. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصحابِ الرَّأْي. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ، فمنهم مَن قال: فيه قَوْلان كالمَرَضِ. ومِنهم مَن يقولُ: يَقْطَعُ التَّتابُعَ، وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ السَّفَرَ يحْصُلُ باخْتِيارِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ. [والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّه أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رَمضانَ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كإفْطارِ المرْأةِ للحَيضِ، وفارَقَ الفِطْرَ لغيرِ عُذْرٍ] (١)، فإنَّه لا يُباحُ. فإن أكَلَ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أفْطَرَ. ويَتَخَرَّجُ في انْقِطاعِ التَّتابُعِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ، لأنَّه فِطْر لعُذْرٍ. والثَّانِي، يَنقَطِعُ التَّتابُعُ، لأنَّه بفِعْلٍ أخْطأ فيه، فأشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين، [فبان بخِلافِه. وإن أفْطَرَ ناسيًا لوجوبِ التَّتابُعِ، أو جاهلًا به، أو ظنًّا أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين] (٢)، انْقَطَعَ التَّتابُعُ، لأنَّه أفْطَرَ لجَهْلِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو ظَنَّ أن الواجِبَ شَهْرٌ واحدٌ. وإن أُكْرِه على الأكْلِ والشُّرْبِ، بأَنْ أُوجِرَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، لم يُفْطِرْ. وإن أكَلَ خَوْفًا، فقال القاضي: لا يُفْطِرُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفْطِرُ. فعلى ذلك، هل يَقْطَعُ التَّتابُعَ؟ فيه وَجْهانِ، أحدُهما، لا يَقْطَعُه، لأنه عُذْرٌ مُبِيحٌ للفِطْرِ، أشْبَهَ المَرَضَ. والثَّانِي، يَقْطَعُه. وهو مذهب الشافعيِّ، لأنَّه أفْطَرَ بفِعْلِه لعُذْرٍ نادِرٍ. والأوَّلُ أوْلَى.
стр. 11412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويجوزُ أن يَبْتَدِئَ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن أوَّلِ شَهْرٍ، ومِن أثْنائِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِما بينَ الهِلالين ولثلاثين (١) يومًا. فأيُّهما صامَ فقد أدَّى الواجِبَ، فإن بَدَأ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، فصامَ شَهْرَين بالأهِلَّةِ، أجْزَأه ذلك، وإن كانا ناقِصَين، إجْماعًا. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأهْلُ العِراقِ، ومالكٌ في أهلِ الحِجَازِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾. وهذان شَهْران مُتَتابعانِ. وإنْ بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْرٍ، فصامَ سِتِّينَ يَوْمًا، أجْزَأه، بغيرِ خلافٍ أيضًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على هذا. فأمَّا إن صامَ شَهْرًا بالهِلَالِ، وشَهْرًا بالعَدَدِ، فصامَ خمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِن المُحَرَّمِ، وصَفَرَ (٢) جَمِيعَه، وخمسةَ عشرَ مِن رَبِيعٍ، فإنَّه يُجْزِئُه، سواءٌ كان صَفَرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الشُّهورِ بالأهِلَّةِ، لكن تَرَكْناه في الشَّهْرِ الذي بَدَأ مِن
стр. 11413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسَطِه لِتَعَذُّرِه، ففي الشَّهْرِ الذي أمْكَنَ اعْتِبَارُه وَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ويَتَوَجَّهُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا شَهْرانِ بالعَدَدِ؛ لأنَّنا لمَّا ضَمَمْنا إلى الخَمْسَةَ عشَرَ مِن المُحَرَّم خمْسَةَ عشَرَ مِن صَفَر، فصارَ ذلك شَهْرًا، صارَ ابْتِداءُ صومِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِن أثْناءِ شَهْرٍ أيضًا. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ.
فصل: فإن نَوَى صَوْمَ (١) شهرِ رَمضانَ عن الكفَّارَةِ، لم يُجْزِئْه عن رَمضانَ ولا عن الكفَّارَةِ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، حاضِرًا كان أو مُسافِرًا؛ لأنَّه تَخَلَّلَ صَوْمَ الكفَّارَةِ فِطْر غيرُ مَشْروعٍ. وقال مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: يُجْزِئُه عنهما. وقال أبو حنيفةَ: إن كان حاضِرًا، أجْزَأه عن رَمضانَ دُونَ الكفَّارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غيرُ مُشْتَرَطٍ لرمضانَ، وإن كان في سَفَرٍ، أجْزَأه عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ. وقال صاحباه: يُجْزِئُ عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ (٢)، حَضَرًا و (٣) سَفَرًا. ولَنا، أنَّ رمضانَ مُتَعَيِّنٌ لصَوْمِه، مُحَرَّمٌ صَوْمُه عن غيرِه، فلم يُجْزِئه عن غيرِه، كيَوْمَي العِيدَين، ولا يُجْزِئُ عن رمضانَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نوَى» (٤). وهذا ما نَوَى رمضانَ، فلا يُجْزِئه، ولا فَرقَ بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ الزَّمانَ مُتَعَيِّنٌ، وإنَّما جازَ فِطْرُه في السَّفَرِ رُخْصَةً، فإذا
стр. 11414
وَإنْ أصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيلًا أوْ نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ. وَعَنْهُ، لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا.
ــ
تَكَلَّفَ وصامَ، رَجَعَ إلى الأصْلِ. فإن سافَرَ في رَمضانَ المُتَخَلِّلِ لصَوْمِ الكفَّارَةِ وأفْطَرَ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه زَمَن لا يُسْتَحَقُّ صَوْمُه عن الكفَّارَةِ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ بفِطْرِه كاللَّيلِ.
٣٧٧٣ - مسألة: (وإن أصاب المُظاهَرَ منها لَيلًا أو نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتابُعُ) وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). فأمَرَ بهما خالِيَين عن وَطْءٍ، ولم يَأْتِ بهما على ما أُمِرَ، فلم يُجْزِئه، كما لو وَطِئَ نهارًا ذاكِرًا، ولأنَّه تَحْرِيمٌ للوَطْءِ لا يَخْتَصُّ النَّهارَ، فاسْتَوَى فيه اللَّيلُ والنَّهارُ، كالاعْتِكافِ. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّ التَّتابُعَ لا يَنْقَطِعُ بالوَطْءِ ليلًا. وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، فلا يُوجِبُ الاسْتِئْنافَ، كوَطْءِ غيرِها، ولأنَّ التَّتابُعَ في الصِّيامِ عِبارةٌ عن إتْباعِ صَوْمِ يوم لِلَّذِي قَبْلَه مِن غيرِ فارِقٍ،
стр. 11415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا مُتَحَقِّقٌ وإن وَطِئَ ليلًا، وارْتِكابُ النَّهْي في الوَطْءِ قبلَ إتْمامِه، إذا لم يُخِلَّ بالتَّتابُعِ المُشْتَرَطِ، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه وإجْزاءَه، كما لو وَطِئَ قبلَ الشَّهْرَين، أو لو وَطِئَ ليلةَ أوَّلِ الشَّهْرَينِ وأصْبَح صائِمًا، والإِتْيانُ بالصِّيامِ قبلَ التَّماسِّ (١) لا سَبِيلَ إليه، سواءٌ بَنَى أو اسْتَأْنفَ. وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها في نَهارِ الشَّهْرَين عامِدًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، إجْماعًا، إذا كان غيرَ مَعْذُورٍ. وإن وَطِئَها أو وَطِئَ غيرَها نهارًا ناسِيًا، أفْطَرَ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، في إحدَى الرِّوايتَين؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُعْذَرُ فيه بالنِّسْيانِ. وعن أحمدَ، رواية أخرى، لا يُفْطِر، ولا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه فَعَلَ المُفْطِرَ ناسِيًا، أشْبَهَ ما لو أَكَلَ ناسِيًا. وإن أُبِيحَ له الفِطْرُ لعُذْرٍ، فوَطِئَ غيرَها نهارًا، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا أثَرَ له في قَطْعِ التَّتابُعِ. وإن (٢) وَطِئَها، كان كوَطْئِها ليلًا، هلْ يَنْقَطِعُ (٣) التَّتابُعُ؟ على وَجْهَين.
