← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحداهما، يجبُ عليها (١). وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي. والثانيةُ، لا يجبُ عليها. وهو قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ونحوُه قولُ (٢) الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُومِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا» (٣). وهذه عِدَّة (١) الوَفاةِ، فيَدُلُّ على أنَّ الإِحْدادَ إنَّما يجبُ في عِدَّةِ الوَفاةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّة عن (٤) غيرِ (١) وَفاةٍ، فلم يَجِبْ عليها الإِحْدادُ، كالرَّجْعِيَّةِ، والمَوْطُوءَةِ بشُبْهَة، ولأنَّ الإِحْدادَ في عِدَّةِ الوَفاةِ لإظْهارِ الأسَف على فِراقِ زَوْجِها وموْتِه، فأمّا الطَّلاقُ فإنَّه فارَقَها باخْتِيارِ نَفْسِه، وقطَع نِكاحَها، فلا مَعْنَى لتَكْلِيفِها (٥) الحُزْنَ عليه، ولأنَّ المُتَوَفَّى عنها لو أتَتْ بولدٍ، لَحِقَ الزَّوْجَ، وليس له مَن يَنْفِيه، فاحْتِيطَ عليها بالإِحْدادِ؛ لئلَّا

стр. 11692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْحَقَ بالمَيِّتِ مَن ليس منه، بخِلافِ المطَلَّقَةِ، فإنَّ زَوجَها باقٍ، فهو يَحْتاطُ عليها (١) بِنَفْسِه، ويَنْفِى ولَدَها إذا كان مِن غيرِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى، أنَّها مُعْتَدَّة بائِنٌ مِن نِكاح، فَلَزِمَها الإحْدادُ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها؛ وذلك لأن (١) العِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكاحَ، فحَرَّمَتْ دَواعِيَه، بخِلافِ الرَّجْعِيَّةِ، فإنها زَوْجَة، والمَوْطُوءَةُ بشُبْهَةٍ ليست مُعْتَدَّةً مِن نكاح، فلم تَكْمُلِ الحُرْمَةُ. فأمَّا الحديثُ، فإنَّما مدْلُولُه تَحْرِيمُ الإِحْدادِ على مَيِّتٍ غيرِ الزَّوْجِ، ونحن نقولُ به، ولهذا جازَ الإِحْدادُ ههُنا بالإِجْماعِ. فإذا قُلْنا: يَلْزَمُها الاحْدادُ. فحُكْمُها حُكْمُ المُتَوَفَّى عتها زَوْجُها؛ مِن تَوَقِّى الطِّيبِ والزِّينَةِ في نَفْسِها، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تعالى. وذَكَرَ (٢) شيخُنا في كتاب «الكَافِي» (٣) أنَّ (٤) المُخْتَلِعَةَ كالبائِن فيما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ عليها؛ لأنَّها تَحِل لِزَوْجِها الذي خالعَها، و (٥) يَتَزَوَّجُها في عِدَّتِها، بخِلافِ البائِنِ بالثَّلاثِ. والله أعلمُ. ٣٨٨٤ - مسألة: ولا إحْدادَ على الرَّجْعِيَّةِ ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛

стр. 11693

وَسَوَاء فِي الإحْدَادِ، الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ وَالْمُكَلَّفَةُ وَغَيرُهَا. ــ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ، لها أن تتَزَيَّنَ لزوْجِها، وتَسْتَشْرِفَ له ليَرْغَبَ فيها، وتَنْفُقَ عندَه، كما تَفْعَلُ في صُلْبِ النِّكاحِ. ولا إحْدادَ على المَنْكُوحَةِ نِكاحًا فاسِدًا؛ لأنَّها ليست زَوْجَةً على الحقيقةِ، ولا لها مَن كانت تَحِل له، و (١) تَحْزَنُ على فَقْدِه، وكذلك المَوْطُوءَةُ بشُبْهَة والمَزْنِيُّ بها. ولا إحْدادَ على غيرِ الزَّوْجاتِ، كأمِّ الوَلَدِ إذا مات سَيِّدُها، والأمَةِ التي يَطؤها سَيِّدُها إذا ماتَ عنها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُحِد عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا». ٣٨٨٥ - مسألة: ويَسْتَوي في وُجُوبِه الحُرَّةُ والأمَةُ ، والمُسْلِمَةُ

стр. 11694

وَالإحْدَادُ اجْتِنَابُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالتَّحْسِينِ، كَلُبْسِ الْحَلْي، وَالمُلَوَّنِ مِنَ الثيابِ لِلتحْسِينِ، ــ والذِّمِّيَّةُ، والكَبيرَةُ والصَّغِيرَةُ. وقال أصْحابُ الرَّأي: لا إحْدادَ على ذِمِّيَّةٍ ولا صَغِيرَةٍ؛ لأَنَّهما غيرُ مُكَلَّفتَين. ولَنا، عُمومُ الأحاديثِ التي نَذْكُرُها إن شاءَ الله، ولأنَّ غيرَ المُكَلَّفةِ تُساوي المُكَلَّفةَ (١) في اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ؛ كالخَمْرِ والزِّني، وإنَّما يَفْتَرِقان في الإِثْمِ، فكذلك الإِحْدادُ؛ ولأنَّ حُقُوقَ الذِّمِّيَّةِ في النِّكاحِ كحُقوقِ المسْلِمَةِ، فكذلك فيما عليها. ٣٨٨٦ - مسألة: (والإحْدادُ اجْتِنابُ الزِّينةِ والطِّيبِ والتَّحْسِينِ، كلُبْسِ الحَلْي والمُلَوَّنِ مِن الثِّيابِ لِلتَّحْسِينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحادَّةَ يجبُ عليها اجْتِنابُ ما يَدْعُو إلى جِماعِها، ويُرَغِّبُ في النَّظَرِ إليها، ويُحَسِّنُها، وذلك أرْبَعةُ أمُور؛ أحَدُها، الطِّيبُ، ولا خِلافَ في تَحْرِيمِه عندَ مَن أوْجَبَ الإحْدادَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ولَا تَمس طِيبًا، إلَّا عِنْدَ أدْنَى طهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِن حَيضِهَا نُبْذَةً (٢) مِنْ قُسْطٍ أو

стр. 11695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أظْفارٍ (١)». مُتَّفَق عليه (٢). ورَوَتْ زينبُ بنتُ أمِّ سَلَمَةَ، قالت: دخَلْتُ على أمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّيَ أبوها أبو سُفْيانَ، فدَعَتْ بطِيبٍ فيه صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ (٣) أو غيرُه، فدَهَنَتْ منه جارِيَةً، ثم مَسَّتْ بعارِضِها، وقالت: واللهِ ما لِي بالطِّيبِ مِن حاجَةٍ، غيرَ أنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرأةٍ تُومِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ (٤) تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْج، أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشرًا». مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ، ويَدْعُو

стр. 11696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى المُباشَرَةِ. ولا يَحِلُّ لها اسْتِعمالُ الأدْهانِ المُطبَّةَ، كدُهْنِ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والياسَمِينِ والْبانِ، وما أشْبَهَه؛ [لأنَّه اسْتِعْمال للطِّيبِ] (١). فأمَّا الادِّهانُ بغيرِ المُطَيَّبِ، كالزَّيتِ والشَّيرَجِ [والسَّمْنِ] (٢)، فلا بأسَ به؛ لأنَّه ليس بِطِيب. الثاني، اجْتِنابُ الزِّينَةِ، وذلك واجب في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَباس، وعَطاءٌ. وجماعَةُ أهْلِ العِلْمِ يَكرَهُون ذلك ويَنْهَوْنَ عنه. وهو ثلاثةُ أقْسام؛ أحَدُها، الزِّينةُ في نَفْسِها، فيَحْرُمُ عليها أن تَخْتَصبَ، وأن تُحَمِّرَ وَجْهَها بالكَلْكَون (٣)، وأن تُبَيِّضَه بأسْفِيداجِ (٤) العَرائسِ، وأن تَجْعَلَ عليه صَبِرًا (٥) يُصَفِّرُه، وأن تَنْقُشَ وجْهَها وبَدَنَها، وأن تُحَفِّفَ وَجْهَها، وما أشْبَهَه ممَّا يُحَسنُها، وأن تَكْتَحِلَ بالإثْمِدِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ؛ لِما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 11697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَلْبَس المُعَصْفَرَ مِنَ الثيابِ (١)، ولَا المُمَشَّقَ (٢)، ولا الحُلِيَّ، ولَا تَخْتَضِبُ، ولَا تَكْتَحِلُ». رواه النَّسائِيُّ، وأبو داودَ (٣). ورَوَتْ أمُّ عَطِيَّةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تُحِدُّ المَرْاة فَوْقَ ثَلاثةِ أيام، إلَّا عَلَى زَوْج، فإنَّها تُحِدُّ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، ولا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ (٤)، ولَا تَكْتَحِلُ، ولَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا عِنْدَ أدْنَى طُهْرِهَا، إذا طَهُرَتْ مِنْ حَيضِهَا، بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أو أظْفَار». مُتَّفَقٌ عليه. وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: جاءَتِ امرأة إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عنها زَوْجُها، وقد اشْتَكَتْ عَينَها، أفَتَكْحُلُها؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا». مَرَّتَين أو ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، قالت: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ

