← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الغالِبِ لا يَخْلُو منه شَهْر، فيُؤَدِّي ذلك إلى إسْقاطِ حُكْم الإِيلاءِ. وإن طرأ الحَيضُ، لم يَقْطَعِ (١) المُدَّةَ؛ لِمَا ذَكَرْنا. والنِّفَاسُ مثل الحَيضِ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحْكامَه أحْكَامُ الحَيضِ. والثاني، هو كسائِرِ الأعْذارِ التي مِن جِهَتِها؛ لأنَّه نادِرٌ غيرُ مُعْتادٍ، فأشْبَهَ سائِرَ الأعْذارِ. فأمَّا إن جُنَّتْ، وهَرَبَتْ مِن يَدِه، انْقَطَعَتِ المُدَّةُ. وإن بَقِيَتْ في يَدِه وأمْكَنَه وَطْؤُها، احْتسِبَ عليه بها. فإن قِيلَ: فهذه الأسْبابُ منها ما لا صُنْعَ (٢) لها فيه، فلا يَنْبَغِي أنَّ تُقْطَعَ المدَّةُ، كالحَيضِ. قُلْنا: إذا كان المَنْعُ لمَعْنًى فيها، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِه بفِعْلِها أو بغيرِ فِعْلِها، كما أنَّ البائِعَ إذا تَعَذر عليه تَسْلِيم المَعْقُودِ عليه، لم تَتَوَجَّهْ له المُطالبَةُ بعِوَضِه، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِ عُذْرٍ. وإن آلى في الرِّدَّةِ، لم تضْرَبْ له المدَّةُ إلَّا مِن حينِ رُجُوعِ المُرْتَدِّ منهما إلى الإِسْلامِ. فإن طرأَتِ الرِّدَّةُ في أثْناءِ المدَّةِ، انْقَطَعَتْ؛

стр. 11272

وَإنْ طَلَّقَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، انْقَطَعَتْ، وَإنْ رَاجَعَهَا أَوْ نَكَحَهَا إِذَا كانَتْ بَائنًا، اسْتُؤْنِفَتِ الْمُدَّةُ. ــ لأنَّ النِّكاحَ قدْ تَشَعَّثَ وحَرُمَ الوَطْءُ، فإن عاد إلى الإِسْلامِ، اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ، سواءٌ كانتِ الرِّدُّةُ منهما أو مِن أحَدِهما. وكذلك إن أسْلمَ أحَدُ الزَّوْجَين الكافِرَين، أو خالعَها ثم تَزَوَّجَها. ٣٧٠٠ - مسألة: (وإن طَلَّقَها في أثناءِ المُدَّةِ، انْقَطَعَتْ) لأنَّها صارتْ مَمْنُوعةً بغيرِ اليَمِينِ، فانْقَطَعَتِ المُدَّةُ، كما لو كان الطَّلاقُ بائِنًا، سواءٌ بانَتْ بفَسْخٍ أو طَلاقِ ثَلاثٍ، أو بخُلْع، أو بانْقِضاءِ عِدَّتِها مِن الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لأنَّها صارَتْ أجْنَبِيَّةً منه، ولم يَبْقَ شيءٌ مِن أحْكامِ نِكاحِها. فإن عاد فتَزَوَّجَها، عادَ حُكْمُ الإِيلاءِ بِن حينَ تزَوَّجَها، [واسْتُؤْنِفَتِ المُدَّة حينَئذٍ] (١)، وكذلك إن كان الطَّلاق رَجْعِيًّا فراجَعَها، اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّة، كما لو كان الطَّلاقُ بائِنًا فتَزَوَّجَها. فإن كان

стр. 11273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الباقِي مِن مُدَّةِ يَمِينِه أرْبَعةَ أشْهُرٍ فما دُونَ، لم يَثْبُتْ حُكْمُ الإِيلاءِ؛ لأنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أرْبعَةُ أشهرٍ، وإن كان أكثرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، تَرَبَّصَ أرْبعَةَ أشْهُرٍ، ثم وُقِفَ لها، فإمَّا أنَّ يَفِئَ أو يُطَلِّقَ، فإن لم يُطَلقْ، طَلَّقَ عليه الحاكمُ. وهذا قَولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الطَّلاقُ أقلَّ مِن ثلاثٍ، ثم تَرَكَها حتى انْقضَتْ عِدَّتُها، ثم نَكَحَها، عادَ الإِيلاءُ، وإنِ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلاقِ، لم يَعُدِ الإيلاءُ؛ لأنَّ حُكْمَ النِّكاحِ الأوَّلِ زال بالكُلِّيَّةِ، ولهذا تَرْجِعُ إليه على (١) طَلاقِ ثلاثٍ، فصار إيلاؤُه في النِّكاحِ الأوَّلِ كإيلائِه مِن أجْنَبِيَّةٍ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَتَحَصَّلُ مِن أقْوالِه ثلاثةُ أقاويلَ؛ قَوْلان كالمذهَبَين، وقولٌ ثالِثٌ: لا يعودُ حُكْمُ الإِيلاءِ بحالٍ. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صارَتْ بحالٍ لو آلى منها لم يَصِحَّ إيلاؤُه، فبَطَلَ حُكْمُ الإيلاءِ منها، كالمُطَلَّقَةِ ثلاثًا. ولَنا، أنَّه مُمْتَنِعٌ مِن وَطْءِ امْرأتِه بيَمِينٍ في حالِ نِكاحِها، فثَبَتَ له حُكْمُ الإِيلاءِ، كما لو لم يُطلِّقْ، وفارَقَ الإيلاءَ مِن الأجْنَبيةِ؛ فإنَّه لا يَقْصِدُ باليَمِينِ عليها الإضْرارَ بها، بخِلافِ مسْألَتِنا.

стр. 11274

وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَبِهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ، لَمْ تَمْلِكْ طَلَبَ الْفَيئَةِ. ــ فصل: فإن آلى مِن امْرأتِه الأمَةِ، ثم اشْتَراها، ثم أعْتَقَها وتَزَوَّجَها، عاد الإيلاءُ. ولو كان المُولِي عَبْدًا، فاشْتَرتْه امْرأتُه، ثم أعْتَقَتْه وتَزَوَّجَتْه، عاد الإيلاءُ. ولو بانَتِ الزوْجَةُ برِدَّةٍ، أو إسْلامٍ مِن أحَدِهما، أو غيرِه، ثم تَزَوَّجَها تَزْويجًا جَدِيدًا، عاد الإِيلاءُ، وتُسْتأنَفُ المُدَّةُ في جميعِ ذلك، سواءٌ عادَتْ إليه بعدَ زَوْج ثانٍ أو قبلَه؛ لأنَّ اليَمِينَ كانت منه في حالِ الزَّوْجِيَّةِ، فبَقِيَ حُكْمُها ما وُجِدَتِ الزَّوْجِيَّةُ. وهكذا لو قال لزَوْجَتِه: إن دخَلْتِ الدَّارَ فو اللهِ لا جامَعْتُكِ. ثم طَلَّقَها، ثم نَكَحَتْ غيرَه، ثم تَزَوَّجَها، عاد حُكْمُ الإيلاءِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ المَعْقُودَةَ في حالِ الزَّوْجِيَّةِ لا تَنْحَلُّ بزوالِ الزوْجِيَّةِ. فإن دخَلَتِ الدَّارَ في حالِ البَينُونَةِ، ثم عادَ فتَزَوَّجَها، لم يَثْبُتْ حُكْمُ الإيلاءِ في حَقِّه؛ لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ في حالِ كَوْنِها أجْنَبِيَّةً، ولا يَنْعَقِدُ الإيلاءُ بالحَلِفِ على الأجْنَبِيَّةِ، بخِلافِ ما إذا دخَلَتْ وهي امْرأتُه. ٣٧٠١ - مسألة: (وإنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ وبها عُذْرٌ) [ الحَيضِ والنِّفاسِ] (١) (يَمْنَعُ الوَطْءَ، لم تَمْلِكْ طَلَبَ الفَيئَةِ) لأنَّ الوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِن جِهَتِها، فلم يَكنْ لها مُطالبَتُه بما تَمْنَعُه منه، ولأنَّ المُطالبَةَ مع الاسْتِحْقاقِ،

стр. 11275

وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَعْجِزُ بِهِ عَنِ الْوَطْءِ، أُمِرَ أَنْ يَفِئَ بِلِسَانِهِ فَيَقُولَ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُكِ. ــ وهي لا تَسْتَحِقُّ الوَطْءَ في هذه الأحْوالِ، وليس لها المُطالبَةُ بالطَّلاقِ؛ لأنَّه إنَّما يُسْتَحَقُّ عندَ امْتِناعِه، ولم يَجبْ عليه شيءٌ، ولكنْ تتأخَّرُ المُطالبَةُ إلى حالِ زَوالِ العُذْرِ، إن لم يكُنِ العُذْرُ قاطِعًا للمُدَّةِ كالحَيضِ، أو كان العُذْرُ حَدَثَ بعدَ انْقِضاء المُدَّةِ. ٣٧٠٢ - مسألة: (وإن كان العُذْرُ به، وهو مِمَّا يَعْجِزُ به عن الوَطْءِ) مِن مَرَض، أو حَبْس بغيرِ حَقٍّ، أو غيرِه، لَزِمَهُ (أنَّ يَفِئَ بلِسانِه فيقولَ: متى قَدَرْتُ جامَعْتُكِ) أو نحوَ هذا. ومِمَّن قال: يَفِئُ بلسانِه إذا كان ذا عُذْرٍ. ابنُ مسعودٍ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والنَّخَعِي، والحسَنُ، والزُّهْرِيُّ، [والثَّوْرِيُّ] (١)، والأوْزَاعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: لا يكونُ الفَىْءُ إلَّا بالجِماعِ، في حالِ العُذْرِ وغيرِه. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا لم يَقْدِرْ، لم يُوقَفْ حتى يَصِحَّ،

