← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

فَأمَّا مَنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيبَةٍ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ، كَالتَّاجِرِ ــ سنين، ثم اعْتَدَّتَ للوَفاةِ شَهْرَين وخمسةَ أيام. وهذا اخْتيارُ أبي بكر. وقال القاضي: تَتَرَبَّصُ نِصْفَ تَرَبُّصِ الحُرَّةِ. ورواه أبو طالبٍ عن أحمدَ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ؛ لأنَّها مُدَّة مضْروبةٌ للمرأةِ لعَدَمِ زَوْجِها، فكانتِ الأمَةُ فيه على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ. ولَنا، أنَّ الأرْبَعَ السنين مَضْرُوبَة لِكَوْنِها أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ، [ومُدَّةُ الحَمْلِ] (١) في الأمَةِ والحُرَّةِ سواءٌ، فاسْتَوَيا في التَّرَبُّصِ لها، كالتِّسْعَةِ الأشْهُرِ في حَقِّ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، وكالحَمْلِ نَفْسِه (٢)، وبهذا (٣) يَنْتَقِضُ قِياسُهم. فأمَّا العَبْدُ، فإن كانت زَوْجَتُه حُرَّةً فتَرَبُّصُها كتَرَبُّص الحُرَّةِ [تحت الحُرِّ] (٤). وإن كانت أمَةً، فهي كالأمَةِ تحت الحُرِّ (٥)؛ لأنَّ العِدَّةَ مُعْتَبَرَة بالنِّساءِ دُونَ الرِّجالِ، وكذلك مُدَّةُ التَّرَبُّصِ. وحُكِيَ عن الزُّهْرِيِّ، ومالِك، أنَّه يُضْرَبُ له نِصْفُ أجَلِ الحُرِّ (٦). والأوْلَى ما قُلْناه؛ لأنه تَرَبُّص مَشْرُوع في حَقِّ المرأةِ لفُرْقَةِ زَوْجِها، فأشْبَهَتِ العِدَّةَ. الثاني (مَن انْقَطَعَ خَبَرُه لغَيبَةٍ ظاهِرُها السَّلامَةُ) كسَفَرِ التِّجارَةِ في غيرِ

стр. 11657

وَالسَّائِحِ، فَإِنَّ امْرَاتَهُ تَبْقَى أبَدًا إِلَى أنْ يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ. وَعَنْهُ؛ أنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعِينَ عَامًا مَعَ سِنِّهِ يَوْمَ وُلِدَ، ثُمَّ تَحِلُّ. ــ مَهْلَكَةٍ، وإباقِ العَبْدِ، وطَلَبِ العِلْمَ والسياحةِ (فإنَّ امْرأتَه تَبْقَى أبدًا، حتى يُتَيَقَّنَ موْته) رُوِيَ ذلك عن علي. وإليه ذهبَ ابنُ شبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيلَى، [والثَّوْرِيُّ] (١)، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجَديدِ. ورُوِيَ ذلك عن أبي قِلابَةَ، [والنَّخَعِيِّ] (٢)، وأبي عُبَيدٍ. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ في القديمِ: تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، وتَعْتَدُّ للوَفاةِ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، وتَحِل للأزْواجِ؛ لأنَّه إذا جاز الفَسْخ لِتَعَذُّرِ الوَطْءِ بالعُنَّةِ، وتَعَذر النَّفَقَةِ. بالإِعْسارِ، فلَأن يجوزَ ههُنا لتَعَذُّرِ الجميعِ أولَى. واحْتَجُّوا بحديثِ عمرَ الذي ذَكَرْناه في [المفْقُودِ، مع مُوافَقَةِ الصَّحابةِ، وتَرْكِهم إنْكارَه. ونَقَلَ أحمدُ بنُ أصْرَمَ، عن أحمدَ: إذا مَضَى عليه] (٢) تِسْعُونَ (٣) سنةً، قُسِمَ مالُه. وهذا يَقْتَضِي أنَّ زَوْجَتَه تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ ثم تتزوَّجُ. قال أصحابُنا: إنَّما اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سنةً مِن يومِ ولادَتِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يعيشُ أكثرَ منها،

стр. 11658

وَكَذَلِكَ امْرَأةُ الْأسِيرِ. ــ فإذا اقْتَرَنَ به انْقطاعُ خَبَرِه، وجَبَ الحُكْمُ بمَوْتِه، كما لو كان فَقْدُه لِغَيبَةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ. والمذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذه غَيبَةٌ ظاهِرُها السَّلامَةُ، فلم يُحْكَمْ بمَوْتِه، كما قبلَ أرْبَعِ سِنِينَ، أو كما قبلَ التِّسْعِين (١)، ولأنَّ هذا التَّقْديرَ بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يَنْبَغِي أنْ يُصارَ إليه إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولأنَّ تَقْدِيرَ هذا بتِسْعين سنةً مِنِ يومِ ولادَتِه، يُفْضِي إلى اخْتِلافِ العِدَّةِ في حَقِّ المرأةِ، ولا نَظِيرَ لهذا، وخبَرُ عمرَ وَرَدَ في مَن ظاهِرُ غَيبَتِه الهَلاكُ، فلا يُقَاسُ عليه غيرُه. فصل: فإن كافت غيبَتُه غيرَ مُنْقَطِعةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُه، ويأتِي كِتابُه، فهذا ليس لامْرَأتِه أن تَتَزَوَّجَ في قولِ أهلِ العلمِ أجْمَعِينَ (٢)، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ

стр. 11659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِنْفاقُ عليها مِن مالِه، فلها أن تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكاحِ، فيُفْسَخَ نِكاحُه. وأجْمَعُوا أنَّ امرأةَ الأسِيرِ لا تَنْكِحُ حتىَ تَعْلَمَ يَقِينَ وَفاتِه. هذا قولُ النَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ويَحْيى الأنْصارِي، ومَكْحُولٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْر، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأي. وإن أبقَ العبدُ، فزَوْجَتُه على الزَّوْجِيَّةِ، حتى تَعْلَمَ مَوْتَه أو رِدَّتَه. وبه قال الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وقال الحسنُ: إباقُه طَلاقُه. ولَنا، أله ليس بمَفْقُودٍ، فلم يَنْفسِخْ نِكاحُه، كالحُر. ومَن تَعَذَّرَ الانْفاقُ مِن مالِه على زَوْجَتِه، فحُكْمُه في الفَسْخِ حُكْمُ ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ العَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِه على سَيِّدِه، أو (١) في كَسْبِه، فيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الإِنْفاقِ مِن (٢) مَحِلِّ الوُجُوبِ. فصل: إذا تَزَوَّجَ الرجلُ امرأةً لها وَلَا مِنٍ غيرِه، فمات ولدُها، فإنَّ أحمدَ قال: يَعْتَزِلُ امرأتَه حتى تَحِيضَ حَيضَة. وهذا يُرْوَى عن عليِّ بنِ أبي طالب، والحسنِ ابْنِه، ونحوُه عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، ﵃، وعن الحسينَ بنَ علي، والصَّعْبِ بنَ جَثَّامةَ (٣). وبه قال عطاء، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو عُبيدٍ. قال عمرُ