стр. 11698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ حينَ تُوُفِّيَ أبو سَلَمَةَ، وقد جَعَلْتُ على عَينَيَّ صَبِرًا، فقال: «ماذا يا أم سَلَمَةَ». قنتُ (١): إنَّما هو صَبِرٌ، ليس فيه طِيب. قال: «إنه يَشُبُّ الوَجْهَ (٢)، لَا تَجْعَليه (٣) إلَّا باللَّيلِ، وتَنْزِعِيه (٤) بِالنَّهارِ، ولَا تَمْتَشِطِي بالطِّبِ، ولا بِالحِنَّاءِ، فإنَّه خِضَابٌ». قالت: قلتُ: بأيِّ شيء أمْتَشِطُ؟ قال: «بالسِّدْرِ، تُغَلِّفِينَ بِه رَأسَكِ» (٥). ولأنَّ الكُحْلَ مِن أبلَغِ الزِّينَةِ، والزِّينَةُ تَدْعو إليها، وتُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ، فهي كالطِّيبِ وأبلَغ منه. وحكِيَ عن بعضِ الشَّافِعِيَّةِ، أنَّ للسَّوْداءِ أن يكتَحِلَ. وهو مُخالِف للخَبَرِ والمَعْنى، فإنه يزَينها ويحَسِّنها. فإنِ اضْطرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحْلِ بالإثْمِدِ للتَّدَاوي به (٦)، فلها أن تَكْتَحِلَ ليلًا، وتَمْسَحَه نهارًا. ورَخَّصَ فيه عند الضَّرورَةِ عَطاء، والنخَعِيُّ، ومالِكٌ، وأصْحابُ الرأي؛ لِما رَوَتْ أمُّ حَكِيم بنت أسِيدٍ (٧)، عن أمِّها، أنَّ زَوْجَها تُوفِّيَ، وكانت تَشْتَكِي عَينَيها، فتَكْتَحِل بالجِلاءِ، فأرسْلَتْ مَوْلاةً لها إلى أمِّ سَلَمَةَ،

стр. 11699

كَالأحْمَرِ وَالأصْفَرِ وَالأخْضَرِ، ــ تَسْألُها عن كُحْلِ الجِلاءِ، فقالت: لا تَكْتَحِلْ إلَّا ما (١) لا بُدَّ منه، يَشْتَدُّ عليك، فتَكْتَحِلِينَ بالليلِ، وتَغْسِلِينَه بالنَّهارِ. رواه أبو داودَ، والنَّسَائِيُّ (٢). وإنَّما تُمْنَعُ مِن الكُحْلِ بالإِثْمِدِ؛ لأنَّه الذي تَحْصُلُ به الزِّينةُ، فأمَّا الكُحْلُ بالتُّوتِيا (٣) والعَنْزَرُوتِ (٤) ونحوهما، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّه لا زِينَةَ فيه، بل يُقَبِّحُ العَينَ، ويَزِيدُها مَرَهًا (٥). ولا تُمْنَعُ مِن جَعْلِ الصَّبِرِ على غيرِ وَجْهِها مِن بَدَنِها؛ لأنَّه إنَّما مُنِعَ منه في الوَجْهِ لأنَّه يُصَفِّرُه، فيُشْبِهُ الخِضابَ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «إنَّه يَشُبُّ الوَجْهَ». ولا تُمْنَعُ مِن التنظِيفِ بتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْفِ الإبطِ، وحَلْقِ الشَّعَرِ المَنْدوبِ إلى حَلْقِه، ولا مِن الاغْتِسالِ بالسِّدْرِ، والامْتِشاطِ به، لحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ولأنَّه يُرادُ للتَّنْظِيفِ لا للطِّيبِ. القسمُ الثاني، زِينَةُ الثِّيابِ، فتَحْرُمُ عليها الثِّيابُ المُصَبَّغةُ للتَّحْسِينِ؛ كالمُعَصْفَرِ، والمُزَعْفَرِ، (و) سائرِ (الأحْمَرِ و) سائرِ (المُلَوَّنِ

стр. 11700

الصَّافِي وَالْأزْرَقِ الصَّافِي، وَاجْتِنَابِ الحِنَّاءِ والخِضَابِ، وَالْكُحْلٍ الْأسْوَدِ وَالْحِفَافِ، وإسْفِيدَاجِ العَرَائِسِ، وَتَحْمِيرِ الْوَجْهِ وَنحْوهِ. ــ للتَّحْسِينِ، كالأزْرَقِ الصَّافِي، والأخْضَرِ الصَّافِي، والأصْفَرِ) الصَّافِي (١)، فلا يجوزُ لُبْسُه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا» (٢). وقولِه: «لا تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّياب، ولا المُمشَّقَ» (٣). فأمَّا مالا يُقْصَدُ بصَبْغِه حُسْنُه؛ كالكُحْلِيِّ، والأَسودِ، والأخضرِ المُشْبَعِ، فلا تُمْنَعُ منه؛ لأنَّه ليس بزِينةٍ. وما صُبغَ غَزْلُه ثم نُسِجَ، ففيه احْتمالان (٤)؛ أحَدُهما، يَحْرُمُ لُبْسُه؛ لأنَّه أحْسَنُ وأرْفَعُ، ولأنَّه مَصْبُوغٌ للحُسْنِ، فأشْبَهَ ما صُبغَ بعدَ نَسْجِه. والثاني، لا يَحْرُمُ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ في حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ» (٥). قال القاضي: هو ما صُبغَ غَزْلُه قبلَ نَسْجِه. ولأنَّه لم يُصْبَغْ وهو ثَوْبٌ، فأشْبَهَ

стр. 11701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما (١) كان حَسَنًا مِنِ الثِّيابِ غيرَ مَصْبُوغٍ. والأوَّلُ أصَحُّ. وأمَّا العَصْبُ، فالصَّحيحُ أنَّه نبْتٌ تُصْبَغُ به الثِّيابُ. قال صاحبُ «الرَّوضِ الأُنُفِ» (٢): الوَرْسُ والعَصْبُ نَبْتان باليَمَنِ، لا يَنْبُتانِ إلَّا به. فأرْخصَ النبيُّ ﷺ للحادَّةِ (٣) في لُبْسِ ما صُبغ بالعَصْبِ؛ لأنَّه في مَعْنى ما صُبغَ لغيرِ التَّحْسِينِ، أمَّا ما (٣) صُبغَ غَزْلُه للتَّحْسِينِ، كالأحْمَرِ والأصْفَرِ، فلا مَعْنى لتَجْويزِ لُبْسِه، مع حُصُولِ الزِّينَةِ بصَبْغِه، كحُصُولِها بما صُبغَ بعدَ نَسْجِه. القسمُ الثالثُ، الحَلْىُ، فيَحْرُمُ عليها لُبْسُ الحَلْي كُلِّه، حتى الخاتَمِ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ولَا الحَلْىَ». وقال