стр. 11276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو يَصِلَ إن كان غائِبًا، ولا تَلْزَمُه الفَيئَةُ بلِسانِه؛ لأن الضَّرَرَ بتَرْكِ الوَطْءِ لا يَزُولُ بالقَوْلِ (١). وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: يحْتاجُ أنَّ يقولَ: قد نَدِمْتُ على ما فَعَلْت، وإن قَدَرْت وَطِئْت. ولَنا، أنَّ القَصْدَ بالفَيئَةِ تَرْك ما [قَصَدَه مِنَ] (٢) الإضْرارِ، وقد تَرَكَ قَصْدَ الإضْرارِ بما أتَى به مِن الاعْتِذارِ، والقولُ مع العذْرِ يقومُ مَقامَ فِعْلِ القادِرِ، بدَليلِ أنَّ إشْهادَ الشَّفِيعِ على الطَّلَبِ بالشُّفْعَةِ عندَ العَجْزِ عن طَلَبِها، يقومُ مَقامَ طَلَبِها عندَ الحُضورِ في إثْباتِها. ولا يحْتاجُ أنَّ يقولَ: نَدِمْت. لأنَّ الغَرَضَ أنَّ يُظْهِرَ رُجُوعَه عِن المقامِ على اليَمِينِ، وقد حَصَلَ بظُهورِ عَزْمِه عليه. وحَكَى أبو الخَطَّابِ عن القاضي، أنَّ فَيئَةَ المَعْذُورِ أنَّ يقولَ: فِئْتُ إليكِ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأصحاب الرَّأْي. والذي ذَكَرَ القاضي في «المُجَرَّدِ» مِثْلُ ما ذَكَرَ الخِرَقِيُّ، وهو أَحْسَن؛ لأنَّ وعْدَه بالفِعْلِ عندَ القُدْرَةِ عليه، دَلِيلٌ على تَرْكِ قَصْدِ الإضْرارِ، وفيه نَوْعٌ مِن الاعْتِذارِ، وإخْبارٌ بإزالتِه

стр. 11277

ثُمَّ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، أوْ يُطَلِّقُ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهُ. ــ للضَّرَرِ (١) عندَ إمْكانِه، ولا يَحْصُلُ بقَوْلِه: فِئْتُ إليكِ. شيءٌ مِن هذا. فأمَّا العاجِزُ بجَبٍّ (٢) أو شَلَلٍ، ففَيئَتُه أنَّ يقولَ: لو قَدَرْتُ لجامَعْتُها. لأنَّ ذلك يُزِيلُ ما حَصَلَ بإيلائِه. والإِحْرامُ كالمَرضِ في ظاهِرِ قولِ الخِرَقِيِّ. وكذلك على قِياسِه الاعْتِكافُ المَنْذُورُ والظِّهارُ. ٣٧٠٣ - مسألةْ: ومتى قَدَرَ على الفَيئَةِ، وهي الجِماعُ، طُولِبَ به؛ لأنَّه تأخَّرَ للعُذْرِ، فإذا زال العُذْرُ طُولِبَ به، كالدَّينِ الحال، فإن لم يَفْعَلْ أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ كُلِّ مَن يقولُ: يُوقَفُ المُولِي. لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). فإذا امْتَنَعَ مِن أداءِ الواجِبِ عليه، فقد امْتَنَعَ مِن الإِمْساكِ بالمَعْرُوفِ، فيُؤْمَرُ بالتَّسْريحِ بالإِحْسانِ. فإن كان قد فاءَ بلِسانِه في حالِ العُذْرِ ثم قَدَرَ على الوَطْءِ، أُمِرَ به، فإن فَعَلَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال

стр. 11278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو بَكْر: إذا فاءَ بلسانِه، لم يُطالبْ بالفَيئَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وخَرَجَ مِن الإِيلاءِ. وهو قَوْلُ الحسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والأوْزاعِيِّ؛ لأنَّه فاءَ مَرَّةً، فخَرَجَ مِنِ الإِيلاءِ، ولم تَلْزَمْه فَيئَةٌ ثانِيَةٌ، كما لو فاء بالوَطْءِ. وقال أبو حنيفةَ: تُسْتَأنَفُ له مُدَّةُ الإِيلاءِ؛ لأنَّه وَفَّاها حَقَّها بما أمْكَنَه مِن الفَيئَةِ، فلا يُطالبُ إلَّا بعدَ اسْتِئْنافِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، كما لو طَلَّقَها. ولَنا، أنَّه أخَّرَ حَقَّها لعَجْزِه عنه، فإذا قَدَرَ عليه، لَزِمَه أنَّ يوفِّيَها إيَّاه، كالدَّينِ على المُعْسِرِ إذا قَدَرَ عليه. وما ذَكَرَه فليس بحَقِّها، ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنها، وإنَّما وَعَدَها بالوَفاءِ، فلَزِمَها الصَّبْرُ عليه وإنْظارُه كالغَرِيمِ المُعْسِرِ. فصل: وليس على مَن فاء بلِسانِه كَفَّارَة، ولا حِنْثٌ؛ لأنَّه لم يَفْعَل المَحْلُوف عليه، وإنَّما وَعَدَ بفِعْلِه، فهو كمَن عليه دَينٌ حَلَفَ أنَّ لا يُوَفِّيَه، ثم أعْسَرَ به، فقال: متى قَدَرْتُ وَفيتُه.

стр. 11279

وَإنْ كَانَ مُظَاهِرًا، فَقَألَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي. أُمْهِلَ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. ــ ٣٧٠٤ - مسألة: (وإن كان مُظاهِرًا، فقال: أمْهِلُونِي حتى أطْلُبَ رَقَبَةً أُعْتِقُها عن ظِهارِي. أُمْهِلَ ثلاثةَ أيَّامٍ) ذَكَرَ شَيخُنا (١) أنَّ الظِّهارَ كالمَرضِ في قِياسِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، وكذلك الاعْتِكافُ المَنْذُورُ. وقد ذَكَرَ أصحابُنا أنَّ المُظاهِرَ لا يُمْهَلُ، ويُؤْمَرُ بالطَّلاقِ. فيُخَرَّجُ مِن هذا أنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِن فِعْلِه يَمْنَعُ الوَطْءَ لا يُمْهَلُ مِن أجْلِه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأن الامْتِناعَ بسَبَبٍ منه، فلا يُسْقِطُ حُكْمًا واجِبًا. فعلى هذا، لا يُؤْمَرُ بالوَطْءِ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ عليه، ولكِن يُؤْمَرُ بالطَّلاقِ. وَوجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّه عاجِزٌ عن الوَطْءِ بأمْر لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فأشْبَهَ المَرِيضَ. فأمَّا المُظاهِرُ فيُقالُ له: إمَّا أنَّ تُكَفِّرَ وتَفِئَ، وإمَّا أنْ تُطَلِّقَ. فإن قال: أمْهِلُونِي حتى أطْلُبَ رَقَبَةً، أو أُطْعِمَ. فإن عُلِمَ أنَّه قادِرٌ على التَّكْفِيرِ في الحال، وإنَّما يَقْصِدُ المُدافَعَةَ والتَّأْخِيرَ، لم يُمْهَلْ؛ لأنَّ الحَق حالٌّ عليه، وإنَّما يُمْهَل للحاجَةِ، [ولا حاجَةَ] (٢). وإن لم يُعْلَمْ أُمْهِلَ ثلاثةَ أيَّامٍ، فإنَّها قَرِيبَةٌ، ولا يُزادُ على ذلك. وإن كان فَرْضُه الصِّيامَ، فَطَلَبَ الإِمْهال ليصومَ شَهْرَين مُتَتابِعَين، لم يُمْهَلْ؛ لأنَّه كثيرٌ. ويتَخرَّجُ أنَّ يَفِئَ بلِسانِه فَيئَةَ

