البَطْنِ، فتَبْقَى العِدَّةُ مُسْتَمِرَّةً إلى حينِ وَضْعِ باقِي الحَمْلِ، فتَبْقَى الرَّجْعَةُ ببَقائِها. ولأنَّ العِدَّةَ لو انْقَضَتْ بوَضْعِ بعضِ الحَمْلِ، لحَلَّ لها التَّزْويجُ وهي حامِلٌ مِن زَوْجٍ آخَرَ، ولا قَائِلَ به. قال شيخُنا (١): وأظُنُّ أنَّ قَتادَةَ ناظَرَ عِكْرِمَةَ في هذا، فقال عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُها بوَضْعِ أحَدِ الوَلَدَينِ. فقال له قَتادَةُ: أيَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ؟ قال: لا. قال: خُصِمَ (٢) العَبْدُ. ولو خَرَجَ بَعْضُ الوَلَدِ، فارْتَجَعَها قبلَ أن تَضَعَ باقِيَه صَحَّ؛ لأنَّها لم تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِها، فصارَتْ كمَن وَلَدَتْ أحَدَ الوَلَدَين.
٣٦٥٤ - مسألة: (وإن طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثَّالِثَةِ ولم تَغْتَسِلْ، فهل له رَجْعَتُها؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا انْقَطَعَ حَيضُ المرْأةِ المُعْتَدَّةِ في المرَّةِ الثَّالثَةِ، ولمَّا تَغْتَسِلْ، فهلْ تَنْقَضِي عِدَّتُها بِطُهْرِها؟ فيه
стр. 11173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايَتانِ، ذكَرَهُما ابنُ حامدٍ؛ إحْداهُما، لا تَنْقَضِي حتَّى تَغْتَسِلَ، ولزَوْجِها رَجْعَتُها في ذلك. وهذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال في العِدَدِ: فإذا اغْتَسَلَتْ مِن الحَيضَةِ الثَّالثَةِ أُبِيحتْ للأزْواجِ. وبه قال كثيرٌ مِن أَصْحابِنا. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ. ورُوِيَ نحوُه عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وأبي مُوسى، وعُبادَةَ، وأبي الدَّرْدَاءِ، ﵃. ورُوِيَ عن شَرِيكٍ، لَه الرَّجْعَةُ وإنْ فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشْرينَ سَنَةً؛ لأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا, ولأنَّ أكْثَرَ أحْكامِ الحَيضِ لا تَزُولُ إلَّا بالغُسْلِ، فكذلك هذا. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بمُجَرَّدِ الطهْرِ قبلَ الغُسْل. وهو قَوْلُ طَاوُسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والأوْزَاعِيِّ. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). والقُرْءُ: الحَيضُ. وقد زَالتْ، فيَزُولُ التَّرَبُّصُ. وفيما رُويَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «وقُرْءُ الأمَةِ حَيضَتانِ» (٢). وقال: «دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أقْرَائِكِ» (٣). أي أيَّامَ حَيضِكِ. ولأنَّ انْقِضاءَ العِدةِ تَتَعلَّقُ به بَينُونتها مِن
стр. 11174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّوْجِ، وحِلُّها مِن غيرِه، فلم يَتَعَلَّقْ بفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِن جِهَةِ المرْأةِ بغَيرِ تَعْليقِ الزَّوْجِ، كالطَّلاقِ وسائِرِ العِدَدِ، ولأنَّها لو تَرَكَتِ الغُسْلَ اخْتِيارًا أو لجُنُونٍ أو نحْوه، لم تَحِلَّ؛ فإمَّا أن يُقال بقَوْلِ شَرِيكٍ: إنَّها تَبْقَى مُعْتَدَّةً ولو بَقِيَتْ عِشْرِينَ سَنَة. وذلك خِلافُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فإنَّ عِدَّتَها تَصِيرُ أكْثَرَ مِن مِائَتَيْ قُرْءٍ. أو يُقالُ: تَنْقَضِي العِدَّةُ قبلَ الغُسْلِ. [فيكونُ رجوعًا عن قولِهم، ويُحْمَلُ قولُ الصحابةِ في قولِهم: حتَّى تَغْتَسِلَ. أي حتَّى يَلْزَمَها الغُسْلُ] (١). واللهُ أعلمُ.
стр. 11175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا تَزَوُّجَتِ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِها، وحَملَتْ مِن الزَّوْجِ الثَّانِي، انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الأوَّلِ بوَطْءِ الثَّانِي. وهل يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَها في مُدَّةِ الحَمْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أوَّلُهما، أنَّ له رَجْعَتَها؛ لأنَّها ما (١) لم تَقْضِ عِدَّتَه، فحُكْمُ نِكاحِه باقٍ (٢)، يَلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه، وإنَّما انْقَطَعَتْ عِدَّتُه لعارِضٍ، فهو كما لو وُطِئَتْ في صُلْبِ نِكاحِه، فإنَّها تَحْرُمُ عليه، وتَبْقَى سائِرُ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ، ولأنَّه يَمْلِكُ ارْتِجاعَها إذا عادَت إلى عِدَّتِه، فَمَلَكَه قبلَ ذلك، كما لو ارْتَفَعَ حَيضُها في أثْناءِ عِدَّتِها، والوَجْهُ الثَّانِي، ليس له رَجْعَتُها؛ لأنَّها ليست في عِدَّتِه. فإذا وَضَعَتِ الحَمْلَ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِي، وبَنَتْ على ما مَضَى مِن عِدَّةِ الأوَّلِ، وله ارْتِجاعُها حِينَئذٍ، وَجْهًا واحدًا، ولو كانتْ في نِفاسِها؛ لأنَّها بعدَ الوَضْعِ تَعُودُ
стр. 11176
وَإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا، بَانَتْ، وَلَمْ تَحِلَّ إلا بِنِكَاحٍ
ــ
إلى عِدَّةِ الأوَّلِ وإن لم تَحْتَسِبْ به، فكان له الرَّجْعَةُ فيه، كما لو طَلَّقَ حائِضًا، فإنَّ له رَجْعَتَها في حَيضِها، وإن كانت لا تَعْتَدُّ بها. وإن حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فعلى الوَجْهِ الذي لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها في حَمْلِها مِن الثَّانِي، إذا راجَعَها في هذا الحَمْلِ، ثم بان أنَّه مِن الثَّانِي لم يَصِحَّ، وإن بان مِن الأوَّلِ، احْتَمَلَ أن (١) يَصِحَّ؛ لأنه راجَعَها في عِدَّتِها منه، واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه راجَعَها مع الشَّكِّ في إباحَةِ الرَّجْعَةِ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ الرّجْعَةَ ليستْ بعبادَةٍ يُبْطِلها الشَّكُّ في صِحَّتِها، وعلى أنَّ العِبادَةَ تَصِحُّ مع الشَّكِّ فيما إذا نَسِيَ صلاةً مِن يوْم لا يَعْلَمُ عَينها، فصَلَّى خَمْسَ صَلَواتٍ، فإنَّ كلَّ صلاةٍ يَشُكُّ في أنَّها هل هي المَنْسِيَّةُ أو غَيرُها؟ ولو شَكَّ في الحَدَثِ، فتَطَهَّرَ يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ، صَحَّتْ طَهارَتُه، وارْتَفعَ حَدَثُه، فههُنا أوْلَى. فإن راجَعَها بعدَ الوَضْعِ، وبَانَ أنَّ (٢) الحَمْلَ مِن الثَّانِي، صَحَّتْ رَجْعَتُه، وإن بان مِن الأوَّلِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بوَضْعِه.