стр. 11660

وَمَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أوْ مَاتَ عَنْهَا وَهُوَ غَائِب عَنْهَا، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَ أو طَلَّقَ، وإنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ. وَعَنْهُ، إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَينةٍ فَكَذَلِكَ، وَإلَّا فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ بَلَغَهَا الْخَبَرُ. ــ ابنُ عبدِ العَزيزِ: حتى يَنْظُرَ بها حَمْلٌ أو لا. وإنَّما قالوا ذلك لأنَّها إن كانت حامِلًا حينَ مَوْتِه، وَرِثَه حَمْلُها، وإن حَدَثَ الحملُ بعدَ الموْتِ، لم يَرِثْه (١). وإن كان للمَيتِ ولَد أو أب أو جَد، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لأنَّ الحملَ لا مِيراثَ له، وإن كانت حامِلًا قد تبَيَّنَ حَمْلها، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لأنَّ الحملَ معلوم، وإن كانتْ آيِسَةً، لم يَحْتَجْ إلى اسْتِبْرائِها؛ لليَأسِ مِن حَمْلِها. وإن كانت ممن يُمْكِنُ حَمْلُها، ولم يَتَبَيَّنْ بها حَمْل، ولم يَعْتَزِلْها زَوْجُها، فأتَتْ بوَلَدٍ قبلَ سِتَّةِ أشْهُر، وَرِثَ، وإن أتَتْ به بعدَ سِتّةِ أشْهُر مِن حين وَطِئَها بعدَ مَوْتِ وَلَدِها، لم يَرِثْ؛ لأنَّا لا نَتَيَقَّنُ وُجُودَه حال مَوْتِه. هذا يُرْوَى عن سُفْيانَ، وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ. ٣٨٧٠ - مسألة: (ومَن مات عنها زَوْجُها، أو طَلَّقَها وهو غائِب، فَعِدَّتُها مِن يومِ مات أو طَلَّقَ، وإن لم تَجْتَنِبْ ما تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّاتُ. وعنه، إن ثَبَتَ ذلك ببَينةٍ فكذلك، وإلَّا فَعِدَّتُها مِن يومِ بَلَغَها الخَبَرُ) المشهورُ

стр. 11661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في المذهبِ، أنَّه متى مات عنها أو طَلَّقَها زَوْجُها، فعدَّتُها مِن يومِ مَوْتِه وطَلاقِه. قال أبو بكر: لا خِلافَ عن أبي عبدِ اللهِ أعْلَمُه، أنَّ العِدَّةَ تجبُ مِن حينِ الموْتِ والطلاقِ، إلَّا ما رواه إسْحاقُ بنُ إبْراهيمَ. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباس، وابنِ مسعودٍ، ومَسْرُوق، وعطاء، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَير، وعِكْرِمَةَ، وطَاوُس، وسُليمانَ بنِ يَسارٍ، وأبي قِلابَةَ، وأبي العالِيَةِ، والنَّخَعِيِّ، ونافِعٍ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي. وعن أحمدَ، إن قامت بذلك بَينةٌ، فكما ذَكَرْنا، وإلَّا فعدَّتُها مِن يومِ يأتِيها الخَبَرُ. ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ. ويُرْوَى عن [عليٍّ، و] (١) الحسنِ، وقتادةَ، وعطاءٍ الخُرَاساني، وخِلاسِ بنِ عمرو، أنَّ عِدتَها مِن يومِ يَأتِيها الخَبَرُ؛ لأنَّ العِدةَ (٢) اجْتِنابُ أشْياءَ، وما اجْتَنَبَتْها. ولَنا، أنها لو كانتْ حاملًا (٣)، فوَضَعَتْ حمْلَها غيرَ عالمةٍ بفُرْقَةِ زَوْجِها، لانْقَضَتْ عِدَّتُها، فكذلك سائرُ أنْواعِ العِدَدِ، ولأنَّه زمانٌ عَقِيبَ الموْتِ أو الطَّلاقِ، فوَجَبَ أن تَعْتَد به، كما لو كان حاضِرًا، ولأنَّ القَصْدَ (٤) غيرُ مُعْتَبَرٍ في العِدَّةِ، بدَلِيلِ الصَّغيرةِ والمَجْنُونَةِ تَنْقَضِي عِدَّتُهُما مِن غيرِ قَصْدٍ، ولم

стр. 11662

وَعِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْمَزْنِيِّ بِهَا. وَعَنْهُ، أنهَا تُسْتَبْرأُ بِحَيضَةٍ. ــ يُعْدَمْ ههُنا إلَّا القَصْدُ، وسواء في هذا اجْتَنَبَتْ ما تَجْتَنِبُه المُعْتَدَّاتُ أو لم تَجْتَنِبْه، فإنَّ الإِحْدادَ الواجبَ ليس بشَرْطٍ في العِدَّةِ، فلو تَرَكَتْه قَصْدًا، أو عن غيرِ قَصْدِ، لانْقَضَتْ عِدَّتُها، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وقال: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. وقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وفي اشْتِراطِ الإِحْدادِ مُخالفَةُ هذه النُّصُوصِ، فوَجب أن لا (١) يُشتَرَطَ. ٣٨٧١ - مسألة: (وعِدَّةُ المَؤطُوءَةِ بشُبْهَةٍ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ، وكذلك المَزْنِيُّ بِها. وعنه، أنَّها تُسْتَبْرأ بِحَيضَةٍ) [ وجملةُ ذلك، أن عِدَّةَ المَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ، وكذلك المَوْطُوءَةُ في نكاحٍ فاسدٍ] (٢). وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّ وَطْءَ الشّبْهَةِ وفي النكاحِ الفاسدِ،

стр. 11663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في شَغْلِ الرَّحِمِ ولُحُوقِ النَّسَبِ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الصَّحِيحِ، فكان مثلَه فيما تَحْصُلُ به البَراءَةُ. وإن وُطِئَتِ المُزَوَّجَةُ بشُبْهَةٍ، لم يَحِلَّ لزَوْجِها وَطْؤها قبلَ قَضاءِ عِدَّتِها؛ كي لا يُفْضِيَ إلى اخْتِلاطِ المِياهِ واشْتِباهِ الأنْسابِ. وله (١) الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَ الفَرْجِ، في أحدِ الوَجْهينِ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ حَرُمَ وَطْؤها لعارِض مُخْتَصٍّ بالفَرْجِ، فأبِيحَ الاسْتِمْتاعُ منها بما دُونَه، كالحَيضِ. والثاني، لا تَحِلُّ؛ لأنَّ ما (١) حَرَّمَ الوَطْءَ حَرَّمَ دَواعِيَه، كالإِحْرامِ. فصل: وكذلك المَزْنِيُّ بها، [عِدَّتُها عِدَّةُ] (٢) الموْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ.

стр. 11664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبهذا قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ. وعن أحمدَ روَاية أخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرأ بحَيضَةٍ. ذكرَها ابنُ أبي مُوسى. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ المَقْصُودَ به معْرِفَةُ البَراءَةِ مِن الحملِ، فأشْبَهَ اسْتِبْراءَ الأمَةِ. ورُوِيَ عن أبي بكر وعمرَ، رَضِيَ الله، عنهما، أنَّه (١) لا عِدَّةَ عليها. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرأي؛ لأنَّ العِدَّةَ لحِفْظِ النَّسَب، [ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ] (٢). وقد رُوي عن علي، ﵁، ما يَدُلُّ على ذلك. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ، فوَجَبَتِ العِدَّةُ منه، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ. وأمَّا وُجُوبُها كعِدَّةِ المُطَلَّقَةِ؛ فلأنها حُرَّة، فأشْبَهَتِ المَوْطُوءَةَ بشُبْهَةٍ. وقولُهم: إنَّما تجبُ لحِفْظِ النَّسَبِ. قُلْنا: لو وَجَبَ لذلك، لَمَا وَجَبَ على المُلَاعِنَةِ المَنْفِيِّ وَلَدُها، والآيِسَةِ، والصَّغيرةِ، ولَما وَجَبَ اسْتِبْراءُ الأمَةِ التي لا يَلْحَقُ ولَدُها بالبائِعِ، ولو وَجَبَ لذلك (٣)، كان اسْتِبْراءُ الأمَةِ على البائِعِ، ثم لو ثَبَتَ أنَّها وجَبَتْ لذلك (٤)، فالحاجَةُ إليها داعِيَةٌ؛ فإنَّ