стр. 11280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَعْذُورِ، ويُمْهَلَ حتى يصومَ، كقَوْلِنا في المُحْرِمِ. فإن وَطِئَها فقد عَصَى، وانْحَلَّ إيلاؤُه. ولها مَنْعُه؛ لأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ عليهما. وقال القاضي: يَلْزَمُها التَّمْكِينُ، وإنِ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّها؛ [لأنَّ حقَّها] (١) في الوَطْءِ، وقد بَذَلَه لها، ومتى وَطِئَها فقد وَفَّاها حَقَّها، والتَّحْرِيمُ عليه دُونَها. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ حرامٌ، فلا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ منه، كالوَطْءِ في الحَيضِ والنِّفاسِ، وهذا يَنْقُضُ دَلِيلَه. ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّحْرِيمَ عليه دُونَها؛ فإنَّ الوَطْءَ متى حَرُمَ على أحَدِهما حَرُمَ على الآخَرِ؛ لكَوْنِه فِعْلًا واحدًا، ولو جازَ اخْتِصاصُ أحَدِهما بالتَّحْرِيمِ، لاخْتَصَّتِ المرأةُ بتَحْرِيم الوَطْءِ في الحَيضِ والنِّفاسِ وإحْرامِها وصِيَامِها؛ لاخْتِصاصِها بسَبَبِه. فصل: وإنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ وهو مَحْبُوسٌ بحَقِّ يُمْكِنُه أداؤُه، طُولِبَ بالفَيئَةِ؛ لأنَّه قادِرٌ عليها بأداءِ ما عليه، فإن لم يَفْعَلْ أُمِرَ بالطَّلاقِ. وإن كان عاجِزًا عن أدائِه، أو حُبِسَ ظُلْمًا، أُمِرَ بفَيئَةِ المَعْذُورِ. وإنِ انْقَضَتْ وهو غائِبٌ والطَّرِيقُ آمِنٌ، فلَها أنْ تُوَكِّلَ مَن يُطالِبُه بالمَسِيرِ إليها، أو حَمْلِها إليه، فإن لم يَفْعَلْ، أُخِذَ بالطَّلاقِ. وإن كان الطَّرِيقُ مَخُوفًا، أو له عُذرٌ يَمْنَعُه، فاءَ فَيئَةَ المَعْذُورِ. فصل: فإن كان مَغْلُوبًا على عَقْلِه بجُنُونٍ أو إغْماءٍ، لم يُطالبْ؛ لأنَّه

стр. 11281

وَإنْ قَال: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتي. أَوْ: أَتَغَدَّى. أوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ. أَوْ: أَنَامَ فَإِنِّي نَاعِسٌ. أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ. ــ لا يَصْلُحُ للخِطابِ، ولا يَصِحُّ منه الجَوابُ، وتتَأخَّرُ المُطالبةُ إلى حالِ القُدْرَةِ وزَوالِ العُذْرِ، ثُمَّ يُطالبُ حِينَئذٍ. ٣٧٠٥ - مسألة: (وإن قال: أمْهِلُونِي حتى أقْضِيَ صَلاتِي. أو: أتَغَدَّى) فإنِّي جائِعٌ (أو: حتى يَنْهَضِمَ الطَّعامُ. أو: أنامَ فإنِّي ناعِسٌ. أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذلك) لأنَّه عُذْرٌ، ولا يُمْهَلُ أكْثرَ مِن قَدْرِ الحاجَةِ، كالدَّينِ الحالِّ. وكذلك إن قال: أمْهِلُونِي حتى أُفْطِرَ مِن صَوْمِي. أُمْهِلَ لذلك. وإن قال: أمْهِلُونِي حتىْ أرْجِعَ إلى بَيتِي. أُمْهِلَ؛ لأنَّ العادَةَ فِعْلُ ذلك في بَيتِه. فصل: فإن كانتِ المرأةُ صغيرةً أو مَجْنُونَةً، فليس لهما المُطالبَةُ؛ لأنَّ قَوْلَهما غيرُ مُعْتَبَر، وليس لوَلِيِّهما المُطالبَةُ؛ لأنَّ هذا طَرِيقُه الشّهْوَةُ، فلا يقُومُ غيرُهما مَقامَهما فيه. فإن كانَتا مِمَّن لا يُمْكِنُ وَطْؤُهُما (١)، لم يُحْتَسَبْ عليه بالمُدَّةِ؛ لأنَّ المَنْعَ مِن جِهَتِهما. وإن كان وَطْؤُهُما مُمْكِنًا، فأفاقَتِ المَجْنُونَةُ، أو بلَغَتِ الصّغِيرَةُ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، تُمِّمَتِ المُدَّةُ، ثُمَّ لهما المُطالبَةُ. وإن كانَ ذلك بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فلهما المُطالبَةُ يَومَئِذٍ؛ لأنَّ الحَق لهما ثابِتٌ، وإنَّما تأخَّرَ لعَدَمِ إمْكانِ المطالبَةِ. وقال الشافعيُّ: لا تُضْرَبُ المُدَّةُ في الصَّغِيرَةِ حتى تَبْلُغَ. وقال أبو حنيفةَ: تُضْرَبُ المُدَّةُ،

стр. 11282

فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ عُذْر وطَلَبَتِ الْفَيئَةَ -وَهِيَ الْجِمَاعُ- ــ سواءٌ أَمْكَنَ الوَطْءُ أو لم يُمْكِنْ، فإن لم يُمْكِنِ الوَطْءُ فاءَ بلِسانِه، وإلَّا بانَتْ بانْقِضاءِ المُدَّةِ. وكذلك الحُكْمُ عندَه في النَّاشِزِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْناءِ، والتي غابَتْ في المُدَّةِ؛ لأنَّ هذا إيلاءٌ صَحِيحٌ، فوجَبَ أنَّ تَتَعَقبَه المُدَّةُ، كالتي يُمْكِنُه جِماعُها. ولَنا، أنَّ حَقَّها مِن الوَطْءِ يَسْقُطُ بتَعَذُّرِ جِماعِها، فوَجَبَ أنَّ تَسْقُطَ المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ له، كما يَسْقُطُ أجَلُ الدَّينِ بسُقُوطِه. وأمَّا التي أمْكَنَه جِماعُها، فتُضْرَبُ له المُدَّةُ في حَقِّها، لأنَّه إيلاءٌ صَحِيحٌ ممَّن يُمْكِنُه جِماعُها، فتُضْرَبُ له المُدَّةُ كالبالِغَةِ، ومتى قَصَدَ الإِضْرارَ بهما بتَرْكِ الوَطْءِ أثِمَ، ويُسْتَحَبُّ أنَّ يُقال له: اتَّقِ اللهَ؛ فإمَّا أنَّ تَفِئَ وإمَّا أنَّ تُطَلِّقَ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). [وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وليس الإِضرارُ مِن المعاشرةِ بالمعروفِ] (٢). ٣٧٠٦ - مسألة: (فإذا لم يَبْقَ له عُذْرٌ، وطَلَبَتِ الفَيئَةَ -وهي الجِمَاعُ) وليس في هذا بحمدِ اللهِ اخْتِلافٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ، على أنَّ الفَىْءَ الجِماعُ، كذلك قال ابنُ عباس. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ،

стр. 11283

فَجَامَعَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَعَلَيهِ كَفَّارَتُهَا. ــ والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحَابُ الرَّأْي، إذا لم يَكُنْ عُذْرٌ. وأصْلُ الفَىْءِ الرُّجُوعُ، [ولذلك يُسَمَّى الظِّلُّ بعدَ الزوالِ فيئًا؛ لأنَّه رَجَعَ مِن المَغْربِ إلى المَشْرِقِ، فسُمِّيَ الجِماعُ مِن المُولِي فَيئَةً؛ لأنَّه رُجُوعٌ] (١) إلى فِعْل ما تَرَكَه. ٣٧٠٧ - مسألة: (فإذا جامَعَ، انْحَلَّتْ يَمِينُه، وعليه كفَّارَتُها) في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم زيدٌ، وابنُ عباس. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، وأهْلُ المدِينَةِ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ. وله قَوْلٌ آخَرُ: لا كفَّارَةَ عليه. وهو قَوْلُ الحسَنِ. وقال النَّخَعِيُّ: كانُوا يقُولُونَ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال قَتادَةُ: فذا خالفَ النَّاسَ. يعني [قولَ الحسنِ] (٢). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: (﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية (٣) إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ (٥). وقال النبيُّ

стр. 11284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ : «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَأتِ الذي هُوَ خيرٌ، وكَفِّرٌ عَنْ يَمِينكَ». مُتَّفق عليه (١). ولأَنه حالِفٌ حانِثٌ في يَمِينه، فلَزمَتْه (٢) الكَفَّارَةُ، كما لو حَلَفَ على تَرْكِ فَرِيضَةٍ ثُمَّ فَعَلَها، والمغْفِرَةُ لا تُنافِي الكَفّارَةَ، فإنَّ الله تعالى قد غفرَ لرَسُولِه ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تَأخّرَ، وقد كان يقولُ: «إنِّي وَالله لا أحْلِفُ علَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلا أتَيتُ الَّذِي هُوَ خير، وتَحَلَّلْتُهَا». مُتَّفق عليه (٣).