٣٦٥٥ - مسألة: (وإنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها ولمْ يَرْتَجِعْها، بانَتْ ،
стр. 11177
جَدِيدٍ. وَتَعُودُ إِلَيهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا، سَوَاءٌ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيرِهِ أَوْ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ، إِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيرِهِ، رَجَعَتْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ.
ــ
ولا تَحِلُّ إلَّا بنِكَاح جَدِيدٍ) لقَوْلِ اللهِ سبحانَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾. يُريدُ الرَّجْعةَ عندَ جماعَةِ أهلِ التَّفْسِيرِ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي في العِدَّةِ. وأجْمَعَ أهل العِلْمِ على أنَّ المرْأةَ إذا طَلَّقَها زَوْجُها، فلم يَرْتَجِعْها حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، أنَّها تَبِينُ منه، فلا تَحِلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جَدِيدٍ.
٣٦٥٦ - مسألة: (وتَعُودُ على ما بَقِيَ مِن طلاقِها، سَواءٌ رَجَعَتْ بعدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيرِه أوْ قَبْلَه. وعنه) أنَّها (إن رَجَعَتْ بعدَ نِكاحِ زَوْجٍ غَيرِه، رَجَعَتْ بطلاقِ ثلاثٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَخْلُو مِن أحَدِ ثلَاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها أن يُطَلِّقَها دُونَ الثَّلاثِ، ثم تَعُودَ إليه برَجْعَةٍ أو نِكاحٍ جَدِيدٍ قبلَ زوجٍ ثانٍ، فهذه تَعُودُ إليه على ما بَقِيَ مِن طَلاقِها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. والثَّانِي، أن يُطَلِّقَها ثلَاثا، فتَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، ويُصِيبَها، ثم يتَزَوجَها الأوَّلُ، فهذه تَعُودُ [على طَلاقِ] (١) ثَلاثٍ،
стр. 11178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإجْماعٍ مِن أهلِ العِلْمِ. حَكاه ابنُ المُنذِرِ. الثَّالِثُ، طَلَّقَها دُونَ الثَّلاثِ، فقَضَتْ عِدَّتَها، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثم تَزوَّجَها الأوَّلُ، ففيها رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، أنَّها تَعُودُ إليه على ما بَقِيَ مِن الثَّلاثِ. وهو قولُ الأكبرِ (١) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، وأُبَيٌّ، ومُعاذٌ، وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وزَيدٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، ﵃. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَبِيدَة، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ (٢) عن أحمدَ، أنَّها تَرْجِعُ إليه على طَلاقِ ثلاثٍ. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، وشُرَيحٍ، وأبي حَنِيفةَ، وأبي يوسُفَ؛ لأنَّ وَطْءَ [الزوجِ الثَّاني مُثْبِتٌ للحِلِّ، فيُثْبِتُ حِلًّا يَتَّسِعُ لثلاثِ طَلَقاتٍ؛ كما بعدَ الثلاثِ، ولأنَّ وطءَ] (٣) الثَّاني يَهْدِمُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، فأوْلَى أن يَهْدِمَ ما دُونَها. ولَنا، أنَّ وَطْءَ الثَّاني لا يُحْتاجُ إليه في الإِحْلالِ للزَّوْجِ الأوَّلِ، فلا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلاقِ، كوَطْءِ السَّيِّدِ، ولأنَّه تَزْويجٌ قبلَ اسْتِيفاءِ الثَّلاثِ، فأشْبَهَ ما لو رَجَعَتْ إليه قبلَ وَطْءِ الثَّانِي. وقَوْلُهم: إنَّ وَطْءَ الثَّانِي يُثْبِتُ الحِلَّ. لا يَصِحُّ؛ لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، مَنْعُ كَوْنِه مُثْبِتًا
стр. 11179
وَإنِ ارْتَجَعَهَا في عِدَّتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ، وَتَزَوَّجَتْ مَنْ أصَابَهَا، رُدَّتْ إِلَيهِ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَعَنْهُ، أَنَّهَا زَوْجَةُ الثَّانِي.
ــ
للحِلِّ أصلًا، وإنَّما هو في الطَّلاقِ الثَّلاثِ غايةُ التَّحْريمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (١). وحتَّى للغَايَةِ، وإنَّما سَمَّى النبيُّ ﷺ الزَّوْجَ الذي قَصَدَ الحِيلَةَ مُحَلِّلًا تَجَوُّزًا، بدليلِ أنَّه لَعَنَه، ومَن أثْبَتَ حَلالًا لم (٢) يَسْتَحِقَّ لَعْنًا. والثاني، أنَّ الحِلَّ إنّما يَثْبُتُ في مَحَلٍّ فيه تَحْرِيمٌ، وهي المُطَلَّقةُ ثلَاثًا، وههُنا هي حَلالٌ له، فلا يَثْبُتُ فيها حِلٌّ. وقولُهم: إنه يَهْدِمُ الطَّلاقَ. قُلْنا: بل هو غايةٌ لتَحْرِيمِه، وما دُونَ الثَّلاثِ لا تَحْرِيمَ فيها، فلا يَكُون غايةً له.
٣٦٥٧ - مسألة: (وإنِ ارْتَجَعَها في عِدَّتِهَا، وأشْهَدَ على رَجْعَتِها مِن حَيثُ لا تَعْلَمُ، فاعْتَدَّتْ، ثم تَزَوَّجَتْ مَن أصابها، رُدَّتْ إليه، ولا يَطَؤُها حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ. والأخْرَى، هي زَوْجَةُ الثَّانِي. وجملةُ ذلك، أنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذا رَاجَعها مِن حيثُ لا تَعْلَمُ،
стр. 11180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَحَّتِ المُرَاجَعَةُ؛ لأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى رِضاها، فلم تَفْتَقِرْ إلى عِلْمِها، كطلاقِها. فإذا راجَعَها ولم تَعْلَمْ، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتَزَوَّجَت، ثم جاء وادَّعَى أنَّه كان راجعَهَا قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وأقامَ البَيِّنةَ على ذلك، ثَبَتَ أنَّها زَوْجَتُه، وأنَّ نِكاحَ الثَّاني فاسِدٌ؛ لأنَّه تَزَوَّجَ امْرَأةَ غيرِه، وتُرَدُّ إلى الأوَّلِ، سَواءٌ دَخَلَ بها الثَّاني (١) أو لم يَدْخُلْ. وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو قَوْلُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، ﵁. ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، ﵀، رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، إن دَخَلَ بها الثَّانِي، فهي امْرأتُه، ويَبْطُلُ نِكاحُ الأوَّلِ. رُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، ﵁. وهو قول مالكٍ. ورُوِيَ مَعْناه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، ونافعٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما عَقَدَ عليها وهي ممَّن يَجوزُ العَقْدُ عليها في الظَّاهِرِ، ومع الثَّانِي مَزِيَّةُ الدُّخول، فقُدِّمَ بها. ولَنا، أنَّ الرَّجْعَةَ قد صَحَّتْ، وتَزَوَّجَتْ وهي زَوْجَةُ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كما لو لم يُطَلِّقْها. إذا ثَبَتَ هذا، فإن كان الثَّانِي ما دَخَلَ بها، فُرِّقَ بينَهما، ورُدَّت إلى الأوَّلِ، ولا شيءَ على الثَّانِي. وإن كان دَخَلَ بها، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ هذا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وتَعْتَدُّ، ولا تَحِلُّ للأوَّلِ حتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها منه.
