← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

وَلَا يُجْزِئُهُ إلا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا، ــ المَنْصُوصِ على الإيمانِ فيها، فيُعَلَّلُ بها، ويتَعَدَّى ذلك إلى كُلِّ عِتْقٍ في كفَّارَةٍ، فيَخْتَصُّ (١) بالمُؤْمِنَةِ لاخْتِصاصِها بهذه الحِكْمَةِ. فأمَّا المُطْلَقُ الذي احْتَجُّوا به، فإنَّه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ، كما حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢). على المُقَيَّدِ في قَوْلِه: (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ) (٣). وإن لم يُحْمَلْ عليه مِن جِهَةِ اللُّغَةِ، حُمِلَ عليه مِن جِهَةِ القِياسِ. ٣٧٤٩ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَة مِن العُيُوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا) لأنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَمْكِينُه مِن التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، ولا يَحْصُلُ هذا مع ما يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا

стр. 11377

كَالْعَمَى وَشَلَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أوْ قَطْعِهِمَا (١)، ــ بَيِّنًا، فلا يُجْزِيء الأعْمَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه العَمَلُ في أكْثَرِ الصَّنائِعِ، ولا المُقْعَدُ، وكذلك مَقْطُوعُ اليَدَينِ والرِّجْلَينِ، أو أشَلُّهُما؛ لأنَّ اليدَين آلةُ البَطْشِ، والرِّجْلَينِ آلةُ المَشْي، فلا يَتَهَيَّأُ له كَثِيرٌ مِن العَمَلِ مع تَلَفِهِما. ولا يُجْزِئُ المجْنُونُ جُنونًا مُطْبِقًا؛ لأنَّه وُجِدَ فيه المَعْنَيانِ، ذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وحُصُولُ الضَّرَرِ بالعَمَلِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وحُكِيَ عن داودَ، أنه جَوَّزَ كُلَّ رَقَبَةٍ يَقَعُ عليها الاسْمُ، أخْذًا بإطْلاقِ اللَّفْظِ. ولَنا، أنَّ هذا نَوْعُ كفَّارةٍ، فلم يُجْزِئُ مُطْلَقُ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كالإطْعامِ؛ فإنَّه لا يُجْزِئُ أنَّ يُطْعِمَ مُسَوَّسًا ولا عَفِنًا، وإن كان يُسَمَّى طَعامًا. والآيةُ مُقُيَّدَة بما ذَكَرناه. ٣٧٥٠ - مسألة: ولا يُجْزِيء مَقْطُوعُ اليَدِ، أو الرجلِ ، ولا

стр. 11378

أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَو الْوُسْطىَ، أَو الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصَرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، ــ أشَلُّهُما (١)، ولا مَقْطُوعُ إبْهامِ اليَدِ، أو سَبَّابَتِها، أو الوُسْطَى؛ لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يَذْهَبُ بذَهابِ هؤلاءِ، ولا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ (الخِنْصَرِ والبنْصَرِ مِن يَدٍ واحِدَةٍ) لأنَّ نَفْعَ اليَدِ يزُولُ أكْثَرُه بذلك. وإن قطِعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ منهما مِن يَدٍ، جازَ؛ لأنَّ نَفْعَ الكَفَّينِ باقٍ، وقَطْعُ أُنْمُلَةِ الإبْهامِ كقَطْعِها؛ لأنَّ نَفْعَها يَذْهَبُ بذلك، لكَوْنِها أُنْمُلَتَين. وإن كان مِن غيرِ الإبْهامِ، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها لا تَذْهَبُ، فإنَّها تَصِير كالأصابعِ القِصار، حتى لو كانت أصابعُه كلُّها غيرَ الإبهام قد قُطِعَتْ مِن كلِّ واحِدَةٍ منْهَا (٢) أُنْمُلَةٌ، لم يَمْنَعْ. وإن قطِعَ مِن الإصْبَعِ (٣) أُنْمُلَتانِ، فهو كقَطْعِها؛ لأنَّه يَذْهَبُ بمَنْفَعَتِها. وهذا كله مذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدَى اليَدَين وإحْدَى الرِّجْلَين، ولو قطِعَتْ يَدُه

стр. 11379

وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ، وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ ــ ورِجْلُه جميعًا مِن خِلافٍ أجْزأ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ باقِيَة، فَأجْزَأَ في الكفَّارَةِ، كالأعْوَرِ، وأمَّا إن قُطِعَتا مِن وفاقٍ -أي مِن جانِبٍ واحدٍ- لم يُجْزِئ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الشيءِ تَذْهَبُ. ولَنا، أنَّ هذا يُؤَثِّرُ في العَمَلِ، ويَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، فيَمْنَعُ، كما لو قُطِعَتَا مِن وفاقي. ويُخالِفُ العَوَرَ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، ولَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فالاعْتِبارُ بالضرَرِ أَوْلَى [مِن الاعْتِبارِ] (١) بمَنْفَعَةِ الجِنْسِ؛ فإَّنه لو ذَهَبَ شَمُّه، أو قُطِعَتْ أُذُناه معًا، أجْزَأَ مع ذَهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ. ٣٧٥١ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ المَرِيضُ المَأْيُوسُ مِن بُرْئِه) كمَرضِ السُّلِّ؛ لأنَّ بُرْأه يَنْدُرُ، ولا يَتَمَكَّنُ مِن العَمَلِ مع بَقائِه. وإن كان المرَضُ يُرْجَى زَوالُه، كالحُمَّى ونحو ما، لمْ يَمْنَعِ الإجْراءَ في الكفَّارَةِ (ولا) يُجْزِئُ (النَّحِيفُ العاجِزُ عن العَملِ) لأنَّه كالمَريض

стр. 11380

العَمَلِ، وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، ــ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وإن كان يَتَمَكَّنُ مِن العَملِ، أجْزَأ. ٣٧٥٢ - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (غائِبٌ لا يُعْلَمُ خَبَرُه) لأنَّه

стр. 11381

وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ، وَلَا أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ، ــ مَشْكوكٌ في حَياتِه، والأصْلُ بَقاءُ شُغْلِ الذمةِ، فلا تَبْرأُ بالشَّكِّ، وهو مَشْكُوكٌ في وُجُودِه، فيُشَكُّ في إعْتاقِه. فإن قيل: الأصْلُ حَياتُه. قُلْنا: إنَّ المَوْتَ قد عُلِمَ أنَّه لا بُدَّ منه، وقد وُجِدَتْ دَلالة عليه، وهو انْقِطاعُ أخْبارِه. فإنْ تَبَيَّنَ بعدَ هذا كَوْنُه حَيًّا، صَحَّ إعْتاقُه، وتَبَيَّنَّا بَراءَةَ ذِمَّتِه مِن الكفَّارَةِ، وإلَّا فلا. وإن لم يَنْقَطِعْ خَبَرُه، أجْزأ عِتْقُه؛ لأنَّه عِتْقٌ صَحِيحٌ. ٣٧٥٣ - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (مَجْنُون مُطْبِق) لأَنه لا يَقْدِرُ على العَمَلِ. ٣٧٥٤ - مسألة: ولا يُجْزِئُ الأصَمُّ (١) الأخْرَسُ. وهو قَوْلُ القاضي، وبَعْضِ الشافعيةِ. قال شَيخُنا (٢): والأوْلَى أنَّه متى فهِمَتْ إشارَتُه، وفَهِمَ إشارَةَ غيرِه أنَّه يُجْزِئُ لأنَّ الإشارةَ تَقُومُ مَقامَ الكَلامِ في الإفْهامِ، وأحْكامُه كُلُّها تَثْبُتُ بإشارَته، فكذلك عِتْقُه. وكذلك الأخْرَسُ الذي تُفْهَمُ إشارَتُه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وعن أحمدَ أنَّه لا يُجْزِئُ. وبه قال أصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ ذاهِبَة،

стр. 11382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأشْبَهَ زائِلَ العَقْلِ، ولأنَّ الخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ (١)، يَمْنَعُ كثيرًا مِن الأحْكامِ، مثلَ القَضاءِ والشَّهادَةِ، وكثيرٌ مِن النَّاسِ لا يَفْهَمُ إشارَتَه، فيَتَضَرَّرُ بتَرْكِ اسْتِعْمالِه. والأوَّلُ أوْلَى إن شاءَ الله؛ لِمَا ذَكَرْنا. وذَهابُ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ لا يَمْنَعُ الإجْزاءَ، كذَهابِ الشمِّ، وذَهابُ الشَّمِّ لا يَمْنَعُ الإجْزاءَ؛ لأنَّه لا يَضُرُّ بالعَمل ولا بغيرِه. ويُجْزِئُ مَقْطوعُ الأُذُنَين. وبذلك قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ، وزُفَرُ: لا يُجْزِئُ (٢). ولَنا، أنَّ قَطْعَهما لا يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنَّا، فلم يَمْنَعْ، كنَقْصِ السَّمْعِ، بخِلافِ قَطْعِ اليَدَين. ويُجْزِيء مَقْطُوعُ الأنْفِ أيضًا (٣) لذلك.