стр. 11665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَزْنِيَّ بها إذا تَزَوَّجَتْ قبلَ الاعْتِدادِ، اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ (١) بالوَلَدِ مِن الزِّنَى، فلا يَحْصُلُ حِفْظُ النَّسَبِ. فصولٌ تَتعلَّقُ بالمفْقودِ: إذا اخْتارَتِ امرأةُ المَفْقُودِ المُقامَ والتَّصَبُّرَ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه، فلها النَّفَقَةُ ما دام حَيًّا، ويُنْفَقُ عليها بالمعروف (٢) من مالِه [حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه] (٣)، لأنها مَحْكُوم لها بالزَّوْجِيَّةِ، فيَجِبُ لها النفَقَةُ، كما لو عُلِمَتْ حياتُه. فإذا تَبَيَّنَ أنَّه كان حَيًّا، وقَدِمَ، فلا كلامَ، وإن تَبَيَّنَ أنَّه مات، أو فارَقَها، فلها النَّفَقَةُ إلى يومِ مَوْتِه أو بَينُونَتِها منه، ويَرْجِعُ عليها بالباقِي، لأنَّنا تَبَينا أنَّها أنْفَقَتْ مال غيرِه، أو أنْفَقَتْ مِن مالِه وهي غيرُ زوجةٍ له. وإن رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكمِ، فضَرَبَ لها مُدَّةً، فلها النَّفَقَةُ في مُدَّةِ التَّرَبُّصِ ومُدَّة العِدَّةِ، لأنَّ مُدةَ العِدةِ لم يُحْكَمْ فيها ببَينُونَتِها مِن زَوْجِها، فهي مَحْبُوسَة عليه بحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فأشْبَهَ ما قبلَ العِدَّةِ، وأمَّا مُدَّةُ العِدَّةِ، [فلأنَّها غيرُ مُتَيَقَّنَ] (٤)، بخِلافِ عِدَّةِ الوَفاةِ، فإنَّ مَوْتَه مُتَيَقَّنٌ، وما بعدَ العِدَّةِ إن تَزَوَّجَتْ أو فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما، سَقَطَتْ نَفَقَتُها؛ لأنَّها أسْقَطَتْها بخُرُوجِها عن حكمِ نِكاحِه، وإن لم تَتَزَوَّجْ ولا فَرَّقَ الحاكمُ بَينَهما، فنَفَقَتُها باقِيَةٌ، لأنها لم تَخْرُجْ مِن نِكاحِه. فإن قَدِمَ الزَّوْجُ بعدَ ذلك وَرُدَّتْ إليه، عادَتْ نَفَقَتُها مِن حينِ الردِّ. وقد

стр. 11666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ روَى الأثْرَمُ والجُوزْجانِيُّ، عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، قالا: تَنْتَظِرُ امرأةُ المفْقُودِ أرْبَعَ سِنِينَ. قال ابنُ عمرَ: ويُنْفقُ عليها مِن مالِ زَوْجِها. وقال ابنُ عباسٍ: إذًا يُجْحِفَ ذلك بالوَرَثَةِ، ولكنَّها تَسْتَدِينُ، فإذا جاء زَوْجُها أخَذَت مِن مالِه، وإن مات أخَذَتْ مِن تَرِكَتِه (١) نَصِيبَها مِن المِيراثِ. وقالا: يُنْفَقُ عليها بعدُ في العِدَّةِ بعدَ الأرْبَعِ سِنِينَ مِن مالِ زَوْجِها جَمِيعِه، أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا (٢). وإن قُلْنا: ليس لها أن تَتَزَوَّجَ. لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها ما لم تَتَزَوَّجْ، فإن تزَوَّجَتْ، سَقَطَتْ نَفَقَتُها؛ لأنَّها بالتَّزْويجِ تخرُجُ عن يَدَيه، وتَصيرُ ناشِزًا، وإن فُرِّقَ بينَهما، فلا نفَقَةَ لها ما دامتْ في العِدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ، فلم تعُدْ إلى مَسْكنِ زَوْجِها، فلا نفَقَةَ لها أيضًا؛ لأنَّها باقيةٌ على النُّشُوزِ. وإن عادت إلى مَسْكنِه، احْتَمَلَ أن تعودَ النَّفقَةُ؛ لأن النُّشُوزَ المُسْقِطَ لِنَفَقَتِها قد زال، ويَحْتَمِلُ أنَّها لا تعودُ؛ لأنَّها ما سَلّمَتْ نفْسَها إليه. وإن عادَ فتَسَلَّمها عادَتْ نَفَقَتُها. ومتى أُنْفِقَ عليها، ثم بانَ أنَّ الزَّوْجَ كان قد ماتَ قبلَ ذلك، حُسِبَ عليها ما انْفِقَ عليها مِن حينِ مَوْتِه مِن مِيراثِها، فإن لم تَرِثْ شيئًا، فهو عليها؛ لأنَّها أنْفقَتْ مِن مالِ الوارِثِ ما لا تَسْتَحِقُّه. فأمَّا نفَقَتُها على الزَّوْجِ الثاني، فإن قُلْنا: لها أنْ تتَزَوَّجَ. فنِكاحُها صَحِيحٌ، حُكْمُه في النَّفَقَةِ حُكْمُ الأنْكِحَةِ الصَّحِيحَةِ. وإن قُلنا:

стр. 11667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ليس لها أن تتَزَوَّجَ. فلا نفَقَةَ لها، فإن أنْفَقَ، لم يَرجِعْ بشيءٍ؛ لأنه مُتَطَوِّعٌ به (١)، إلَّا أن يُجْبِرَه الحاكمُ على ذلك، فيَحْتَمِلُ أن يرْجِعَ بها؛ لأنَّه ألْزَمَه أداءَ ما (٢) لم يكن واجِبًا عليه، ويَحْتَمِلُ أن لا يرْجِعَ به؛ لأنَّ ما حَكمَ به الحاكمُ لا يجوزُ نقْضُه، ما لم يُخالِفْ كِتابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا. فإن فارَقَها بتَفْريقِ الحاكمِ أو غيرِه، فلا نفَقَةَ لها، إلَّا أن تكونَ حامِلًا، فيَنْبَنِي وُجوبُ النَّفقَةِ على الرِّوايتَين في النَّفَقَةِ؛ هل هي للحَمْلِ، أو لها مِن أجْلِه؟ فإن قُلْنا: هي للحَمْلِ. فلها النَّفَقَةُ؛ لأنَّ نَسَبَ (٣) الحَمْلِ لاحقٌ به، فيَجبُ عليه الإنْفاقُ على وَلَدِه. وإن قُلْنا: لها مِن أجْلِه. فلا نَفَقَةَ لها؛ لأنَّها في غيرِ نِكاح صَحيح، فأشْبَهَ حَمْلَ المَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ. وإذا أتَتْ بوَلَدٍ يُمْكنُ كَوْنُه مِن الثاني، لَحِقَه نَسَبُه؛ لأنَّها صارَتْ فِراشًا له، وقد عَلِمْنا أنَّ الولَدَ ليس مِن الأوَّلِ؛ لأنَّها ترَبَّصَتْ بعدَ فَقْدِه أكثرَ (٤) مُدَّةِ الحَمْلِ، وتَنقَضِي عِدَّتُها مِن الثاني بوَضْعِه؛ لأنَّ الولَدَ منه، وعليها أنْ تُرْضِعَه اللِّبَأ (٥)؛ لأنَّ الولَدَ لا يقومُ بَدَنُه إلَّا به، فإن رُدَّتْ إلى الأوّلِ، فله مَنْعُها مِن رَضاعِه، كما له أن يَمْنَعَها مِن رَضاعِ أجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُها عن حُقُوقِه، إلّا أن يُضْطرَّ إليها، ويُخْشَى عليه التَّلَفُ، فليس له مَنْعُها