стр. 11181
وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِرَجْعَتِهَا, لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الزَّوْجُ الثَّانِي بَانَتْ مِنْهُ، وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأةُ، لَمْ يُقْبَلْ تَصْدِيقُهَا، لَكِنْ مَتَى بَانَتْ مِنْهُ، عَادَتْ إِلَى الأوَّلِ بِغَيرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
ــ
فإن كان أقامَ البَيِّنَةَ قبلَ دُخولِ الثَّانِي بها، رُدَّتْ إلى الأوَّلِ، بِغَيرِ خِلافٍ في المذْهَبِ. وهي إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالكٍ. وأمَّا إن تَزَوَّجَها مع عِلْمِها بالرَّجْعَةِ، أو عِلْمِ أحَدِهما، فالنِّكاحُ باطِلٌ بغَيرِ خِلافٍ، والوَطْءُ مُحَرَّم على مَن عَلِمَ، وحُكْمُه حُكْمُ الزَّانِي في الحَدِّ وغيرِه؛ لأنَّه وَطِئَ امْرأةَ غيرِه مع عِلْمِه.
٣٦٥٨ - مسألة: (وإن لم يَكُنْ للمُدَّعِي بَيِّنةٌ بالرَّجْعةِ) فأنْكَرَه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فإن أنْكَراه جيعًا، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ في حَقِّهِما، وإنِ اعْتَرَفا له بالرَّجْعَةِ، ثَبَتتْ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا قامَت به البَيِّنةُ سَواءً، في أنَّها تُرَدُّ إليه. وإن أقَرَّ له الزَّوْجُ وحدَه، فقد اعْتَرَفَ بفسادِ نِكاحِه، فتَبينُ منه، وعليه مَهْرُها إن كان دَخَلَ بها، أو نِصْفُه إن كان لم يَدْخُلْ بها؛ لأنَّه لا يُصَدَّقُ على المرْأةِ في إسْقاطِ حَقِّها عنه، ولا تُسَلَّمُ المرْأة إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي عليها، وإنَّما يُقْبَلُ في حَقِّه،
стр. 11182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَكُونُ القَوْلُ قولَها. وهل هو مع يَمِينِها أو لا؟ على وَجْهَينِ. قال شيخُنا (١): ولا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنّها لو أقَرَّتْ لم يُقْبَلْ إقْرارُها، فإذا أنْكَرَتْ لم تَجِبِ اليَمِينُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَجِبُ عليها. وإنِ اعْتَرَفَتِ المرْأةُ وأنْكَرَ الزَّوْجُ، لم يُقْبَلِ اعْتِرافُها على الزَّوْجِ في فَسْخ نِكاحِه؛ لأنَّ قَوْلَها إنَّما يُقْبَلُ على نَفْسِها في حَقِّها. وهل يُسْتَحْلَفُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، لا يُسْتحْلَفُ. اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه دَعْوَى في النِّكاحِ، فلم يُسْتَحْلَفْ، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأةٍ فأنْكَرَتْه. والثَّاني، يُسْتَحْلَف. قال القاضي: وهو قَوْلُ الخِرَقِيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: «ولَكِنَّ اليَمِينَ علَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (٢). ولأنَّه دَعْوَى في حَقِّ آدَمِيٍّ، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالمالِ. فإن حَلَفَ فيَمِينُه على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّه على نفي فِعْلِ الغَيرِ. فإن زال نِكاحُه بطَلاقٍ، أو فَسْخٍ، أو مَوْتٍ، رُدَّتْ إلى الأوَّلِ مِن غَيرِ عَقْدٍ؛ لأنَّ المَنْعَ مِن رَدِّها إنَّما كان لحَقِّ الثَّانِي، فإذا زال زال المَنْعُ، وحُكِمَ بأنَّها زَوْجَةُ الأوَّلِ، كما لو شَهِدَ بحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثم اشْتَراه، عَتَقَ عليه. ولا يَلْزَمُها للأوَّلِ مَهْرٌ بحَالٍ. وذَكَرَ القاضي أنَّ له عليها مَهْرًا.
стр. 11183
فَصْلٌ: وَإذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا، قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا، إلا أَنْ تَدَّعِيَهُ بِالْحَيضِ في شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إلا بِبَيِّنَةٍ.
ــ
وهو قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّها أقَرَّتْ أنَّها حالتْ بينَه وبينَ بُضْعِها بغيرِ حَقٍّ، فأشْبَهَ شُهودَ الطَّلاقِ إذا رَجَعُوا. ولَنا، أنَّ مِلْكَها اسْتَقَرَّ على المَهْرِ، فلم يَرْجِعْ به عليها، كما لو ارْتَدَّتْ، أو أسْلَمَتْ، أو قَتَلَتْ نَفْسَها. فإن ماتَ الأوَّلُ وهي في نِكاحِ الثَّاني، فيَنْبَغِي أن تَرِثَه؛ لإِقْرارِه بِزَوْجِيَّتِها وإقْرارِها بذلك. وإن ماتَتْ، لم يَرِثْها؛ لأنَّها لا تصَدَّقُ في إبْطالِ مِيراثِ الزَّوْجِ الثَّاني، كما لم تُصَدَّقْ في إبْطالِ نِكاحِه، ويَرِثُها الزَّوْجُ الثَّانِي، لذلك. وإن مات الزَّوْجُ الثَّاني، لم تَرِثْه؛ لأنَّها تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكاحِه، فتُنْكِرُ مِيراثَه.
٣٦٥٩ - مسألة: (وَإذا ادَّعَتِ المرْأةُ انْقِضاءَ عِدَّتِهَا، قُبِلَ قَوْلُها إذا كان مُمْكِنًا، إلَّا أن تَدَّعِيَه بالحَيضِ في شَهْرٍ، فلا يُقْبَلُ إلَّا ببَيِّنَةٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ المرْأةَ إذا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِها في وَقْتٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُها (١)
стр. 11184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها، قُبِلَ قَوْلُها؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١). قِيلَ في التَّفْسِيرِ: هو الحَيضُ [والحَمْلُ] (٢). ولولا أنَّ قَوْلَهنَّ مَقْبُولٌ، لم يُحْرَجْنَ (٣) بكِتْمانِه، ولأنَّه أمْرٌ تَخْتَصُّ بمَعْرِفَتِه، فكان القَوْلُ قوْلَها فيه، كالنِّيَّةِ مِن الإِنْسانِ فيما تُعْتَبرُ (٤) فيه النِّيَّةُ، أو أمْرٌ لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِها، فقُبلَ قَوْلُها فيه، كما يَجِبُ على التَّابِعيِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ عن رسولِ اللهِ ﷺ . فأمَّا ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ، فهو ثلاثةُ أقْسَامٍ؛ الأوَّلُ، أن تَدَّعِيَ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالقُرُوءِ، وهو يَنْبَنِي على
стр. 11185
وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدّةِ مِنَ الأقْرَاءِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ إِذَا قُلْنَا: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ. وَأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ. فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاُثونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ.