стр. 11383

وَلَا عِتْقُ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيهِ بِالْقَرَابَةِ، ــ ٣٧٥٥ - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (عِتْقُ مَن عُلِّقَ عِتْقُهُ بصِفَةٍ عندَ وُجُودِها) [لأن عِتْقَه مُسْتَحَق في غيرِ الكفّارَةِ، فلم يُجْزِه، كالذي اسْتُحِق عليه الإطْعامُ في النَّفَقَةِ، فدَفَعَه في الكفّارَةِ] (١). فأمَّا إن عَلَّقَ عِتْقَه للكفَّارَةِ، [أو أعْتَقَه قبلَ] (٢) وُجُودِ الصِّفَةِ، أجْزَأه؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدَه الذي يَمْلِكُه عن كفَّارَته (٣). ٣٧٥٦ - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (مَن يَعْتِقُ عليه بالقرابَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَه، يَنْوي بشِرائِه عِتْقَه عن الكفَّارَةِ، عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأي: يُجْزِئُه اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه يُجْزِئُ عن كفَّارَةِ البائِعِ، فأجْزَأ عن كفَّارَةِ المُشْتَرِي كغيرِه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). والتَّحْرِيرُ فِعْلُ العِتْقِ، ولم يَحْصُلِ العِتْقُ ها هنا بتَحْرِير منه ولا إعْتاقٍ، فلم يكُنْ مُمْتَثِلًا للأمْرِ، ولأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَرِثَه يَنْوي به العِتْقَ عن كفَّارَته، أو كأمِّ الوَلَدِ، ويُخالِفُ المشْتَرِي البائِع مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ البائِعَ يُعْتِقُه، والمُشْتَرِيَ لم يُعْتِقْه، وإنما يَعْتِقُ بإعْتاقِ الشَّرْعِ عن غيرِ اختِيارٍ منه.

стр. 11384

وَلَا مَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ــ الثَّاني، أنَّ البائِعَ لا يُسْتَحَقُّ عليه إعْتاقُه، والمُشْتَرِي بخِلافِ ذلك. فصل: إذا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوي إعْتاقَه عن كفَّارَته، فوَجَدَ به عَيبًا لا يَمْنَعُ مِن الإجْزاءِ في الكفَّارَةِ، فأخَذَ أرْشَه، ثم أعْتَقَ العَبْدَ عن كفَّارَتِه، أجْزَأه، وكان الأرْشُ له؛ لأنَّ العِتْقَ إنَّما وَقَعَ على العَبْدِ المَعِيبِ دُونَ الأَرْشِ. فإن أعْتَقَه قبلَ العِلْمِ بالعَيبِ، ثم ظَهَرَ على العَيبِ، فأخَذَ أَرْشَه، فهو له، كما لوْ أخَذَه قبلَ إعْتاقِه. وعنه، أنَّه يَصْرِفُ الأرْشَ في الرِّقابِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مُعْتَقِدًا أنَّه سَلِيم، فكان بمَنْزِلَةِ العِوَضِ عن حَقِّ اللهِ تعالى، فكان الأرْشُ مَصْرُوفًا في حَقِّ الله تعالى، كما لو باعَه كان الأرْشُ للمُشْتَرِي. فإن عَلِمَ العَيبَ ولم يَأْخُذْ أرْضَه حتى أعْتَقَه، كان الأرْشُ للمُعْتِقِ؛ لأنَّه أعْتَقَه مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه، فلم يَلْزَمْه أرْشٌ، كما لو باعَه لِمَن يعْلَمُ عَيبَه. ٣٧٥٧ - مسألة: (ولا) يُجْزِيء (مَن اشْتَراه بشَرْطِ العِتْقِ في ظاهرِ المذْهَبِ) وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ. وقد رُوِيَ عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ ما يدُلُّ عليه؛ وذلك لأنَّه إذا اشْتَراه بشَرْطِ العِتْقِ، فالطاهِرُ أنَّ البائِعَ نَقَصَه مِن الثمَنِ لأجْلِ هذا الشَّرْطِ، [فكان آخِذًا] (١) عن العِتْقِ عِوَضًا،

стр. 11385

وَلَا أُمُّ وَلَدٍ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ، ــ فلم يُجْزِئْه عن الكفَّارَةِ. قال أحمدُ: إن كانت رَقَبَةً واجِبَةً، لم تُجْزِئْه؛ لأنها ليست رَقَبةً سليمةً، ولأنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقُّ بسَبَبٍ آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، فلم تُجْزِئْه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، فنَوَى بشِرائِه العِتْقَ عن الكفارَةِ، أو قال: إن دَخَلْتُ الدَّارَ فأنْتَ حُرٌّ. ثم نوَى عندَ دُخُولِه أنَّه عن كفَّارَته. فصل: ولو قال رجُلٌ له: أعْتِقْ عَبْدَك عن كفَّارَيكَ، ولك عَشَرَةُ دنانِيرَ. ففَعَلَ، لم يُجْزِئْه عن الكفارَةِ؛ لأنَّ الرَّقَبَةَ لم تَقَعْ خالِصَةً عن الكفَّارَةِ. وذكَرَ القاضي أنَّ العِتْقَ كله يَقَعُ عن باذِلِ العِوَضِ، وله وَلاؤُه. وهذا فيه نَظرٌ؛ فإنَّ المعْتِقَ لم يُعْتِقْه عن باذِلِ العِوَض، ولا رَضِيَ بإعْتاقِه عنه، وباذِلُ العِوَضِ لم يَطْلُبْ ذلك، والصحِيحُ أنَّ إعْتاقَه عن المعْتِقِ، والوَلاءُ له. فإن رَدَّ العَشَرَةَ على باذِلِها ليكونَ العِتْق عن الكفارَةِ، لم يُجْزِئْ عنها (١)؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وقَعَ على صِفَةٍ، لم يَنْتَقِلْ عنها. وإن قَصَدَ العِتْقَ عن الكفَّارَةِ وحدَها، وعَزَمَ على رَدِّ العَشَرَةِ، أو رَدَّ العَشَرَةَ قبلَ العِتْقِ، وأعْتَقَه عن كفَّارَته، أجْزَأه. ٣٧٥٨ - مسألة: (ولا أُمُّ وَلَدٍ، فِي الصَّحِيحِ عنه) هذا ظاهِر المذهبِ. وبه قال الأوْزَاعِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ رِواية أُخْرَى، أنَّها تجْزِئُ. يُرْوَى ذلك