стр. 11285

وَأدْنَى مَا يَكْفِيهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ في الْفَرْجِ. وَإنْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ في الدُّبُرِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْفَيئَةِ. ــ ٣٧٠٨ - مسألة: (وأدْنَى مَا يَكْفِي) مِن ذلك (تَغْييبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ) لأنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعَلَّقُ به (فإن وَطِئَ في الدُّبُرِ، أو دُونَ الفَرْجِ) لم تَحْصُلِ الفَيئَةُ به؛ لأنَّه ليس بمَحْلُوفٍ عليه، ولا يَزُولُ الضَّرَرُ بفِعْلِه. فصل: فإن وَطِئَها ناسِيًا ليَمِينه، فهل يَحْنَثُ؟ على رِوايَتَين. فإن قُلْنا: يَحْنَثُ. انْحَلَّ إيلاؤه. وإن قُلْنا: لا يَحْنَثُ. فهل يَنْحَلُّ إيلاؤه؟ على وَجْهَين، قياسًا على المَجْنُونِ. وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذَا آلى مِن [إحْدَى زَوجِتَيه] (١)، ثمّ وجَدَها على (٢) فِراشِه، فظنَّها الأخْرَى فوَطِئَها؛ لأنه جاهِلٌ بها، والجاهِلُ كالنَّاسِي في الحِنْثِ. وكذلك إن ظَنَّها أجْنَبِيّةً فبانَتْ زَوْجَتَه. وإنِ اسْتَدْخَلَتْ ذكَرَه وهو نائِمٌ، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يَفْعَلْ ما حَلَفَ عليه، ولأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه. وهل يَخْرُجُ مِن حُكْمِ الإيلاءِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَخْرُجُ؛ لأنَّ المرأةَ وصَلَتْ إلى

стр. 11286

وَإنْ وَطِئَهَا في الْفَرْجِ وَطْاءً مُحَرَّمًا، مِثْلَ أَنْ يَطَأهَا حَال الْحَيضِ، أو النِّفَاسِ، أو الْإحْرَامِ، أوْ صِيَام فَرْض مِنْ أحَدِهِمَا، فَقَدْ فَاءَ إِلَيهَا؛ لأنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ بِهِ. وَقَال أَبو بَكْرٍ: الأصَحُّ أنهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَيئَةِ. ــ حَقِّها، فأشبَهَ ما لو وَطِئَ. والثاني، لا يَخْرُجُ مِن حُكْمِ الإيلاءِ؛ لأنَّه ما وَفَّاها حَقَّها، وهو باقٍ على الامْتِناعِ مِن الوَطْءِ بحُكْمِ اليَمِينِ، فكان مُولِيًا، كما لو لم تَفْعَلْ به ذلك. والحُكْمُ فيما إذا وَطِئَ وهو نائِمٌ كذلك؛ لأنَّه لا يَحْنَث به. ٣٧٠٩ - مسألة: (وإن وَطِئَها في الفَرْجِ وطْأً مُحَرَّمًا، مثلَ أن يَطَأ في الحَيضِ، أو النِّفاسِ، أو الإحْرام، أو صِيام فَرْض مِن أحَدِهما) أو مُظاهِرًا (فقد فاء إليها؛ لأنَّ يَمِينَه انْحَلَّتَ) فزَال حُكْمُها، وزَال عنها الضرَرُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو بَكْرٍ: قِياسُ المذهبِ أن لا يخْرُجَ

стр. 11287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن الإِيلاءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يُؤْمَرُ به في الفَيئَةِ، [فلم يَخْرُجْ به مِن الفَيئَةِ، كالوَطْءِ في الدُّبُرِ. والذي ذكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ يَمِينَه انْحَلَّتَ، ولم يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِن الوَطْءِ بحُكْمِ اليَمِينِ] (١)، فلم يَبْقَ الإِيلاءُ، كما لو كَفَّرَ يَمِينَه، أو كما لو وَطِئَها مَرِيضَةً. وقد نَصَّ أحمدُ في مَن حَلَفَ ثم كفَّرَ يَمِينَه؛ أنَّه لا يَبْقَى مُولِيًا، لعَدَمِ حُكْمِ اليَمِينِ، مع أنَّه ما وَفَّاها حَقَّها، فَلأن [يزُولَ بزوالِ اليَمِينِ] (٢) بحِنْثِه فيها أوْلَى. وقد ذَكَرَ القاضي في المُحْرِمِ والمُظاهِرِ، أنَّهما إذا وَطِئَا فقد وَفَّياها حقَّها. وفارَقَ الوَطْءَ في الدُّبُّرِ؛ فإنَّه لا يَحْنَثُ به، وليس بِمَحَل للوَطْءِ، بخِلافِ مسْألَتِنا. فصل: فإن كان الإِيلاءُ بتَعْليقِ عِتْقٍ أو طَلاقٍ، وَقَعَ بنَفْسِ الوَطْءِ؛ لأنَّه مُعَلَّق بصِفَةٍ، وقد وُجِدَتْ. وإن كان على نَذْرِ عِتْقٍ، أو صَوْمٍ، أو صلاةٍ، أو حَجٍّ، أو غيرِ ذلك مِن الطَّاعاتِ أو المُباحاتِ، فهو مُخيَّرٌ بينَ الوَفاءِ به، وبينَ التَّكْفيرِ؛ لأنَّه نَذْرُ لَجاجٍ (٣) و (٤) غَضَبٍ، وهذا حُكْمُه. فإن عَلَّقَ طَلاقَها الثَّلاثَ بوَطْئِها, لم يُؤْمَرْ بالفَيئَةِ، وأُمِرَ بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الوَطْءَ غيرُ مُمْكِنٍ؛ لكَوْنِها تَبِينُ منه بإيلاجِ الحَشَفَةِ،

стр. 11288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بأجْنَبِيَّةٍ. وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ. وأكْثَرُهم قال: تجوزُ الفَيئَةُ؛ لأنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ للوَطْءِ. وتَرْكُ الوطْءِ ليس بوَطْءٍ. وقد ذَكَرَ القاضي أنَّ كلامَ أحمدَ يقتَضِي رِوايَتَين، كهذَينِ الوَجْهَينِ. قال شيخُنا (١): واللَّائِقُ بمَذْهَبِ أحمدَ تَحْرِيمُه لوُجُوهٍ ثلاثةٍ، أحدُها، أنَّ آخِرَ الوَطْءِ يحْصُلُ في أجْنَبيَّةٍ؛ ذَكَرْناه؛ فإنَّ النَّزْعَ يُلْتَذُّ به كما يُلْتَذُّ بالإيلاجِ، فيكونُ في حُكْمَ الوَطْءِ، ولذلك قُلْنا في مَن طَلَعَ عليه الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ، فنزَعَ: إنَّه يُفْطِرُ. والتَّحْرِيمُ ها هُنا أوْلَى؛ لأنَّ الفِطْرَ بالوَطْءِ، ويُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ النَّزْعِ وَطْأَ، والمُحَرَّمُ ها هُنا الاسْتِمْتاعُ، والنَّزْعُ اسْتِمْتاعٌ، فكان مُحَرَّمًا, ولأنَّ لَمْسَها على وَجْهِ التَّلَذُّذِ مُحَرَّمٌ، فصَرُّ الفَرْجِ بالفَرْجِ أوْلَى بالتَّحْرِيمِ. فإن قيلَ: فهذا إنما يحْصُلُ ضَرُورةَ تَرْكِ الوَطْءِ المُحَرَّمِ. قُلْنا: فإذا لم يُمْكِنِ الوَطْءُ إلا بفِعْلِ مُحَرَّم، حَرُمَ ضرورةَ تَرْكِ الحَرامِ، كما لو اخْتَلَطَ لَحْمُ الخِنْزِيرِ بلَحْمٍ مُباحٍ، لا يُمْكِنُه أكْلُه إلَّا بأكلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، حَرُمَ، ولو اشْتَبَهَتْ مَيتَةٌ بمُذَكَّاةٍ، أو امْرأتُه بأجْنَبِيَّةٍ، حَرُمَ الكُلُّ. والوَجْه الثَّانِي، أنَّه بالوَطْءِ يَحْصُلُ الطَّلاقُ بعدَ الإِصابَةِ، وهو طَلاقُ بِدْعَةٍ، فكما يَحْرُمُ إيقاعُه بلِسانِه، يَحْرُمُ بتَحْقيقِ سَبَبِه. الثَّالِثُ، أنَّه يَقَعُ به طَلاقُ البِدْعَةِ مِن وَجْهٍ آخَرَ، وهو جَمْعُ الثَّلاثِ. فإن وَطِئَ، فعليه النَّزْعُ حينَ يُولِجُ الحَشَفَةَ,

стр. 11289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يَزِيدُ على ذلك ولا يَلْبَثُ، ولا يتَحَرَّكُ عندَ النَّزْعِ؛ لأنَّها أجْنَبِيَّةٌ. فإن فعلَ ذلك، فلا حَدَّ ولا مَهْرَ؛ لأنَّه تارِك للوَطْءِ. وإن لَبِثَ أو تَمَّمَ الإِيلاجَ، فلا حَدَّ عليه لتَمَكُّنِ الشبْهَةِ منه؛ لكَوْنِه وَطْأ في زَوْجَتِه. وفي المَهْرِ وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّه حَصَلَ منه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ في مَحَلٍّ غيرِ مَمْلوكٍ، فأوْجبَ المَهْرَ، كما لو أوْلَجَ بعدَ النَّزْعِ. والثاني، لا يَجِبُ؛ لأنَّه تابَع الإيلاجَ في مَحَل مَمْلُوكٍ، فكان تابِعًا له في سُقُوطِ المَهْرِ. وإن نَزَعَ ثم أوْلَجَ، وكانا جاهِلَين بالتَّحْريمِ، فلا حَدَّ عليهما، وعليه المَهْرُ لها، ويَلْحَقُه النَّسَبُ. وإن كانا عالِمَين بالتَّحْرِيمِ، فعليهما الحَدُّ؛ لأنه إيلاجٌ في أجْنَبِيَّةٍ بغيرِ شُبْهَةٍ، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَها ثلاثا ثُمَّ وَطِئَها, ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّها مُطاوعَةٌ على الزِّنى، ولا يَلْحَقُه النَّسبُ؛ لأنَّه مِن زِنًى لا شُبْهَةَ فيه. وذكَرَ القاضي وَجْهًا، أنَّه لا حَدَّ عليهما؛ لأنَّ هذا يَخْفَى على كثيرٍ مِن النَّاسِ. وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الكلامَ في العالمَينِ، وليس هو في مَظنةِ الخَفَاءِ؛ فإنَّ أكثَرَ المُسْلِمِينَ يعْلَمون أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ مُحَرِّمٌ للمَرْأةِ. وإن كان أحَدُهما عالِمًا والآخَرُ جاهِلًا،