ــ
الخِلافِ في أقَلِّ الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَين، وعلى الخِلافِ في أقَلِّ الحَيضِ، وهل الأقْراءُ الحِيَضُ أو الطُّهْرُ؟ (فإن قُلْنا: هي الحِيَضُ، وأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثةَ عَشَرَ يَوْمًا. فأقَلُّ ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ تِسْعَة وعِشْرُونَ يَوْمًا ولَحْظَةٌ) وذلك أن يُطَلِّقَها مع آخِرِ الطُّهْرِ، ثم تَحِيضَ بعدَه يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَطْهُرَ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيلَةً، ثم تَطْهُرَ ثَلَاثةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم تَحِيضَ يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَطْهُرَ لَحْظَةً، ليُعْرَفَ بها انْقطاعُ الحَيضِ، وإن لم تَكُنْ هذه اللَّحْظَةُ مِن عِدَّتِها، فلا بُدَّ منها لمَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ حَيضِها، ولو صادَفَتْها رَجْعَتُه لم تَصِحَّ. ومَن اعْتَبَرَ الغُسْلَ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلا بُدَّ مِن وَقْتٍ يُمْكِنُ الغُسْلُ فيه بعدَ انْقِطَاعِ الحَيضِ (وإن قُلْنا): القُرُوءُ الحِيَضُ، وأقَلُّ (الطُّهْرِ خمسَةَ عَشَرَ) يومًا. فأقَلُّ ما تَنْقَضِي به العِدَّةُ (ثَلاثَةٌ وثَلاُثونَ يَوْمًا ولَحْظَةٌ) تَزِيدُ أرْبَعَةَ أيَّامٍ في الطُّهْرَين (وإن قُلْنا:
стр. 11186
وَإنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الأطْهَارُ. فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ. وَإنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ.
ــ
القُرُوءُ الأطْهارُ) وأقَلُّ الطُّهْرِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فإنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي (بثَمانِيَةٍ وعِشْرينَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ) وهو أن يُطَلِّقَها في آخِرِ لَحْظَةٍ مِن طُهْرِها، فتَحْتَسِبَ بها قُرْءًا، ثم تَحْتَسِبَ طُهْرَينِ آخَرَينِ سِتَّةً وعِشْرينِ يَوْمًا، وبينَهما حَيضَتان يَوْمَينِ، فإذا طَعَنَتْ في الحَيضَةِ الثَّالثةِ لَحْظَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُها (وإن قُلْنا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) زِدْنَا على هذا أرْبَعَةَ اأيَّامٍ في الطُّهْرَينِ، فيَكُونُ (اثْنَينِ وثَلاثِينَ يَوْمًا ولَحْظَتَين) وهذا قولُ الشافعيِّ. فإن كانت أمَةً، انْقَضَتْ عِدَّتُها بخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَةٍ على الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِسَبْعَةَ (١) عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَةٍ على الوَجْهِ الثَّانِي، وبأرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ على الوَجْهِ الثَّالِثِ، وبسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا ولَحْظَتَينِ على الوَجْهِ الرَّابعِ، فمتى ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالقُرُوءِ في أقَلَّ مِن هذا، لم يُقْبَلْ قَوْلُها عندَ أحدٍ فيما أعْلَمُ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ صِدْقَها.
стр. 11187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٦٦٠ - مسألة: فإنِ ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بِالقُرُوءِ في [أقَلَّ مِن] (١) شَهْرٍ، لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ شُرَيحًا قال: إذا ادَّعَتْ أنَّها حاضَت ثَلاثَ حِيَضٍ في شَهْرٍ، وجاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِن النِّساءِ العُدُولِ مِن بِطانَةِ أهْلِها، مِمَّن يُرْضَى صِدْقُه وعَدْلُه، أنَّها رَأتْ ما يُحَرِّمُ عليها الصَّلاةَ مِن الطَّمْثِ، وتَغْتَسِلُ عندَ كُلِّ قُرْءٍ وتُصَلِّي، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإلَّا فهي (٢) كاذِبَةٌ. فقال له عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ﵁: قالُون. ومَعْناه بالرُّومِيَّةِ: أصَبْتَ أو أحْسَنْتَ (٣). فأخَذَ أحمدُ بقَولِ عليٍّ في الشَّهْرِ. فإنِ ادَّعَتْ ذلك في أكْثَرَ مِن شَهْرٍ، صَدَّقَها، [على حديثِ: «إنَّ المرأةَ اؤْتُمِنَتْ على فرجِها] (٤)». لأنَّها اؤْتُمِنَتْ على ذلك، وإنَّما لم يُصَدِّقْها في
стр. 11188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّهْرِ؛ لأنَّ حَيضَها ثلاثَ مَرَّاتٍ فيه يَنْدُرُ جدًّا، فرُجِّحَ بِبَيِّنَةٍ، ولا يَنْدُرُ فيما زاد على الشَّهْرِ كنُدْرَتِه فيه. وقال الشافعيُّ: لا يُقْبَلُ قَوْلُها في أقَلَّ مِن اثْنَين وثلاثينَ يَوْمًا ولَحْظَتَين؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ عندَه في أقَلَّ مِن ذلك. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ في أقلَّ مِن ستِّينَ يومًا. وقال صاحِبَاه: لا تُصَدَّق (١) في أقلَّ من تِسْعَةٍ وثَلاثِينَ يومًا (٢)؛ لأنَّ أقَلَّ الحَيضِ عندَهم ثَلَاثةُ أيَّامٍ، فثَلاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أيَّامٍ، وطُهْران ثَلاثُونَ. والخِلافُ في هذا مَبْنِيٌّ على أقَلِّ الحَيضِ، وأقَلِّ الطُّهْرِ، وفي القُرْءِ ما هو. وممَّا يدُلُّ عليه في الجُمْلَةِ قَبُولُ عليٍّ وشُرَيحٍ بيَّنتَها على انْقِضاءِ عِدَّتِها في شَهْرٍ، ولولا تَصَوُّرُه لَما قُبِلَتْ عليه بَيِّنَةٌ، ولا سُمِعَتْ فيه دَعْوَى، ولا يُتَصَوَّرُ إلَّا بما قُلْناه. وأمَّا إنِ ادَّعَتِ انْقضاءَ العِدَّةِ في أقَلَّ مِن ذلك، لم تسْمَعْ دَعْواها، ولا يُصْغَى إلى بَيِّنتِها؛ لأنَّنا نَعْلَمُ كَذِبَها. فإن بَقِيَتْ على دَعْواها حتَّى أتَى عليها ما يُمْكِنُ صِدْقُها فيه، نَظَرْنا؛ فإن بَقِيَتْ على دَعْواها المرْدُودَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُها؛ لأنَّها تَدَّعِي مُحالًا، وإنِ ادَّعَتْ أنَّها انْقَضَتْ عِدَّتُها في هذه المُدَّةِ كُلِّها، أو فيما يُمْكِنُ منها، قُبِلَ قَوْلُها؛ لأنَّه أمْكَنَ صِدْقُها. ولا فَرْقَ في ذلك بينَ الفاسِقَةِ والمَرْضِيَّةِ، والمُسْلِمَةِ والكافِرَةِ؛ لأنَّ ما يُقْبَلُ فيه قَوْلُ الإِنْسانِ على نَفْسِه، لا يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ حالِه، كإخْبارِه عن
стр. 11189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِيَّتِه (١) فيما تُعْتَبَرُ فيه نِيَّتُه (٢).
فصل: فإنِ ادّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بوَضْعِ الحَمْلِ؛ فإنِ ادَّعَتْه لتَمامٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُها في أقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ إمْكانِ الوَطءِ بعدَ العَقْدِ؛ [لأنَّه لا يَكْمُلُ في أقلَّ مِن ذلك. وإنِ ادَّعَتْ أنّها أسْقَطَتْه، لم يُقْبَلْ قولُها في أقلَّ مِن ثمانين يومًا مِن حينِ إمكانِ الوطءِ بعدَ العَقْدِ] (٣)؛ لأنَّ أقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي به العِدَّةُ [ما أتَى عليه ثمانون يَوْمًا؛ لأنَّه يكونُ نُطْفَةً أربعين يَوْمًا، وعَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً بعدَ الثمانينَ، ولا تَنْقَضِي به العِدَّةُ] (٤) قبلَ أن يَصِيرَ مُضْغَةً بحالٍ (٥). وهذا ظاهِرُ قَوْلِ الشافعيِّ. فأمَّا إنِ ادَّعَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها بالشُّهورِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيه؛ لأنَّ الخِلافَ في ذلك يَنْبَنِي على الاخْتِلافِ في وقتِ (٦) الطَّلاقِ، والقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فيه، فيكون القَوْلُ قَوْلَه فيما يَنْبَنِي عليه، إلَّا أن يَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِها؛ لِيُسْقِطَ عن نَفْسِه نَفَقَتَها، مثلَ أن يقولَ: طَلَّقْتُكِ في شَوَّالٍ. فتقولَ هي: بل في ذِي القَعْدَةِ.