стр. 11386

وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيئًا، فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا. وَعَنْهُ، يُجْزِئُ. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ بِحَالٍ. ــ عن الحسَنِ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِيِّ، وعثمانَ البَتِّيِّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: (فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). ومُعْتِقُها قد حَرّرَها. ولَنا، أنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فلم تُجْزِئْ عنه، كما لو اشْتَرَى قَرِيبَه، أو عَبْدًا يشَرْطِ العِتْقِ، فأعْتَقَه، وكما لو قال لعَبْدِه: أنتَ حُرُّ إن دَخَلْتَ الدَّارَ. ونَوَى عِتْقَه عن كفَّارَته عندَ دُخُولِه. والآيَةُ مَخْصُوصَة بما ذَكَرْنا، فنَقِيسُ عليه ما اخْتَلفْنا فيه. ووَلَدُ أُمِّ الوَلَدِ الذي وَلَدَتْه بعدَ كَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ، حُكْمُه حُكْمُها فيما ذَكَرْناه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها. ٣٧٥٩ - مسألة: (ولا) يُجْزِىُ (مُكاتَبٌ قد أدَّى مِن كِتابَتِه شَيئًا، فِي اخْتِيارِ شُيُوخِنَا. وعنه، يُجْزِيءُ. وعنه، لا يُجْزِئُ مُكاتَب بِحَالٍ) رُوِيَ عن أحمدَ، ﵀، في المُكَاتَبِ ثَلاث رِواياتٍ؛ إحْداهُن، يُجْزِئُ مُطْلَقًا. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو مذهبُ أبي ثَورٍ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيعُه، فأجْزَأ عِتْقُه، كالمُدَبَّرِ، ولأنَّه رَقَبَةٌ، فيَدْخُلُ

стр. 11387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في (١) مُطْلَقِ قَوْلِه سبحانَه: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). والثَّانِيَةُ، لا يُجْزِئُ مُطْلَقًا. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، ولهذا لا يَمْلِكُ إبْطال كِتالته، فأشْبَهَ أُمَّ الوَلَدِ. والثَّالِثَةُ، إن كان أدَّى شيئًا مِن كِتابَتِه، لم يُجْزِئْه، وإلَّا أجْزَأه. وبه قال اللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. قال القاضي: هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه إذا أدَّى شيئًا فقد حصل العِوَضُ عن بعضِه، فلم يُجْزِئ، كما لو أعْتَقَ بعْضَ رَقَبَةٍ، وإذا لم يُؤَدِّ، فقد أعْتَقَ رَقَبَةٌ كامِلَةً، مُؤْمِنَةً، سالمَةَ الخَلْقِ، تامَّةَ المِلْكِ، لم يحْصُلْ عن شيءٍ منها عِوَضٌ، فأجْزَأ عِتْقُها، كالمُدَبَّرِ. ولو أعْتَقَ عَبْدًا على (٢) مالٍ يَأْخُذُه من العبدِ، لم يُجْزِيء عن كفَّارَتِه، في قولِهم جميعًا. فصل: ولا يُجْزِيء؛ إعْتاقُ الجَنِينِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ؛ لأنَّه آدَمِيٌّ مَمْلُوكٌ،

стр. 11388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِحُّ إعْتاقُه، فصَحَّ عن الرَّقَبَةِ، كالمَوْلُودِ. ولَنا، أنَّه لم يَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا بعدُ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا بالإرْثِ والوَصِيَّةِ، ولا يُشْتَرَطُ لهما كَوْنُه آدمِيًّا؛ لكَوْنِه يثْبُتُ له ذلك وهو نُطْفَةٌ أو عَلَقَةٌ، وليس بآدَمِيٍّ في تلك الحالِ. فصل: فإن أعْتَقَ غيرُه عنه عبدًا بغيرِ أمْرِه، لم يَقَعْ عن المُعْتَقِ عنه إذا كان حَيًّا، ووَلاوه للمُعْتِقِ، ولا يُجْزِئُ عن كفَّارَتِه وإن نَوَى ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يُجْزِئُ إذا أعْتَقَ عن وَاجِبٍ على غيرِه بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه قَضَى عنه واجِبًا، فصَحَّ، كما لو قَضَى عنه دَينًا. ولَنا، أنَّه عِبادَةٌ مِن شَرْطِها النِّيَّةُ، فلم يصِحَّ أداؤُها عمَّن وجَبَتْ عليه بغيرِ أمْرِه، مع كَوْنِه مِن أهلِ الأمْرِ، كالحَجِّ، ولأنَّه أحَدُ خِصالِ الكفَّارَةِ، فلم يَصِحَّ عن [المُكَفَّرِ عنه] (١) بغيرِ أمْرِه، كالصيامِ. وهكذا الخِلافُ [في مَن] (٢) كُفِّرَ عنه بالاطْعامِ. فأمَّا الصيامُ، فلا يجوزُ أنَّ يَنُوبَ عنه بإذْنِه ولا بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عِبادَة بدَنِيَّة، فلا تَدْخُلُها النِّيابَة. فأمَّا إن أعْتَقَ عنه بأمْرِه، نَظَرْتَ؛ فإن جَعَلَ له (٣) عِوَضًا، صَحَّ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، وله وَلاؤُه، وأجْزَأ عن كفَّارَتِه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه. وبه يقولُ أبو حنيفةَ (٤)، والشافعي، وغيرُهما (٥)؛ لأنَّه حَصَلَ العِتْقُ عنه

стр. 11389

وَيُجْزِئُ الْأعْرَجُ يَسِيرًا، وَالْمُجَدَّعُ الْأنفِ وَالأذُنِ، وَالْمَجْبُوبُ ــ بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه ووَكَّلَ البائِعَ في إعْتاقِه عنه. وإن لم يَشْتَرِطْ عِوَضًا، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يَقَعُ العِتْقُ عن المُعْتَقِ عنه، ويُجْزِيء عن كفَّارَته. وهو قول مالكٍ، والشافعي؛ لأنَّه أعْتَقَ عنه بأمْرِه، فصَحَّ، كما لو شَرَطَ عِوَضًا. والأخْرَى، لا يُجْزِئُ، ووَلاؤُه للمُعْتِقِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ بعِوَضٍ كالبَيعِ، وبغيرِ عِوَضٍ كالهِبَةِ، ومِن شَرْطِ الهبَةِ القَبْضُ، ولم يَحْصُلْ، فلم يَقعْ عن المَوْهُوب له، ويُفارِقُ البَيعَ؛ لأَنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ. فإن كان المُعْتَقُ عنه مَيِّتًا، وكان قد وَصَّى بالعِتْقِ عنه، صَحَّ؛ لأنَّه بأمْرِه، وإن لم يُوصِ فأعْتَقَ عنه أجْنَبِيٌّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس بنائِبٍ عنه. وإن أعْتَقَ عنه وارِثُه؛ فإن لم يكُنْ عليه واجِبٌ، لم يصِحَّ العِتْقُ عنه، ووَقَعَ عن المُعْتِقِ، وإن كان عليه عِتْقٌ واجِبٌ، صَحَّ العِتْقُ عنه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه في مالِه وأداءِ واجِباتِه. فإن كانت عليه كفَّارَةُ يَمِين فأطْعَمَ عنه، جاز، وإن أعْتَقَ عنه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَيِّن، فجَرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ. والثَّاني، يُجْزِئُ؛ لأنَّ العِتْقَ يَقَعُ واجِبًا؛ لأنَّ الوُجُوبَ يتَعَيَّنُ فيه بالفِعْلِ، فأشْبَهَ المُعَيَّنَ، ولأنَّه أحَدُ خِصالِ كفَّارَةِ اليَمِينِ، فجازَ أنَّ يَفْعَلَه عنه، كالإطْعامِ والكُسْوَةِ. ولو قال مَن عليه الكفَّارَةُ: أطْعِمْ عن كفَّارَتِي. أو: اكْسُ. صَحَّ إذا فَعَلَ، رِوايةً واحِدَةً، سواء ضَمِنَ له عِوَضًا أو لا. ٣٧٦٠ - مسألة: (ويُجْزِيء الأعْرَجُ يَسِيرًا) لأنَّه قَلِيلُ الضَّرَرِ