стр. 11416
وَإنْ أَصَابَ غَيرَهَا لَيلًا لَمْ يَنْقَطِعْ.
ــ
٣٧٧٤ - مسألة: (وإن وَطِئَ غيرَها لَيلًا، لم يَنقَطِعِ) التَّتابُعُ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، ولا هو مُخِلُّ بإتْباعِ الصَّوْمِ، فلم يَقْطَع التَّتابُعَ، كالأكْلِ. وليس في هذا اخْتِلافٌ نعْلَمُه. فإن لَمَسَ المُظاهَرَ منها، أو باشَرَها دُونَ الفَرْجِ على وَجْهٍ يُفْطِرُ به، قَطَعَ التَّتابُعَ؛ لإِخْلالِه بمُوالاةِ الصِّيامِ، وإلَّا لم يَنْقَطِعْ. والله أعلمُ.
стр. 11417
فَصلٌ: فَإِنْ لَم يَسْتَطِعْ، لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، إِذَا أَكلَ الطَّعَامَ.
ــ
(١) فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (فإن لم يَسْتَطِعْ، لَزِمه إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، إذا أَكَلَ الطَّعامَ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجِدِ الرَّقَبَةَ، ولم يَسْتَطِع الصِّيامَ، أنَّ فَرْضَه إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، على ما أمَرَ اللهُ تعالى في كتابِه، وجاءَ في سُنَّةِ نَبِيِّه ﷺ ، سَواءٌ عَجَزَ عن الصِّيامِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ يَخافُ بالصَّوْمِ تَباطُؤُه (٢) أو الزِّيادَةَ فيه، أو الشَّبَقِ فلا يَصْبِرُ فيه عن الجِماعِ، فإنَّ أوْسَ بنَ الصَّامِتِ، لمَّا أمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّوْمِ، قالتِ امْرَأتُه: يا رسولَ اللهِ، إنَّه شَيخٌ كبيرٌ، ما به مِن صِيامٍ. قال: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (٣). ولمَّا أمَرَ سَلَمَةَ بنَ صَخْرٍ بالصِّيامِ، قال: وهل أصَبْتُ ما أصبْتُ إلَّا مِن الصِّيامِ! قال: «فَأطْعِمْ» (٤). فنَقَلَه إلى الإطْعامِ لمَّا
стр. 11418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخْبَرَه أنَّ به مِن الشَّبَقِ والشَّهْوَةِ ما يَمْنَعُه مِن الصِّيامِ. وقِسْنَا على هذين ما يُشْبِهُهُما في مَعْناهما. ويجوزُ أنْ يَنْتَقِلَ إلى الإِطْعامِ إذا عَجَزَ عن الصِّيامِ للمَرَضِ وإن كان مَرْجُوَّ الزَّوالِ؛ لدُخُولِه في قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ولأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ له نِهايةٌ، فأشْبَهَ الشَّبَقَ. ولا يجوزُ أن يَنْتَقِلَ الأجْلِ السَّفَرِ؛ لأنَّ السَّفَرَ لا يُعْجِزُه عن الصِّيامِ، وله نِهايَة يَنْتَهِي إليها، وهو مِن أفْعالِه الاخْتِيَارِيَّةِ. والواجِبُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك. وقال أبو حنيفةَ: لو أطْعَمَ مِسكينًا واحدًا في سِتِّينَ يومًا، أجْزَأه. وسَنذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تَعالى.
стр. 11419
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ،
ــ
فصل: ويُشْتَرَطُ في المساكِينِ ثلاثَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، وأن يكونَ قد أكَلَ الطَّعامَ. والمساكينُ هم الذين تُدْفَعُ إليهم الزَّكاةُ، لحاجَتِهم، المذْكُورُون في أَبوابِ الزَّكاةِ، ويَدْخُلُ في ذلك الفُقَراءُ؛ لأنَّهم وإن كانوا في الزَّكاةِ صِنْفَين، فهما في غيرِها صِنْفٌ واحدٌ؛ لكَوْنِهم يأْخُذُونَ لحاجَتِهم إلى ما يَكْفِيهم، أو لِما تَتِمُّ به كِفَايَتُهم. أحدُها، إسْلامُهم، فلا يجوزُ دَفْعُها. إلى كافِرٍ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا. وبذلك قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي: يجوزُ دَفْعُها إلى الذِّمِّيِّ؛ لدُخُولِه في اسْمِ المساكينِ، فيَدْخُلُ في عُمُوم الآيَةِ، ولأنَّه مسكينٌ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ، فأجْزَأ الدَّفْعُ إليه مِن الكفَّارَةِ، كالمُسْلِمِ. ورُوِيَ نحوُه عن الشَّعْبِيِّ. وخَرَّجَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في المذهبِ، بِناءً على جَوازِ إعْتاقِه في الكفَّارَةِ. وقال الثَّوْرِيُّ: يُعْطِيهِم إذا لم يَجِدْ غيرَهم. ولَنا، أنَّهم كُفَّارٌ، فلم يَجُزْ إعْطاؤُهم، كمَساكِينِ أهْلِ الحَرْبِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه. الثَّانِي، أن يكونوا أحْرارًا (فلا يجوزُ دَفْعُها إلى) عَبْدٍ، ولا (مُكاتَبٍ) ولا أُمِّ وَلَدٍ، ولا خِلافَ في أنَّه لا يجوزُ دَفْعُها إلى عَبْدٍ؛ لأنَّ نفَقَتَه واجِبَةٌ على سَيِّدِه، ولا إلى أُمِّ ولَدٍ؛ لذَلكَ. وبهذا قال
стр. 11420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالكٌ، والشافعيُّ. واختارَ الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ جوازَ دَفْعِها إلى مُكاتَبِه وغيرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخرَّجُ دَفْعُها إليه، بِنَاءً على جَوازِ إعْتاقِه؛ لأنَّه فِيأْخُذُ مِن الزَّكاةِ حاجَتَه، فأشْبَهَ المسكِينَ. ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى عَدَّه صِنْفًا في الزَّكاةِ غير صنفِ المسَاكِينِ، ولا هو في مَعْنَى المسَاكِينِ؛ لأنَّ حاجَتَه مِن غيرِ جِنْسِ حاجَتِهم، فيَدُلُّ على أنَّه ليس بمِسْكِين، والكفَّارَةُ إنَّما هي للمَساكِينِ، بدَليلِ الآيَةِ، ولأنَّ المِسْكِينَ يُدْفَعُ إليه لتَتِمَّ كِفايَتُه، والمُكاتَبُ إنَّما يَأْخُذُ لِفَكاكِ رَقَبَتِه، وأمَّا كِفايَتُه، فإنَّها حاصِلَةٌ بكَسْبِه ومالِه، فإن لم يَكُنْ له كَسْبٌ ولا مالٌ، عَجَّزَه سيِّدُه، ورَجَعَ إليه فاسْتَغْنَى بإنْفاقِه عليه، ويُفارِقُ الزَّكاةَ، فإنَّها تُصْرَفُ إلى الغَنِيِّ، والكفَّارةُ بخِلافِها. الثَّالِثُ، أنْ يكونُوا أكلُوا الطَّعامَ، فإن كان طِفْلًا لم يَأْكل الطَّعامَ، لم يُدْفَعْ إليه. في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو قولُ القاضي. وهو ظاهِرُ قولِ مالكٍ، فإنَّه قال: يَجُوزُ الدَّفْعُ إلى الفَطِيمِ. وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ. والثَّانِيَةُ، يَجُوزُ دَفْعُها إلى الصَّغِيرِ الذي لم يَطْعَمْ (١)، ويَقْبِضُ له وَلِيُّه. وهذا الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ المذهبَ.