стр. 11190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالقَوْلُ قَوْلُها؛ لأنَّه يَدَّعِي ما يُسْقِطُ النَّفَقَةَ، والأصْلُ وُجُوبُها، فلا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. فإنِ ادَّعَتْ ذلك ولم يَكُنْ لها نَفَقَةٌ، قُبِلَ قَوْلُها؛ لأنَّها تُقِرُّ على نَفْسِها بما هو أغْلَظُ. ولو انْعَكَسَ الحالُ، فقال: طَلَّقْتُكِ في ذِي القَعْدَةِ، فَلِي رَجْعَتُكِ. قالتْ: بلْ طَلَّقْتَنِي في شَوَّالٍ، فلا رَجْعَةَ لك. فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ نِكاحِه، ولأنَّ القَوْلَ قَوْلُه في إثْباتِ الطَّلاقِ ونَفْيِه، فكذلك في وَقْتِه. إذا ثَبَت ذلك، فكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: القَوْلُ قَوْلُها. فأنْكَرَها الزَّوْجُ، فقال الخِرَقِيُّ: عليها اليَمِينُ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ. وقد أوْمأ إليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ. وقال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ أن لا يَجِبَ عليها يَمِينٌ. وقد أوْمَأ إليه أحمدُ أَيضًا، فقال: لا يَمِينَ في نِكاحٍ ولا طَلاقٍ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنّ الرَّجْعَةَ لا يَصِحُّ بَذْلُها، فلا يُسْتَحْلَفُ فيها، كالحُدُودِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «اليَمِينُ عَلَى المُدّعَى عَلَيهِ» (١). ولأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ صِدْقُ مُدَّعِيه، فتَجِبُ اليَمِينُ فيه، كالأمْوالِ. فإن نَكَلَتْ عنِ اليَمِينِ، فقال القاضي: لا يُقْضَى بالنُّكُولِ؛ لأنه ممَّا (٢) لا يَصِحُّ بَذْلُه. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحْلَفَ الزَّوْجُ، وله رَجْعَتُها، بناءً (٢) على القَوْلِ بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِي؛ لأنَّه لمَّا وُجِدَ النُّكُولُ منها،
стр. 11191
وَإذَا قَالتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي. فَقَال: قَدْ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ. فَأنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.
ــ
ظَهَرَ صِدْقُ الزَّوْجِ، وقَوىَ جانِبُهُ، واليَمِينُ تُشْرَعُ في حَقِّ مَن قَوِيَ جَانِبُهُ، ولذلك شُرِعَتْ في حَقِّ المُدَّعَى عليه؛ لقُوَّةِ جَانِبِه باليَدِ في العَينِ، وبالأصْلِ في بَراءَةِ الذِّمَّةِ في الدَّينِ. وهو مذْهَبُ الشافعي.
فصل: إذا ادَّعَى الزَّوْجُ في عِدَّتِها أنَّه كان راجَعَها أمْسِ، أو مُنْذُ شَهْرٍ، قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه لمَّا مَلَكَ الرَّجْعَةَ، مَلَكَ الإقْرارَ بها، كالطَّلاقِ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي وغيرُهم. فإن قال بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها: كُنْتُ راجَعْتُكِ في عِدَّتِكِ. فأنْكَرَتْه، فالقَوْلُ قَوْلُها بإجْماعِهِم؛ لأنَّه ادَّعاها في زَمَنٍ لا يَمْلِكُهَا، والأصْلُ عَدَمُها وحُصُولُ البَينُونَةِ.
٣٦٦١ - مسألة: (إذا قالت: انْقَضَتْ عِدَّتِي. فقال: قد كُنْتُ رَاجَعْتُكِ. فالقَوْلُ قَوْلُها) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان اخْتِلافُهما في زَمَنٍ يُمْكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتِها وبَقاؤُها، فبَدَأتْ فقالتْ: قد (١) انْقَضَتْ عِدَّتِي. فقال: قد كُنْتُ راجَعْتُكِ. فأنْكَرَتْه، فالقَوْلُ قَوْلُها؛ لأنَّ خَبَرَها بانْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ، لإمْكانِه، فصَارَتْ دَعْواه للرَّجْعَةِ بعدَ الحُكْمِ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فلم تُقْبَلْ.
стр. 11192
وَإنْ سَبَقَ فَقَال: ارْتَجَعْتُكِ. فَقَالتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا.
ــ
٣٦٦٢ - مسألة: (وإن سَبَق فقال: ارتَجَعْتُك. فقالت: قد انْقَضَت عِدَّتِي قبلَ رَجْعتِكَ) فأنْكَرَها (فالقَوْلُ قَولُه) ذَكَره القاضي؛ لِمَا ذَكَرْنا. وهو أحَدُ الوُجُوهِ لأصحابِ الشافعيِّ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّ قَوْلَها مَقْبُولٌ، سَواءٌ سَبَقَها بالدَّعْوَى أو سَبَقَتْه. وهو وَجْهٌ ثانٍ لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ البَينُونَةُ، والأصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فكان الظَّاهِرُ معها, ولأنَّ مَن قُبِلَ قَوْلُه سابِقًا، قُبِلَ (١) مَسْبُوقًا، كسائِرِ مَن يُقْبَلُ قَوْلُه. ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ المرْأة تَدَّعِي ما يَرْفَعُ النِّكاحَ، وهو يُنْكِرُه، فكان القَوْلُ [قولَه، كما لو ادَّعَى المُولِي والعِنِّينُ إصابةَ امرأتِه، فأنْكَرَتْه. وهذا لا يَصِحُّ، فإنَّه قد انْعَقَدَ سببُ البَينُونةِ، وهو مُفْضٍ إليها، ما لم يوجدْ ما يَرْفعُه ويُزِيلُ حُكْمَه، والأصْلُ عَدَمُه، فكان القولُ] (٢) قَوْلَ مَن أنْكَرَه، بخِلافِ ما
стр. 11193
وَإنْ تَدَاعَيَا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُهَا. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ تَقَعُ لَهُ القُرْعَةُ.
ــ
قاسوا عليه.