стр. 11390

وَالْخَصِيُّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الأحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ وَالأخْرَسُ الَّذِي يَفْهَمُ الْإشَارَةَ وَتُفْهَمُ إِشَارَتُهُ، ــ بالعَمَلِ، فإن كان فاحِشًا كثيرًا، لم يُجْزِئْ؛ لأنَّه يَضُرُّ بالعَمَلِ، فهو كقَطعَ الرِّجْل. (و) يجزِيء (المُجَدَّعُ الأنْفِ والأذُنِ) وفي مُجدَّعِ الأذُنين خِلاف ذَكَرْناه. (و) يُجْزِئُ (المَجْبُوبُ، والخَصِيُّ، ومَنْ يُخْنَقُ في الأحْيانِ، والأصَمُّ) لأنَّ هذا لا يَضُرُّ بالعملِ، وتُجْزِئُ الرَّتْقاءُ، والكبيرةُ التي تَقْدِرُ على العملِ؛ لأنَّ ما لا يَضُرُّ بالعملِ لا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ العَبْدِ مَنافِعَه، وتَكْمِيلَ أحْكامِه، فحصَلَ الإجْزاءُ به، كالسَّالِم مِن العُيُوبِ. فصل: ويُجْزِئُ عتْقُ الجانِي، وإن قُتِل قِصاصًا، والمَرْهُونِ، وعِتْقُ المُفْلِسِ عبدَه، إذا قُلْنا بصِحَّةِ عِتْقِه. فصل: ويُجْزِئُ الأعْوَرُ في قولِهم جيعًا. وقال أبو بكرٍ: فيه قولٌ

стр. 11391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخَرُ، لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ والإجْزاءَ في الهَدْي، فأشْبَهَ العَمَى. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ المقْصُودَ تَمْلِيكُ العبدِ المنافِعَ، وتَكْمِيلُ الأحْكامِ، والعَوَرُ لا يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه لا يَضُرُّ بالعملِ، أشْبَهَ قَطْعَ إحْدَى الأُذُنَين. ويُفارِقُ العَمَى، فإنَّه يَضُرُّ بالعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنَّا، ويَمْنَعُ كثيرًا مِن الصَّنائِعِ، ويَذْهَبُ بمَنْفَعَةِ الجِنْسِ. ويُفارِقُ قَطْعَ إحْدَى اليَدَينِ أو الرِّجْلَين؛ فإنَّه لا يَعْمَلُ بإحْداهما ما يَعْمَلُ بهما، والأعْوَرُ يُدْرِكُ بإحْدَى العَينَين ما يُدْرِكُ بهما. وأمَّا الأضْحِيَةُ والهَدْيُ، فإنَّه لا يَمْنَعُ منهما مُجَرَّدُ العَوَرِ، وإنَّما يَمْنَعُ انْخِسافُ العَينِ؛ لأنَّها عُضْوٌ مُسْتَطابٌ، ولأنَّ الأضْحِيَةَ يَمْنَعُ فيها قَطْعُ الأُذُنِ والقَرْنِ، والعِتْقُ لا يَمْنَعُ فيه إلَّا ما يَضُرُّ بالعَمَلِ.

стр. 11392

وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، ــ ٣٧٦١ - مسألة: (و) يُجْزِئُ عِتْقُ (المُدَبَّرِ) وهذا قولُ طاوسٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي: لا يُجْزِئُ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، فأشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ، ولأنَّ بَيعَه عندَهم غيرُ جائز، فهو كأمِّ الوَلَدِ. ولَنا، قولُه تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). وقد حَرَّرَ رَقَبَةً، ولأنَّه عَبْدٌ كامِلُ المَنْفَعَةِ، لم يحْصُلْ عن شيءٍ منه عِوَضن، فجازَ عِتْقُه، كالقِنِّ، ولأنَّه يجوزُ بَيعُه، لأنَّ النبيَّ ﷺ باعِ مُدَبَّرًا (١). وقد ذَكَرْنا ذلك، ولأنَّ التَّدْبِيرَ إمَّا أنَّ يكونَ وَصِيَّةً أو عِتْقًا بصِفةٍ، وأيُّهما كان، فلا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بإعْتاقِه قبلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، والصِّفَةُ ههُنا الموتُ، ولم توجَدْ. (و) يُجْزِئُ (المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ) قبلَ وُجُودِها؛ لأنَّ مِلْكَه فيه تامٌّ، ويَجُوزُ بَيعُه.

стр. 11393

وَوَلَدُ الزِّنَى، ــ ٣٧٦٢ - مسألة: (و) يُجْزِئُ (١) عِتْقُ (وَلَدِ الزِّنَى) وهذا قولُ أكثرِ أهلَ العلمَ. رُوِيَ ذلك عن فَضالةَ بنَ عُبَيدٍ، وأبي هُرَيرَةَ. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والحسَنُ، وطاوُسٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِيَ عن عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وحَمَّادٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ أبا هُرَيرَةَ، ﵁، روَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «وَلَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلاثَةِ». قال أبو هُرَيرَةَ: ولأنْ أُمَتِّعَ (٢) بسَوْطٍ في سبيلِ اللهِ، أحَبُّ إليَّ منه. رواه أبو داودَ (٣). ولَنا، دُخُولُه في مُطْلَقِ قولِه تعالى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). ولأنَّه مَمْلُوكٌ مسلمٌ كامِلُ العَمَلِ، لم يُعْتَضْ (٤) عن شيءٍ منه (٥)، ولا اسْتُحِقَّ

стр. 11394

وَالصَّغِيرُ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى. ــ عِتْقُه بسَبَبٍ آخَرَ، فأجْزَأ عِتْقُه، كوَلَدِ الرّشدَةِ (١). فأمَّا الأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَمِّه، فاخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في تَفْسيرِها؛ فقال الطَّحاويُّ (٢): وَلَدُ الزِّنى هو المُلازِمُ للزِّنَى، كما يقالُ: ابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ لها، ووَلَدُ اللَّيلِ الذي لا يَهابُ السَّيرَ فيه. وقال الخَطابِي (٣)، عن بعْضِ أهلِ العلمِ، قال: هو شَرُّ (٤) الثَّلاثَةِ أصْلًا وعُنْصُرًا ونَسَبًا؛ لأنَّه خُلِقَ مِن ماءِ الزِّنى، وهو خَبِيثٌ. وأنْكَرَ قَوْمٌ هذا التَّفْسِيرَ، وقالُوا: ليس عليه مِن وزْرِ والِدَيه شيءٌ، قال اللهُ تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وزْرَ أُخْرَى) (٥). وقد جاء في بعْضِ الأحاديثِ: «هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ إذَا عَمِلَ عَمَلَهُمْ» (٦). فإن صَحَّ ذلك، انْدَفَعَ الإشْكالُ. وفي الجُملَةِ، هذا يَرْجِعُ إلى أحْكامِ الآخِرَةِ، أمَّا أحْكامُ الدُّنْيا فهو كغَيرِه في صِحَّةِ إمامَتِه، وبَيعِه، وعِتْقِه، وقَبُولِ شَهادَتِه، فكذلك في إجْزاءِ عِتْقِه عن الكفَّارَةِ؛ لأنَّه مِن أحْكامِ الدُّنْيا. ٣٧٦٣ - مسألة: (و) يُجْزِيء (الصَّغِيرُ) وقال الخِرَقِيُّ: لا

стр. 11395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُجْزِئُ حتى يُصَلِّيَ ويَصُومَ. قال القاضي: لا يجوزُ إعْتاقُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ؛ لأنَّه لا تصِحُّ منه العِباداتُ، في ظاهرِ كلام أحمدَ. وظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّ المُعْتَبَرَ الفِعْلُ (١) دُونَ السِّنِّ، فمَن صَلَّىَ وصامَ ممَّن له عقْلٌ يَعْرِفُ الصَّلاةَ والصِّيامَ، ويتَحَقَّقُ منه (٢) الإتْيانُ به بنِيَّته وأرْكانِه، فإنَّه يُجْزِئُ في الكفَّارَةِ وإن لم يَبْلُغِ السَّبْعَ، وإن لم يُوجَدْ منه، لم يُجْزِئْ الكفَّارَةِ وإن كان كبيرًا. وقال أبو بكرٍ وغيرُه مِن أصحابِنا: يجوزُ إعْتاقُ الطِّفلِ في الكفَّارَةِ. وهو قولُ الحسَنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المُرادَ بالإيمانِ ههُنا الإسْلامُ، بدليلِ إعْتاقِ الفاسِقِ. قال الثَّوْرِيُّ: المُسْلمون كلُّهم مُؤْمِنُون عندَنا في الأحْكامِ، ولا نَدْرِي ما هم عندَ اللهِ. وبهذا تَعَلَّقَ حُكْمُ القَتْلِ بكُلِّ مسلمٍ، بقولِه تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) (٣). والصَّبِيُّ محْكومٌ بإسْلامِه، يَرِثُه المسلمون ويَرِثُهم، ويُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلِمين، ويُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه.