стр. 11421
وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ،
ــ
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. قال أبو الخَطَّابِ: وهو قولُ أكثر الفُقهاءِ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتاجٌ، فأشْبَهَ الكَبِيرَ، ولأنَّ أكلَه للكفَّارَةِ ليس بشَرْطٍ، وهدْا يَصْرِفُ الكفَّارَةَ إلى ما يحتاجُ إليه ممَّا تَتِمُّ به كِفايَتُه، فأشْبَهَ الكبِيرَ. ولَنا، قوْلُه تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (١). وهذا يَقْتَضِي أكْلَهُم له، فإذا لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أكْلِهم، وَجَبَ اعْتِبارُ إمْكانِه ومَظِنَّتِه، ولا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُه في مَن لا يَأْكُلُ، ولأنَّه لو كان المقْصُودُ دَفْعَ حاجَتِه؛ لجاز دَفْعُ القِيمَةِ، ولم يتَعَيَّنِ الإِطْعامُ، وهذا يُقَيِّدُ (٢) ما ذَكَرُوه. فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأوْصافُ في واحدٍ، جاز الدَّفْعُ إليه، كبيرًا كان أو صَغِيرًا، مَحْجُورًا عليه أو غيرَ مَحْجُورٍ عليه، إلَّا أن مَن لا حَجْرَ عليه يقْبِضُ لنَفْسِه، أو يَقْبِضُ له وَكِيلُه، والمَحْجُورُ عليه كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، يَقْبِضُ له وَلِيُّه.
٣٧٧٥ - مسألة: ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافرٍ. وقد ذَكَرْناه (ولا إلى مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه) وقد ذَكَرْنا ذلك في الزَّكاةِ (٣). وفي دَفْعِها إلى الزَّوْجِ وَجْهانِ؛ بِناءً على دَفْعِ الزَّكاةِ إليه (٤).
стр. 11422
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا، فَبَانَ غَنِيًّا، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. وَإنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، إلا أَنْ لَا يَجِدَ غَيرَهُ، فَيُجْزِئُهُ في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُ وَإنْ وَجَدَ غَيرَهُ.
ــ
٣٧٧٦ - مسألة: ويَجُوزُ دَفْعُ الكَفَّارَةِ إلى مَن ظاهِرُه الفَقْرُ . فإن بان غَنِيًّا، فهل يُجْزِئُه؟ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الزَّكاةِ. وإن بان كافرًا أو عَبْدًا، لم يُجْزِئْه، وَجْهًا واحِدًا.
٣٧٧٧ - مسألة: (وإن رَدَّدَهَا على مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّين يَوْمًا، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه، فيُجْزِئُه في ظَاهِرِ المذْهَب. وعنه، لا يُجْزِئُه. وعنه، يُجْزِئُ وإن وَجَدَ غيرَه) وجملةُ ذلك، أنَّ الواجِبَ في كفَّارَةِ الظِّهارِ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكينًا؛ للآيَةِ، لا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه أن يُطْعِمَ مسكينًا واحدًا في سِتِّينَ يومًا. ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ. حكاه القاضي أبو الحُسَينِ؛ لأنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوْفِ (١) قُوتَ يَوْمِه مِن هذه الكفَّارَةِ، فجاز أن يُعْطَى
стр. 11423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منها، كاليَوْم الأوَّلِ. وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه (١) إن وجَدَهم لم يُجْزئْه؛ لأنَّه أمكَنَه امْتِثالُ الأمْر بصُورَته ومَعْناه، وإن لم يَجدْ غيرَه أجْزَأه؛ لتَعَذُّرِ المساكينِ. ووَجْهُ الأُوَلَى، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (٢). وهذا يُطْعِمْ إلَّا واحِدًا، فلم يَمْتَثِلِ الأمْرَ، ولأنَّه لم يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فلم يُجْزِئْه، كما لو دَفَعَها إليه في يَوْمٍ واحدٍ، ولأنَّه لو جازَ الدَّفْعُ إليه في أيَّامٍ؛ لجازَ الدَّفْعُ إليه في يَوْمٍ واحدٍ، كالزَّكاةِ وصدقةِ الفِطْرِ، يُحَقِّق هذا أن الله تعالى أمَرَ بعدَدِ المساكينِ، لا بعَدَدِ الأيَّامِ، وقائِل هذا يَعْتَبِر عدَدَ الأيَّامِ دُونَ عدَدِ المساكينِ، والمَعْنى في اليومِ الأوَّلِ، أنَّه لم يَسْتَوف حَقَّه من هذه الكفَّارَةِ، وفي اليومِ الثَّانِي قد اسْتَوْفَى حقَّه، وأخَذَ منها قوتَ يَوْمٍ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه في اليومِ الثَّانِي، كما لو أوْصَى إنْسانٌ بشيءٍ لسِتِّين مسكينًا.
стр. 11424
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَينِ، أَجْزأهُ. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ.
ــ
٣٧٧٨ - مسألة: (وإن دَفَعَ إلى مِسْكِينٍ في يَوْم واحدٍ مِن كَفّارَتَين، أجْزَأه) وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه دَفَعَ القَدْرَ الواجِبَ إلى العَدَدِ الواجِبِ، فأجْزَأ، كما لو دَفَعَ إليه المُدُيَّن في يَوْمَين. وفيه رِواية أخْرَى، أنَّه (لا يُجْزِئُه) وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى قوتَ (١) يومٍ مِن كفَّارَةٍ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه ثانيًا، كما لو دَفَعَها إليه مِن كفَّارةٍ واحدةٍ. فعلى هذه الروايَةِ، يُجْزِئُه عن إحْدَى الكفَّارَتَين. وهل له الرُّجُوعُ في الأُخْرَى؟ يُنْظَر؛ فإن كان أعْلَمَه أنَّها عن كفَّارَتَين (٢)، فله الرُّجُوعُ، وإلَّا فلا. وَيَتَخَرَّجُ أن لا يَرْجِع بشيءٍ، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ. والرِّوايَة الأولَى أقْيَسُ وأصحُّ، فإنَّ اعْتِبارَ عَدَدِ المساكينِ أَوْلَى مِن اعْتِبارِ عَددِ الأيَّامِ، ولو دَفَعَ إليه ذلك في يَومَين (٣)
стр. 11425
وَالْمُخْرَجُ في الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الْفِطْرَةِ. وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ.
ــ
أجْزَأه، ولأنَّه لو كان الدَّافِعُ اثْنَين، أجْزَأ عنهما، فكذلك إذا كان الدَّافِعُ واحدًا. ولو دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا مِن كفَّارَةٍ واحدةٍ، أجْزَأه من ذلك ثلاثون، ويُطْعِمُ ثلاثين آخَرِين، فإن دَفَعَ السِّتِّينَ مِن كفَّارَتَين، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المسْأَلةِ قبلَها، وهي إذا أطْعَمَ مسكينًا واحدًا مُدَّين مِن كفَّارَتَين في يومٍ واحدٍ.
٣٧٧٩ - مسأَلة: (والمُخْرَجُ في الكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ) وهو البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، سَواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ. وما عداها، فقال القاضي: لا يُجْزِئُ إخْراجُه، سواءٌ كان قُوتَ بَلَدِه أو لم يكُنْ؛ لأنَّ الخبَرَ وَرَدَ بإخْراجِ هذه الأصْنافِ (١) على ما جاءَ في الأحاديثِ التي نَذْكُرُها، ولأنَّه الجِنْسُ المُخْرَجُ في الفِطْرَةِ، فلم يُجْزِئُ غيرُه، كما لو لم يكُنْ قُوتَ بَلَدِه.