стр. 11702

وَلَا يَحْرُمُ عَلَيهَا الْأبْيَضُ مِنَ الثِّيَابِ وَإنْ كَانَ حَسَنًا، وَلَا الْمُلَوَّنُ لِدَفْعِ الْوَسَخِ، كَالْكُحْلِيِّ وَنَحْوهِ. ــ عَطاءٌ: يُباحُ حَلْيُ الفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ. ولا يَصِحُّ؛ لِعُمُومِ النَّهْي، ولأنَّ الحَلْىَ يَزِيدُها حُسْنًا، ويَدْعُو إلى مُباشَرَتِها، قال الشاعرُ (١): وما الحَلْيُ إلَّا زِينَةٌ لِنَقِيصَةٍ ... يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرا ٣٨٨٧ - مسألة: (ولا يَحْرُمُ عليها الأبْيَضُ مِن الثِّيابِ وإن كان حَسَنًا) سواءٌ كان مِن قُطْنٍ أو كَتَّانٍ [أو صُوفٍ] (٢) أو إبْريسَمٍ (٣)؛ لأنَّ حُسْنَه مِن أصْلِ خِلْقَتِه، فلا يلزمُ تغييرُه، كما أنَّ المرأةَ إذا كانت حَسَنَةَ الخِلْقَةِ، لا يَلْزَمُها أن تُغَيِّرَ لَوْنَها، وتُشَوِّهَ نَفْسَها (ولا المُلَوَّنُ لدَفْعِ الوَسَخِ، كالكُحْلِيِّ) والأسْوَدِ، والأخْضَرِ المُشْبَعِ؛ لأنَّه لا يُرادُ

стр. 11703

وَقَال الْخِرَقِيُّ: وَتَجْتَنِبُ النقَابَ. ــ للزِّينَةِ، أشْبَهَ الأبيَضَ (قال الخِرَقِيُّ: وتَجْتَنِبُ النِّقابَ) وما في مَعْناه، مثلَ البُرْقُعِ ونحوه؛ لأنَّ المُعْتَدَّةَ مُشَبَّهةٌ بالمُحْرِمةِ، والمُحْرِمَةُ تُمْنَعُ مِن ذلك، فإنِ احْتاجَتْ إلى سَتْرِ وَجْهِها، سَدَلَتْ عليه كما تَفْعَلُ المُحْرِمَةُ. ويَحْتَمِلُ أن لا تُمْنَعَ مِن ذلك؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا هو في

стр. 11704

فَصْلٌ: وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، ــ مَعْنى المَنْصُوصِ، وإنَّما مُنِعَتْ منه المُحْرِمَةُ؛ لأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن تَغْطِيَةِ وَجْهِها، بخِلافِ الحادَّةِ، ولأنَّ المُحْرِمَةَ يَحْرُمُ عليها لُبْسُ القُفَّازَين، بخِلافِ الحادَّةِ، ويجوزُ لها لُبْسُ الثِّيابِ المُزَعْفَرَةِ وغيرِها مِن الثِّياب المَصْبوغَةِ والحَلْيِ، والحادَّةُ يَحْرُمُ عليها ذلك،. فلا يَصِحُّ القِياسُ، ولأنًّ المَبْتُوتَةَ لا يَحْرُمُ عليها النِّقابُ، وإن وجَبَ عليها الإِحْدادُ، فكذلك المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها. فصل: (وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفاةِ في المنزلِ الذي وجَبَتْ فيه) رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعُثمانَ. [ورُوِيَ عن] (١) ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وأُمِّ سَلَمَةَ، ﵃. وبه يقولُ مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ،

стр. 11705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعيُّ، وإسحاقُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): وبه يقولُ جماعةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ بالحِجَازِ، والشامِ، والعِراقِ، ومصرَ. وقال جابرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ: تَعْتَدُّ حيثُ شاءتْ. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعائشةَ، ﵃. قال ابنُ عباس: نَسَخَتْ هذه الآيةُ عِدَّتَها عندَ أهْلِها (٢)، وسَكَنَت في وَصِيَّتها، وإن شاءتْ خَرَجَتْ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ (٣). قال عَطاءٌ: ثم جاء المِيراثُ فنَسَخَ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حيثُ شاءَتْ. رواهما أبو داودَ (٤). ولَنا، ما رَوَتْ فُرَيعَة بنتُ مالكِ بنِ سِنَانٍ، أُختُ أبي سعيدٍ، أنَّها جاءت إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخْبَرَتْه أنَّ زَوْجَها خَرَجَ في طَلَب أعْبُدٍ له أبَقُوا (٥)، فقَتَلُوه بطَرَفِ القَدُومِ (٦)، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ أن أرْجِعَ إلى أهْلِي، فإنَّ زَوْجي لم يَتْرُكْنِي في مَسْكَنٍ يَمْلِكُه، ولا نَفقَةٍ. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 11706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «نَعَمْ». قالت (١): فخَرَجْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرَةِ أو في المسْجِدِ، دَعانِي، أو أمَرَ بي فَدُعِيتُ له، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «كَيفَ قُلْتِ؟». فردَّدْتُ عليه القِصَّةَ، فقال: «امْكُثِي فِي بَيتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أجَلَه». فاعْتَدَدْتُ فيه أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، فلمَّا كان عثمانُ بنُ عَفَّانَ، أرْسَلَ إليَّ، فسألَنِي عن ذلك، فأخْبَرْتُه فاتَّبَعَه، وقَضَى به. رواه مالكٌ في «مُوَطَّئِه» (٢)، والأثرَمُ، وهو حديثٌ صَحِيحٌ، قَضَى به عُثمانُ في جماعةٍ مِن (٣) الصَّحابةِ، فلم يُنْكِرُوه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يجبُ الاعْتِدادُ في المنْزِلِ الذي ماتَ (٤) زَوْجُها وهي ساكِنَةٌ به، سواءٌ كان مَمْلوكًا (٣) لزَوْجِها، أو بإجارَةٍ، أو عارِيَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لفُرَيعَةَ: «امْكُثِي فِي بَيتكِ». ولم تَكُنْ في بيتٍ يَمْلِكُه زَوْجُها، وفي بعضِ ألْفاظِه: «اعْتَدِّي في البَيتِ الذي أتَاكِ فِيه نَعْيُ زَوْجِكِ» (٥). وفي

стр. 11707

إلا أن تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ إِلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ، بِأَنْ يُحَوِّلَهَا مَالِكُهُ، أَوْ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا فَتَنْتَقِلُ، ــ لفظٍ: «اعْتَدِّي حَيثُ أتاكِ الخَبَرُ» (١). فإن أتَاها الخَبَرُ في غيرِ مَسْكَنِها، رَجَعَتْ إلى مَسْكَنِها، فاعْتَدَّتْ (٢) فيه. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيُّ: لا تَبْرَحُ مِن مَكانِها الذي أتَاها فيه نَعْيُ زَوْجِها، اتِّباعًا لِلَفْظِ الخَبَرِ الذي رَوَيناه. ولَنا، قولُه ﵊: «امْكُثِي فِي بَيتكِ». واللَّفْظُ الآخَرُ قَضِيَّةٌ في عَينٍ، والمُرادُ به هذا، فإنَّ قَضَايا الأعْيانِ لا عُمُومَ لها، ثم لا يُمْكِنُ حَمْلُه على العُمُومِ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُها الاعْتِدادُ في السُّوقِ والطَّريقِ والبَرِّيَّةِ إذا أتاها الخَبَرُ (٣) وهي فيها. ٣٨٨٨ - مسألة: (إلَّا أنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ إلى خُرُوجِها منه، بأن يُحَوِّلَها مالِكُه، أو تَخْشَى على نَفْسِها، فتَنْتَقِلُ) وجملةُ ذلك، أنَّها إذا خافَتْ هَدْمًا أو غَرَقًا أو عَدُوًّا و (٤) نحوَ ذلك، أو حَوَّلَها صاحبُ المنْزِلِ؛ لكونِه عارِيَّةً رَجَعَ فيها، أو بإجارَةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُها، أو مَنَعَها السُّكْنَى تَعَدِّيًا، أو امْتَنَعَ مِن إجارَته، أو طَلَبَ به أكْثَرَ مِن أُجْرَةِ المِثْلِ، أو لم تَجِدْ