стр. 11290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَظَرْتَ؛ فإن كان هو العالِمَ، فلها المَهْرُ، وعليه الحَدُّ، ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّه زانٍ مَحْدُود. وإن كانت هي العالِمَةَ دُونَه، فعليها الحَدُّ، وحْدَها, ولا مَهْرَ لها، ويَلْحَقُه النَّسَبُ؛ لأنَّ وَطْأه وَطْءُ شبْهَةٍ. فصل: فإن قال: إن وَطِئْتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي. فقال أحمدُ: لا يَقْرَبُها حتى يُكَفِّرَ. وهذا نَصٌّ تَحْرِيمِها قبلَ التَّكْفيرِ، وهو دليلٌ على تَحْريمِ الوَطْءِ في المسْألَةِ التي قَبْلَها بطَرِيقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ ثلاثًا أعْظَمُ (١) تَحْرِيمًا مِن المُظاهَرِ منها. فإذا وَطِيء ها هنا، فقد صار مُظاهِرًا مِن زَوْجَتِه، وزَال حُكْمُ الايلاءِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ أراد، إذا وَطِئَها مَرَّةً فلا يَطَؤُها أخْرَى حتى يُكَفِّرَ؛ لكَوْنِه صار بالوَطْءِ مُظاهِرًا، إذ لا يَصِحُّ تقْدِيمُ الكفَّارَةِ على الظِّهارِ؛ لأنَّه سَبَبُها (٢)، ولا يجوزُ تَقْدِيمُ الحُكْمِ على سَبَبِه، ولو كَفَّرَ قَبْلَ الظِّهارِ لم يُجْزِئْه. وقد روَى إسْحاقُ، قال: قلتُ لأحمدَ، في مَن قال لزَوْجَتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي إن قَرِبْتُكِ إلى سَنَةٍ. فقال: إن جاءَتْ تَطْلُبُ، فليس له أن يَعْضُلَها بعدَ مُضِيِّ الأرْبَعةِ الأشْهُر، يُقالُ له: إمَّا أن تَفِئَ، وإمَّا أنْ تُطَلِّقَ. فإن وَطِئَها، فقد وَجبَ عليه كَفَّارة، وإن أبى وأرادَتْ مُفارَقَتَه، طَلَّقَها الحاكِمُ عليه. فيَنْبَغِي أن تُحْمَلَ الرِّوايَةُ الأولَى على الوَطْءِ بعدَ الوَطْء الذي صارَ به مُظاهِرًا؛ لِما ذَكَرْناه، فتكونُ الرِّوايَتان مُتَّفِقَتَين. والله أَعلمُ. فصل: ولو انْقَضَتِ المُدَّةُ، فادَّعَى أنَّه عاجِر عن الوَطْءِ؛ فإن كان

стр. 11291

وَإنْ لَمْ يَفِئْ وأعْفَتْهُ الْمَرْأةُ، سَقَطَ حَقُّهَا. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَسْقُطَ، وَلَهَا الْمُطَالبَةُ بَعْدُ. ــ قد وَطِئَها مَرَّةً، لم تُسْمَعْ دَعْواه العُنَّةَ (١)، كما لا تُسْمَعُ دَعْواها عليه، ويُؤْخَذُ بالفَيئَةِ، أو بالطَّلاقِ كغَيرِه. وإن لم يكُنْ وَطِئَها، ولم تكُنْ حالُه مَعْرُوفَةً، فقال القاضيِ: تُسْمَعُ دَعْواه، ويُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّ العُنَّةَ مِن العُيُوبِ التي لا يَقِفُ عليها غيرُه. وهذا ظاهِرُ نَصِّ الشافعيِّ. ولَها أن تَسْألَ الحاكِمَ، فيَضْرِبُ له مُدَّةَ العُنَّةِ بعدَ أن يَفِئَ فَيئَةَ المَعْذُور. وفيه وَجْه آخَرُ، أنّه لا يُقْبَل قَوْلُه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في دَعْوَى ما يُسْقِطُ عنه حقا تَوَجّه عليه الطَّلَبُ به، والأصْلُ سَلامتُه منه. وإنِ اعْتَرَفَتْ أنَّه قد أصابَها مَرَّةً وأنْكَرَ ذلك، لم يكُنْ لها المُطالبَةُ بضَرْبِ مُدَّةِ العُنَّةِ، لاعْتِرافِها بعَدَمِ عُنتِه، والقَوْلُ قَوْلُه في عَدَم الإصابَةِ. ٣٧١٠ - مسألة: (وإن لم يَفِئْ وأعْفَتْه المَرْأةُ، سَقَطَ حَقُّها. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ، ولها المُطالبَةُ بعدُ) إذا عَفَتِ المرأةُ عن المطالبَةِ بالفَيئَةِ بعدَ وُجوبِها، فقال بعض أصحابِنا: يَسْقُطُ حَقها, وليس لها المُطالبَةُ. قال القاضي: هذا قِياسُ المذْهَبِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حقِّها مِن

стр. 11292

وَإنْ لَمْ تُعْفِهِ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، فَلَهُ رَجْعَتُهَا. ــ الفَسْخِ، فسَقَطَ حَقُّها منه، كامْرأةِ العِنينِ إذا رَضِيَتْ بعُنَّتِه. ويَحْتَمِل أن لا يَسْقُطَ. حَقُّها, ولها المُطالبَة متى شاءَتْ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّها ثَبَتَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ بتَرْكِ ما يَتَجَدَّدُ مع الأحْوالِ، فكان لها الرُّجُوعُ، كما لو أعْسَرَ بالنَّفَقةِ، فعَفتْ عن المُطالبَة بالفَسْخ، ثم طالبتْ (١)، وفارَقَ الفَسْخَ للعُنَّةِ؛ فإنَّه فَسْخ لعَيبِه، فمتى رَضِيَت بالعَيبِ، سَقَطَ حَقُّها، كما لو عَفا المُشتَرِي عن عَيبِ المَبِيع، فأمَّا إن سَكَتَتْ عن المُطالبَةِ، ثم طالبَتْ بعدُ، فلها ذلك وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ حَقَّها ثَبَتَ على التَّراخِي، فلم يَسْقُطْ بتأخُّرِ المُطالبَةِ، كاسْتِحْقاقِ النَّفَقَةِ. ٣٧١١ - مسألة: (وإن لم تُعْفِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ) إن طَلَبَتْ ذلك؛ لقَوْلِ اللهِ سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فإذا امْتَنَعَ مِن أداءِ الواجِبِ، فقد امْتَنَعَ مِن الامْساكِ بالمعْروفِ، فيُؤْمَرُ بالتَّسْرِيحِ بإحْسانٍ. ٣٧١٢ - مسألة: (فإن طَلَّقَ واحِدَةً، فله رَجْعَتُها. وعنه، أنَّها

стр. 11293

وَعَنْهُ أنَّهَا تكون بَائِنَة. ــ تَكُونُ بَائِنَةً) وحملةُ ذلك، أنَّ الطَّلاقَ الواجِبَ على المُولِي رَجْعِيٌّ، سواءٌ أوْقَعَه بنَفْسِه أو طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبهذا قال الشافعيّ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ في المُولِي: فإن طَلَّقَها. قال: تكونُ واحِدَةً وهو أحَقُّ بها. وعن أحمدَ رواية أخْرَى، أنَّ (١) فُرْقَةَ الحاكِمَ تكونُ بائنًا. ذَكَرَ أبو بكرٍ الرِّوايَتَين جميعًا. وقال القاضي: المنْصُوصُ عن أحمدَ، في فرْقَةِ الحاكِمِ، أنَّها تكونُ بائِنًا؛ فإنَّ في رِوايَةِ الأثْرَمِ وقد سُئِلَ: إذا طَلَّقَ عليه السُّلْطانُ، أتكونُ واحِدَةً؟ فقال: إذا طَلَّقَ فهي واحدةٌ، وهو أحَقُّ بها، فأمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطانِ، فليس فيه رَجْعَةٌ. وقال أبو ثَورٍ: طَلاقُ المُولِي بائِنٌ، سواء طَلَّقَ هو أو طَلَّقَ عليه الحاكمُ؛ لأنَّها فُرْقَةٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ، فكانت بائِنًا، كفُرْقَةِ العُنَّةِ، ولأنَّها لو كانت رَجْعِيَّة لم يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ. وقال أبو حنيفة: يقَعُ الطلاقُ بانْقِضاءِ المُدَّةِ بائِنًا. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنه طَلاقٌ صادَفَ مَدْخُولًا بها مِن غيرِ عِوَض، ولا اسْتِيفاءِ عَدَدٍ، فكانَ رَجْعِيًّا، كالطلاقِ في غيرِ الإيلاءِ، ويُفارِقُ فُرْقَةَ (٢) العُنَّةِ؛ لأنَّها فَسْخٌ لعَيبٍ،