стр. 11396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن سُبِيَ مُنْفَرِدًا عن أبوَيه، أجزَأ (١) عِتْقُه؛ لأنَّه محْكوم بإسْلامِه، وكذلك إن سُبِيَ مع أحَدِ أبَوَيه، ولو كان أحَدُ أبوَيِ الطِّفل -مُسْلِمًا والآخَرُ كافِرًا، أجْزَأ إعْتاقُه؛ لأنَّه محْكومٌ بإسْلامِه. قال القاضي في مَوْضِعٍ: يُجْزِئُ؛ إعْتاقُ الصَّغيرِ في جميعِ الكفَّاراتِ، إلَّا كفَّارَةَ القَتْلِ، فإنَّها على رِوايَتَين. وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: ما كان في القُرْآنِ مِن رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فلا يُجْزِئُ إلَّا مَن صامَ وصَلَّى، وما كان في القُرآنِ رَقَبَةً ليست بمُؤْمِنَةٍ، فالصَّبِيُّ يُجْزِئُ (٢). ونحوُ هذا قولُ الحسنِ (٢). ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الواجِبَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، والإيمانُ قولٌ وعملٌ، فما لم تحْصُل الصَّلاةُ والصِّيامُ، لا يحْصُلُ العَمَلُ. قال مُجاهدٌ، وعَطاءٌ، في قولِه: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ). قالا (٣): قد صَلَّتْ. ونحوُ هذا قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ. وقال مَكْحُولٌ: إذا وُلِدَ المَوْلُودُ فهو نَسَمَة، فإذا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لبَطْن فهو رَقَبَةٌ، فإذا صَلَّى فهو مُؤْمِنَةٌ. ولأنَّ الطِّفْلَ لا تصِح منه عِبادَة؛ لأنَّه لا نِيَّةَ له، فلم يُجْزِئْ في الكفَّارَةِ، كالمَجْنُونِ، ولأنَّ

стр. 11397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الصَّبى فيه] (١) يَسْتَحِقُّ به النَّفَقَةَ على القَرابَةِ، فأشْبَهَ الزَّمانَةَ. قال شيخُنا (٢): والقَوْلُ الآخَرُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الإيمانَ الإسْلامُ، وهو حاصِل في حَقِّ الصَّبِيِّ الصَّغيرِ، ويدُلُّ على هذا أنَّ مُعاويَةَ بنَ الحَكَمِ السُّلَمِيَّ أتَى النبيَّ ﷺ بجارِيَةٍ [فقال لها: «أينَ اللهُ؟». قالت: في السَّماءِ. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ اللهِ. قال: «أعْتِقْهَا، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ». رواه مسلمٌ (٣). وفي حديثٍ عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ بجاريةٍ] (٤) أعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إن عليَّ رَقَبةً مُؤْمِنَةً. فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : «أينَ اللهُ؟». فأشارت برأشِها إلى السماءِ. قال: «مَنْ أنا؟». فأشارت إلى رسولِ اللهِ وإلى السماءِ، أي: أنتَ رسولُ اللهِ. قال: «أعْتِقْها، فإنَّها مُؤْمِنَةٌ» (٥). فحكَمَ لها بالإيمانِ بهذا القولِ.

стр. 11398

وَإنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ، فَأَعْتَقَهُ أَجْزأَهُ، إلا عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الاسْتِسْعَاءِ، وَإنْ أَعْتَقَة وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى، لَمْ يُجْزِئْهُ. نَصَّ عَلَيهِ. ــ ٣٧٦٤ - مسألة: ولو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ، فأعْتَقَه عن كَفَّارَته (ثم اشْتَرَى بَاقِيَه فأعْتَقَه، أجْزَأه) لأنَّه أعْتَقَ رَقَبَةً كامِلَةً في وَقْتَين، فأجزَأ، كما لو أطْعَمَ المساكينَ في وَقْتَين (إلَّا على روايَةِ وُجُوبِ الاسْتسْعاءِ) والصَّحِيحُ في المذهبِ خِلافُها. ٣٧٦٥ - مسألة: (فإن أعْتَقَه) عن كَفَّارَتِه (وهو مُوسِرٌ، فَسَرَى) إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، عَتَقَ و (لم يُجْزِئْه) عن كفَّارَتِه، في قول أبي بكرٍ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وحكاه عن أحمدَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِه لم يحْصُلْ بإعْتاقِه، إنَّما حصَلَ بالسِّرايَةِ، وهي غيرُ فِعْلِه، وإنَّما هي مِن آثارِ فِعْلِه، فأشْبَه ما لو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه يَنْوي به الكفَّارَةَ، يُحَقِّقُ هذا، أنَّه لم يُباشِرْ بالإِعْتاقِ إلَّا نَصِيبَه، فسَرَى إلى نَصِيبِ (١) غيرِه، ولو خَصَّ نَصِيبَ غيرِه بالإعْتاقِ، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ،

стр. 11399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّه إنَّما يَمْلِكُ إعْتاقَ نَصِيبِه، لا نَصِيبَ غيرِه. وقال القاضي: قال غيرُهما مِن أصحابِنا: يُجْزِئُه إذا نَوَى إعْتاقَ جَمِيعِه عن كفَّارَتِه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدًا كامِلَ الرِّقِّ، سَليِمَ الخَلْقِ، غيرَ مُسْتَحِقِّ العِتْقِ، ناويًا به (١) الكفَّارَةَ، فأجْزَأه، كما لو كان الجمِيعُ مِلْكَه. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، ولا نُسَلِّمُ أنَّه أعْتَقَ العَبْدَ كلَّه، وإنَّما أعْتَقَ نِصْفَه، وعَتَقَ الباقِي عليه، فأشْبَهَ شِراءَ قَرِيبِه، ولأن إعْتاقَ باقِيه مُسْتَحَقٌّ بالسِّرايَةِ، فهو كالقَرِيبِ. فعلى هذا، هل يُجْزِئُه عِتْقُ نِصْفِه الذي هو مِلْكُه (٢)، ويُعْتِقُ نِصْفًا آخَرَ، وتَكْمُلُ الكفَّارَةُ؛ ينْبَنيِ على ما إذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْ عبْدَينِ. وسنذْكُرُ ذلك. فأمَّا إن نوَى عِتْقَ نصِيبِه عنِ الكفَّارَةِ، ولِم يَنْو ذلك في نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يُجْزِئْه في نَصِيبِ شَرِيكِه. وفي نَصِيبِ نفْسِه ما سَنَذْكُرُه، إن شاء الله تعالى. فصل: فإن كان العَبْدُ كله له، فأعْتَقَ جُزْءًا منه مُعَيَّنًا أو مُشاعًا،