٣٦٦٣ - مسألة: (وإن تَداعَيا مَعًا، قُدِّمَ قَوْلُها) لأنَّ خَبَرَها بانْقِضَاءِ عِدَّتِها يكونُ بعدَ انْقِضَائِها، فيَكونُ قَوْلُه بعدَ العِدَّةِ، فلا يُقْبَلُ (وقيلَ: يُقَدَّمُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ احْتِمالًا. والصَّحِيحُ الأولُ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَا في الإصابَةِ فقال: قد أصَبْتُكِ، فلي رَجْعَتُكِ. فأنْكَرَتْه، أو قالت: قد أصابَنِي، فلِيَ المَهْرُ كاملًا. فالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ منهما؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فلا يَزُولُ إلَّا بيَقِينٍ، وليس له رَجْعَتُها في الموْضِعَينِ؛ لأنَّه إن أنْكَرَ الإِصابَةَ، فهو يُقِرُّ على نَفْسِه بِبَينُونَتِها، وأنَّه لا رَجْعَةَ له عليها. وإن أنْكَرَتْها هي، فالقَوْلُ قَوْلُها, ولا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ المَهْرِ، وإن أنْكَرَها، فالقَوْلُ قَوْلُه. هذا إذا كان المَهْرُ غيرَ مَقْبُوضٍ، فإن كان اخْتِلافُهُما بعدَ قَبْضِها له، وادَّعَى إصابَتَها فأنْكَرَته، لم يَرْجِعْ
стр. 11194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها بشيءٍ؛ لأنه يُقِرُّ لها به ولا يَدَّعِيهِ. وإن كان هو المُنْكِرَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. فإن قيلَ: فلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ المُولِي والعِنِّينِ في الإِصابَةِ، ولم تَقْبَلُوه ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ (١) المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان ما يُبْقِي النِّكاحَ على الصِّحَّةِ، ويَمْنَعُ فَسْخَه، والأصْلُ صِحَّةُ العَقْدِ وسَلامَتُه، فكان قَوْلُهما مُوافِقًا للأصْلِ، فقُبِلَ، وفي مسْألَتِنا قد وَقَعَ ما يَرْفَعُ النِّكاحَ ويُزِيلُه، وهو ما والى (٢) بَينُونَتِه، وقد اخْتَلَفا فيما يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلاقِ، ويُثْبِتُ له الرَّجْعَةَ، والأصْلُ عدَمُ ذلك، فكان قَوْلُه مُخالِفًا للأصْلِ، فلم يُقْبَلْ، ولأنَّ المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان الإِصابَةَ في مَوْضِعٍ تحَقّقَتْ فيه الخَلْوَةُ والتَّمْكِينُ مِن الوَطْءِ؛ لأنَّه لو لم يُوجَدْ ذلك لَمَا اسْتَحَقَّتا الفَسْخَ بعَدَمِ الوَطْءِ، فكان الاخْتِلافُ فيما يَخْتَصُّ به، وفي مسْألَتِنا لم تَتَحقَّقْ خَلْوَةٌ ولا تَمْكِينٌ؛ لأنَّه لو تَحَقَّقَ ذلك لَوجَبَ المَهْرُ كامِلًا، فكان الاخْتِلافُ في أمْرٍ ظاهِرٍ لا يَخْتَصُّ به، فلم يُقْبَلْ فيه قَوْلُ مُدَّعِيه إلَّا ببَيِّنَةٍ. وهل تُشْرَعُ اليَمِينُ في حَقِّ مَن القَوْلُ قَوْلُه؟ على وَجْهَينِ.
стр. 11195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والخَلْوَةُ كالإِصابَةِ في إثْباتِ الرَّجْعَةِ للزَّوْجِ على المرْأَةِ التي خَلا بها، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه: حُكْمُها حُكْمُ الدُّخولِ في جَميعِ أُمُورها. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ [القَدِيمُ. وقال أبو بكرٍ: لا رَجْعَةَ له عليها، إلَّا أن يُصِيبَها. وبه قال أبو حنيفةَ، وصَاحِباه، والشافعيُّ] (١) في الجدِيدِ؛ لأنَّها غَيرُ مُصابَةٍ، فلا يَسْتَحِقُّ رَجْعَتَها، كالتي لم يَخْلُ بها. ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. إلى قَوْلِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (٢). ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن طَلاقٍ لا عِوَضَ فيه، ولم تَسْتَوْفِ عَدَدَه، فثَبَتَتْ عليها الرَّجْعَةُ، كالمَوْطُوءَةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُها طَلاقُه، فَمَلَكَ رَجْعَتَها، كالتي أصابَها. وفارَقَ التي لم يَخْلُ بها، فإنَّها بائِنٌ منه لا عِدَّةَ لها, ولا يَلْحَقُها طَلاقُه، وإنَّما تكون الرَّجْعَةُ للمُعْتَدَّةِ التي يَلْحَقُها طَلاقُه. والخِلافُ في هذا مَبْنِيٌّ على وُجوبِ العِدَّةِ بالخَلْوَةِ مِن غيرِ إصابَةٍ، ويُذْكَرُ في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 11196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنِ ادَّعَى زَوْجُ الأمَةِ بعدَ عِدَّتِها [أنَّه كان راجَعَها في عِدَّتِها] (١)، فأنْكَرَتْه، وصَدَّقَه مَوْلاها، فالقَوْلُ قَوْلُها. نَصَّ عليه. وبذلك قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وهو أحَقُّ بها؛ لأنَّ إقْرارَ مَوْلَاها مَقْبُولٌ في نِكاحِها، فقُبِلَ في رَجْعَتِها، كالحُرَّةِ إذا أقَرَّتْ. ولَنا، أنَّ قَوْلَها في انْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ، فقُبِلَ إنْكارُها للرَّجْعَةِ كالحُرَّةِ، ولأنَّه اخْتِلافٌ منهما فيما يَثْبُتُ به النِّكاحُ، فيَكونُ المُنازِعُ هي دُونَ سَيِّدِها، كما لو اخْتَلَفا في الإِصابَةِ، وإنَّما قبِلَ قَوْلُ السَّيِّد في النِّكاحِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ إنْشاءَه، فَمَلَكَ الإِقْرارَ به، بخِلافِ الرَّجْعَةِ. وإن صَدَّقَتْه وكَذَّبَه مَوْلَاها, لم يُقْبَلْ إقْرارُها؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ تعَلَّقَ بها، وحَلَّتْ له بانْقِضَاء عِدَّتِها، فلم يُقْبَلْ قَوْلُها في إبْطالِ حَقِّه، كما لو تَزَوَّجَتْ، ثم أقَرَّتْ أنَّ مُطَلِّقَها كان راجَعَها, ولا يَلْزَمُ مِن قَبُولِ إنْكارِها قَبُولُ تَصْدِيقِها، كالتي تَزَوَّجَتْ، فإنَّه يُقْبَلُ إنْكارُها ولا يُقْبَلُ تَصْدِيقُها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَوْلَاها إذا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها، ولا تَزْويجُها، وإن عَلِمَتْ هي صِدْقَ الزَّوْجِ في رَجْعَتِها، فهي حَرامٌ على سَيِّدِها, ولا يَحِلُّ لها تَمْكِينُه مِن وَطْئِها إلَّا مُكْرَهَةً، كما قبلَ طَلاقِها.