стр. 11294

وَإنْ لَمْ يُطَلِّقْ، حُبِسَ وَضُيِّقَ عَلَيهِ حَتَّى يُطَلِّقَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. وَفِي الأخْرَى، يُطَلِّق الْحَاكِمُ عَلَيهِ. ــ وهذه طَلْقَةٌ، ولأنَّه لو أُبِيحَ له ارْتجاعُها, لم يَنْدَفع عنها الضَّرَرُ، [وهذه يَنْدَفِعُ عنها الضَّرَرُ] (١)، فإنَّه (٢) إذا ارْتَجَعَها، ضُرِبَتْ له مُدَّة أخْرَى، ولأنَّ العِنِّينَ قد يئس مِن وَطْئِه، فلا فائِدَةَ في رَجْعَتِه، وهذا غيرُ عاجز، ورَجْعَتُه دليلٌ على رَغْبَتِه فيها وإقْلاعِه عن الإضْرارِ بها، فافْتَرَقا. ٣٧١٣ - مسألة: (فإن لم يُطَلِّقْ، حُبِسَ وضُيِّقَ عليه حتى يُطَلِّقَ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأخْرَى، يُطَلِّقُ الحَاكِمُ عليهِ) إذا امْتَنَعَ المُولِي مِن الفَيئَةِ بعدَ التَّرَبُّصِ، أو امْتَنَعَ المَعْذُورُ مِن الفَيئَةِ بلِسانِه، أو امْتَنَعَ مِن الوَطْءِ بعدَ زَوالِ عُذْرِه، أُمِرَ بالطَّلاقِ، فإن طَلَّقَ، وَقَعَ طَلاقُه الذي أوْقَعَه، واحِدَةً كانت أو أكثرَ. وليس للحاكِمِ إجْبارُه على أكثرَ مِن طَلْقَةٍ؛

стр. 11295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه يَحْصُلُ الوَفاءُ بِحقِّها بها؛ فإنَّها تُفْضِي إلى البَينُونَةِ، والتَّخَلُّصِ مِن ضَرَرِه. وإنِ امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ، طَلَّقَ الحاكمُ عليه. وبه قال مالكٌ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، ليس للحاكمِ الطَّلاقُ عليه؛ لأنَّ ما خُيِّرَ الزَّوْجُ فيه (١) بينَ أمْرَين، لم يَقُمِ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كالاخْتِيارِ لبَعْضِ الزَّوْجاتِ في حَقِّ مَن أسْلَمَ وتَحْتَه أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ أو اخْتان. فعلى هذا يَحْبِسُه، و (٢) يُضَيِّقُ عليه، حتى يَفِئَ أو يُطَلقَ. وللشافعيِّ قَوْلان، كالرِّوايتَين. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأخْرَى، أنَّ ما دَخَلَتْه النِّيابَة، وتَعَيَّنَ مُسْتَحِقه، وامْتَنَعَ مَن هو عليه، قامَ الحاكِمُ مَقامَه فيه، كقَضاءِ الدَّينِ، وفارَقَ الاخْتِيارَ، فإنَّه ما تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّه. وهذا أصَحُّ في المذهبِ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وليس للحاكِم أن يأمُرَه بالطَّلاقِ، ولا يُطَلِّقَ عليه إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ لها، وإنَّما الحاكمُ يَسْتَوْفِي لها الحَقَّ، فلا يكونُ إلا عندَ طَلَبِها.

стр. 11296

وَإنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، فَهِيَ كَطَلَاقِ الْمُولِي، وَإنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أوْ فَسَخَ، صَحَّ ذَلِكَ. ــ ٣٧١٤ - مسألة: (فإن طَلَّقَ واحِدَةً، فهو كطلاقِ المُولِي) يعْنِي إذا طَلَّقَ الحاكمُ واحدةً، فهل هي رَجْعِيَّة أو بائِنَة؟ على رِوايَتَين؛ لأنَّه قَامَ مَقامَه، ونابَ عنه، فكان حُكْمُه حكمَ المُولِي (وإن طَلَّقَ) الحاكمُ (ثلاثًا أو فَسَخَ جاز) لأنَّ المُولِيَ إذا امْتَنَعَ مِن الفَيئَةِ والطَّلاقِ، قامَ الحاكمُ مَقامَه، فمَلَكَ مِن الطَّلاقِ ما يَمْلِكُه المُولِي، وإليه الخِيَرَةُ فيه، إن شاءَ طَلَّقَ واحدةً، وإن شاءَ اثْنَتَين، وإن شاءَ ثلاثًا، وإن شاءَ فَسَخ. قال القاضي: هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ. وقال الشافعيُّ: ليس له إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ إيفاءَ الحَقِّ يَحْصُلُ بها، فلم يَمْلِكْ زِيادَةً عليها، كما لم يَمْلِكِ الزِّيادَةَ على وَفاءِ الدَّينِ في حَقِّ المُمْتَنِعِ. ولَنا، أنَّ الحاكمَ قائِم مَقامَه، فمَلَكَ مِن الطَّلاقِ ما يَمْلِكُه، كما لو وَكَّلَه في ذلك، وليس ذلك زِيادَةً على حَقها؛

стр. 11297

وَإنِ ادَّعَى أنَّ الْمُدَّةَ مَا انْقَضَتْ، ــ فإنَّ حَقَّها الفُرْقَةُ، غيرَ أنها تَتَنوَّعُ، وقد يَرَى الحاكمُ المَصْلَحَةَ في تَحْرِيمِها عليه، ومَنْعِه رَجْعَتَها؛ لِعلْمِه بسُوءِ قَصْدِه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ ببُعْدِه. قال أبو عبدِ اللهِ: إذا قال: فَرَّقْتُ بينَكما. فإنَّما هو فَسْخٌ، وإذا قال: طَلَّقْتُ واحِدَةً. فهي واحدةٌ، وإذا قال: طَلَّقْتُ ثلاثًا. فهي ثلاثٌ. ٣٧١٥ - مسألةـ: (وإنِ ادَّعَى أنَّ المُدَّةَ ما انْقَضَتْ) وَادَّعَتْ مُضِيَّها، فالقَوْلُ قَوْلُه في أنها لم تَمْضِ مع يَمِينه، وإنَّما كان كذلك؛ لأن الاخْتِلافَ في مُضِيِّ المُدَّةِ يَنْبَنِي على الخِلافِ في وَقْتِ يَمِينِه، فإنَّهما لو اتَّفَقا على وَقْتِ اليَمِينِ، حُسِبَ مِن ذلك الوَقْتِ، فعُلِمَ هل انْقَضَتِ المُدَّةُ أو لا، وزال الخِلافُ. أمَّا إذا اخْتَلَفا في وَقْتِ اليَمِينِ، فقال: حَلَفْتُ في غُرَّةِ رَمضانَ. وقالت: بل حَلَفْتَ في غُرةِ شَعْبانَ. فالقَوْلُ قوْلُه؛ لأنَّه يَصْدُرُ مِن جِهَتِه، وهو أعْلَمُ به، فكان القولُ قوْلَه فيه، كما لو اخْتَلَفا في أصْلِ الإيلاءِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَلِفِ في غُرَّةِ شَعْبانَ، فكانَ قولُه في نَفْيِه مُوافِقًا للأصْلِ. ويكونُ ذلك مع يَمِينِه، في قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ. لي قال أبو بَكْر: لا يَمِينَ عليه. قال القاضي: وهو أصَحُّ؛ لأنّه اخْتِلاف في أحْكامِ النكاحِ، فلم تُشْرَعْ فيه اليَمِينُ، كما لو

стр. 11298

أوْ أنهُ وَطِئَهَا، وَكَانَتْ ثيِّبًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وإنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَادَّعَتْ أنهَا عَذْرَاءُ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ امْرَأة عَدْلٌ، فَالْقَوْلُ ــ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امرأةٍ فأنْكَرَتْه. والأوَّلُ أوْلَى لقولِ النبيِّ ﷺ : «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» (١). ولأنَّه حَق لآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه كالدُّيونِ. ٣٧١٦ - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أنَّه وَطِئَها) فأنْكَرَتْه (وكانَتْ ثيبًا، فالقَوْلُ قَولُه) مع يَمِينِه. اخْتارَه الخِرَقِيُّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، والمرْأةُ تَدَّعِي رَفْعَه، وهو يَدَّعى ما يُوافِقُ الأصْلَ، فكانَ القَولُ قَولَه، كما لو ادَّعَى الوَطْءَ في العُنَّةِ، ولأنَّ هذا أمْرٌ خَفِيٌّ، ولا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِه، فقُبِلَ قَولُه فيه، كقَوْلِ المرْأةِ في حَيضِها، وتَلْزَمُه اليَمينُ؛ لأنَّ ما تَدعِيه المرأةُ مُحْتَمِل، فوَجَبَ نَفْيُه باليَمِينِ. ونَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، على أنَّه لا تَلْزَمُه يَمِينٌ؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ. وهذا اخْتيارُ أبي بَكْرٍ. فأمَّا (إن كانتْ بِكْرًا) واخْتَلَفا في الإِصابَةِ (وادَّعَتْ أنَّها عَذْراءُ) أُرِيَتِ النِّساءَ الثِّقاتِ، فإن شَهِدْنَ بثُيُوبَتِها، فالقَوْلُ قولُه. وإن شَهِدْنَ ببَكارَتِها (فالقَوْلُ قولُها) لأنَّه لو وَطِئَها زالتْ بَكارَتُها.