стр. 11400

وَيَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَهُ. وَإنْ أعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ، أجْزأهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ. ــ عَتَقَ جَمِيعُه. فإن نَوَى به الكفَّارَةَ، أجْزأَ عنه؛ لأنَّ إعْتاقَه بعْضَ العَبْدِ إعْتاقٌ لجَمِيعِه، وإنْ نوَى إعْتاقَ الجُزْءِ الذي باشَرَه بالإِعْتاقِ عن الكفَّارَةِ دُونَ غيرِه، [لم يُجْزِئْه عِتْقُ غيرِه] (١). وهل يُحْتَسبُ له بما نَوَى به الكفَّارَةَ؟ على وَجْهَينِ. ٣٧٦٦ - مسألة: ولو أعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَين، أو نِصْفَيْ أمَتَين، أو نِصْفَ عَبْدٍ ونِصْفَ أمَةٍ، أجْزَأ عنه . ذكَرَه الخِرَقِيُّ. قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: هذا قولُ أكثرِهم. وقال أبو بكرٍ بنُ جَعْفرٍ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ

стр. 11401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المقْصُودَ مِن العِتْقِ تَكْمِيلُ الأحْكامِ، ولا يحْصُلُ مِن إعْتاقِ نِصْفَين. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ على ثلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كقَوْلِ الخِرَقِيِّ. والثاني، كقَوْلٍ أبي بكرٍ. والثَّالِثُ، إن كان نِصْفُ الرَّقِيقِ حورًا، أجْزَأ؛ لأنَّه يحْصُلُ تَكْمِيلُ الأحْكامِ، وإن كان رَقِيقًا، لم يُجْزِ؛ لأنَّه لا يحْصُلُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأشْقاصَ كالأشْخاصِ فيما لا يَمْنَعُ منه العَيبُ اليَسِيرُ، [ونَعْنِي به] (١) الزَّكاةَ إذا كان له نِصْفُ ثمانين شاةً مُشاعًا، وجَبَتِ (٢) الزَّكاةُ، كما لو مَلَكَ أرْبَعِين مُنْفَرِدَةً (٣)، وكالهدايا والضَّحايا إذا اشْتَرَكُوا فيها. قال شيخُنا (٤): والأوْلَى أنَّه لا يُجْزِئُ إعتاقُ (٥) نِصْفَين، إذا لم يَكُن الباقِي منهما حُرًّا؛ لأنَّ إطْلاقَ الرَّقَبَةِ إنَّما ينْصَرِفُ إلى إعْتاقِ الكامِلَةِ،

стр. 11402

فصلٌ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَين كَانَ أوْ عَبْدًا. ــ ولا يحْصُلُ مِن الشَّخْصَين ما يحْصُلُ مِن الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ في تَكْمِيل الأحْكامِ، وتخْليصِ الآدَمِيِّ مِن ضَرَرِ الرِّقِّ ونَقْصِه، فلا يَثْبُتُ به مِن الأحْكامِ ما يَثْبُتُ بإعْتاقِ رَقَبَةٍ كامِلَةٍ، ويَمْتَنِعُ قِياسُ الشَّخْصَين على الرَّقَبَةِ الكامِلَةِ، ولهذا لو أمَرَ إنْسانًا بشِراءِ رَقَبَةٍ أو بَيعِها، أو بإهْداءِ حيوانٍ أو بالصَّدَقَةِ به (١)، لم يكُنْ له أنْ يُشَقِّصَه، كذا ههُنا. فصل: (فمَن لم يَجِدْ، فعليه صِيامُ شَهْرَين مُتَتابِعَين) إذا قَدَرَ على الصِّيامِ. وهذا إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لقَوْلِ الله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا) (٢). ولحَدِيثِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ (٣)، وسَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ (٤) (حُرًّا كانْ أو عَبْدًا) ويَسْتَوي

стр. 11403

وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ، ــ في ذلك الحُرُّ والعَبْدُ عندَ أهلِ العلمِ، لا نعلمُ فيه خلافًا. وأجْمَعُوا على وُجوبِ التَّتابُعِ (١) في الصِّيام، وقد تَناوَلَه نَصُّ القُرآنِ والسُّنَّةِ، ومَعْنى التَّتابُعِ المُوَالاةُ بينَ صِيامِ أيَّامِهما (٢)، فلا يُفْطِرُ فيهما (٣) ولا يَصُومُ عن غيرِ الكفَّارَةِ (ولا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتابُعِ) ويَكْفِي فِعْلُه؛ لأنَّه شَرْطٌ، وشَرائِطُ العِباداتِ لا تَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، وإنَّما تَجِبُ النِّيَّةُ لأفْعالِها. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ (٤) لأصحابِ الشافعيِّ. والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّها واجِبَةٌ لكُلِّ لَيلَةٍ؛ لأنَّ ضَمَّ العِبادَةِ إلى العِبادَةِ إذا كان شَرْطًا، وجَبَت النِّيَّةُ فيه، كالجَمْعِ بينَ الصَّلاتين. والثالِثُ، تَكْفِي نِيَّةُ التَّتابُعِ في اللَّيلَةِ الأُولَى. ولَنا، أنَّه تَتابُع واجِبٌ في العِبادَة، فلم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمتابعةِ (٥) بينَ الرَّكعاتِ. ويُفارِقُ الجَمْعَ بينَ الصَّلاتين، فإنَّه رُخْصَةٌ، فافْتَقَرَ إلى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالمُتابَعَةِ بينَ الرَّكَعاتِ.

стр. 11404

فَإنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدِ، أَو الْفِطْرِ لِحَيضٍ أوْ نِفَاسٍ، ــ ٣٧٦٧ - مسألة: (فإن تخَلَّلَ صَوْمَها صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، أو فِطْرٌ واجِبٌ كفِطْرِ العيدِ، أو الفِطْرِ لحَيضٍ أو نِفاسٍ، لَم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ) ويَبْنِى على ما مَضَى مِن صِيامِه. وجملةُ ذلك، أنَّه إذا تَخَلَّلَ صومَ الظِّهارِ زَمانٌ لا يصِحُّ صَوْمُه فيه عن الكفَّارَةِ، مِثْلَ أن يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِن أوَّلِ شعبانَ، فيَتَخَلَّلَه رَمضانُ ويومُ الفِطْرِ، أو يَبْتَدِئ مِن ذِي الحِجَّةِ، فيَتَخَلَّلَه يومُ النَّحْرِ وأيَّامُ التَّشْرِيقِ، فإنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِعُ بهذا، ويَبْنِي على ما مَضَى مِن صِيامِه. وقال الشافعيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ، ويَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنَّه أفْطَرَ في أثْناءِ الشَّهْرَين بما كان يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ إذا أفْطَرَ لغيرِ ذلك، أو صامَ عن نَذْرٍ أو كفَّارَةٍ أُخْرَى. ولَنا، أنَّه زَمَن منَعَه الشَّرْعُ عن صَوْمِه في الكفَّارَةِ، فلم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، كالحَيضِ والنِّفاسِ. فإن قالوا: الحَيضُ