стр. 11708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما تَكْتَرِي به، أو لم تَجِدْ إلَّا مِن مالِها، فلها أن تَنْتَقِلَ؛ لأنَّها حالُ عُذْرٍ، ولا يَلْزَمُها بَذْلُ أُجْرَةِ المَسْكَنِ، وإنَّما الواجبُ عليها السُّكْنَى، لا تَحْصِيلُ المَسْكَنِ، فإذا تَعَذَّرَتِ السُّكْنَى، سَقَطَتْ، وتَسْكُنُ حيثُ شاءتْ. ذَكَرَه القاضي. وذكر أبو الخَطَّاب، أنَّها تَنْتَقِلُ إلى أقْرَبِ ما يُمْكِنُها النُّقْلَةُ إليه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه أَقْرَبُ إلى مَوْضِعِ الوجُوب، أشْبَهَ مَن وَجَبَتْ عليه الزَّكاةُ في مَوْضع لا يَجِدُ فيه أهْلَ السُّهْمان، فإنَّه يَنْقُلُها إلى مَوْضِع يَجِدُهم فيه. ولَنا، أنَّ الواجِبَ سَقَطَ لعُذْرٍ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ له بِبَدَلٍ، فلا يجبُ، كما لو سَقَطَ الحجُّ للعَجْزِ عنه وفَواتِ شَرْطٍ، والمُعْتَكِفِ إذا لم يَقْدِرْ على الاعْتِكافِ في المَسْجِدِ، ولأنَّ ما ذكَرُوه إثْباتُ حُكْمٍ بلا نَصٍّ، [ولا مَعْنى نَصٍّ] (١)، فإنَّ مَعْنى الاعْتِدادِ في بَيتِها لا يُوجَدُ [في السُّكْنَى] (٢) فيما قَرُبَ منه، ويُفارِقُ أهْلَ السُّهْمان؛ فإنَّ القَصْدَ نَفْعُ الأقْرَبِ، وفي نَقْلِها إلى أقْرَب مَوْضِعٍ يَجِدُه نَفْعُ الأقْرَبِ. فصل: ولا سُكْنَى للمُتَوَفَّى عنها، إذا كانت حائِلًا، رِوايةً واحدةً. وإن كانتْ حامِلًا، فعلى رِوايَتَين. وللشافعيِّ [في المُتَوَفَّى عنها] (٣) قَوْلان؛

стр. 11709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحَدُهما، لها السُّكْنَى؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١). فنُسِخَ بعضُ المُدَّةِ، وبَقِيَ بَاقِيها على الوُجُوبِ، ولأَنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ فُرَيعَةَ بالسُّكْنَى في بيتِها مِن غيرِ اسْتِئْذانِ الوَرَثَةِ، ولو لم تجبِ السُّكْنَى، لم يَكُنْ لها أن تَسْكُنَ إلَّا بإذْنِهِم، كما أنَّها ليس لها أن تَتَصَرَّفَ في مالِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِهم (٢). ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى إنَّما جَعَلَ للزَّوْجَةِ ثُمْنَ التَّرِكَةِ أو رُبْعَها، وجَعَلَ باقِيَها لِسائِرِ الوَرَثَةِ، والمَسْكَنُ مِن التَّرِكَةِ، فوَجَبَ أن لا تَسْتَحِقَّ منه أكْثَرَ مِن ذلك، وأمَّا إذا كانت حامِلًا، وقُلْنا: لها السُّكْنَى. فلأنَّها حامِلٌ مِن زَوْجِها، فوَجَبَ لها السُّكْنَى، قِياسًا على المُطَلَّقَةِ. فأمَّا الآيةُ التي احْتَجُّوا بها، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، وأمَّا أمْرُ النبيِّ ﷺ فُرَيعَةَ بالسُّكْنَى، فقَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عَلِمَ أنَّ الوارِثَ يأْذَنُ في ذلك، أو بكَوْنِ السُّكْنَى واجِبًا عليها، ويَتَقَيَّدُ ذلك بالإِمْكانِ، وإذْنُ الوارِثِ مِن جُمْلَةِ ما يَحْصُلُ به الإِمْكانُ. فإذا قُلْنا: لها السُّكْنَى. فهي أحَقُّ بسُكْنَى المَسْكَنِ الذي كانت تَسْكُنُه مِن الوَرَثَةِ والغُرَماءِ، مِن رأسِ [مالِ المُتَوَفَّى] (٣)، ولا يُباعُ في دَينِه بَيعًا (٤) يَمْنَعُها السُّكْنَى، حتى

стр. 11710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَقْضِيَ العِدَّةَ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وجمهورُ العلماءِ. وإن تَعَذَّرَ ذلك المَسْكَنُ، فعلى الوارثِ أن يَكْتَرِيَ لها مَسْكَنًا مِن مالِ المَيِّتِ، فإن لم يَفْعَلْ، أجْبَرَه الحاكمُ، وليس لها أن تَنْتَقِلَ إلَّا لعُذْرٍ، كا ذكرْنا. وإنِ اتَّفَقَ الوارِثُ والمرأةُ على نَقْلِها عنه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ السُّكْنَى ها هنا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللهِ ، فلم يَجُزِ اتِّفاقُهما على إبْطالِها، بخِلافِ سُكْنَى النِّكاحِ، فإنَّه حَقٌّ لهما، ولأنَّ السُّكْنَى ههُنا مِن الإحْدادِ، فلم يَجُزْ الاتِّفاقُ على تَرْكِها، كسائرِ خِصالِ الأحْدادِ. وليس لهم إخْرَاجُها إلا أن تَأْتِيَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١). وهو أن يَطُولَ لِسانُها على أحْمائِها وتُؤذِيَهُم بالسَّبِّ ونحوه. رُوِيَ ذلك عن ابن. عباس. وهو قولُ الأكْثَرَين. وقال ابنُ مسعودٍ، والحسنُ: هي الزِّنى؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢). وإخْراجُهُنَّ هو لإِقامةِ حَدِّ الزِّنى، ثم تُرَدُّ إلى مَكانِها (٣). ولَنا، أنَّ الآيةَ تَقْتَضِي الإخْراجَ مِن السُّكْنَى (٤)، وهذا

стр. 11711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَتَحَقَّقُ فيما قالاه. وأمَّا الفاحِشَةُ فهي اسْمٌ للزِّنَى وغيرِه من الأقوالِ الفاحِشَةِ، يُقالُ: أفْحَشَ الرجلُ في قَوْلِه. ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالت له عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، قلتَ لفلانٍ: «بئْسَ أخُو العَشِيرَةِ». ثم ألَنْتَ له القولَ لمَّا دَخَلَ. قال: «يا عَائِشَةُ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ» (١). إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوَرَثَةَ يُخْرِجُونَها مِن (٢) ذلك المَسْكَنِ إلى مَسْكَنٍ آخَرَ مِن الدارِ إن كانتْ كبيرةً تَجْمَعُهم، فإن كانت لا تَجْمَعُهم، أو لم يُمْكِنْ نَقْلُها إلى غيرِه في الدارِ، أو لم يَتَخَلَّصُوا مِن أذاها بذلك، فلهم نَقْلُها. وقال بعضُ أصْحابِنا: يَنْتَقِلُون هم عنها؛ لأنَّ سُكْناها واجبٌ في المكانِ، وليس بواجبٍ عليهم. والنَّصُّ يَدُلُّ على أنَّها تُخْرَجُ، فلا يُعَرَّجُ على ما خالفَه، ولأنَّ الفاحِشَةَ منها، فكان الإخْراجُ لها. وإن كان أحْماؤُها هم الذين يُؤذُونَها، ويَفْحُشُون عليها،