стр. 11668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن رَضاعِه؛ لأنَّ هذا حالُ ضَرورَةٍ. فإن أرْضَعَتْه في بيتِ الزوْجَ الأوَّلِ، لم تَسْقُطْ نفَقَتُها؛ لأنَّها في قَبْضَتِه ويَدِه، وإن أرْضَعَتْه في غيرِ بَيته بغيرِ إذْنِه، فلا نفَقَةَ لها؛ لأنها ناشِزٌ، وإن كان بإذْنِه، خُرِّجَ على الرِّوايتَين فيما إذا سافَرَتْ بإذْنِه. فصل في مِيراثها مِن الزَّوْجَين وتَوْرِيثهما منها: متى مات زَوْجُها الأوَّلُ، أو ماتَتْ قبلَ تَزَوُّجها الثاني، وَرِثَتْه وَوَرِثَها. وكذلك إن تَزَوَّجَتِ الثاني فلم يَدْخُلْ بها؛ لأنَّنا قد تَبَيَّنا أنه متى قَدِمَ قبلَ الدُّخولِ بها، رُدَّتْ إليه بغيرِ تخْيِيرٍ. وذكرَ القاضي فيها روايةً أُخْرَى (١)، أنَّه يُخيَّرُ فيها. فعلى هذه الرِّوايةِ، حُكْمُها حُكْمُ ما لو دَخَلَ بها الثاني. فأمَّا إذا دَخَلَ بها الثاني، وقَدِمَ زَوْجُها الأولُ فاخْتارَها، رُدَّت إليه، ووَرِثَها ووَرِثَتْه، ولم تَرِثِ الثانِيَ ولم يَرِثْها؛ لأنه لا زَوْجِيَّةَ بَينَهما. وإن مات أحَدُهما قبلَ اخْتِيارِها؛ إمَّا في الغَيبَةِ أو بعدَ قُدومِه، فإن قُلْنا: إن لها أن تتَزَوَّجَ. وَرِثَتِ الزوْج الثانِيَ ووَرِثَها، ولِم تَرِثِ الأوَّلَ ولم يَرِثْها؛ لأن مَن خُيِّرَ بينَ شَيئَين فتَعَذرَ أحَدُهما، تعَيَّنَ الآخرُ. وإن ماتَتْ قبلَ اخْتِيارِ الأوَّلِ، خُيِّرَ، فإنِ اخْتارَها وَرِثَها، وإن لم يَخْتَرْها وَرِثَها الثاني. هذا ظاهِرُ قولِ أصْحابِنا. وأنا على ما اخْتارَه شيخُنا (٢)، فإنها لا تَرِثُ الثانِيَ ولا يَرِثُها بحالٍ، إلَّا أن يُجَدِّدَ لها (٣) عَقْدًا، أو لا يَعْلَمَ أن الأولَ كان حَيًّا، ومتى عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ كان

стр. 11669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيًّا، وَرِثَها ووَرِثَتْه، إلا أن يَخْتارَ تَرْكَها، فتَبِين منه بذلك، فلا تَرِثه ولا يَرِثها. وعلى قولِ أبي الخَطابِ، إن حَكَمْنا بوقوعِ الفرْقَةِ بتَفْريقِ الحاكمِ ظاهِرًا وباطِنًا، وَرِثَتِ الثاني ووَرِثَها دونَ الأولِ، وإن لم نَحْكمْ بوقوعِ الفرْقَةِ باطِنًا، وَرِثَتِ الأولَ، ووَرِثَها دونَ الثاني. فأمَّا عِدتها منهما، فمَن وَرِثَتْه اعْتَدتْ لوَفاتِه عِدَّةَ الوَفاةِ. وإن مات الثاني في موْضِع لا تَرِثه، فالمَنْصوص عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدةَ الوَفاةِ في النِّكاحِ الفاسدِ. فعلى هذا، عليها عِدَّة الوَفاةِ لِوَفاتِه. وهو اخْتيار أبي. وقال ابن حامِدٍ: لا عِدَّةَ عليها لِوَفاتِه، لكنْ تَعْتَدُّ مِن وَطْئِه بثلاثةِ قروءٍ، فإن ماتا معًا، اعْتَدتَ لكلِّ واحدٍ منهما، وبدأتْ بعِدَّةِ الأولِ، فإن أكْمَلَتْها، اعْتَدَّتْ للآخَرِ، وإن مات الأول أولًا، فكذلك، وإن مات الثاني أولًا، بدَأتْ بعِدَّتِه، فإن مات الأوَّل، انقَطَعَتْ عِدَّة الثاني، ثم ابتدأتْ عِدَّةَ الأولِ، فإذا أكَمْلَتْها، أتَمَّتْ عِدةَ الثاني. وإن علِمَ مَوْت أحَدِهما، وجهِلَ وَقْت (١) مَوْتِ الآخَرِ، أو جهِلَ مَوْتهما، فعليها أن تَعْتَد عِدتَين مِن حينَ تَيَقَّنَتِ المَوْتَ، وتبْدأ بعِدَّةِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَق وأوْلَى، وإن كانتْ حامِلًا فبِوَضْعِ الحملِ تَنْقَضِي عِدَّة الثاني لأنَّ الولَدَ منه، ثم تَبْتَدِيء بعِدَّةِ الوَفاةِ، أرْبعَةَ أشْهر وعَشْرًا. فصل: إذا تزَوَّجَتِ امرأة المَفْقُودِ في وَقْتٍ ليس لها أن تتزَوجَ فيه، نحوَ أن تتزَوَّجَ قبلَ مضِيِّ المدَّةِ التي يباحُ لها التزَوُّج بعدَها، أو كانت غَيبَة

стр. 11670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَوْجِها ظاهِرُها السَّلامَةُ، أو ما أشْبَهَ هذا، فنِكاحها باطِل. وقال القاضي: إن تَبَيَّنَ أنَّ زَوْجَها قد مات، وانْقَضَتْ عِدَّتُها منه، أو فارَقَها وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ففي صِحَّةِ نِكاحِها وَجْهان؛ أحَدُهما، هو صَحيح؛ لأنَّها ليستْ في نِكاح ولا عِدَّةٍ، فصَحَّ تَزْويجُها، كما لو عَلِمَتْ ذلك. والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّها مُعْتَقِدَة تَحْرِيمَ نِكاحِها وبُطْلانَه. وأصْلُ هذا مَن باعَ عَينًا في يَدِه يعْتَقِدُها لمَوْرُوثِه، فبانَ مَوْرُوثُه مَيِّتًا والعينُ مَمْلوكةً له بالإِرْثِ، هل يَصِحُّ البَيعُ؟ فيه وَجْهان. كذا ههُنا. ومذهبُ الشافعيِّ مثلُ هذا. ولَنا، أنَّها تزَوَّجَتْ في مُدَّةٍ مَنَعَها الشَّرْعُ النِّكاحَ فيها، فلم يَصِحَّ، كما لو تزَوَّجَتِ المُعْتَدَّةُ في عِدَّتِها، والمُرْتابَةُ قبلَ زَوالِ الرِّيبَةِ. فصل: وإن غابَ رَجُلٌ عن زَوْجَتِه، فشَهِدَ ثِقات بوَفاتِه، فاعْتَدَّتْ زوجَتُه للوَفاةِ، أُبِيحِ لها أن تتزَوَّجَ. فإن عادَ الزوجُ بعدَ ذلك، فحُكْمُه حُكْمُ المَفْقُودِ، يُخيَّرُ زَوْجُها بينَ أخْذِها وتَرْكِها وله الصَّداقُ، وكذلك إن تظاهَرَتِ الأخْبارُ بمَوْتِه. وقد رَوَى الأثْرَمُ بإسنادِه، عن أبي المَلِيحِ، عن سُهَيَّةَ (١)، أنَّ زَوْجَها صَيفِيَّ بنَ فَسِيلٍ (٢)، نُعِيَ لها مِن قَنْدابِيلَ (٣)، فتزوَّجَتْ بعدَه، ثم إنَّ زَوْجَها الأوَّلَ قَدِمَ، فأتَينا (٤) عُثمانَ وهو مَحْصُور،