стр. 11299

قَوْلُهَا، وإلا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَهَلْ يَحْلِفُ مَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنّه لا يَمِينَ ها هُنا؛ لأنه قال في باب العِنِّينِ: فإن شَهِدْنَ بما قالتْ، أُجِّلَ سنَة. ولم يَذْكُرْ يَمِينَه. وهذا قولُ أَبِي بَكْرٍ؛ لأن البَينةَ تَشْهَدُ لها، فلا تَجِبُ اليَمِينُ معها. وقيلَ: تجبُ عليها اليَمِينُ؛ لاحْتِمالِ أن تكونَ العُذْرَةُ عادَتْ بعدَ زَوالِها (وإن لم) يَشْهَدْ لها (١) أحدٌ (فالقَوْلُ قولُه) كما لو كانتْ ثيبا (وهل يَحْلِفُ؟ على وَجْهَين) مَضَى

стр. 11300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَوْجِيهُهُما. والله تَعالى أعلمُ.

стр. 11301

كتابُ الظِّهَارِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ. ــ كتابُ الظِّهارِ الظِّهارُ: مُشْتَقٌّ مِن الظَّهْرِ، وإنَّما خَصُّوا الظَّهْرَ بذلك مِن بينِ سائرِ الأعْضاءِ؛ لأنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لحُصُولِ الرُّكُوبِ على ظَهْرِه في الأغْلَبِ، فشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بذلك (وهو مُحَرَّم) لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (١). ومعناه أنَّ الزَّوْجَةَ ليسَتْ كالأمِّ في التَّحْرِيمِ. قال الله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٢). والأصْلُ في الظِّهار الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (٣) مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٤). والآيَةُ التي بعدَها. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى أبو داودَ (٥)،

стр. 11302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسْنادِه عن خُوَيلَةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعْلَبَةَ، قالت: تَظاهَرَ مِنِّي أوسُ بنُ الصَّامِتِ، فجِئْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أشْكُو، ورسَولُ اللهِ ﷺ يُجادِلُنِي فيه (١)، ويقولُ: «اتَّقِي الله فَإنَّه ابْنُ عَمِّكِ». فما بَرِحْت حتى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢). فقال: «يَعْتِقُ رَقَبَةً». فقُلْتُ: لا يَجِدُ. فقال: «يَصُومُ شَهْرَين مُتَتَابِعَين». فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه (٣) شَيخٌ كبيرٌ ما به مِن صِيامٍ، قال: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قلتُ: ما عندَه مِن شيءٍ يتصَدَّقُ به (٤). قال: «فَإنِّي سَأعِينُه بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ». فقُلْتُ: يا رسولَ الله، فإنِّي سأعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ. قال: «قَدْ أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي عنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ». قال الأصْمَعِيُّ: العَرَق، بفَتْحِ العَينِ والرَّاءِ: هو ما سُفَّ (٥) مِن خُوصٍ، كالزِّنْبِيل الكبيرِ. وروَى أيضًا (٦)، بإسْنادِه عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ، قال: كنت أصِيبُ مِن النِّساءِ ما لا يُصِيبُ غيرِي، فلمَّا دَخَلَ

стр. 11303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَهْرُ رَمضانَ، خِفْتُ أن أصِيبَ مِن امرَأتِي شيئًا يَتَتايَعُ (١) حتى أصْبِحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمضانَ، فبَينا (٢) هي تَخْدِمُنِي ذاتَ لَيلَةٍ، إذ تَكَشَّفَ لي منها شيءٌ، فلم ألْبَثْ أن نَزَوْتُ عليها (٣)، فلمَّا أصْبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَوْمِي، فأخْبَرْتُهم الخبرَ، وقُلْتُ: امْشُوا معي إلى رسولِ الله ﷺ . قالُوا: لا واللهِ. فانْطَلَقْت إلى النبيِّ ﷺ فأخْبَرْتُه الخبرَ، فقال: «أنْتَ بذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟» (٤) فقُلْتُ: أنا بذَاكَ يا رسولَ اللهِ، وأنا صابِر لحُكْمِ اللهِ، فاحْكُمْ فِيَّ ما أراكَ الله. قال «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: والذي بعثك بالحَقِّ ما أمْلِكُ رَقَبَةً غيرَها (٥)، وضَرَبْتُ صَفحَةَ رَقَبَتِي. قال: «فَصُمْ شَهْرَينْ مُتَتَابعَين». قُلْتُ: وهل أصَبْتُ [الذي أصَبْتُ] (٦) إلَّا مِن الصِّيامِ؟ قال: «فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْر بَينَ سِتِّينَ مِسْكِينًا» قُلْتُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ، لقد بِتْنا وَحْشَين (٧)، ما لنا طَعامٌ. قال: «فَانْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيكَ». قال: «فَأطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِن تَمْر، وكُلْ أنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيتَّهَا». فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي، فقلتُ: وَجَدْتُ عندَكُم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأي، وَوَجَدْتُ عندَ رسولِ اللهِ

стр. 11304

وَهُوَ أنْ يُشَبِّهَ امْرَأتهُ أوْ عُضْوًا مِنْهَا، بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيهِ عَلَى التَّأبِيدِ، أوْ بِهَا أوْ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَيَقُولَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي. أوْ: كَيَدِ أخْتِي. أوْ: كَوَجْهِ حَمَاتِي. أوْ: ظَهْرُكِ. أوْ: يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْر أمِّي. أوْ: كَيَدِ أخْتِي. أوْ: خَالتِي. مِنْ نَسَبٍ أوْ رَضَاعٍ. ــ ﷺ السَّعَةَ وحُسْنَ الرَّأي، وقد أمَرَ لي بصَدَقَتِكُم. ٣٧١٧ - مسألة: (والظِّهارُ أن يُشَبِّهَ امْرأتَه أو عُضْوًا منها، بظَهْرِ مَن تَحرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، أو بها أو بعُضْوٍ منها، فيَقُولَ: أنْتِ علَيَّ كظَهْرِ أمِّي. أو: كَيَدِ أخْتِي. أو: كوَجْهِ حَمَاتِي. أو) يَقُولَ: (ظَهْرُكِ. أو: يَدُكِ عَلَيَّ كظهْرِ أمِّي. أو: كيَدِ أخْتِي. أو: خالتي. مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ) فمتى شَبَّه امْرَأتَه بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، فقال: أنت عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي [أو أختي. فهو مظاهِرٌ، وهُنَّ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي] (١). فَهذَا ظِهارٌ

стр. 11305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ تَصْرِيحَ الظِّهارِ أن يقولَ: أنتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أمِّي. وفي حديثِ خُوَيلَةَ امرأةِ أوْسِ بنِ الصامت، أنه قال لها: أنتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي. فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأمَرَه بالكفَّارَةِ. الضَّرْبُ الثَّانِي، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه مِن ذَوي رَحِمِه، كجَدَّتِه وعَمَّتِه وخالتِه واخْتِه. فهذا ظِهار في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسَنُ، وعَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثوْرِيُّ، والأوْزَاعِي، ومالك، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرّأي. وهو جَدِيدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال في القَدِيمِ: لا يكونُ الظهارُ إلَّا بَامٍّ [أو جَدَّةٍ] (١)؛ لأنَّها أم أيضًا؛ لأنَّ اللفْظَ الذي وَرَدَ به القُرآنُ مُخْتَصٌّ بالأمِّ، فإذا عدَلَ عنه، لم يتَعَلَّقْ به ما أوْجَبَه الله تعالى فيه. ولَنا، أنَّهُن مُحَرماتٌ بالقَرابَةِ، فأشْبَهْنَ الأمَّ. وأمَّا الآيَةُ فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. وهذا مَوْجُود في مَسْألتِنا، فجَرَى مَجْراه وتَعْليقُ الحُكمِ بالأمِّ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ في غيرِها إذا كانت مِثْلَها. الثالِثُ، أن يُشَبِّهَها بظَهْرِ مَن تَحْرُمُ عليه على التأبِيدِ سِوى الأقارِبِ، كالأمَّهَاتِ المُرْضِعاتِ، والأخَواتِ مِن الرَّضاعَةِ، وحلائلِ الآباءِ والأبناءِ، وأمهاتِ النِّساءِ، والرَّبائبِ اللاتِي