٣٧٨٠ - مسألة: (وفي الخُبْزِ رِوايَتان) إحداهما، يُجْزِئُ. اخْتارَها الخِرَقِيُّ. ونصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ
стр. 11426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأبي عبدِ اللهِ: رجُلٌ أخَذَ ثلاثةَ عشَرَ رَطْلًا وثُلُثًا دَقِيقًا، وهو كفَّارَةُ اليَمِينِ، فخَبَزَه للمساكينِ، وقَسَمَ الخُبْزَ على عشَرةِ مَساكِينَ، أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: ذلك أعْجَبُ إليَّ، والذي جاءَ فيه الحَدِيثُ أن يُطْعِمَهُم مُدَّ بُرٌّ، وهذا إن فَعَلَ فأرْجُو أن يُجْزِئَه. قلتُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. فهذا قد أطْعَمَهم، وأوْفَاهم المُدَّ. قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه. وهذا قولُ بعْضِ أصحابِ الشافعيِّ. ونَقَلَ الأثْرَمُ، في موضِعٍ آخَرَ، أنَّ أحمدَ سألَه رجلٌ عن الكفَّارَةِ، قال: أُطْعِمُهم خُبْزًا وتَمْرًا؟ قال: ليس فيه تَمْرٌ. قال: فخُبْزٌ؟ قال: لا، ولكن بُرًّا أو دَقِيقًا بالوَزْنِ، رَطْلٌ وثُلُثٌ لكُلِّ مِسْكينٍ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حالةِ الكَمَالِ والادِّخارِ، فأَشْبَه الهَرِيسَة. قال شيخُنا (١): والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. وهذا مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُ أهْلَه، وليس الادِّخارُ مقْصُودًا في الكفَّارَةِ، فإنَّها مُقَدَّرَة بما يَقُوتُ المسكينَ في يومِه، فيدُلُّ ذلك على أنَّ المقْصُودَ كفَايَتُه في يومِه، وهذا قَد هَيَّأَه للأكْلِ
стр. 11427
وَإنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيرَ ذَلِكَ، أَجْزَأَهُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ الله تِعَالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. وَقَال الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ.
ــ
المُعْتادِ لِلاقْتِياتِ، وكَفاهم مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَقَّى الحِنْطَةَ وغَسَلَها. وأمَّا الهَرِيسَةُ والكَبُولا (١) ونَحْوُهما، فلا يُجْزِئُ؛ لأنَّهما خرُجَا عن الاقْتِياتِ المُعْتادِ إلى حَيِّزِ الإدام. وأمَّا السَّويقُ، فيَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئ؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ؛ لأَنَّه يُقْتاتُ في بعضِ البُلْدانِ، ولأنَّ السَّويقَ يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فأجْزَأ (٢) ههُنا.
٣٧٨١ - مسألة: (فإن كان قُوتُ بَلَدِه غيرَ ذلك) كالذُّرةِ، والدُّخْنِ، والأرُزِّ، لم يُجْزِئُ إخْراجُه، على قَوْلِ القاضِي. وقال أبو
стр. 11428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَطَّابِ: عندِي أنَّه يجْزِئُه الإِخْراجُ مِن جميعِ الحُبُوب التي هي قُوتُ بَلَدِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١). وهذا ممَّا يُطْعِمُه أهْلَه، فوَجَبَ أن يُجْزِئَه بظاهرِ النَّصِّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. فإن أخْرَجَ عن (٢) قُوتِ بَلَدِه، أجْوَدَ منه، فقد زادَ خيرًا.
فصل: وإخْراجُ الحَبِّ أفْضَلُ عندَ أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّه يَخْرُجُ به مِن الخِلافِ، وهي حالة كَمالِه؛ لأنَّه يُدَّخَر فيها، ويَتَهَيَّأُ لمنافِعِه كُلِّها، بخِلافِ غيرِه. فإن أخْرَجَ دَقِيقًا، جاز، لكنْ يَزِيدُ على المُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخْرِجُه بالوَزْنِ؛ لأنَّ الحَبَّ يَرُوعُ (٣)، فيكونُ في مِكْيَالِ الحَبِّ أكثرُ ممَّا يكونُ في مِكْيالِ الدَّقِيقِ. قال الأثْرَمُ: قِيل لأبي عبدِ اللهِ: فيُعْطِي البُرَّ والدَّقِيقَ؟ قال: أمَّا الذي جاءَ فالبُرُّ، ولكن إن أعْطاهُم الدَّقِيقَ بالوزنِ، جازَ. وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه ليس بحَالِ الكَمالِ، لأجْلِ ما يَفوتُ به مِن وُجُوهِ الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ الهَرِيسَةَ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. والدَّقِيق مِن أوْسَطِ ما يُطْعِمُه أهلَه، ولأنَّ الدَّقِيقَ أجْزَاءُ الحِنْطَةِ، وقد كَفاهم مُؤْنَتَه وطَحْنَه، وهَيَّأه وقَرَّبَه مِن الأكْلِ، وفارَقَ
стр. 11429
وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ اقَلُّ مِنْ مُدٍّ، وَلَا مِنْ غَيرِهِ أقَلُّ مِنْ مُدَّينِ،
ــ
الهَرِيسَةَ، فإنَّها تَفْسُدُ عن قَرِيبٍ، ولا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها في غيرِ الأكْلِ في تلك الحالِ، بخلافِ مَسْأَلتِنا.
٣٧٨٢ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ مِن البُرِّ أقَلُّ مِن مُدٍّ، ولا مِن غَيرِه أقَلُّ مِن مُدَّين) وجملةُ ذلك، أنَّ قَدْرَ الطَّعامِ في الكفَّاراتِ مُدٌّ مِن بُرٍّ لكُلِّ مسكينٍ، أو نصفُ صاعِ تَمْرٍ أو شعيرٍ. ومِمَّن قال: مُدُّ بُرٍّ. زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ. حَكاه عنهم الإمامُ أحمدُ، ورواه عنهم الأثْرَمُ، وعن عطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى. وقال سليمانُ بنُ يَسارٍ: أدْرَكْتُ النَّاسَ إذا أعْطَوْا في كفَّارَةِ اليَمِينِ، أعْطَوْا مُدًّا مِن حِنْطَةٍ بالمُدِّ الأصْغَرِ، مُدِّ النبيِّ ﷺ (١). وقال أبو هُرَيرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أيِّ الأنْواعِ كان. وبه قال عَطاء، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما روَى أبو داود (٢) بإسْنادِه، عن أوْس أخِي (٣) عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ ﷺ
стр. 11430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعْطاه -يَعني المُظاهِرَ- خمسةَ عَشَرَ صاعًا مِن شَعِيرٍ، إطْعامَ سِتِّينَ مسكينًا. وروَى الأثْرَمُ (١) بإسْنادِه، عن أبي هُرَيرَة، في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِىَ بِعَرَقٍ فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «خُذْه وَتَصَدَّقْ به». وإذا ثَبَتَ هذا (٢) في المُجامِعِ بالخَبَرِ، ثَبَتَ في المُظاهِرِ قِياسًا عليه، ولأنَّه إطْعامٌ واجبٌ، فلم يَخْتَلِفْ باخْتلافِ أنْواعِ المُخْرَجِ، كالفِطْرَةِ. وقال مالكٌ: لكُلِّ مِسكينٍ مُدَّان مِن جيعِ الأنْواعِ. وممَّن قال: مُدَّان مِن قَمْحٍ. مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لأنَّها كفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على صِيَام وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسكين نِصْفُ صاعٍ، كفِدْيَةِ الأذَى. وقال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ: مِن القمحِ مُدَّان، ومِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صاعٌ لكُلِّ مسْكِينٍ؛ لقوْلِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فَأطْعِمْ وَسْقًا مِن تَمْرٍ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما (٣). وروَى الخَلَّالُ (٤) بإسْنادِه، عن يُوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ، عن خُوَيلَةَ: فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ». وفي روايةِ أبي داودَ (٥): والعَرَقُ سِتُّونَ صاعًا. وروَى
стр. 11431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ ماجه (١) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كَفَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، وأمَرَ النَّاسَ، فَمَن لم يَجِدْ فنِصْفُ صَاعٍ مِن بُرٍّ. [وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عمرَ، ﵁، قال: أطْعِمْ عَنِّي صَاعًا مِن تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ] (٢). ولأنَّه إطْعامٌ للمساكِينِ، فكان صاعًا مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، أو نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، كصَدَقَةِ الفِطْرِ. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، ثنا إسماعيلُ، ثنا أيُّوبُ، عن أبي يَزِيدَ المَدَنِيِّ، قال: جاءتِ امْرَأةٌ مِن بني بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقال النبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أطْعِمْ هذا؛ فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَان مُدِّ بُرٍّ» (٣). وهذا نَصٌّ. ولأنَّه قَوْلُ زَيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، ولم نَعْرِفْ لهم في الصَّحابَةِ مُخَالِفًا، فكان إجْماعًا. وعلى أنَّه نِصْفُ صاع مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ، ما روَى عطاءُ بنُ يَسارٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لخَوْلَةَ (٤) امْرَأةِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ: «اذْهَبِي إلى فُلانٍ الأنْصَارِيِّ، فإنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، أخْبَرَنِي أنَّه يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلْتَأْخُذِيه، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا» (٥). وفي حديثِ
стр. 11432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أوْسِ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ». قلتُ: يا رسولَ اللهِ: فإنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ. قال: «أحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ». وروَى أبو داودَ (١) بإسْنادِه، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّه قال: العَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذُ خمسةَ عَشَرَ صاعًا. فالعَرَقان ثلاثونَ صاعًا، لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْف صاعٍ. ولأنَّها كفَّارَة تَشْتَمِلُ على صِيامٍ وإطْعامٍ، فكان لكُلِّ مِسْكينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ (٢) والشَّعِيرِ، كفِدْيَةِ الأذَى. فأمَّا رِوايَةُ أبي داودَ أنَّ الْعَرَقَ سِتُّون صاعًا. فقد ضَعَّفَها، وقال: غيرُها أصَحُّ منها. وفي الحديثِ ما يدُلُّ على الضَّعْفِ؛ لأنَّ ذلك في سياقِ قَوْلِه: «إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ». فقالتِ امْرأتُه: إنِّي سأُعِينُه بعَرَقٍ آخَرَ. قال: «فأَطْعِمِي بها عنه سِتِّينَ مِسْكِينًا». فلو كان العَرَقُ سِتِّينَ صاعًا، لكانتِ الكفَّارَةُ مائةً وعشرين صاعًا، ولا قائِلَ به. وأمَّا حَدِيثُ المُجامِعِ الذي أعْطاه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «تَصَدَّقْ بِهِ». فيَحْتَمِلُ أنَّه اقْتَصَرَ عليه إذ (٣) لم يَجِدْ سِواه، ولذلك لمَّا أخْبَرَه بحاجَتِه إليه أمرَه بأكْلِه. وفي الحديثِ المُتَّفَقِ عليه (٤): «قَرِيبٌ مِن عِشْرِينَ صاعًا». وليس ذلك مَذْهَبًا لأحَدٍ، فيَدُلُّ
стр. 11433
وَلَا مِنَ الْخُبْزِ أَقلُّ مِنْ رَطْلَينِ بِالْعِرَاقِيِّ، إلَّا أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُدٌّ.