стр. 11671

فَصْل: وَإذَا وُطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ أوْ غَيرِهَا، أتَمَّتْ عِدَّةَ الْأوّلِ، ثُمّ اسْتَأنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الْوَطْءِ، ــ فأشْرَفَ علينا، ثم قال: كيف أقْضِي بَينَكم (١) وأنا على هذه الحالِ! فقُلْنا: قد رَضِينا بقَوْلِكَ. فقَضَى أن يُخَيَّرَ الزَّوْجُ الأوَّلُ بينَ الصداقِ وبينَ المرأةِ. فلما قُتِلَ عثمانُ، أتَينا عليًّا، فخَيَّرَ الزَّوْجَ الأوَّلَ بينَ الصَّداقِ والمرأةِ، فاخْتارَ الصداقَ، فأخَذَ مِنِّي ألْفَين، ومِن زَوْجِي الآخَرِ (٢) ألْفَين (٣). فإن حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بشَهادَةٍ مَحْصُورَةٍ، فما حَصَلَ مِن غَرامةٍ فعليهما؛ لأنَّهما سَبَب في إيجابِها. وإن شَهِدا بِمَوْتِ رجل، فَقُسِمَ مالُه، ثم قَدِمَ، فما وَجَدَ مِن مالِه أخَذَه، وما تَلِفَ منه أو تَعَذرَ رُجُوعُه فيه، فله تَضْمِينُ الشَّاهِدَين؛ لأنَّهما سَبَبُ الاسْتِيلاءِ عليه، وللمالِكِ تَضْمِينُ المُتْلِفِ؛ لأنه أتْلَفَ ماله بغيرِ إذْنِه. فصل: (وإذا وُطِئَتِ المُعْتَدَّةُ بشُبْهَةٍ أو غيرِها، أتَمَّتْ عِدَّةَ الأوَّلِ، ثم اسْتأنفَتِ العِدةَ مِن الوَطْءِ) إنما كان كذلك؛ لأن العِدَّتَين مِن رَجُلَين

стр. 11672

وَإنْ كَانَتْ بَائِنًا فَأصَابَهَا الْمُطَلِّقُ عَمْدًا، فَكَذَلِكَ، وَإنْ أصَابَهَا ــ لا يتَداخلانِ، لِكَوْنِهما حَقّ! ين لرَجُلَين، أشْبَهَ الدَّينَين، فتُتِمُّ عِدَّةَ الأوَّلِ، وتجبُ للثاني عِدَّة كاملة بعدَ قضاءِ عِدَّةِ الأوَّلِ. ٣٨٧٢ - مسألة (وإن كانت بائِنًا فأصابها المُطَلِّقُ عَمْدًا، فكذلك) لأنَّها قد صارَتْ أجْنَبِيَّةً منه، فأشْبَهَ وَطْءَ الأجْنَبِيِّ (وإن

стр. 11673

بِشُبْهَةٍ، اسْتَأنَفَتِ الْعِدَّةَ لِلْوَطْءِ، وَدَخَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ الأولَى، ــ أصابَها بشُبْهَةٍ، اسْتأنفَتِ العِدَّةَ مِن الوَطْءِ، ودخَلَتْ فيها بَقِيَّةُ الأولى) لأنَّ الوَطْءَ بالشُّبْهَةِ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فدخَلَتْ بَقِيَّةُ الأولى في العِدةِ الثانيةِ.

стр. 11674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٨٧٣ - مسألة: وكلُّ مُعْتَدَّةٍ مِن غيرِ النكَاحِ الصَّحِيحِ؛ كالزَّانِيَةِ، والمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أو في نِكاح فَاسِدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ تَحْرِيمُ نِكاحِها على الواطِئ وغَيرِه. قال شيخُنا (١): والأوْلَى حِلُّ نِكاحِها لمن هي مُعْتَدَّة منه، إن كان يَلْحَقُه نَسَبُ ولَدِها؛ لأنَّ العِدَّةَ لحِفْظِ مائِه، وصِيانةِ نَسَبِه، ولا يُصانُ ماؤه المُحْتَرَمُ عن مائِه المُحَرَّمِ (٢)، ولا يُحْفَظُ نَسَبُه عنه، ولذلك أبِيحَ للمُخْتَلِعَةِ نِكاحُ مَن خالعَها، ومَن لا يَلْحَقُه نَسَبُ ولَدِها، كالزَّانِيَةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُها؛ لأنَّه يُفْضِي إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ، فالواطِيء كغيرِه في أنَّ النَّسَبَ لا يَلْحَقُ بواحدٍ منهما.

стр. 11675

المقنع وَإنْ تَزَوَّجَتْ فِي عدَّتِهَا، لَمْ تَنْقَطِعْ عِدَّتُهَاحَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَتَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ، ــ ٣٨٧٤ - مسألة: (وإنْ تَزَوَّجْت في عِدَّتِها، لم تَنْقَطِعْ عِدَّتُها حتى يَدْخُلَ بها، فتَنْقَطِعُ حينَئذٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَدَّةَ لا يجوزُ لها أن تَنْكِحَ في عِدَّتِها، إجْماعًا، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١). ولأنَّ العِدَّةَ إِنَّما اعْتُبِرَتْ لمَعْرِفَةِ براءَةِ الرَّحِمِ، لِئلَّا يُفْضِيَ إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، واشْتِباهِ الأنْسابِ. فإن تزَوَّجت فالنِّكاحُ باطِل، لأنَّها مَمنوعَة مِن النِّكاحِ لحَقِّ الزَّوْج الأوَّلِ، فكان نِكاحًا باطِلًا، كما لو تزَوَّتَجْت وهي في نِكاحِه، ويجبُ أن يُفرَّقَ بينَه وبينَها، فإن لم يَدْخُلْ بها، فالعِدةُ بحالِها لا تَنْقَطِعُ بالعَقْدِ الثاني، لأَنه باطِل لا تَصِيرُ به المرأةُ فِراشًا، ولا يُسْتَحَقُّ عليه بالعَقْدِ شيءٌ، وتَسْقُطُ نَفَقَتُها وسُكْناها عن الزَّوْجِ الأوَّلِ، لأنَّها ناشِزٌ. وإن وَطِئَها، انْقَطَعَتِ العِدَّةُ، سَواءٌ عَلِمَ التَّحْريمَ أو جَهِلَه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَنْقَطِعُ، لأنَّ كَوْنَها فِراشًا لغيرِ مَن له العِدَّةُ لا يَمْنَعُها، كما لو وُطِئتْ بشُبْهَةٍ وهي زَوْجَة، فإنَّها تَعْتَدُّ وإن كانت فِراشًا للزَّوْجِ. وقال الشافعيُّ: إن وَطِئَها عالِمًا بأنَّها مُعْتَدَّة، وأنَّه مُحَرَّمٌ، فهو زانٍ، فلا تَنْقَطِعُ العِدَّةُ بوَطْئه، لأنَّها لا تَصِيرُ به فِراشًا، ولا