стр. 11405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنِّفاسُ غيرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ منه. قُلْنا: قد يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِن النِّفاسِ، بأن لا تَبْتَدِئَ الصَّومَ في حالِ الحَمْلِ، ومِن الحَيضِ إذا كان طُهْرُها يَزِيدُ على الشَّهْرَين، بأن تَبْتَدئَ الصَّومَ عَقِيبَ طُهْرِها مِن الحَيضَةِ، ومع هذا لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ به، ولا يجوزُ للمَأْمُوم مُفارَقَةُ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، ويَجوزُ أن يَدْخُلَ معه المَسْبُوقُ، مع عِلْمِه بلُزومِ مُفارَقَتِه قبلَ إتْمامِها. ويتَخَرَّجُ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصُومُها عنِ الكفَّارَةِ، ولا يُفْطِرُ إلَّا يومَ النَّحْرِ وحدَه. فعلَى هذا، إن أفْطَرَ ما اسْتَأْنَف؛ لأنَّها أيَّامٌ أمْكَنَه صِيامُها في الكفَّارَةِ، فَفِطْرُها يقْطَعُ التَّتابُعَ كغيرِها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنِ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِن أوَّلِ شعبانَ، أجْزَأه صومُ شعبانَ عن شهر، وإن كان ناقِصًا، وأمَّا شَوَّالٌ، فلا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ مِن أوَّلِه؛ لأنَّ أوَّلَه يومُ الفِطْرِ، وصومُه حرامٌ، فيَشْرَعُ فيه مِن اليومِ الثَّانِي، ويُتَمِّمُ شَهْرًا بالعَدَدِ ثلاثين، وإن بَدَأ مِن أوَّلِ ذِي الحِجَّةِ إلى آخِرِ المُحَرَّمِ، قَضَى أرْبَعَةَ أيَّامٍ، وأجْزَأه؛ لأنَّه بَدَأ الشهرين (١) مِن أوَّلِهما. ولو ابْتَدَأ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن يومِ الفِطْرِ، لم يَصِحَّ صَوْمُ يومِ الفِطْرِ، ويصِحُّ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْر، وصَوْمُ ذِي القَعْدَةِ، ويُحتَسَبُ له بذِي القَعْدَةِ، وإن كان ناقِصًا؛ لأَنَه بَدَأه مِن أوَّلِه، وأمَّا شَوَّالٌ، فإن كان تامًّا صامَ يومًا مِن ذي الحِجَّةِ، وإن كان ناقِصًا، صامَ يَوْمَين؛ لأنَّه لم يَبْدَأه مِن أوَّلِه. وإنَّ بَدَأ بالصِّيامِ مِن أوَّلِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، وقُلْنا: يَصِحُّ صَوْمُها عن الفَرْضِ. فإنَّه يُحْتَسَبُ له

стр. 11406

أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَرَضٍ مَخوفٍ، ــ بالمُحَرَّمِ، ويُكْمِلُ صومَ ذِي الحِجَّةِ بتَمامِ (١) ثلاثين يومًا مِن صَفَر. وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ صومُها (٢) عن الفَرْضِ. صامَ مكانَها مِن صَفَرٍ. فصل: وإنْ أفْطَرت لحَيضٍ أو نِفاسٍ، فقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ (١) الصَّائِمَةَ مُتتابعًا، إذا حاضَتْ قبلَ إتْمامِه، تَقْضِي إذا طَهُرَتْ، وتَبْنِي. وذلك لأنَّ الحَيضَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه في الشَّهْرَين إلّا بتأْخِيرِه إلى الإياسِ، وفيه تَغْرِيرٌ بالصَّوْمِ؛ لأنَّها رُبَّما ماتَتْ قبلَه. والنِّفاسُ كالحَيضِ، في أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَتِه في أحْكامِه، ولأنَّ الفِطْرَ لا يحْصُلُ فيهما بفِعْلِهما، وإنَّما ذلك الزَّمانُ كزَمانِ اللَّيلِ في حَقِّهِما. والثَّانِي، أنَّ النِّفاسَ يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه فِطْرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، لا يَتَكَرَّرُ في العامِ، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كالفِطْرِ لغيرِ عُذْرٍ. ولا يصِحُّ قِياسُه على الحَيضِ؛ لأنَّه أنْدَرُ منه، ويُمْكِنُ التحَرُّزُ منه. ٣٧٦٨ - مسألة: فإن أفْطَرَ (لمرَض مَخُوفٍ، أو جنُونٍ) لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباس. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعي في القَدِيمِ. وقال في الجَديدِ: يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والحَكَمِ،

стр. 11407

أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ؛ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، لَمْ يَنْقَطِع التَّتَابُعُ، ــ والثَّوْرِيِّ، وأصحاب الرَّأْي، لأنَّه أفْطَرَ بفعْلِه، فلَزِمَه الاسْتِئْنافُ، كما لو أفْطَرَ لسَفَرٍ. ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بسَبَبٍ لا صُنْعَ له فيه، فلم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، كإفْطارِ المَرْأةِ للحَيضِ. وما ذَكَرُوه مِن الأصْلِ مَمْنُوعٌ. وإن أفْطَرَ لجُنُونٍ، أو إغْماءٍ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، لأنَّه لا صُنْعَ له فيه، فهو كالحَيضِ. ٣٧٦٩ - مسألة: وكذلك (فِطْرُ الحامِلِ، والمُرْضِعِ؛ لخَوْفِهِما على أنْفُسِهما) لأنَّهما كالمريضِ.

стр. 11408

وَكَذَلِكَ إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيهِمَا. وَيَحْتَمِلُ أن يَنْقَطِعَ. ــ ٣٧٧٠ - مسألة: (فإن خافتَا على وَلَدَيهِما) فأفْطَرَتا، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، لأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لهما بِسَببٍ لا يَتَعَّلقُ باخْتِيارِهما، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَتا خَوْفًا على أنْفُسِهما. والثَّانِي، يَنْقَطِعُ، لأنَّه لأجْلِ الخَوفِ على غَيرِهما، ولذلك تَلْزَمُهما الفِدْيَةُ مع القَضاء.

стр. 11409

وَإنْ أَفْطَرَ لِغَيرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى، لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ. ــ ٣٧٧١ - مسألة: (وإن أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ، أو صامَ تَطَوُّعًا، أو قَضَاءً، أو عَن نَذْرٍ أو كفَّارَةٍ أُخْرَى، لَزِمَه الاسْتِئْنافُ) لأنَّه أخَلَّ بالتَّتابُعِ المَشْرُوطِ، ويَقَعُ صَوْمُه عمَّا نَواه؛ لأنَّ هذا الزَّمانَ ليس بمُسْتَحَقٍّ مُعَيَّنٍ للكفَّارَةِ، ولهذا يجوزُ صَوْمُها في غيرِه، بخلافِ شَهْرِ رمضانَ؛ فإنَّه مُتَعَيِّنٌ لا يَصْلُحُ لغيرِه. وإذا كان عليه نَذْرُ صَوْمٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، أخَّرَه إلى فَراغِه مِن الكفَّارَةِ، وإن كان مُتَعَيِّنًا، أخَّرَ الكفَّارَةَ عنه، أو قَدَّمَها عليه إن أمْكَنَ. وإن كان أيَّامًا مِن كُلِّ شَهْر، كيَوْمِ الخَميسِ، أو أيَّامِ البيضِ، قَدَّمَ الكفَّارَةَ عليه، وقَضاه بعدَها؛ لأنَّه لو وَفَّى بنَذْرِه انْقَطَعَ التَّتابُعُ ولَزِمَه الاسْتِئْنافُ، فيُفْضِي إلى أن لا يَتَمَكَّنَ مِن التَّكْفِيرِ، والنَّذْرُ يُمْكِنُ قَضاؤُه، فيكوْنُ هذا عُذْرًا في تأْخِيرِه كالمرضِ.

стр. 11410

وَإنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، كَالسَّفَرِ، وَالْمَرَضِ غَيرِ الْمَخُوفِ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ٣٧٧٢ - مسألة: (وإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، والمَرَضِ غَيرِ المخُوفِ، فعلى وَجْهَين) إذا أفْطَرَ لمَرضٍ (١) غيرِ مَخُوفٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، ففيه وَجْهان، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه مَرَضٌ أباحَ الفِطْرَ، أشْبَهَ المَخُوفَ. والثَّانِي، يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه أفْطَرَ اخْتِيارًا، فانْقَطَعَ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ. فإن [أفْطَرَ لسفر] (٢) مُبِيحٍ للفِطْرِ، فكلامُ أحمدَ يحْتَمِلُ الأمْرَين، وأظْهَرُهما، أنَّه لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ؛ فإنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ: كأنَّ (٣) السَّفَرَ غيرُ المَرَضِ، وما يَنْبَغِي أن يكونَ أوْكَدَ مِن رَمضانَ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ. وهذا قولُ الحسَن. ويَحْتَمِلُ أن يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ. وهو قول مالكٍ،