ــ
على أنَّه اقْتَصَرَ على البَعْضِ الذي لم يَجِدْ سواه. وحَدِيثُ أوْسٍ أخِي (١) عُبادَةَ مُرْسَلٌ، يَرْويه عنه عَطاءٌ، ولم يُدْرِكْه، على أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أعْطاه عَرَقًا، وأعانَتْه امْرَأتُه بعَرقٍ آخَرَ، فصارا جَمِيعًا ثلاثين صاعًا، كما فَسَّرَه أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ. وسائِرُ الأحادِيثِ يُجْمَعُ بينَها وبينَ أخْبارِنا بحملِها على الجوازِ، وأخْبارُنا على الإجْزاءِ، وقد عَضَد هذا أنَّ ابنَ عباسٍ رَاوي (٢) بعْضِها، ومذْهَبُه أنَّ المُدَّ مِن البُرِّ يُجْزِئُ، وكذلك أبو هُرَيرَةَ، وسائِرُ ما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، مع الإجْماعِ الذي نَقَلَه سليمانُ بنُ يَسارٍ.
٣٧٨٣ - مسألة: (ولا) يُجْزِئُ (مِن الخُبْزِ أقَلُّ مِن رَطْلَينِ بالعراقِيِّ، إلَّا أن يَعْلمَ أنَّه مُدٌّ) وجملةُ ذلك، أنَّه [إذا أعْطى] (٣) المسْكِينَ
стр. 11434
وَإنْ أُخرَجَ الْقِيمَةَ، أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ.
ــ
رَطْلَيْ خُبْزٍ بالعِراقِيِّ، أجْزَأه. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وذلك بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الذي هو سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، خَمْسُ أواقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ من (١) أقَلَّ مِن مُدٍّ. قال القاضي: المُدُّ يَجِئُ منه رَطْلان؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ رَطْلَين مِن الخُبْزِ لا يَكونُ مِن (١) أقَلَّ مِن مُدٍّ. فأمَّا إن عَلِمَ أنَّه مُدٌّ، بحيثُ يَأْخُذُ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ، فيَطْحَنُه، ويَخْبِزُه، أو رَطْلًا وثُلُثًا مِن دَقِيقِ الحِنْطَةِ، ويَصنَعُه خُبْزًا، فيُجْزِئُه. وهذا في البُرِّ. فأمَّا إن كان مِن الشَّعِيرِ، فلا يُجْزِئُه إلَّا ضِعْفُ [ذلك على ما قَرَّرْنا] (٢)، أو يَخْبِزُ نِصْفَ صاعِ شعيرٍ. كما قُلْنا في البُرِّ، ويُخْرِجُه، فيُجْزِئُه.
٣٧٨٤ - مسألة: (فإن أخْرَجَ القِيمَةَ، أو غَدَّى المساكِينَ أو عَشَّاهم، لم يُجْزِئْه) ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه. لا يُجْزِئُ إخْراجُ القِيمَةِ في الكَفَّارَةِ. نَقَلهَا المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ. وهو مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو الظَّاهِرُ مِن قولِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ عباسٍ.
стр. 11435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأجازَه الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ المقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكينِ، وهو يَحْصُلُ بذلك. وخرَّجَ بعْضُ أصحابِنا مِن كلامِ أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه. وهو ما روَى الأثْرَمُ، أنَّ رَجُلًا سأل أحمدَ، قال: أعْطَيتُ في كفَّارَةٍ خَمْسَ دَوانِيقَ؟ فقال: لو اسْتَشَرْتَني قبلَ أن تُعْطِيَ، لم أُشِرْ عليك، ولكن أعْطِ ما بَقِيَ مِن الأثْمانِ على ما قُلتُ لك. وسَكَتَ عن الذي أعْطىَ. وهذا ليس بروايةٍ، إنَّما سَكَتَ عن الذي أعْطى؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَرَ التَّضْيِيقَ عليه فيه. والمذهبُ الأوَّلُ؛ لظاهِرِ قولِه سبحانه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ومَن أخْرَجَ القِيمَةَ، لم يُطْعِمْ. وقد ذَكَرْناه في الزَّكاةِ.
٣٧٨٥ - مسألة: (وإن غَدَّى المَساكِينَ أو عَشَّاهُمْ، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه) ظاهِرُ المذْهَبِ في كيفِيَّةِ إطْعامِ المساكينِ، أنَّ الواجِبَ أنْ يُمَلِّكَ كلَّ إنْسانٍ مِن المساكينِ القَدْرَ الواجِبَ مِن الكفَّارَةِ، فلو غَدَّى المساكِينَ أو عشَّاهُم، لم يُجْزِئه، سواءٌ [فَعَل ذلك بالقَدْرِ] (١) الواجب، أو أقلَّ، أو أكْثَرَ، ولو غَدَّى كلَّ واحدٍ بمُدٍّ (٢)، لم يُجْزِئْه، إلَّا أن يُمَلِّكه إيَّاه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه إذا أطْعَمَهم القَدْرَ الواجِبَ لهم. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ. وأطْعَمَ أنَسٌ
стр. 11436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في فِدْيَةِ الصِّيامِ (١). قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كَثِيرًا، وَضَعَ الجِفانَ. وذكَرَ حَدِيثَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ؛ وذلك لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وهذا قد أطْعَمَهُم، فيَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، ولأنَّه أطْعَمَ المساكينَ، فأجْزَأه، كما لو مَلَّكَهم. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ المَنْقُولَ عن الصَّحابةِ إعْطاؤُهم، ففي قولِ زيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، مُدٌّ لكُلِّ فَقِيرٍ. وقال النبيُّ ﷺ لكَعْبٍ، في فِدْيَةِ الأذَى: «أطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَينَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» (٢). ولأنَّه مالٌ وَجَبَ للفُقَراء شَرْعًا، فوجَبَ تَمْلِيكُهم إيَّاه كالزَّكاةِ. فإن قُلْنا: يُجْزِئُ. اشْتُرِطَ أَن يُغَديهم سِتِّينَ مُدًّا (٣) فصَاعِدًا، ليكونَ قد أطْعَمَهم قَدْرَ الواجِبِ. وإن قُلْنا: لا يُجْزِئُ أن يُغَدِّيَهُم. فَقدَّمَ إليهم سِتِّينَ مُدًّا، وقال: هذا بينَكم بالسَّويَّةِ. فقَبِلُوه، أجْزَأ، لأنَّه مَلَّكَهم التَّصَرُّفَ فيه والانتِفاعَ (٤) قَبْلَ القِسْمَةِ. وهذا ظاهِرُ مذْهَبِ الشافعيِّ. وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: يُجْزِئُه، وإن لم يَقُلْ: بالسَّويَّةِ، لأنَّ قَوْلَه: خُذُوها عن كَفَّارَتِي. يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، لأنَّ ذلك حُكْمُها. وقال
стр. 11437
فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ الإخْرَاجُ إلا بِنِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ الإعْتَاقُ وَالصِّيَامُ.