стр. 11676

ثُمَّ إِذَا فَارَقَهَا، بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنَ الأوَّلِ، وَاسْتَأنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِي، ــ يَلْحَقُ به نَسَبٌ، وإن كان جاهِلًا أنَّها مُعْتَدَّة، أو بالتَّحْريمِ، انْقَطَعَتِ العِدَّةُ بالوَطْءِ؛ لأنَّها تَصِيرُ به فِراشًا، والعِدَّةُ تُرادُ للاسْتِبْراءِ، وكَوْنُها فِراشًا يُنافِي ذلك، فوَجَبَ أن يَقْطَعَها، فأمَّا طَرَيانُه عليها، فلا يجوزُ. ولَنا، أنَّ هذا وَطْءٌ بشُبْهَةِ نِكاحٍ، فتَنْقَطِعُ به العِدَّةُ، كما لو جَهِلَ. وقولُهم: إنَّها لا (١) تصيرُ به فِراشًا. قُلْنا: لكنَّه لا يَلْحَقُ الولَدُ الحادثُ مِن وَطئِه بالزَّوْجِ الأوَّلِ، فهما سِيَّانِ (٢). إذا ثَبَتَ هذا، فعليه فِراقُها، فإن لم يَفْعَلْ، وجَبَ التفْرِيقُ بينَهما. ٣٨٧٥ - مسألة: (ثم إذا فارَقَها، بَنَتَ على عِدَّةِ الأوَّلِ، ثم اسْتأنَفَتِ العِدَّةَ مِن الثَّانِي) إنما بَنَتْ على عِدَّةِ الأوَّلِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبق، ولأنَّ عِدَّتَه وجَبَتْ عن وَطْء في نِكاح صحيح، فإذا كَمَّلَتْ عِدَّةَ الأؤلِ، وجَبَ عليها أن تَعْتَدَّ مِن الثاني، ولا تَتداخَلُ العِدَّتانِ؛ لأنَّهما مِن رَجُلَين. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: تتَداخَلان، فتَأتِي بِثلاثةِ قروءٍ بعدَ مُفارَقَةِ الثاني، تكونُ عن بَقِيَّةِ عِدَّةِ الأوَّلِ، وعِدَّةً للِثاني؛ لأن القَصْدَ معْرِفَةُ بَراءَةِ الرَّحِمِ، وهذا يَحْصُلُ به بَراءَةُ الرَّحِمِ منهما جميعًا. ولَنا،

стр. 11677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما روَى مالِك (١)، عن ابنِ شِهاب، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسُليمانَ بنِ يَسار، أنَّ طُلَيحَةَ كانت تحتَ رُشَيدٍ الثَّقَفِيِّ، فطَلَّقَها، ونكحَتْ في عِدَّتِها، فضَرَبَها عمرُ بنُ الخَطَّابِ، ﵁، وضَرَبَ زَوْجَها ضَرَباتٍ (٢) بمِخْفَقَةٍ، وفَرَّفَ بينَهما، ثم قال: أيما امْرأةٍ نَكَحَتْ في عِدَّتِها، فإن كان زَوْجُها الذي تَزَوَّجَها لم يَدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينَهما، ثم اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِها مِن زَوْجِها الأوَّلِ، [وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدتْ بَقِيةَ عِدَّتِها مِن الأوَّلِ] (٣)، ثم اعْتَدَّتْ مِن الآخرِ، ولا يَنْكِحُها (٤) أبدًا. وروى بإسْنادِه عن علي أنَّه قَضَى في التي تزَوَّجُ في عِدَّتِها، أنَّه يُفَرَّقُ بينَهما، ولها الصَّداقُ بما اسْتَحَلَّ مِن فرْجِها، وتُكْمِلُ ما أفْسَدَتْ مِن عِدَّةِ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الآخَر (٥). وهذان قَوْلَا سَيِّدَين مِن الخُلَفاءِ، لم يُعْرَفْ لهما في الصَّحابةِ مُخالِف، ولأنَّهما حَقَّانِ مَقْصُودان لآدَمِيَّينِ، فلم يتَداخَلا، كالدَّينَين واليَمِينَين، ولأنَّه حَبْسٌ يَسْتَحِقُّه الرجالُ على النِّساءِ، فلم يَجُزْ أن تكونَ المرأةُ في حَبْسِ رَجُلَين، كالزّوْجَةِ.

стр. 11678

وَإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أحَدِهِما، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلآخَرِ أيِّهِمَا كَانَ، وَإنْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا، ــ ٣٨٧٦ - مسألة: (وإن أتَتْ بِولَدٍ مِن أحَدِهما، انْقَضَتْ عِدَّتُها به منه، ثم اعْتَدَّتْ للآخَرِ أيهما كان) وجملةُ ذلك، أنَّ التي تزَوَّجْت في عِدَّتِها إذا كانت حامِلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ حَمْلِها؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). فإن كان يُمْكِن أن يكونَ مِن الأوَّلِ دُونَ الثاني، [وهو أن تَأتِيَ به] (٢) لِدُونِ ستَّةِ أشْهُر مِن وَطْءِ الثاني، وأرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَها مِن فِراقِ الأوَّلِ، فإنَّه يَلْحَقُ بالأوَّلِ، وتَنْقَضِي عِدَّتُها منه بوَضْعِه، ثم تَعْتَدُّ بثلاثةِ قُروء عن الثاني. وإن أمْكَنَ كَوْنُه مِن الثاني دونَ الأوَّل، وهو أن تأتِيَ به لِسِتَّةِ أشْهُر فما زادَ إلى أرْبَع سِنِينَ مِن وَطْءِ الثاني، ولأكثرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ منذُ بانتْ مِن الأوَّلِ، فهو مُلْحَق بالثاني وحْدَه، تَنْقَضِي به عِدَّتُها منه، ثم تُتَمِّمُ عِدَّةَ الأوَّلِ. وتُقَدَّمُ عِدَّةُ الثاني ههُنا؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ الحملُ مِن إنْسانٍ والعِدَّةُ مِن غيرِه. ٣٨٧٧ - مسألة: (وإن أمْكَنَ أن يَكُونَ مِنْهُما) وهو أن تأتِيَ به لِسِتَّةِ أشْهُر فصاعِدًا مِن وَطْءِ الثَّانِي، ولأرْبَعِ سِنِينَ فَما دُونَها مِن بَينُونَتِها مِن الأوَّلِ (أُرِيَ القافَةَ معهما) فإن ألْحَقَتْه بالأوَّلِ، لَحِقَ به، كما لو أمْكَنَ