стр. 11712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نُقِلُوا هم دُونَها، فإنَّها لم تَأْتِ بفاحِشَةٍ، فلا تُخْرَجُ بمُقْتَضَى النَّصِّ، ولأنَّ الذَّنْبَ لهم، فيُخَصُّونَ بالإِخْراجِ، وإن كان (١) المَسْكَنُ لغيرِ المَيِّتِ، فتَبَرَّعَ صاحبُه بإسْكانِها فيه، لَزِمَها الاعْتِدادُ به، وإن أبَى أن يُسْكِنَها إلَّا بأُجْرَةٍ، وجَبَ بَذْلُها مِن مالِ المَيِّتِ، إلَّا أن يَتَبَرَّعَ إنْسانٌ ببَذْلِها، ويَلْزَمُها الاعْتِدادُ به. فإن حَوَّلَها مالِكُ (٢) المَكانِ، أو طَلَب أكثرَ مِن أجْرِ المِثْلِ، فعلى الوَرَثَةِ إسْكانُها إن كان للمَيِّتِ تَرِكَةٌ يُسْتأْجَرُ لها به مَسْكَنٌ؛ لأنَّه حَقٌّ لها يُقَدَّمُ على المِيراثِ، فإنِ اخْتارَتِ النُّقْلَةَ عن المَسْكَنِ الذي [يَنْقُلُونَها إليه، فلها ذلك؛ لأنَّ سُكْناها به حَقٌّ لها، وليس بواجبٍ عليها، فإنَّ المَسْكَنَ الذي] (٣) كان يَجِبُ عليها السُّكْنَى به، هو الذي كانت تَسْكُنُه حينَ مَوْتِ زَوْجِها، وقد سَقَطَتْ عنها السُّكْنَى به، وسَواءٌ كان المَسْكَنُ الذي كانت به لأبوَيها، أو لأحَدِهما، أو لغيرِهم. وإن كانت تَسْكُنُ في دارٍ لها، فاخْتارَتِ الإِقامةَ فيها والسُّكْنَى بها مُتَبَرِّعةً أو بأُجْرَةٍ تأْخُذُها مِن التَّرِكةِ، جازَ، وعلى الوَرَثَةِ بَذْلُ الأُجْرَةِ

стр. 11713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا طَلَبَتْها، وإن طَلَبَتْ أن تُسْكِنَها غيرَها، وتَنْتَقِلَ عنها، فلها ذلك؛ لأنَّه ليس عليها أن تُؤْجِرَ دارَها ولا تُعِيرَها، وعليهم إسْكانُها. فصل: فأمَّا إذا قُلْنا: ليس لها السُّكْنَى. فتَطَوَّعَ الوَرَثَةُ بإسْكانِها في مَسْكَنِ زَوْجها، أو السُّلْطانُ، أو أجْنَبِيٌّ، لَزِمَها الاعْتِدادُ به، وإن مُنِعَتِ السُّكْنَى، أَو طَلَبوا منها الأُجْرَةَ، فلَها أن تَنْتَقِلَ عنه إلى غيرِه، كما ذكرْنا فيما إذا أخْرَجَها المُؤْجرُ عندَ انْقِضاءِ الإِجارَةِ، وسَواءٌ قَدَرَتْ عك الأجْرَةِ أو عَجَزَتْ عنها (١)؛ لأَنَّه إنَّما تَلْزَمُها السُّكْنَى لا تَحْصِيلُ المَسْكَنِ. وإن كانت في مَسْكَن لزَوْجِها، فأخْرَجَها الوَرَثةُ منه، وبَذَلُوا لها مَسْكَنًا آخَرَ، لم تَلْزَمْها السُّكْنَى به، وكذلك (٢) إن أُخْرِجَتْ مِن المَسْكَنِ الذي هي به، أو خَرَجَتْ لأيِّ عارِضٍ كان، لم تَلْزَمْها السُّكْنَى في مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ سِواه، سواءٌ بَذَلَه الوَرَثَةُ أو غيرُهم؛ لأنَّها إنَّما يَلْزَمُها الاعْتِدادُ في بَيتِها الذي كانت فيه، لا في غيرِه. وكذلك إذا قُلْنا: لها السُّكْنَى. فتَعَذَّرَ سُكْناها في مَسْكَنِها، وبُذِلَ لها سِواه. وإن طَلَبتْ مَسْكَنًا بأُجْرَةٍ أو

стр. 11714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغيرِها، لَزِمَ الورثةَ تَحْصِيلُه، إن خَلَّفَ المَيِّتُ تَرِكَةً تَفِي بذلك، ويُقَدَّمُ على المِيراثِ؛ لأنَّه حَقٌّ على المَيِّتِ، فأشْبَهَ الدَّينَ، فإن كان على المَيِّتِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَه، ضَرَبَتْ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ؛ لأنَّ حَقَّها مُساوٍ لحُقُوقِ الغُرَماءِ، وتَسْتأجِرُ بما يَخُصُّها مَوْضِعًا تَسْكُنُه. وكذلك الحكمُ في المُطَلَّقَةِ إذا حُجِرَ على الزَّوْجِ قبلَ أن يُطَلِّقَها، ثم طَلَّقَها، فإنَّها تَضْرِبُ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ لمُدَّةِ (١) العِدَّةِ مع الغُرَماءِ، إذا كانت حامِلًا. فإن قيل: فَهَلَّا قَدَّمْتُم حَقَّ الغُرَماءِ لأنَّه أسْبَقُ؟ قُلْنا: لأنَّ حَقَّها ثَبَتَ عليه بغيرِ اخْتِيارِها (٢)، فشارَكَتِ الغُرَماءَ فيه، كما لو أتْلَفَ المُفْلِسُ مالًا لإنْسانٍ أو جَنَى عليه. وإن مات وهي في مَسْكَنِه، لم يَجُزْ إخْراجُها منه؛ لأنَّ حَقَّها تعَلَّقَ بعينِ المَسْكَنِ قبلَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الغُرَماءِ بعَينِه، فكان حَقُّها مُقَدّمًا، كحَقِّ المُرْتَهِنِ. وإن طلبَ الغُرَماءُ بَيعَ هذا المسكنِ، وتُتْرَكُ السُّكْنَى لها مُدَّةَ العِدَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّها إنَّما تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى إذا كانت حامِلًا، ومُدّةُ الحَمْلِ مَجْهُولَةٌ، فتَصِيرُ كما لو باعها واسْتَثْنَى نَفْعَها (٣) مُدَّةً مجهولةً. وإن أرادَ الورثةُ قِسْمةَ مَسْكَنِها على وَجْهٍ يَضُرُّ بها في السُّكْنَى، لم يَكُنْ لهِم ذلك. وإن أرادوا التَّعْلِيمَ بخُطُوطٍ مِن غيرِ نَقضٍ ولا بِناءٍ، جازَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ عليها فيه.

стр. 11715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا قُلْنا: إنَّها تَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بقَدْرِ مُدَّةِ عِدَّتِها. فإنَّها تَضْرِبُ بمُدَّةِ [عادَتِها في وَضْعِ] (١) الحَمْلِ، إن كانت حامِلًا. وإن كانت مُطَلَّقَةً مِن ذَواتِ القُروءِ، وقُلْنا: لها السُّكنَى. ضَرَبَتْ بمُدَّةِ عادَتِها في القُروءِ، فإن لم تكُنْ لها عادةٌ، ضَرَبَتْ بغالبِ عاداتِ النِّساءِ، وهي تِسْعَةُ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثلاثةُ أشْهُرٍ، لكلِّ قَرْءٍ شَهْرٌ، أو بما بَقِيَ مِن ذلك، إن كان قد مَضَى مِن مُدَّةِ حَمْلِها شيءٌ، لأنَّه لا يُمْكِنُ تأْخِيرُ القِسْمةِ لحَقِّ الغُرَماءِ، فإذا ضَرَبَتْ بذلك، فوافَقَ الصَّوابَ، لم يَزِدْ ولم يَنْقُصْ، اسْتَقَرَّ الحُكْمُ، وتَسْتأْجِرُ (٢) بما يَحْصُلُ لها مكانًا تَسْكُنُه. فإذا تَعذَّرَ (٣) ذلك سَكَنَتْ حيثُ شاءتْ. وإن كانتِ المُدَّةُ أقَلَّ ممَّا ضَرَبَتْ، مثلَ أن وضَعَتْ حَمْلَها لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، أو تَرَبَّصَتْ ثلاثةَ قُروءٍ في شَهْرَين، فعليها رَدُّ الفَضْلِ، وتَضْرِبُ فيه بحِصَّتِها منه. وإن طالتِ العِدَّةُ أكثرَ مِن ذلك، مثلَ أن وضَعَتْ حَمْلَها في عامٍ، أو رأتْ ثلاثةَ قُروءٍ في نِصْفِ عامٍ، رجَعَتْ بذلك على الغُرَماءِ، كما يَرْجِعُونَ عليها في صُورَةِ النَّقْصِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَرْجِعَ

стр. 11716

وَلَا تَخْرُجُ لَيلًا، وَلَهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا لِحَوَائِجِهَا، ــ به، وتكونَ في ذِمَّةِ زَوْجِها؛ لأنَّنا قَدَّرْنا ذلك مع تَجْويزِ الزِّيادَةِ، فلم يَكُنْ لها الزِّيادةُ عليه. ٣٨٨٩ - مسألة: (ولا تخْرجُ لَيلًا، ولها الخروجُ نَهَارًا لحَوائِجِها) سَواءٌ كانَتْ مُطَلَّقَةً أو مُتَوَفَّى عنِها؛ لِما روَى جابرٌ، قال: طَلُقَتْ خالتِي ثلاثًا، فخرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَها، فَلَقِيَها رجلٌ فنهاها، فذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «اخْرُجِي فَجُذِّي نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أنْ (١) تَصَدَّقِي منه (٢)، أو تَفْعَلِي خَيرًا». رواه النَّسائِيُّ، وأبو داودَ، [ومسلمٌ] (٣). وروَى مُجاهِدٌ، قال: اسْتُشْهِدَ رِجالٌ يَومَ أُحُدٍ، فجاء

стр. 11717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نِساؤُهم رسولَ اللهِ ﷺ ، وقُلْنَ: يا رسولَ اللهِ، نَسْتَوْحِشُ باللَّيلِ، أفَنَبِيتُ عندَ إحْدانا، فإذا أصْبَحْنا بادَرْنا إلى بُيُوتِنا؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ، حتى إذا أرَدْتُنَّ النَّومَ (١)، فَلْتَؤُبْ كلُّ واحِدَةٍ إلى بَيتِهَا» (٢). وليس لها المَبِيتُ في غيرِ بَيتِها، ولا الخُروجُ ليلًا، إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لأنَّ الليلَ مَظِنَّةُ الفَسادِ، بخِلافِ النَّهارِ، فإنَّه مَظِنَّةُ قَضاءِ الحَوائِجِ والمَعاشِ، وشِراءِ ما يُحْتاجُ إليه. وإن وَجَبَ عليها حَقٌّ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه إلَّا بها، كاليَمِينِ والحَدِّ، وكانت ذاتَ خِدْرٍ، بَعَثَ إليها الحاكمُ مَن يَسْتَوْفِي الحَقَّ منها في مَنْزِلِها، وإن كانت بَرْزَةً (٣)، جازَ إحْضارُها لاسْتِيفائِه، وتَرْجِعُ إلى مَنْزِلِها إذا فَرَغَتْ.

стр. 11718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأمةُ كالحُرَّةِ في الإحْدادِ والاعْتدادِ في مَنْزِلِها، إلَّا أنَّ سُكْناها في العِدَّةِ كسُكْناها في حَياةِ زَوْجِها، للسَّيِّدِ إمْساكُها نَهارًا، ويُرْسِلُها ليلًا، فإن أرْسَلَها ليلًا ونَهارًا، اعْتَدَّتْ زَمانَها كلَّه في المنزلِ، وعلى الوَرَثَةِ إسْكانُها فيهما (١)، كالحُرَّةِ سَواءً. فصل: والبَدَويَّةُ كالحَضَرِيَّةِ في الاعْتِدادِ في المَنْزِلِ الذي مات زَوْجُها [وهي ساكِنَةٌ] (٢) فيه، فإنِ انْتَقَلَتِ الحِلَّةُ، انْتَقَلَتْ (٣) معهم؛ لأنَّها لا يُمْكِنُها المُقامُ وحْدَها، وإنِ انْتَقَلَ غيرُ أهْلِها، لَزِمَها المُقامُ مع أهْلِها، وإنِ انْتَقَلَ أهْلُها، انْتَقَلَتْ معهم، إلَّا أن يَبْقَى مِن الحِلَّةِ مَن لا تَخافُ على نَفْسِها معهم، فتُخَيَّرُ بينَ الإقامةِ والرَّحِيلِ. وإن هَرَبَ أهْلُها، فخافَتْ، هَرَبَتْ معهم، فإن أمِنَتْ أقامَتْ لِقَضاءِ العِدَّةِ في مَنْزِلِها. فصل: فإن مات صاحبُ السَّفِينَةِ، وامرأتُه في السَّفِينَةِ، ولها مسكنٌ

стр. 11719

وَإنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي النُّقْلَةِ إِلَى بَلَدٍ لِلسُّكْنَى فِيهِ، فَمَاتَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ، لَزِمَهَا الْعَوْدُ إلَى مَنْزِلِهَا، وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَينَ الْبَلَدَينِ. ــ في البَرِّ، فحُكْمُها حكمُ المُسافِرَةِ في البَرِّ، على ما نَذْكُرُه. وإن لم يَكُنْ لها مَسْكَنٌ سِواها، وكان لها فيها بَيتٌ يُمْكِنُها السُّكْنَى فيه، بحيثُ لا تَجْتَمِعُ مع الرِّجالِ، وأمْكَنَها المُقامُ فيه، بحيثُ تَأْمَنُ على نَفْسِها ومعها مَحْرَمُها، لَزِمَها أن تَعْتَدَّ به، وإن كانت ضَيِّقَةً، وليس معها مَحْرَمُها، أو لا يُمْكِنُها الإقامةُ فيها إلَّا بحيثُ تَخْتَلِطُ بالرِّجالِ، لَزِمَها الانْتِقالُ عنها إلى غيرِها (١). ٣٨٩٠ - مسألة: (وإن أذِنَ لها زَوْجُها في النُّقْلَةِ إلى بَلَدٍ للسُّكْنَى فيه، فمات قبلَ مُفارَقَةِ البُنْيانِ، لَزِمَها العَوْدُ إلى مَنْزِلِها، وإن مات بَعْدَه، فلها الخِيارُ بينَ البَلَدَين) إِذا أذِنَ للمرأةِ زَوْجُها في النُّقْلَةِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، أو مِن دارٍ إلى دارٍ أُخْرَى، فمات قبلَ انْتِقالِها مِن الدارِ، أو قبلَ خُروجِها مِن البَلَدِ، لَزِمَها الاعْتِدادُ في الدَّارِ، وكذلك إن مات قبلَ خُروجِها مِن الدَّارِ؛ لأنَّها بَيتُها، وسواءٌ مات قبلَ نَقْلِ مَتاعِها مِن الدَّارِ أو بعدَه؛ لأنَّها مَسْكَنُها ما لم تَنْتَقِلْ عنها. وإن مات بعدَ انْتِقالِها إلى الثانيةِ،

стр. 11720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعْتَدَّتْ فيها؛ لأنَّها مَسْكَنُها، وكذلك إن مات بعدَ وُصُولِها إلى البَلَدِ الآخَرِ على قِياسِ ذلك. وإن مات وهي بَينَهما، فهي مُخيَّرَةٌ؛ لأنَّها لا مَسْكَنَ لها منهما، فإنَّ الأُولَى قد خَرَجَتْ عنها مُنْتَقِلَةً، فخَرَجَتْ عن كَوْنِها مَسْكنًا لها، والثانيةَ لم تَسْكُنْ بها، فهما سَواءٌ، وكذلك إن مات (١) بعدَ خُرُوجها مِن البلَدِ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وقيل: يَلْزَمُها الاعْتِدادُ في الثانيةِ؛ لأنَّها المسكَنُ الذي أذِنَ لها زَوْجُها في السُّكْنَى به، وهذا يُمْكِنُ في الدَّارَين. فأمَّا إذا كانا بَلَدَين، لم يَلْزَمْها (٢) الانْتِقالُ إلى البلدِ الثاني بحالٍ؛ لأنَّها إنَّما كانت تَنْتَقِلُ لغَرَضِ زَوْجِها في صُحْبَتِها إيَّاه، وإقامَتِها معه، فلو ألْزَمْناها ذلك بعدَ مَوْتِه، لَكَلَّفْناها السَّفَرَ الشَّاقَّ، والتَّغَرُّبَ عن وَطَنِها وأهْلِها، والمُقامَ مع غيرِ مَحْرَمِها، والمخاطرةَ بنَفْسِها مع فَواتِ الغَرَضِ، وظاهرُ حالِ الزَّوجِ أنَّه لو عَلِمَ أنَّه يَمُوتُ، لَما نَقَلَها، فصارتِ الحَياةُ مَشْرُوطَةً في النُّقْلَةِ. فأمَّا إنِ انْتَقَلَتْ إلى الثانيةِ، ثم عادَتْ إلى الأُولَى لنَقْلِ مَتاعِها، فمات زَوْجُها وهي بها، فعليها الرُّجُوعُ إلى الثانيةِ؛ لأنَّها صارت مَسْكَنَها