ــ
القاضي: إن عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كلِّ واحدٍ قَدْرُ حَقِّه، أجْزَأ، وإن لم يَعْلَمْ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِه، ما لم يَعْلَمْ وُصُولَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه دَفَعَ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه مُشَاعًا، فقَبِلُوه، فبَرِئَ منه، كدُيُونِ غرَمائِه.
فصل: ولا يَجِبُ التّتابُعُ في الإطْعامِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثْرَمِ، وقيل له: يكونُ عليه كفَّارَةُ يَمِينٍ، فيُطْعِمُ الصَوْمَ واحِدًا، والآخَرَ بعدَ أيَّامٍ، وآخَرَ بَعْدُ حتى يَسْتَكْمِلَ عَشَرَةً؟ فلم يَرَ بذلك بأْسًا؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لم يَشْتَرِطِ التَّتابُعَ فيه. ولو وَطِئَ في أثْناءِ الإطْعامِ، لم تَلْزَمْه إعادَةُ ما مَضَى منه. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ: يَسْتَأْنِفُ؛ لأنَّه وَطِئَ في أثْناءِ الكفَّارَةِ، فوَجَبَ الاسْتِئْنافُ كالصِّيامٍ. ولَنا، أنَّه وَطِئَ في أثْناءِ ما لا يُشْتَرَطُ التَّتابُعُ فيه، فلم يُوجِبْ الاسْتِئْناف، كوَطْءِ غيرِ المُظاهَرِ منها، أو كالوَطْءِ (١) في كفَّارَةِ اليَمِينِ، وبهذا فارَقَ الصِّيامَ.
فصل: (ولا يُجْزِئُ الإخْراجُ إلَّا بنِيَّةٍ، وكذلك الإعْتاقُ والصِّيامُ) لقولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» (٢). ولأنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرِّعًا
стр. 11438
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَنَوَى عَنْ كَفَّارَتِي، أَجْزَأَةُ، وَإنْ كَانَ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ، فَنَوَى إِحْدَاهَا، أَجْزأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ.
ــ
به، وعن كفَّارَةٍ أُخْرَى، أو نَذْرٍ، فلم يَنْصَرِفْ الن هذه الكفَّارَةِ إلَّا بنِيَّةٍ، وصِفَتُها أن يَنْويَ العِتْقَ، أو الإطْعامَ، أو الصِّيامَ عن الكفَّارَةِ، فإن زادَ الواجبَةَ فهو تأْكيدٌ، وإلَّا أجْزَأتْ نِيَّةُ الكفَّارَةِ. وإن نَوَى وُجُوبَها، ولم يَنْو الكفَّارَةَ، لم تُجْزِئْه؛ لأنَّ الوُجُوبَ يَتَنَوَّعُ عن كفَّارَةٍ ونَذْرٍ، فَوجَبَ تَمْيِيزُه. ومَوْضِعُ النِّيَّةِ مع التَّكْفِيرِ، أو قَبْلَه بيَسِيرٍ. وهذا الذي نَصَّ عليه الشافعيُّ، وقال به بعضُ أصحابه. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ حنى يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ. وإن كانتِ الكفَّارَةُ صِيامًا، اشْتُرِطَتْ نِيَّةُ الصِّيام عن الكفَّارَةِ في كلِّ لَيلَةٍ؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ» (١).
٣٧٨٦ - مسألة: (فإن كانت عليه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، فَنَوَى عن كَفَّارَتِي، أجْزَأه) لأنَّ النِّيَّةَ تَعَينَّتْ لها (وإن كان عليه كفَّاراتٌ مِن جنْسٍ) وَاحِدٍ، لم يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِها. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصَحابُ الرَّأْي. ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا. فعلى هذا، لو كان مُظاهِرًا مِن أرْبَعِ نِساءٍ،
стр. 11439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه، أجْزَأه عن إحْداهُنَّ، وحَلَّتْ له واحدةٌ غيرُ مُعَينَّةٍ؛ لأنَّه وَاجِبٌ مِن جِنْس واحِدٍ، فأجْزَأتْه نِيَّةٌ مُطْلَقَة، كما لو كان عليه صَوْمُ يَوْمَينِ مِن رَمضانَ. وقِياسُ المذهبِ أن يُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فتُخْرَجَ المُحَلَّلَةُ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ. وقال الشافعيُّ: له أن يَصْرِفَها إلى أيَّتِهِنَّ شاءَ، فَتَحِل. وهذا يُفْضِي إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بينَ كَوْنِ هذه المرأةِ مُحَلَّلَةً له أو مُحَرَّمَةً عليه. وإن كان الظِّهارُ مِن ثَلاثِ نِسْوَةٍ، فأعْتَقَ عبدًا عن إحْداهُنَّ، ثم صامَ شَهْرَينِ عن أُخْرَى، ثم مَرِض، فأطْعَمَ سِتِّينَ مسكينًا عن أُخْرَى، أجْزَأه، وحَلَّ (١) له الجَمِيعُ مِن غيرِ قُرْعَةٍ ولا تَعْيِينٍ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرِعُ بَينَهُنَّ، فمَنْ تَقَعُ لها القُرْعَةُ، فالعِتْقُ لها، ثم يُقْرِعُ بينَ الباقِيَتَين، فمن تَقَعُ لها القُرْعَةُ فالصِّيامُ لها، والإطْعامُ عن الثَّالثةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِن هذه الخِصالِ لو انْفَرَدَتْ، احْتاجَتْ إلى قُرْعَةٍ، فكذلك إذا اجْتَمَعَتْ. ولَنا، أنَّ التَّكْفِيرَ قد حَصَلَ عن الثَّلاثِ، وزالتْ حُرْمَةُ الظِّهارِ، فلم يَحْتَجْ إلى قُرْعَةٍ، كما لو أعْتَقَ ثلاثةَ أعْبُدٍ (١) عن ظِهارِهِنَّ، دَفْعَةً واحِدَةً.