стр. 11679

فَأُلحِقَ بِمَنْ ألحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ عِدتُهَا بِهِ مِنْهُ، وَاعْتَدتْ لِلآخرِ، وإن ألحَقتْهُ بِهِمَا، ألحِقَ بِهِمَا، وَانقضَت عِدتهَا بِهِ مِنْهُمَا. ــ أن يَكُونَ منه دُونَ الثَّانِي، وإن ألْحَقتْه بِالثَّانِي، لَحِقَ به، وكان الحُكْمُ كما لو أمْكَنَ أن يَكُونَ مِن الثَّانِي دُونَ الأوَّلِ (فإن ألْحَقَتْه بهما، لَحِقَ بهما) ومُقْتَضَى المذهبِ أن تَنْقَضِيَ عِدَّتُها به (١) منهما جميعًا؛ لأنَّ نَسَبَه ثَبَتَ منهما، كما تَنْقَضِي عِدَّتُها به مِن الواحدِ الذي ثَبَتَ نَسَبُه منهما. فأمَّا إن نَفَتْه القافةُ عنهما، فحُكْمُه حكمُ ما لو أشكلَ أمرُه. فعلى هذا، تَعْتَدُّ بعدَ وَضْعِه بثلاثةِ قُروءٍ؛ لأنَّه إن كان مِن الأوَّلِ، فقد أتَتْ بما عليها مِن عِدّةِ الثاني، وإن كان مِن الثاني (٢)، فعليها أن تُكْمِلَ عِدَّةَ الأوَّلِ؛ ليَسْقُطَ الفَرضُ بيَقِينٍ، ولا يَنْتَفِي الولَدُ عنهما لقَوْلِ القافةِ؛ لأنَّ عملَ القافةِ ترْجِيحُ أحدِ صاحِبَي الفِراش، لا في النَّفْي عن الفِراش كله، ولهذا لو كان صاحبُ الفِراشِ واحِدًا فنَفَتْه القافةُ عنه، لم يَنْتَفِ بقَوْلِها. فأمَّا إن ولَدَتْ

стр. 11680

وَللثَّانِي أن يَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ العِدَّتَينِ. وَعَنْهُ، أنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيهِ ــ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُر مِن وَطْءِ الثاني، ولأكْثرَ مِن أرْبَعِ سِنِينَ مِن فِراقِ الأوَّلِ، لم يَلْحَقْ بواحِدٍ منهما، ولا تَنْقَضِي به (١) عِدَّتُها منه، لأنَّا نَعْلَمُ أنَّه مِن وَطْءٍ آخَرَ، فتَنْقَضِي به عِدَّتُها مِن ذلك الوَطْءِ، ثم تُتِمُّ عِدَّةَ الأولِ، وتَسْتأنف عِدَّةَ الثاني، لأنَّه قد وُجِدَ ما يَقْتَضِي عِدةً ثالثةً، وهو الوَطْءُ الذي حَمَلَتْ منه، فيَجِبُ عليها عِدَّتان، وإتْمامُ العِدَّةِ [مِن الأولِ] (٢). فصل: إذا تزَوَّجَ مُعْتَدَّةً، وهما عَالِمان بالعِدَّةِ وبتَحْرِيمِ النِّكاحِ فيها، ووَطِئَها، فهما زَانِيان عليهما حَدُّ الزِّنَى، ولا مَهْرَ لها، ولا يَلْحَقُه النَّسَبُ، وإن كانا جاهِلَين بالعِدَّةِ أو بالتَّحْرِيمِ، ثَبَتَ النَّسَبُ، وانْتَفَى الحَدُّ، ووَجَبَ المَهْرُ، وإن عَلِمَ هو دُونَها، فعليه الحَدُّ والمَهْرُ، ولا يَلْحَقُه النّسَبُ، وإن عَلِمَتْ هي دُونَه، فعليها الحَدُّ، ولا مَهْرَ لها، ويَلْحَقُه النَّسَبُ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ هذا نِكَاح مُتّفَق على بُطْلانِه، فأشْبَهَ نِكاحَ ذَواتِ مَحارِمِه. ٣٨٧٨ - مسألة: (وللثَّاني أن يَنْكِحَها بعدَ انْقِضاء العِدَّتَين .

стр. 11681

عَلَى التَّأبِيدِ. ــ وعنه، أنَّها تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ) أمَّا الزوجُ الأوَّلُ، فإن كان طَلَّقَ ثلاثًا، لم تَحِلَّ له بهذا النِّكاحِ وإن وَطِئَ فيه؛ لأنَّه نِكاح باطل، وإن طَلَّقَ دُونَ الثَّلاثِ، فله نِكاحُها بعدَ العِدَّتَين. وإن كانت رَجْعِيَّة، فله رَجْعَتُها في عِدَّتِها منه. وأمَّا الزَّوْجُ الثاني، ففيه روايتان؛ إحداهما، تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ في القَديمِ؛ لقَوْلِ عمرَ، ﵁: لا يَنْكِحُها أَبدًا. ولأنَّه استَعْجَل الحَقَّ قبلَ (١) وَقْتِه، فحُرِمَه في وَقْتِه، كالوارِثِ إذا قتلَ مَوْرُوثَه، ولأنه يُفْسِدُ النَّسبَ، فيُوقِعُ التَّحْرِيمَ المُؤبَّدَ، كاللِّعانِ. والثانيةُ، تَحِلُّ له. قال الشافعيُّ في الجديدِ: له نِكاحُها بعدَ قَضاء عِدَّةِ الأولِ، ولا يُمْنَعُ مِن نِكاحِها في عِدَّتِها منه؛ لأنه وَطْء يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فلا يَمْنَعُ مِن نِكاحِها في عِدَّتِها منه، كالوَطْءِ في النِّكاحِ، ولأنَّ العِدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ حِفْظًا للنَّسَبِ، وصِيانَةً للماءِ، والنَّسَبُ لاحِقٌ به ههُنا، فأشبَهَ ما لو خالعَها ثم نَكَحَها في عِدَّتِها. قال شَيخُنا (٢): وهذا قول حسن مُوافِق للنظَرِ. ولَنا على إباحَتِها بعدَ العِدَّتَين، أنَّه لا يَخْلو؛ إمَّا أن يكونَ تَحْرِيمُها بالعَقْدِ، أو بالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسدِ، أو بهما،

стр. 11682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجميعُ ذلك لا يَقْتَضِي التَّحْريمَ، بدليلِ ما لو نَكَحَها بلا وَلِي ووَطِئَها، ولأنه لو زَنَى بها، لم تَحْرُمْ عليه على التَّأبيدِ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ آياتِ الإِباحةِ عامَّة، كقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). وقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). فلا يجوزُ تَخْصِيصُها بغيرِ دليل، وما رُوِيَ عن عمرَ في تَحْرِيمِها، فقد خالفَه على فيه، ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه رَجَعَ عن قولِه في التَّحْرِيمِ إلى قولِ علي، فإنَّ عَلِيًّا قال: إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها، فهو خاطِب مِن الخُطابِ. فقال عمرُ: رُدُّوا الجَهالاتِ إلى السُّنَّة. ورَجَعَ إلى قولِ علي (٣). وقِياسُهم يَبْطُلُ بما إذا زَنَى بها، فإنَّه قد اسْتَعْجَلَ وَطْأها، ولا تَحْرُمُ عليه على التَّأبِيدِ، ووَجْهُ تَحْرِيمِها قبلَ قَضاءِ عِدَّةِ الثاني عليه، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٤). ولأنَّه وَطْء يَفْسُدُ به النَّسَب، فلم يَجُزِ النِّكاحُ في العِدَّةِ منه، كوَطْءِ الأجْنَبِيِّ.