فصل: ولو قالت: انْقَضتْ عِدَّتِي. ثم قالت: ما انْقَضَتْ بَعْدُ. فلَه
стр. 11197
فَصْلٌ: وَإنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، وَيَطَأَها في الْقُبُلِ، وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الْفَرجِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
ــ
رَجْعَتُها؛ لأنَّها أقَرَّتْ بكَذِبِها فيما يَثْبُتُ به حَقٌّ عليها، فقُبِلَ إقْرارُها. ولو قال: أخْبَرَتْنِي بانْقِضاءِ عِدَّتِها. ثم راجَعَها (١)، ثم أقَرَّتْ بكَذِبِها في انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو أنْكَرَتْ ما ذَكَرَ عنها، وأقَرَّتْ بأنَّ عِدَّتَهَا لم تَنْقَضِ، فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّه لِم يُقِرَّ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، وإنَّما أخْبَرَ بخَبَرِها عن ذلك، وقد رَجَعَتْ عن خبَرِها، فقُبِلَ رُجُوعُها؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (وإن طَلَّقَها ثلَاثًا، لم تَحِلَّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَه، ويَطَأها في القُبُلِ، وأدْنَى ما يَكْفي مِن ذلك تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ، وإن لم يُنْزِلْ) وجملةُ ذلك، أنَّ المرْأةَ إذا لم يُدْخَلْ بها تُبِينُها طَلْقَةٌ (٢)، وتُحَرِّمُها الثَّلاثُ مِن الحُرِّ، والاثْنَتان من العَبْدِ. وقد أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ غيرَ المدْخُولِ بِها تَبِينُ بطَلْقَةٍ واحدةٍ، ولا يَسْتَحِقُّ مُطَلِّقُها رَجْعَتَها؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ إنَّما تكونُ في العِدَّةِ، ولا عِدَّةَ
стр. 11198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ الدُّخُولِ، لقَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). فبَيَّنَ سبحانَهُ أنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتَبِينُ بِمُجَرَّدِ طَلاقِهَا، وتَصِيرُ كالمدْخُولِ بها بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها, لا رَجْعَةَ عليها, ولا نَفَقَةَ لها. فإن رَغِبَ فيها مُطَلِّقُها، فهو خاطِبٌ مِن الخُطَّابِ، لا تَحِلُّ له إلَّا أن يتَزَوَّجَها برِضَاهَا نِكاحًا (٢) جَدِيدًا، وتَرْجِعُ إليه بطَلْقَتَين. وإنْ طَلَّقَها اثْنَتَين، ثم تَزَوَّجَها، رَجَعَتْ إليه بطَلْقَةٍ واحدةٍ، بغيرِ خِلافٍ، إن لم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ غيرَه، بغيرِ خِلافٍ. فإن طَلَّقَها ثلاثًا بلَفْظٍ واحدٍ، حَرُمَت عليه حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى، ولا خِلافَ بينَهم في أنَّ المُطَلَّقَةَ ثلَاثًا بعدَ الدُّخول، لا تَحِلُّ له (٢) حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، لقَولِ اللهِ سبحانَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (٣). ورَوَتْ عائشةُ أنَّ امرأةَ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ جاءتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالت: إنَّها كانت عندَ رِفاعَةَ، فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْليقاتٍ، فتَزوَّجَتْ بعدَه بعبدِ الرَّحمنِ بنِ الزَّبِيرِ، [وإنَّه] (٤)
стр. 11199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واللهِ ما معه إلَّا مِثْلُ هذه الهُدْبَةِ (١). وأخَذَتْ بهُدْبَةٍ مِن جِلْبابِها. فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا، وقال: «لَعَلَّكِ (٢) تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيلَتَهُ». مُتَّفَق عليه (٣). وفي إجْماعِ أهْلِ العِلْمِ على هذا غُنْيَةٌ عن الإِطالةِ فيه. وجُمْهُورُ العُلَماءِ على أنَّها لا تَحِلُّ للزَّوْجِ الأوَّلِ حتَّى يَطَأها الثَّانِي وَطْئًا يُوجَدُ فيه الْتِقاءُ الخِتانَين، إلَّا أنَّ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ مِن بينِهم، قال: إذا تَزَوَّجَها تَزْويجًا صَحِيحًا، لا يُرِيدُ به إحْلالًا، فلا بأْسَ أن يَتَزَوَّجَها الأوَّلُ (٤). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحدًا مِن أهلِ العِلْمِ قال بقَوْلِ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ هذا، إلَّا الخَوارِجَ أخَذُوا بظاهِرِ قوْلِه سبحانَه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. ومع تَصْرِيحِ النبيِّ ﷺ ببَيَانِ المُرادِ مِن كتابِ اللهِ تعالى، وأنَّها لا تَحِلُّ للأوَّلِ حتَّى يَذُوقَ الثّانِي عُسَيلَتَها وتَذُوقَ عُسَيلَتَه، لا يُعَرَّجُ على شيءٍ سِواه، ولا يَسُوغُ لأحدٍ المَصِيرُ إلى (٥) غيرِه، مع ما عليه جُمْلَةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عمرَ (٦)، وابنُ عبَّاس، وجابِرٌ، وعائشةُ، ﵃، ومِمَّن بعدَهم مَسْرُوقٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ،
стр. 11200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأهلُ المدِينَةِ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والأوْزاعيُّ، وأهلُ الشَّامِ, والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم.
فصل: ويُشْتَرَطُ لحِلِّها للأوَّلِ ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَه، فلو كانت أمَةً، فوَطِئَها سَيِّدُها, لم تَحِلَّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. وهذا ليس بزَوْجٍ. الشَّرْطُ الثَّاني، أن يكونَ نِكاحًا صَحِيحًا، فلو كان فاسِدًا لم يُحِلَّها الوَطْءُ فيه. وبهذا قال الحسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجَدِيدِ. وقال في القَدِيمِ: يُحِلُّها ذلك (١). وهو قَوْلُ الحَكَمِ. وخَرَّجَه أبو الخطَّاب وَجْهًا في المَذْهَبِ؛ لأنَّه زَوْجٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له (٢). فسَمَّاه مُحَلِّلًا مع فسادِ نِكاحِه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. وإطْلاقُ النِّكاحِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ. ولو حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ، لم يَبَرَّ بالتَّزَوُّجِ الفاسِدِ. ولأنَّ أكثَرَ أحْكامِ التَّزْويجِ غَيرُ ثابِتَةٍ فيه، مِن الإِحْصانِ، واللِّعانِ، والظِّهارِ، والإيلاءِ، والنَّفَقَةِ، وأشْباهِ ذلك. وأمَّا تَسْمِيَتُه مُحَلِّلًا، فلِقَصْدِه التَّحْلِيلَ فيما لا يَحِلُّ، ولو أحَلَّ حَقِيقَةً لَما لُعِنَ، ولا لُعِنَ المُحَلَّلُ له، وإنَّما هذا
стр. 11201
فَإِنْ كَانَ مَجْبُوَبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ، أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ،
ــ
كقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٢). ولأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَه وَطءَ الشُّبْهَةِ. وعلى هذا، لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ، لم تُبَحْ؛ لأنَّه (٣) غيرُ نِكاحٍ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أن يَطَأها في الفَرْجِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عائشةَ. فعلى هذا، إن وَطِئَها دُونَ الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، لم يُحِلَّها؛ لأنَّه عَلَّقَ الحِلَّ على ذَواقِ (٤) العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالوَطءِ في الفَرْجِ، وأدْناهُ تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ وإن لم يُنْزِل؛ لأنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعلَّقُ [به، ولو أوْلَجَ الحَشَفَةَ مِن غيرِ انْتِشارٍ لم تَحِلَّ؛ لأنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ] (٥) بذَواقِ العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ مِن غيرِ انْتِشَارٍ.