стр. 11440
وَإنْ كَانَتْ مِنْ أجْنَاسٍ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي، لَا تُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا. فَإنْ كَانَتْ عَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَسِيَ سَبَبَهَا، أَجْزأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الأوَّلِ. وَعَلَى الثَّانِي، يَجِبُ عَلَيهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الأسْبَابِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
ــ
٣٧٨٧ - مسألة: (وإن كانت مِن أجْناسٍ) كظِهارٍ، وقَتْلٍ، وجِماعٍ في رَمَضانَ، ويَمِينٍ، فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَفْتَقِرُ (١) إلى تعْيِينِ السَّبَبِ. [وهذا مذهبُ] (٢) الشافعيِّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ واجِبَةٌ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أدائِها إلى تَعْيِينِ سَبَبِها، كما لو كان مِن جِنْسٍ واحِدٍ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ تَعْيينُ سَبَبها، ولا يُجْزِئُ بنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ. وحَكاه بعْضُ أصحابِ الشافعيِّ، عن أحمدَ. وهو مذهبُ إلى حنيفة؛ لأنَّهما عِبادتان مِن جِنْسَين، فوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لهما، كما لو وَجَبَ عليه صَوْمٌ مِن قَضَاءٍ ونَذْرٍ. فعلى هذا، لو كانت عليه كفَّارَةٌ واحدةٌ لا يَعْلَمُ سَبَبَها، أجْزَأتْه كفَّارَةٌ واحدةٌ، على الوَجْهِ الأوَّلِ. قاله أبو بكرٍ. وعلى الوَجْهِ الثَّانِي يَنْبَغِي أن تَلْزَمَه (كفَّاراتٌ بعَدَدِ الأسْبابِ) كُلُّ واحدةٍ عن سَبَبٍ، كمَن نَسِيَ صلاةً مِن يومٍ لا يَعْلمُ عَينَها، فإَّنه يَلْزَمُه خمسُ صلواتٍ، ولو عَلِمَ أنَّ عليه يومًا، لا يَعْلَمُ هل هو مِن قَضاءٍ أو مِن نَذْرٍ، لَزِمَه صَوْمُ يَوْمَين.
стр. 11441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كان عليه صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، لا يَدْرِي أهي مِن كفَّارةٍ، أو نَذْرٍ، أو قَضاءٍ، لَزِمَه صيامُ تِسْعَةِ أيَّامٍ، كلُّ ثلاثةٍ عن واحدةٍ مِن الجِهاتِ الثَّلاثِ.
فصل: إذا كان على رجلٍ كفَّارَتان، فأعْتَقَ عنهما عَبْدَين، لم يَخْلُ مِن أرْبَعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن هذه الكفَّارَةِ، وهذا عن هذه. فيُجْزِئُه، إجْماعًا. الثَّانِي، أن يَقُولَ: أعْتَقْتُ هذا عن إحْدَى الكفَّارَتَينِ، وهذا عن الأُخْرَى. مِن غيرِ تَعْيينٍ؛ وإنْ كانا مِن جِنْسٍ واحدٍ، ككَفَّارَتَيْ ظِهارٍ، أو قَتْل، أجْزَأه. وإنْ كانتا مِن جِنْسَين، ككَفارَةِ ظِهارٍ، وكفَّارَةِ قَتْل، خُرِّجَ على وَجْهَينِ في اشْتِراطِ تَعْيِينِ السَّبَب؛ فإن قُلْنا: يُشْتَرَطُ. لم يُجْزِئْه واحدٌ منهما. وإن قُلْنا: لا يُشْتَرَطُ. أجزَأه عنهما. الثَّالِثُ، أن يقولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارَتَين.
стр. 11442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كانتا مِن جِنْسٍ، أجْزَأ عنهما، ويَقَعُ كلُّ واحدٍ عن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ إعْتاقُ الرَّقَبَةِ عن الكفَّارَةِ، فإذا أطْلَقَ ذلك، وَجَبَ حَمْلُه عليه، وإن كانا مِن جِنْسَين، خُرِّجَ على الوَجْهَين. الرَّابعُ، أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما عنهما جميعًا، فيَكون مُعْتِقًا عن كلِّ واحدةٍ مِن الكفَّارَتَينِ نِصْفَ العَبْدَين (١)، فيَنْبَنِي ذلك (٢) على أصْلٍ آخَرَ، وهو إذا أعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَين عن كفَّارَةٍ (٣)، هل يُجْزِئُه أو لا؟ فعلى قَوْلِ الخِرَقِيِّ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ الأشْقاصَ بمَنْزِلَةِ الأشْخاصِ، فيما لا يَمْنَعُ منه العَيبُ اليَسِيرُ، بدليلِ الزَّكاةِ، فإنَّ مَن مَلَكَ نِصْفَ ثمانينَ شاةً، كان كمَن مَلَكَ أرْبَعِينَ، ولا تَلْزَمُ الأُضْحِيَةُ، فإنَّه يَمْنَعُ منها العَيبُ اليَسِيرُ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ: لا يُجْزِئُه. وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّ ما أُمِرَ بصَرْفِه إلى شَخْصٍ في الكفَّارَةِ، لم يَجُزْ تَفْرِيقُه على اثْنَين، كالمُدِّ في الإِطْعامِ. ولأصحاب الشافعيِّ كهذين الوَجْهَين، ولهم وَجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه إن كان باقِيهما حُرًّا، أجْزَأ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه متى كان باقِيهما
стр. 11443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُرًّا، حَصَلَ تَكْمِيلُ الأحْكام والتَّصَرُّفُ. وخَرَّجَه القاضي وَجْهًا لنا أيضًا، إلَّا أنَّ للمُعْتَرِضِ عليه أَن يقولَ: إنَّ تَكْمِيلَ الأحْكامِ ما حَصَلَ بعِتْقِ هذا، وإنّما حَصَلَ بانْضِمامِه إلى عِتْقِ النِّصْفِ الآخَرِ، فلم يُجْزِئْه. فإذا قُلْنا: لا يُجْزِيء عِتْقُ النِّصْفَين. لم يُجزِئْ في هذه المسْأَلةِ عن شيءٍ مِن الكفَّارَتَين. وإن قُلْنا: يُجْزِئُ. وكانتِ الكفَّارَتان مِن جِنْسٍ، أجْزَأ العِتْقُ عنهما. وإن كانتا مِن جِنْسَين، فقد قِيلَ: يُخَرَّجُ على الوَجْهَين. والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ عِتْقَ النِّصْفَين عنهما، كعِتْقِ عَبْدَين عنهما.
فصل: ولا يجوزُ تَقْدِيمُ كفَّارَةِ الظِّهارِ قَبْلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُه على سَبَبِه، فلو قال لعَبْدِه: أنت حُرٌّ السَّاعَةَ إن تَظَهَّرْتُ (١). عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عن ظِهارِه إن تَظَهَّرَ (٢)؛ لأنَّه قَدَّمَ الكفَّارَةَ على سَبَبِها المُخْتَصِّ؛ فلم يَجُزْ، كما لو قَدَّمَ كفَّارَةَ [اليَمِينِ عليها، أو كفَّارَةَ] (٣) القَتْلِ على الجَرْحِ. ولو قال لامْرأتِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي. لم يَجُزِ التَّكْفِيرُ قبلَ دُخُولِ الدَّارِ؛ لأنَّه تَقْدِيمٌ للكفَّارَةِ قبلَ الظِّهارِ. فإن أعْتَقَ عَبْدًا عن ظِهارِه، ثم دَخَلَتِ الدَّارَ، عَتَقَ العَبْدُ، وصارَ مُظاهِرًا،
стр. 11444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الظِّهارَ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، [فلا يُوجَدُ قبلَ وجودِ شَرْطِه] (١). وإن قال لعَبْدِه: إن تَظَهَّرْتُ (٢) فأنتَ حُرٌّ عن ظِهارِي. ثم قال لامْرأتِه: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي. عَتَقَ العبدُ؛ لوُجُودِ الشَّرْطِ. وهل يُجْزِئُه عن الكفَّارَةِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْزِئه؛ لأنَّه عَتَقَ بعدَ الظِّهارِ، وقد نَوَى إعْتاقَه عن الكفَّارَةِ. والثَّانِي، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسَبَبٍ آخَرَ، وهو الشَّرْطُ، ولأنَّ النِّيَّةَ لم تُوجَدْ عندَ عِتْقِ العَبْدِ، والنِّيَّةُ عندَ التَّعْلِيقِ لا تُجْزِئُ؛ لأنّه تَقْدِيمٌ لها على سَبَبِها. والله أعْلَمُ.