стр. 11306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَخَلَ بأمِّهِنَّ، فهو ظِهار أيضًا. والخِلافُ فيها كالتي قَبْلَها. ووَجْهُ المذْهَبَينِ ما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُ في الأمَّهاتِ المُرْضِعاتِ (١) دُخُولُها في عُمُومِ الأمَّهاتِ، وسائِرُهُنَّ في مَعْناها، فيَثْبُتُ فيهنَّ حُكْمُها. فصل: فإن قال: أنتِ عندي. أو: مِني. أو: مَعِي كظَهْرِ أمِّي. كان ظِهارًا بمَنْزِلَةِ «عَلَيَّ»؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ في مَعْناه. وإن قال: جُمْلتكِ. أو: بَدَنُك (٢). أو: جسْمُكِ. أو: ذَاتُكِ (٣). أو: كُلُّكِ (٤) عَلَي كظَهْرِ أمِّي. كان ظِهارًا؛ لأَنَّه أشار إليها، فهو كقولِه: أنتِ. وإن قال: أنتِ كظَهْرِ أمِّي. كان ظِهارًا؛ لأنه أتَى بما يَقتَضِي تَحْرِيمَها عليه، فانْصَرفَ الحكمُ إليه، كما لو قال: أنتِ طالق. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: ليس بظِهارٍ؛ لأنَّه أليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك في حَقِّه. وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّها إذا كانت كظَهْرِ أمِّه، فظَهْرُ أمِّه مُحَرَّمٌ عليه. وأمَّا إذا شَبَّهَ عُضْوًا مِن امْرأتِه بظَهْرِ أمِّه أو عُضْو (٥) مِن أعْضائِها، فهو مُظاهِرٌ، فلو قال: فَرْجُكِ -أو- ظهْرُكِ -أو- رأسُكِ -أو- جلْدُكِ كظَهْرِ أمِّي -أو- بَدنِها -أو- رَأسِها -أو- يَدِها. فهو مُظاهِرٌ. وبهذا قال مالكٍ. وهو

стр. 11307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَصُّ الشافعيِّ. وعن أحمدَ رِواية أخْرَى، أنَّه ليس بمُظاهِر حتى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرأتِه؛ لأنَّه لو حَلَفَ باللهِ لا يَمسُّ عُضْوًا منها, لا يَسْرِي إلى غيرِه، فكذلك المُظاهَرَةُ (١)، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصٍ؛ لأن تَشْبِيهَه بِجُمْلَتِها تَشْبِية بمَحَلِّ الاستِمْتاعِ بما يتَأكَّدُ تَحْريمُه، وفيه تحْريمٌ لجُمْلَتِها، فيكونُ آكَدَ. وقال أبو حنيفةَ: إن شَبَّهَها بما يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه مِن إلَّا، كالفَرْجِ والفَخِذِ ونحوهما، فهو مُظاهِرٌ، وإن لم يحْرُمِ النَّظَرُ إليه، كالرأسِ والوَجْهِ، لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ [لا يَحْرُمُ النَّظَرُ إليه، فلم يَكُنْ مُظاهِرًا، كما لو شَبَّهها بعُضْو زوجةٍ له أخْرَى. ووَجْهُ الأولى، أنَّه شَبَّهَها بعُضْوٍ] (٢) مِن أمِّه، فكان مُظاهِرًا، كما لو شَبهها بظَهْرِها، وفارَقَ الزَّوْجَةَ؛ فإنه لو شَبَّهَها بظَهْرِها لم يكُنْ مُظاهِرًا، والنظَرُ إن لم يَحْرُمْ، فإن التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ، وهو المُسْتَفادُ بعَقْدِ النِّكاحِ. فصل: فإن قال: كشَعَرِ أمِّي، أو: سنِّها، أو: ظُفُرِ ها. أو شَبَّهَ شيئًا مِن ذلك مِن امْرأتِه بأمِّه، أو بعُضْوٍ مِن أعْضمائِها, لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّها ليستْ مِن أعْضاءِ الأمِّ الثابِتَةِ، ولا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلك الظِّهارُ. وكذلك إن قال: برُوحِ أمِّي. فإنَّ الرُّوحَ لا تُوصَفُ بالتَّحْريمِ، ولا هي مَحَل للاسْتِمْتاعِ. وكذلك الرِّيقُ، والعَرَقُ، والدَّمُ. فإن قال:

стр. 11308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجْهِي مِن وَجْهِكِ حرامٌ. فليس بظِهارٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شيءٌ يقولُه النَّاسُ، ليس بشيءٍ. وذلك لأن هذا يُسْتَعْمَلُ كثيرًا في غيرِ الظِّهارِ، ولا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهارِ، فلم يكُنْ ظِهارًا، كما لو قال: لا أكَلِّمُكِ. فصل: فإن قال: أنا مُظاهِر. أو: عَلَى الظِّهارُ. أو: عليَّ الحَرامُ. أو: الحرامُ لِي لازِمٌ. ولا [نِيَّةَ له] (١)، لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّه ليس بصَريحٍ في الظِّهار، [ولا نوَى به الظِّهارَ] (٢). وإن نَوَى به الظِّهارَ، أو اقْتَرنَت به قَرِينَة تدُلُّ على إرادَةِ الظِّهارِ، مثلَ أنْ يُعَلِّقَه على شَرْطٍ، مثِلَ أن يقولَ: علَيَّ الحرامُ إن كَلَّمْتُكِ. احْتَمَلَ أن يكونَ ظِهارًا؛ لأنَّه أحَدُ نوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، فصَحَّ بالكِنايَةِ مع النِّيَّةِ (٣)، كالطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ الظِّهارُ به؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ به بصَرِيحِ لَفْظِه، وهذا ليس بصَريحٍ فيه، ولأنَّه يَمِينٌ مُوجِبَةٌ للكَفَّارَةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بغيرِ الصَّريحِ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى. فصل: يُكْرَهُ أن يُسَمِّيَ الرجلُ امْرأتَه بمَن تَحْرُمُ عليه، كأمّه، وأخْتِه، وبِنْتِه؛ لِمَا روَى أبو داودَ (٤)، بإسْنادِه عن أبي تَمِيمَةَ (٥)

стр. 11309

وإنْ قَال: أنْتِ عَلَيَّ كَأمِّي. كَانَ مُظَاهِرًا. وَإنْ قَال: أرَدْتُ كَأمِّي في الْكَرَامَةِ، أَوْ نَحْوهِ. دُيِّنَ. وَهَلْ يُقْبَلُ في الْحُكْمِ؟ يُخَرجُ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ الهجَيمِيِّ، أنَّ رَجلًا قال لامْرأتِه: يا أُخَيَّةُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أخْتكَ هِيَ!». فكَرِهَ ذلك، ونَهَى عنه. ولأنه لَفْظٌ يُشْبهُ لَفْظَ الظِّهارِ (١). ولا تَحْرُمُ بهذا, ولا يَثْبُتُ حكمُ الظِّهارِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَقُلْ له: حَرُمَتْ عليكَ. ولأنّ هذا اللّفْظَ ليس بصَريح في الظهار ولا نواه به، فلا يَثْبُت التَّحْريمُ. وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ : أنَّ إبراهيمَ ﵇ أرْسَلَ إليه جَبَّارٌ، فسأله عنها -يَعْنِي عن سارَةَ- فقال: إنَّها أخْتِي (٢). ولم يَعُدّ ذلك ظِهارًا. ٣٧١٨ - مسألة: (وإن قال: أنتِ عَليَّ كأمِّي. كان مُظاهِرًا. فإن قال: أرَدْتُ كأمِّي في الكَرامَةِ، أو نَحْوهِ. دُيِّنَ. وهل يقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخرَّجُ على رِوايَتَين) إذا قال: أنتِ عليَّ كأمِّي. أو: مِثْلُ أمِّي.

стр. 11310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونَوَى به (١) الظِّهارَ، فهو ظِهارٌ، في قولِ عامّةِ العُلَماءِ؛ منهم أبو حنيفةَ وصاحباه، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وإنْ أطْلَقَ، فقال أبو بَكْر: هو صَريحٌ في الظِّهارِ. وهو قول مالكٍ، ومحمدِ بنِ الحسَنِ. وقال ابن أبي موسى: فيه رِوايتان، أظْهَرهما أنه ليس بظِهارٍ حتى يَنْويَه. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ هذا يسْتَعْمَلُ في الكَرامَةِ (٢) أكثرَ ممَّا يُسْتعمل في التّحريمِ، فلم يَنصَرِفْ إليه بغير نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ. والثَّانية هو ظِهارٌ؛ لأنَّه شَبَّهَ امْرأتَه بجُمْلَةِ أُمِّه، فكان مُشَبِّهًا لها بظَهْرِها، فيَثْبُت الظِّهارُ كما لو شَبَّهَهَا به مُنْفَرِدًا. قال شيخُنا (٣): والذي يَصِحُّ عندِي في قياسِ المذْهَبِ، أنه أن وُجِدَتْ قَرِينة تدلُّ على الظِّهارِ، مثلَ أن يُخْرِجَه مَخْرَجَ الحَلِفِ، فيقولُ: إن فعلتِ كذا فأنتِ عليَّ مثلُ أمِّي. أو قال ذلك حال الخصُومَةِ والغَضَبِ، فهو ظِهارٌ؛ لأنه إذا أخْرَجَه مَخرَجَ الحَلِفِ،
следующие страницы →