٣٦٦٤ - مسألة: (فإن كان مَجْبُوبًا) قَدْ (بَقِيَ مِن ذَكَرِه قَدْرُ الحَشَفَةِ، فأوْلَجَه) أحَلَّها، وإلَّا فلا (وإن وَطِئَها زَوْجٌ مُراهِقٌ، أحَلَّها) في قَوْلِهم، إلَّا مالِكًا، وأبا عُبَيدٍ، فإنَّهُما قالا: لا يُحِلُّهَا. وَيُرْوَى ذلك
стр. 11202
أَوْ ذِمِّيٌّ وهِيَ ذِمِّيَّةٌ، أَحَلَّهَا،
ــ
عن الحسنِ؛ لأنَّه وَطْءٌ مِن غَيرِ بالِغٍ، فأشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ. ولَنا، ظاهِرُ النَّصِّ، وأنَّه وَطْءٌ مِن زَوْجٍ في نِكاحٍ صَحِيحٍ، فأشْبَهَ البالِغ، ويُخالِفُ الصَّغِيرَ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ الوَطْءُ منه، ولا تُذاقُ عُسَيلته. قال القاضي: يُشْتَرَطُ أن يكونَ له اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لأنَّ مَن دُونَ ذلك لا يُمْكِنُه المُجامَعَة. ولا مَعْنى لهذا؛ فإنَّ الخِلافَ في المُجَامِعِ (١)، ومتى أمْكَنَه الجِماعُ، فقد وُجِدَ منه المقْصُودُ، فلا مَعْنَى لاعْتِبارِ سِنٍّ ما ورَد (٢) الشَّرْعُ باعْتِبارِها، وتَقْدِيرٍ بمُجَرَّدِ الرَّأْي والتَّحَكُّمِ.
٣٦٦٥ - مسألة: فإن كانت ذِمِّيَّةً، فوَطِئَها زَوْجُها الذِّمِّيُّ، أحَلَّها لمُطَلِّقِها المُسلمِ . نَصَّ عليه أحمدُ. وقال: هو زَوْجٌ، وبه تَجِبُ المُلاعَنَةُ والقَسَمُ. وبه قال الحسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ. وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ: لا يُحِلُّها. ولَنا، ظاهِرُ الآيَةِ، ولأنَّه وَطْءٌ مِن زَوْجٍ في نِكاحٍ صَحِيحٍ تَامٍّ، أشْبَهَ وَطْءَ المُسْلِمِ.
стр. 11203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كانا مَجْنُونَين، أو أحَدُهما، فوَطِئها، أحَلَّها. وقال أبو عبدِ الله بنُ حامِدٍ: لا يُحِلُّها؛ لأنَّه لا يَذُوقُ العُسَيلَةَ. ولَنا، ظاهِرُ الآيَةِ، ولأنَّه وَطْءٌ مُباحٌ في نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَهَ العاقِلَ. وقَوْلُه: لا يَذوقُ العُسَيلَةَ. لا يَصِحُّ، فإنَّ الجُنُونَ إنَّما هو تَغْطِيَةُ العَقْلِ، وليس العَقْلُ شَرْطًا في الشَّهْوَةِ وحُصُولِ اللَّذَّةِ، بدَلِيلِ [البَهائِمِ، لكن إن كان المجْنُونُ ذاهِبَ الحِسِّ، كالمصْرُوعِ والمُغْمَى عليه، لم يَحْصُلِ الحِلُّ بوَطْئِه، ولا بوَطْءِ مَجْنُونَةٍ في هذه] (١) الحَالِ؛ لأنَّها لا تَذُوقُ العُسيلَةَ، ولا تَحْصُلُ لها لَذَّةٌ. ولعلَّ ابنَ حامِدٍ إنَّما أَرادَ المجْنُونَ الذي هذا حالُه، فلا يكونُ ههُنا اخْتِلافٌ. [ولو وَطِئَ] (٢) مُغْمًى عليها، أو نائِمَةً لا تُحِسُّ بوَطْئِه، فيَنْبَغِي أن لا تَحِلَّ بهذا؛ لِما ذَكَرْنا. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ويَحْتَمِلُ حُصُولُ الحِلِّ في ذلك كُلِّه؛ لعُمُومِ النَّصِّ. فإن وَجَدَ على فِراشِه امْرَأةً، فَظَنَّها أجْنَبِيَّةً، أو ظَنَّها جارِيَتَه، فوَطِئَها، فإذا هي امْرَأتُه، أحلَّها؛ لأنَّه صادَفَ نِكاحًا صَحِيحًا. ولو وَطِئها فأفْضاها، أو وَطِئَها وهي مَرِيضَةٌ تَتَضَرَّرُ بوَطْئِه، أحَلَّها؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ ههُنا لِحَقِّها. وإنِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَه وهو نَائِمٌ، أو مُغْمًى عليه، لم تَحِلَّ؛ لأنَّه لم يَذُقْ عُسَيلَتَها. ويَحْتَمِلُ أن تَحِلَّ؛ لعُمُومَ الآيَةِ.
стр. 11204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان خَصِيًّا، أو مَسْلُولًا، أو مَوْجُوءًا، حَلَّتْ بوَطْئِه؛ لأنَّه يَطَأ كالفَحْلِ، ولم يَفْقِدْ إلَّا الإِنْزال، وهو غَيرُ مُعْتَبَرٍ في الإِحْلالِ. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ. قال أبو بكرٍ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ في الخَصِيِّ، أنّه لا يُحِلُّها؛ فإنَّ أَبا طالِبٍ سألَه عن المرْأةِ تَتَزَوَّجُ الخَصِيَّ، تُسْتَحَلُّ به؟ قال: لا [خَصِيَّ يَذُوقُ] (١) العُسَيلَةَ. قال أبو بكرٍ: والعَمَلُ على ما رَواه مُهَنَّا، أنَّها تَحِلُّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الخَصِيَّ لا يَحْصُلُ منه الإِنْزالُ، فلا تَنالُ لَذَّةَ الوَطْءِ، فلا تَذُوقُ العُسَيلَةَ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك؛ لأنَّ الخَصِيَّ في الغَالِبِ لا يَحْصُلُ منه الوَطْءُ، أو ليس مَظِنَّةَ الإِنْزالِ، فلا يَحْصُلُ الإِحْلالُ بوَطْئِه، كالوَطْءِ مِن غيرِ انْتِشارٍ. والأولى، إن شاءَ اللهُ، حُصُولُ الإِحْلالِ به؛ لأنَّه يَحْصُلُ بوَطْءِ المُراهِقِ الذي لا يَحْصُلُ منه الإِنْزالُ، ولذلك تَحِلُّ المُرَاهِقَةُ التي لا يُتَصَوَّرُ منها الإِنْزَالُ قبلَ البُلُوغِ، كذلك هذا. وعلى هذا، يُمْنَعُ أنَّه (٢) لا يَذُوقُ (٣) العُسَيلَةَ إذا حَصَلَ منه الانْتِشارُ كغيرِ البالغِ، ولدُخُولِه في عُمُومِ الآيَةِ.
стр. 11205
وَإنْ وَطِئَهَا في الدُّبُرِ، أوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، لَمْ تَحِلَّ، وَإنْ وُطِئَتْ في نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لَمْ تَحِلَّ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ.
ــ
٣٦٦٦ - مسألة: (وإن وَطِئها في الدُّبُرِ، أو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ، أو بمِلْكِ يَمِين، لمْ تَحِلَّ) لأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُرِ لا تَذُوقُ به العُسَيلَةَ، والوَطْءُ بالشبْهَةِ وبمِلْكِ اليَمِينِ وَطْءٌ مِن غيرِ زَوْجٍ، فلا يدخلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾. فتَبْقَى على المَنْعِ.
فصل: فإن وَطِئَها في رِدَّتِه، أو رِدَّتِها, لم يُحِلَّها؛ لأنَّه إن عاد إلى الإسْلامِ، فقد وَقَعَ الوَطْءُ في نِكاحِ غيرِ تامٍّ؛ لانْعِقادِ سبَبِ البَينُونَةِ، وإنْ لم يُسْلِمْ (١) في العِدَّةِ، فلم يُصادِفِ الوَطْءُ نِكاحًا. وهكذا لو أسْلَمَ أحَدُ الزَّوْجَين، فوَطِئَها (٢) الزَّوْجُ قبلَ إسْلامِ الآخَرِ، لم يُحِلَّها لذلك.