стр. 11411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصحابِ الرَّأْي. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ، فمنهم مَن قال: فيه قَوْلان كالمَرَضِ. ومِنهم مَن يقولُ: يَقْطَعُ التَّتابُعَ، وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ السَّفَرَ يحْصُلُ باخْتِيارِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ. [والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّه أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رَمضانَ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كإفْطارِ المرْأةِ للحَيضِ، وفارَقَ الفِطْرَ لغيرِ عُذْرٍ] (١)، فإنَّه لا يُباحُ. فإن أكَلَ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أفْطَرَ. ويَتَخَرَّجُ في انْقِطاعِ التَّتابُعِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ، لأنَّه فِطْر لعُذْرٍ. والثَّانِي، يَنقَطِعُ التَّتابُعُ، لأنَّه بفِعْلٍ أخْطأ فيه، فأشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين، [فبان بخِلافِه. وإن أفْطَرَ ناسيًا لوجوبِ التَّتابُعِ، أو جاهلًا به، أو ظنًّا أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين] (٢)، انْقَطَعَ التَّتابُعُ، لأنَّه أفْطَرَ لجَهْلِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو ظَنَّ أن الواجِبَ شَهْرٌ واحدٌ. وإن أُكْرِه على الأكْلِ والشُّرْبِ، بأَنْ أُوجِرَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، لم يُفْطِرْ. وإن أكَلَ خَوْفًا، فقال القاضي: لا يُفْطِرُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفْطِرُ. فعلى ذلك، هل يَقْطَعُ التَّتابُعَ؟ فيه وَجْهانِ، أحدُهما، لا يَقْطَعُه، لأنه عُذْرٌ مُبِيحٌ للفِطْرِ، أشْبَهَ المَرَضَ. والثَّانِي، يَقْطَعُه. وهو مذهب الشافعيِّ، لأنَّه أفْطَرَ بفِعْلِه لعُذْرٍ نادِرٍ. والأوَّلُ أوْلَى.

стр. 11412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويجوزُ أن يَبْتَدِئَ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ومِن أثْنائِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِما بينَ الهِلالين ولثلاثين (١) يومًا. فأيُّهما صامَ فقد أدَّى الواجِبَ، فإن بَدَأ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، فصامَ شَهْرَين بالأهِلَّةِ، أجْزَأه ذلك، وإن كانا ناقِصَين، إجْماعًا. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأهْلُ العِراقِ، ومالكٌ في أهلِ الحِجَازِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾. وهذان شَهْران مُتَتابعانِ. وإنْ بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْرٍ، فصامَ سِتِّينَ يَوْمًا، أجْزَأه، بغيرِ خلافٍ أيضًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على هذا. فأمَّا إن صامَ شَهْرًا بالهِلَالِ، وشَهْرًا بالعَدَدِ، فصامَ خمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِن المُحَرَّمِ، وصَفَرَ (٢) جَمِيعَه، وخمسةَ عشرَ مِن رَبِيعٍ، فإنَّه يُجْزِئُه، سواءٌ كان صَفَرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الشُّهورِ بالأهِلَّةِ، لكن تَرَكْناه في الشَّهْرِ الذي بَدَأ مِن

стр. 11413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَسَطِه لِتَعَذُّرِه، ففي الشَّهْرِ الذي أمْكَنَ اعْتِبَارُه وَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ويَتَوَجَّهُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا شَهْرانِ بالعَدَدِ؛ لأنَّنا لمَّا ضَمَمْنا إلى الخَمْسَةَ عشَرَ مِن المُحَرَّم خمْسَةَ عشَرَ مِن صَفَر، فصارَ ذلك شَهْرًا، صارَ ابْتِداءُ صومِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِن أثْناءِ شَهْرٍ أيضًا. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ. فصل: فإن نَوَى صَوْمَ (١) شهرِ رَمضانَ عن الكفَّارَةِ، لم يُجْزِئْه عن رَمضانَ ولا عن الكفَّارَةِ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، حاضِرًا كان أو مُسافِرًا؛ لأنَّه تَخَلَّلَ صَوْمَ الكفَّارَةِ فِطْر غيرُ مَشْروعٍ. وقال مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: يُجْزِئُه عنهما. وقال أبو حنيفةَ: إن كان حاضِرًا، أجْزَأه عن رَمضانَ دُونَ الكفَّارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غيرُ مُشْتَرَطٍ لرمضانَ، وإن كان في سَفَرٍ، أجْزَأه عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ. وقال صاحباه: يُجْزِئُ عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ (٢)، حَضَرًا و (٣) سَفَرًا. ولَنا، أنَّ رمضانَ مُتَعَيِّنٌ لصَوْمِه، مُحَرَّمٌ صَوْمُه عن غيرِه، فلم يُجْزِئه عن غيرِه، كيَوْمَي العِيدَين، ولا يُجْزِئُ عن رمضانَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نوَى» (٤). وهذا ما نَوَى رمضانَ، فلا يُجْزِئه، ولا فَرقَ بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ الزَّمانَ مُتَعَيِّنٌ، وإنَّما جازَ فِطْرُه في السَّفَرِ رُخْصَةً، فإذا

стр. 11414

وَإنْ أصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيلًا أوْ نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ. وَعَنْهُ، لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا. ــ تَكَلَّفَ وصامَ، رَجَعَ إلى الأصْلِ. فإن سافَرَ في رَمضانَ المُتَخَلِّلِ لصَوْمِ الكفَّارَةِ وأفْطَرَ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه زَمَن لا يُسْتَحَقُّ صَوْمُه عن الكفَّارَةِ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ بفِطْرِه كاللَّيلِ. ٣٧٧٣ - مسألة: (وإن أصاب المُظاهَرَ منها لَيلًا أو نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتابُعُ) وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فأمَرَ بهما خالِيَين عن وَطْءٍ، ولم يَأْتِ بهما على ما أُمِرَ، فلم يُجْزِئه، كما لو وَطِئَ نهارًا ذاكِرًا، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ لا يَخْتَصُّ النَّهارَ، فاسْتَوَى فيه اللَّيلُ والنَّهارُ، كالاعْتِكافِ. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِعُ بالوَطْءِ ليلًا. وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، فلا يُوجِبُ الاسْتِئْنافَ، كوَطْءِ غيرِها، ولأنَّ التَّتابُعَ في الصِّيامِ عِبارةٌ عن إتْباعِ صَوْمِ يوم لِلَّذِي قَبْلَه مِن غيرِ فارِقٍ،

стр. 11415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا مُتَحَقِّقٌ وإن وَطِئَ ليلًا، وارْتِكابُ النَّهْي في الوَطْءِ قبلَ إتْمامِه، إذا لم يُخِلَّ بالتَّتابُعِ المُشْتَرَطِ، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه وإجْزاءَه، كما لو وَطِئَ قبلَ الشَّهْرَين، أو لو وَطِئَ ليلةَ أوَّلِ الشَّهْرَينِ وأصْبَح صائِمًا، والإِتْيانُ بالصِّيامِ قبلَ التَّماسِّ (١) لا سَبِيلَ إليه، سواءٌ بَنَى أو اسْتَأْنفَ. وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها في نَهارِ الشَّهْرَين عامِدًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، إجْماعًا، إذا كان غيرَ مَعْذُورٍ. وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها نهارًا ناسِيًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، في إحدَى الرِّوايتَين؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُعْذَرُ فيه بالنِّسْيانِ. وعن أحمدَ، رواية أخرى، لا يُفْطِر، ولا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه فَعَلَ المُفْطِرَ ناسِيًا، أشْبَهَ ما لو أَكَلَ ناسِيًا. وإن أُبِيحَ له الفِطْرُ لعُذْرٍ، فوَطِئَ غيرَها نهارًا، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا أثَرَ له في قَطْعِ التَّتابُعِ. وإن (٢) وَطِئَها، كان كوَطْئِها ليلًا، هلْ يَنْقَطِعُ (٣) التَّتابُعُ؟ على وَجْهَين.
следующие страницы →