стр. 11445
كِتَابُ اللِّعَانِ
ــ
كِتَابُ اللِّعَانِ
قِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِن اللَّعْنِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَين يَلْعَنُ نفْسَه في الخامِسَةِ إن كان كاذِبًا. وقال القاضي: سُمِّيَ بذلك لأنَّ الزَّوْجَين لا يَنْفَكَّان مِن أن يكونَ أحَدُهما كاذِبًا، فتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عليه، وهي الطَّرْدُ والإبعادُ. والأصْلُ فيه قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات (١). وروَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِديُّ، أنَّ عُوَيمِرًا العَجْلانِي، أتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أرَأيتَ رجلًا وَجَدَ مع امْرَأتِه رجلًا فيَقْتُلُه فتَقْتُلُونَه، أم كيف يَفْعَلُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «قد أنْزَلَ اللهُ (٢) فِيكَ وفي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا». قال سَهْلٌ: فتلاعنا، وأنا مع النَّاسِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا فَرَغا، قال عُوَيمِرٌ: كذَبْتُ عليها يا رسولَ الله إن أمْسَكْتُها. فَطَلَّقَها
стр. 11446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَلاثًا قبلَ أن يأْمُرَه رسولُ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (١). وروَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء هِلالُ بنُ أُمَيَّةَ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الذين تاب اللهُ عليهم، فجاءَ مِن أرْضِه (٣) عِشاءً، فوَجَدَ عند أهْلِه رجلًا، فرأى بعَينَيه، وسَمِعَ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْهُ (٤) حتى أصْبَحَ، ثم غَدَا (٥) على رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي جِئْتُ أهْلِي عِشاءً، فوَجَدْتُ عندَهم رَجُلًا، فرَأَيتُ بعَينِي، وسَمِعْتُ بأُذُنُي. فكَرِه رسولُ اللهِ ﷺ ما [جاء به] (٦)، واشْتَدَّ عليه، فنزَلَت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. الآيَتَين كِلْتَيهما. فسُرِّيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «أَبشِرْ يا هِلالُ، فقدْ جَعَل اللهُ لك فَرَجًا ومَخْرَجًا». قال هِلالٌ: قد كنتُ أرْجو ذلك مِن رَبِّي ﵎. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أرْسِلُوا إلَيها». فأرْسَلُوا إليها، فتَلَاها عليهما رسولُ اللهِ ﷺ ، وذَكَّرَهُما، وأخْبَرَهُما أنَّ عذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عذابِ الدُّنْيا. فقال هِلالٌ: والله لِقد صَدَقْتُ عليها. فقالت: كَذَبَ.
стр. 11447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لاعِنُوا بينَهُما». فقِيلَ (١) لهِلَالٍ: اشْهَدْ (٢). فشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بالله إنَّه لمِن الصَّادِقين، فلَمّا كانتِ الخامِسَةُ، قيل: يا هلالُ، اتَّقِ الله، فإنَّ عَذَابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عذابِ الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبَةُ التي تُوجِبُ عليك العَذابَ. فقال: واللهِ لا يُعَذِّبُنِي اللهُ عليها، [كما لم يَجْلِدْني عليها] (٣)، فشَهِدَ الخامِسَةَ أنّ لَعْنَةَ اللهِ عليه إن كان مِن الكاذِبِين. ثم قِيلَ لها: اشْهَدِي. فشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إَّنه لِمن الكَاذِبِينَ، فلمَّا كانتِ الخامِسَةُ، قِيلَ لها: اتَّقِي اللهَ، فإنَّ عذابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عَذاب الآخِرَةِ، وإنَّ هذه المُوجِبَةُ التي تُوجِبُ عليكِ العَذابَ. فتَلَكَّأَتْ ساعَةً، ثم قالتْ: واللهِ لا أفْضَحُ قَوْمي. فشَهِدَتِ الخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كان مِن الصَّادِقِينَ. ففرَّقَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما، وقَضَى أن لا بَيتَ لها عليه، ولا قُوتَ، مِن [أجْلِ أنَّهُما] (٤) يَتَفَرَّقان مِن غيرِ طَلاقٍ، ولا مُتَوَفَّى عنها، وقال: «إن جاءَتْ به أُصَيهِبَ (٥) أُرَيصِحَ (٦) أُثيبِجَ (٧) حَمْشَ السَّاقَين (٨)، فَهُوَ لِهِلَالٍ، وإنْ
стр. 11448
وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرأتَهُ بِالزِّنَى، فَلَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ،
ــ
جَاءَت به جَعْدًا (١) جُمَالِيًّا (٢) خَدَلَّجَ السَّاقَينِ (٣) سَابغَ الألْيَتَينِ (٤)، فَهُوَ للَّذي رُمِيَتْ بِه». فجاءَتْ به جَعْدًا، أوْرَقَ (٥)، جُمالِيًّا، خَدَلَّجَ السَّاقَين، سَابغَ الأَلْيَتَين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا الأيمَانُ، لكَانَ لِي وَلَها شَأْنٌ». قال عِكْرِمَةُ: فكان بعدَ ذلك أمِيرًا على مِصْرٍ (٦)، وما يُدْعَم لأبٍ. ولأنَّ الزَّوْجَ يُبْتَلَى بقَذْفِ امرأتِه لنَفْي العارِ والنَّسَب الفاسِدِ، وتَتَعَذَّرُ عليه البَيِّنَةُ، فجُعِلَ اللِّعانُ بَيِّنَةً له، ولهذا لمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ، قال النبيُّ ﷺ : «أبْشِرْ يا هِلَالُ، فقد جَعَلَ اللهُ لَكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا». واللهُ أعلمُ.
٣٧٨٨ - مسألة: (إذا قَذَفَ الرجُلُ زَوْجَتَه بِالزِّنى، فله إسْقاطُ الحَدِّ) عنه (باللِّعانِ) وجملَةُ ذلك، أنَّ الرجلَ إذا قَذَفَ زَوْجَتَه المُحْصَنَةَ بالزِّنَى، وجَبَ عليه الحَدُّ، وحُكِمَ بفِسْقِه، ورَدِّ شَهادَتِه، إلَّا أن يأْتِيَ بِبَيِّنةٍ أو يُلاعِنَ (٧)، فإن لم يأْتِ بأرْبَعةِ شُهداءَ، وامْتَنَعَ مِن اللِّعانِ، لَزِمَه ذلك
стр. 11449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلُّه. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجبُ اللِّعانُ دونَ الحَدِّ، فإن أبَى حُبِسَ حتى يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيات. فلم يُوجِبْ بقَذْفِ الأزْواجِ إلَّا اللِّعانَ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). وهذا عامٌّ في الزَّوْجِ وغيرِه، وإنَّما خَصَّ الزَّوْجَ بأن أقامَ لِعانَه مُقامَ الشَّهادَةِ، في نَفْي الحَدِّ والفِسْقِ ورَدِّ الشَّهادَةِ عنه، ويَدُلُّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ لِهِلالِ بن أُمَيَّةَ: «البَيِّنةُ وإلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ». وقولُه له لمَّا لَاعَنَ: «عَذَابُ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ». ولأنَّه قاذِفٌ فَلَزِمَه الحَدُّ، كما لو أكْذَبَ نَفْسَه، فلَزِمَه إذ (٢) لم يأْتِ بالبَيِّنةِ المَشْرُوعَةِ، كالأجْنَبِيِّ.
стр. 11450
وَصِفَتُهُ أنَّ يَبْدَأ الزَّوْجُ، فَيَقُولَ: أشْهَدُ بِالله إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيتُ بِهِ امْرَأتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى. وَيُشِيرُ إِلَيهَا، وَإنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً، سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولَ في الْخَامِسَةِ: وَأنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيتُهَا بِهِ
ــ
٣٧٨٩ - مسألة: (وصِفَةُ اللِّعانِ أن يَبْدأ الزَّوجُ فيَقُولَ: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لمن الصَّادقِين فيما رَمَيتُ به امْرَأتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنى. ويُشِيرُ إليها) ولا يحْتاجُ مع الحُضُورِ والإشارَةِ إلى تَسْمِيَةٍ ونَسَب، كما لا (١) يَحْتاجُ إلى ذلك في سائرِ العُقُودِ (وإن لم تكنْ حاضِرَةً، سمَّاها ونَسَبَها) حتى تنْتَفِيَ المُشارَكَةُ بينها وبينَ غيرِها (حتى يُكْمِلَ ذلك أرْبَعَ مَرَاتٍ، ثم يقولَ في الخامِسَةِ: وأن لَعْنَةَ اللهِ عليه إن كان مِن الكاذبين فيما رَمَيتُها به