стр. 11721

وَإنْ سَافَرَ بِهَا فَمَاتَ فِي الطَرِّيقِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ، لَزِمَهَا الْعَوْدُ، وَإنْ تَبَاعَدَتْ، خُيِّرَتْ بَينَ الْبَلَدَينِ. ــ بانْتِقالِها إليها، وإنَّما عادت إلى الأُولَى لحاجةٍ، والاعْتِبارُ بمَسْكَنِها دُونَ مَوْضِعِها. وإن مات وهي في الثانيةِ، فقالت: أذِنَ لي زَوْجِي في السُّكْنَى بهذا المكانِ. وأنْكَرَ ذلك الوَرَثَةُ، أو قالت: إنَّما أذِنَ لي زَوْجِي في المَجِئِ إليه، لا في الإِقامَةِ به. وأنْكَرَ ذلك الوَرَثَةُ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّها أعْرَفُ بذلك منهم. وكلُّ مَوْضِع قُلْنا: يَلْزَمُها السَّفَرُ [إليه مِن] (١) بَلَدِها. فهو مَشْروطٌ بوُجُودِ مَحْرَمٍ يُسافِرُ معها، والأمْنِ على نَفْسِها؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم ولَيلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ منها (٢)» (٣). أو كما قال. ٣٨٩١ - مسألة: (وإن سافَرَ بها فَمات في الطرَّيقِ وهي قَرِيبَةٌ، لَزِمَها العَوْدُ) لأنَّها في حكمِ الإِقامةِ (وإن تَباعَدَتْ، خُيِّرَت بينَ البَلَدَين)

стр. 11722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ البَلَدَين تَساوَيا، فكانتِ الخِيَرَةُ إليها فيما المصلحةُ لها فيه؛ لأنَّها أخْبَرُ بمَصْلَحَتِها. فصل: وإن أذِنَ لها زَوْجُها في السَّفَرِ لغيرِ النُّقْلَةِ، فخَرَجَتْ، ثم مات زَوْجُها، فالحكمُ في ذلك كالحُكْمِ في سَفَرِ الحجِّ، على ما نَذْكُرُه مِن التَّفْصيلِ. وإذا مَضَتْ إلى مَقْصِدِها، فلها الإقامةُ حتى تَقْضِيَ ما خَرَجَتْ إليه، وتَقْضِيَ حاجَتَها مِن تِجارَةٍ أو غيرِها. فإن كان خُرُوجُها لنُزْهَةٍ أو زِيارةٍ، ولم يَكُنْ قَدَّرَ لها مُدَّةً، فإنَّها تُقِيمُ إقامةَ المُسافِرِ ثلاثًا، وإن كان قد (١) قَدَّرَ لها مُدَّةً، فلها إقامَتُها؛ لأنَّ سَفَرَها بحُكْمِ إذْنِه، فكان لها إقامةُ ما أذِنَ لها فيه، فإذا مَضَتْ مُدَّتُها، أو قَضَتْ حاجَتَها، ولم يُمْكِنْها الرُّجوعُ؛ لخَوْفٍ أو غيرِه، أتَمَّتِ العِدَّةَ في مكانِها. وإن أمْكَنَها الرُّجوعُ، لكن لا يُمْكِنُها الوُصولُ إلى مَنْزِلِها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، لَزِمَها الإقامةُ في مَكانِها؛ لأنَّ الاعْتِدادَ وهي مُقِيمَةٌ أوْلَى مِن الإتْيانِ بها في السَّفرِ. وإن كانت تَصِلُ وقد بَقِيَ مِن عِدَّتِها شيءٌ، لَزِمَها العَوْدُ لتأتِيَ بالعِدَّةِ في مَكانِها.

стр. 11723

وَإنْ أذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ، فَأحْرَمَتْ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، مَضَتْ فِي سَفرِهَا، وَإنْ لَمْ تَخْشَ، وَهِيَ فِي بَلَدِهَا أوْ قَرِيبَةٌ يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ، أقَامَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي مَنْزِلِهَا، وَإلَّا مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، وَإنْ لَمْ تَكُنْ أحْرَمَتْ بِهِ، أوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ لَمْ تَخْشَ الْفَوَاتَ. ــ ٣٨٩٢ - مسألة: (وإن أذِنَ لها في الحَجِّ فأحْرَمَتْ به، ثم مات، فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، مَضَتْ في سَفَرِها، وإن لم تَخشَ، وهي في بَلَدِها أو قَرِيبةٌ يُمْكِنُها العَوْدُ، أقامَتْ لِتَقْضِيَ العِدَّةَ في مَنْزِلِها، وإلَّا مَضَتْ في سَفَرِها، وإن لم تَكُنْ أحْرَمَتْ به، أو أحْرَمَتْ بعدَ مَوْتِه، فحُكْمُها حُكْمُ مَن لم تَخْشَ الفَواتَ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَدَّةَ ليس لها أن تَخْرُجَ إلى الحَجِّ ولا غيرِه. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، ﵄. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي. فإن خَرَجَتْ، فمات زَوْجُها في الطرَّيقِ، رَجَعَتْ إن كانت قَريبَةً؛ لأنَّها في حُكْمِ الإِقامةِ، وإن تَباعَدَتْ، مَضَتْ في سَفَرِها. وقال مالكٌ: تُرَدُّ ما

стр. 11724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم تُحْرِمْ. والصَّحِيحُ ما ذكرْنا؛ لأنَّه يَضُرُّ بها، وعليها مَشَقَّةٌ، ولا بُدَّ لها مِن سَفَرٍ وإن رَجَعَتْ. ويُحَدُّ القَرِيبُ بما لا تُقْصَرُ فيه (١) الصَّلاةُ، والبَعيدُ بما تُقْصَرُ فيه. قاله القاضي. وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى القَصْرَ إلَّا في مُدَّةِ ثلاثةِ أيَّامٍ. فعلى قولِه: متى كان بينَها وبينَ مَسْكَنِها دونَ (٢) ثَلاثَةِ أيَّامٍ، لَزِمَها الرُّجوعُ إليه، وإن كان فوقَ ذلك، لَزِمَها المُضِيُّ إلى مقْصِدِها إذا كان بينَها وبينَه دُونَ ثلاثةِ أيامٍ، وإن كان بينَها وبينَه ثلاثةُ أيامٍ، وفي مَوْضِعِها الذي هي به مَكانٌ يُمْكِنُها الإِقامةُ فيه، لَزِمَتْها الإقامةُ، وإلَّا مَضَتْ إلى مَقْصِدِها. وقال الشافعيُّ: إن فارَقَتِ

стр. 11725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البُنْيانَ، فلها الخيارُ بينَ الرُّجوعِ والتَّمامِ؛ لأنَّها صارَتْ في مَوْضِع أَذِنَ لها زَوْجُها فيه، وهو السَّفَرُ، فأشْبَهَ ما لو بَعُدَتْ. ولَنا، على وُجُوبِ الرُّجوعِ على القَريبَةِ، ما روَى سعيدٌ (١) بإسْنادِه، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: تُوُفِّيَ أزْواجٌ، نِساؤُهُنَّ حاجَّاتٌ أو مُعْتَمِراتٌ، فرَدَّهُنَّ عمرُ مِن ذِي الحُلَيفَةِ، حتى يَعْتَدِدْنَ في بُيُوتِهِنَّ. ولأنَّه أمْكَنَها الاعْتِدادُ في مَنْزِلِها قبلَ أن تَبْعُدَ (٢)، فلَزِمَها، كما لو لم تُفارِقِ البُنْيانَ. وعلى أنَّ البَعِيدَةَ لا يَلْزَمُها الرُّجوعُ؛ لأنَّ عليها مَشَقَّةً، وتَحْتاجُ إلى سَفرٍ طويلٍ في رُجُوعِها، أشْبَهَتْ مَن بَلَغَتْ مَقْصِدَها. وإنِ اخْتارَتِ البَعيدَةُ الرُّجوعَ، فلها ذلك إِذا كانت تَصِلُ إلى مَنْزِلِها في عِدَّتِها. ومتى كان عليها [في الرُّجوعِ خوْفٌ أو ضَرَرٌ، فلها المُضِيُّ في سَفَرِها، كالبَعِيدَةِ. ومتى رجَعَتْ وقد بَقِيَ عليها] (٣) شيءٌ مِن عِدَّتِها لَزِمَها أن تأْتِيَ به في مَنْزِلِ زَوْجِها، بلا خِلافٍ بينَهم؛ لأنَّه أمْكَنَها الاعْتِدادُ فيه، فهو كما لو لم تُسافِرْ منه.

стр. 11726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو كان عليها حَجَّةُ الإِسْلام، فمات زَوْجُها، لَزِمَتْها العِدَّةُ في مَنْزِلِها وإن فاتَها الحَجُّ؛ لأَنَّ العِدَّةَ في المَنْزلِ تَفُوت، ولا بَدَلَ لها، والحَجُّ يُمْكِنُ الإتْيانُ به بعدَها. وإن مات زَوْجُها بعدَ إحْرامِها بحَجِّ الفَرْضِ، أو بحَجٍّ أذنَ لها فيه، وكان وقْتُ الحَجِّ مُتَّسِعًا، لا تَخاف فوتَه، ولا فَوْتَ الرُّفْقَةِ، لَزِمَها الاعْتِدادُ في مَنْزِلِها؛ لإِمْكانِ الجَمْعِ بينَ الحَقَّين. وإن خَشِيَتْ فواتَ الحَجِّ، لَزِمَها المُضِيُّ فيه. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُها المُقامُ وإن فاتَها؛ لأنَّها مُعْتَدَّةٌ، فلم يَجُزْ لها أن تُنْشِئَ سَفَرًا، كما لو أحْرَمَتْ بعدَ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها. ولَنا، أنَّهما عِبادَتان اسْتَوَيا في الوُجُوب وضِيقِ الوَقتِ، فوَجَبَ تقديمُ الأسْبَقِ منهما، كما لو سَبَقَتِ العِدَّةُ، ولأنَّ الحَجَّ آكَدُ؛ لأنَّه أحدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، والمَشَقَّةُ بتَفْويتِه تَعْظُمُ، فوَجَبَ تَقْديمُه، كما لو مات زَوْجُها بعدَ أن بَعُدَ سَفَرُها إليه. وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ بعدَ موتِ زَوْجِها، وخَشِيَتْ فواتَه، احْتَمَلَ أن يجوزَ لها المُضِيُّ إليه؛ لِما في بَقائِها على الإِحْرامِ مِن المَشَقَّةِ،

стр. 11727

وأمَّا الْمَبْتُوتَةُ فَلَا تَجِبُ عَلَيهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهِ، وَتَعْتَدُّ حَيثُ شَاءَتْ. نصَّ عَلَيهِ. ــ واحْتَمَلَ أن تَلْزَمَها العِدَّةُ في مَنْزِلِها؛ لأنَّها أسْبَقُ، ولأنَّها فَرَّطَتْ وغَلَّظَتْ على نَفْسِها، فإذا قَضَتِ العِدَّةَ، وأمْكَنَها [السَّفَرُ إلى] (١) الحجِّ، لَزِمَها ذلك، فإن أدْرَكَتْه، وإلَّا تَحَلَّلَتْ بعُمْرَةٍ، وحُكْمُها في القَضاءِ حكمُ مَن فاتَه الحجُّ. وإن لم يُمْكِنْها السَّفَرُ، فهي كالمُحْصَرَةِ التي يَمْنَعُها زَوْجُها مِن السَّفَرِ. وحُكْمُ الإِحْرامِ بالعُمْرَةِ كذلك، إذا خِيفَ فواتُ الرُّفْقةِ أو لم يُخَفْ. ٣٨٩٣ - مسألة: (وأمَّا المَبْتُوتَةُ فلا تَجِبُ عليها العِدَّةُ في مَنْزِلِه، وتَعْتَدُّ حيثُ شَاءتْ. نَصَّ عليه) قال أصْحابُنا: لا يَتَعَيَّنُ الموْضِعُ الذي

стр. 11728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَسْكُنُه المْبْتُوتَةُ في الطَّلاقِ، سَواءٌ قُلْنا: لها (١) السُّكْنَى. أو لم نَقُلْ، بل يتَخَيَّرُ الزَّوجُ بينَ إقْرارِها في مَوْضِعِ طَلاقِها، وبينَ نَقْلِها إلى مَسْكَنِ مِثْلِها؛ لحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ (٢)، يُذْكرُ في بابِ (٣) النَّفَقاتِ إن شاء اللهُ تعالى. والمُسْتَحَبُّ إقْرارُها؛ لقولِه سبحانه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.ولأنَّ فيه خُروجًا مِن الخِلافِ، فإنَّ الذين يَرَوْنَ لها السُّكْنَى يُوجِبون عليها الاعْتِدادَ في مَنْزِلِها. فإن كانت (٤) في بَيتٍ يَمْلِكُ الزوجُ سُكْناه، يَصْلُحُ لمِثْلِها، اعْتَدَّت فيه، فإن ضاق عليهما (٥)، انْتَقَلَ عنها؛ لأنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْناها في البيتِ الذي طَلَّقَها فيه، وإنِ اتَّسَعَ الموضعُ لهما، وأمْكَنَها السُّكْنَى في موضعٍ مُنْفَرِدٍ، كالحُجْرَةِ وعُلْو الدارِ، وبينَهما بابٌ مُغْلَقٌ، جازَ، وسَكَنَ الزوجُ في الباقي، [كالحُجْرَتَين المُتَجاورَتَين] (٦)، وإن لم يكنْ بينَهما بابٌ مُغْلَقٌ،

стр. 11729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لكن لها موضعٌ تَسْتَتِرُ فيه، بحيثُ لا يَراها، ومعها مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ به، جاز، وتَرْكُه أَوْلَى، ولا يجوزُ مع عَدَمِ المَحْرَمِ؛ لأنَّ الخَلْوَةَ بالأجْنَبِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ. وإنِ امْتَنَعَ مِن إسْكانِها، وكانت ممَّن لها عليه السُّكْنَى، أجْبَرَهُ الحاكمُ، فإن لم يكنْ ثَمَّ حاكمٌ، رجَعَتْ على الزوجِ، وإن وُجِدَ الحاكمُ، ففي رُجُوعِها رِوايتان. فإن كان الزوجُ حاضِرًا ولم يَمْنَعْها المَسْكَنَ، فاكْتَرَتْ لنَفْسِها مَسْكَنًا، أو سَكَنَتْ في موضع تَمْلِكُه، لم تَرْجِعْ؛ لأنَّها تَبَرَّعَتْ بذلك. وإن عَجَزَ الزَّوْجُ عن إسْكانِها؛ لِعُسْرَتِه، أو غَيبَتِه، أو امْتَنَعَ منه مع القُدْرَةِ، سَكَنَتْ حيثُ شاءتْ. واللهُ أعلمُ.

стр. 11730

بَابٌ فِي استِبْرَاءِ الْإِمَاءِ وَيَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ فِي ثَلَاثةِ مَوَاضِعَ؛ أحَدُهَا، إِذَا مَلَكَ أمَةً، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا الاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، إلا المَسْبِيَّةَ، هَلْ لَهُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ، ــ بابٌ في استِبْراءِ الإِماءِ (ويجبُ الاسْتِبْراءُ في ثلاثةِ مواضعَ؛ أحدُها، إذا مَلَكَ أمَةً، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها ولا الاسْتِمْتاعُ بها بمُباشَرَةٍ أو قُبْلَةٍ حتى يَسْتَبْرِئَها، إلَّا المَسْبِيَّةَ، هل له الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَ الفَرْجِ؟ على رِوايَتَين) مَن مَلَكَ أمَةً بسَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ؛ كالبيعِ، والهِبَةِ، والإِرْثِ، وغيرِ ذلك، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا، صَغِيرةً أو كبيرةً، ممَّن تَحْمِلُ أو ممَّن (١) لا تَحْمِلُ. هذا قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وأكثرِ
следующие страницы →