стр. 11683

وَإنْ وَطِيء رَجُلَانِ امْرأةً، فَعَلَيهَا عِدَّتَانِ لَهُمَا. فصل: وإذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ثَانِيَةً، بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْعِدَّةِ. ــ ٣٨٧٩ - مسألة: (وإن وَطِيء رجلان امْرَأةً، فعليها عِدَّتان لهما) لحَدِيثِ عمرَ وعلي الذي ذَكَرْناه فيما إذا تَزَوَّجَتْ في عِدّتِها، ولأنَّهما حَقَّان مَقْصُودان لآدَمِيين، فلم يَتَداخَلا، كالدَّينَين. فصل: إذا خالعَ الرجلُ امرأتَه، أو فَسَخَ نِكاحَه، فله أن يتَزَوَّجَها في عِدَّتِها في قولِ الجُمْهورِ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاء، والزُّهْرِيُّ، والحسنُ، وقَتادةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي. وشَذّ بعضُ المُتَأخِّرين، فقال: لا يَحِلُّ له نِكاحُها، ولا خِطْبَتُها؛ لأَنَّها مُعْتَدَّةٌ. ولَنا، أنّ العِدَّةَ لحِفْظِ نَسَبِه، وصِيانةِ مَائِه، ولا يُصانُ ماؤهُ عن مائِه إذا كانا مِن نِكاحٍ صَحِيحٍ. فإذا تزَوَّجَها، انْقَطَعَت العِدَّةُ؟ لأنَّ المرأةَ تَصِيرُ فِراشًا له بعَقْدِه، ولا يجوزُ أن تكونَ زَوْجَتُه مُعْتَدَّةً. فصل (١): (إذا طَلَّقَها واحِدَةً، فلم تَنْقَضِ عِدَّتُها حتى طَلَّقَها ثانيةً، بَنَتْ على ما مَضَى مِن العِدَّةِ) لأنَّهُما طَلاقان لم يَتَخَلَّلْهُما وَطْء ولا رَجْعَةٌ،

стр. 11684

وإنْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، اسْتَأنَفَتِ الْعِدَّةَ، وإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَهَلْ تَبْنِي الْعِدَّةَ أوْ تَسْتَأنِفُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ فأشْبَها الطلقَتَين في وقتٍ واحدٍ. ٣٨٨٠ - مسألة: (وإن راجَعَها، ثم طَلَّقَها بعدَ دُخُولِه بها، اسْتأنَفَتِ العِدَّةَ) مِن الطَّلاقِ الثانِي؛ لأنه طَلَاق مِن نِكاح اتَّصَلَ به المَسِيسُ. ٣٨٨١ - مسألة: (وإن طَلقَها قبلَ دُخُولِه بها، فهل تَبْنِي أو تَسْتأنِفُ؟ على رِوايَتَين) أولاهما، أئها تَسْتَأنِفُ؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ أزالتْ شَعَثَ الطَّلاقِ الأوَّلِ، [ورَدَّتْها] (١) إلى النكاء الأوَّلِ، فصار الطَّلاقُ الثاني طَلاقًا مِن نكاح اتَّصَلَ به المَسِيسُ. والثانيةُ، تَبْنِي؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ لا تَزِيدُ على النِّكاحِ الجديدِ، ولو نَكَحَها ثم طَلَّقَها قبلَ المَسِيسِ، لم يَلْزَمْها لذلك الطلاقِ عِدَّة، فكذلك الرجعةُ. فإن فَسَخ نِكاحَها قبلَ الرَّجْعَةِ بخُلْعٍ أو غيرِه، احْتَمَلَ أن يكونَ حُكْمُه حُكْمَ الطلاقِ؛ لأنَّ مُوجَبَهما (٢) في العِدَّةِ مُوجَبُ الطَّلاقِ، ولا فَرْقَ بينَهما، واحْتَمَلَ أن

стр. 11685

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَسْتأنِفَ العِدَّةَ؛ لأنَّهما جِنْسان، بخلافِ الطلاق. وإن لم يَرْتَجِعْها بلَفْظِه، لكنَّه وَطِئَها في عِدَّتِها، فهل تَحْصُلُ بذلك رَجْعة؟ فيه روايتان؛ إحداهما، تَحْصُلُ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ مَن ارْتَجَعَها بلَفْظِه ثم وَطِئَها سَواءً (١). والثانيةُ، لا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ به، ويَلْزَمُها اسْتِئْنافُ عِدةٍ؛ لأنه وَطْءٌ في نكاح تَشَعَّثَ، فهو كَوطْءِ الشبْهَةِ. وتَدْخُلُ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطلاقِ فيها؛ لأنهما مِن رجل واحدٍ. [وإن حَمَلَتْ مِن هذا الوَطْءِ، فهل تَدْخُلُ فيها بَقِيَّةُ الأولَى؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، تَدْخُلُ؛ لأنَّهما مِن رجلٍ واحدٍ] (٢). والثاني، لا تَدْخُلُ؛ لأنهما مِن جِنْسَين. فعلى هذا، إذا وضَعَتْ حَمْلَها، أتَمتْ عِدة الطلاق. وإن وَطِئَها وهي حامِل،

стр. 11686

وَإنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهَا قَبْلَ دُخولِهِ بِهَا، فَعَلَى رِوَايَتَينِ؛ أوْلَاهُمَا، أنَّهَا تَبْنِي عَلَى مَا مضَى مِنَ الْعِدَّةِ الأولَى، لِأنَّ هَذَا طَلَاق مِنْ نِكَاحٍ لَا دخولَ فِيهِ، فَلَا يوجِبُ عِدَّة. ــ ففي تَداخلِ العِدَّتَين وَجْهان، فإن قلنا: يَتَداخَلان. فانْقِضاؤهما معًا بوَضْعِ الحَمْلِ. وإن قلْنا: لا يَتَداخَلان. فانْقِضاء عِدَّةِ الطلاق بِوَضْعِ الحملِ، وتَسْتَأنِف عِدَّةَ الوَطْءِ بالقروءِ. ٣٨٨٢ - مسألة: (وإن طَلَّقَها طَلاقًا بائِنًا، ثم نَكَحَها في عِدَّتِها، ثم طَلَّقَها قبلَ دُخولِه بها، فعلى رِوايَتَين) إحداهما، تَسْتأنِفُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه طَلاق لا يَخْلو مِن عِدَّةٍ، فأوْجَب عِدَّة مُسْتأنَفَةً كالأوَّلِ. والثانية، لا يَلْزَمها اسْتِئْناف عِدَّةٍ. اختارَها شيخُنا (١). وهو قولُ الشافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأَنه طَلاقٌ في نكاح قبلَ المَسِيسِ، فلم يُوجب عِدَّةً، لعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). وذكرَ القاضي في

стр. 11687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتابِ «الروايتَينِ» أنَّه لا يَلْزَمُها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ، روايةً واحدةً، لكنْ يَلْزَمُها إتْمامُ بَقِيَّةِ العِدَّةِ الأولَى؛ لأنَّ إسْقاطَها يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ، لأَنه يَتَزَوَّجُ امرأةً ويَطَؤها ويخْلَعُها، ثم يتزَوَّجُها ويُطَلقُها في الحالِ، ويتزوَّجُها الثاني، في يومٍ واحدٍ. فإن خَلَعَها حامِلًا، [ثم تَزَوَّجَها حامِلًا] (١)، ثم طَلَّقَها وهي حامِلٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الحَمْلِ، على كِلتا الروايتَين، ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا، ولا تَنْقَضِي عِدَّتُها قبلَ وَضْعِ حَمْلِها بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. وإن وضَعَتْ حَمْلَها قبلَ النكاحِ الثاني، فلا عِدَّةَ عليها لِلطلاقِ مِن النِّكاحِ الثاني، بغيرِ خِلافٍ أيضًا؛ لأنه نكحَها بعدَ قَضاءِ عِدَّةِ الأوَّلِ. وإن وَضَعَتْه بعدَ النِّكاحِ الثاني وقبلَ طَلاقِه، فمَن قال: يَلْزَمُها استئنافُ عِدَّةٍ. أوْجَبَ عليها الاعْتِدادَ بعدَ طَلاقِ الثاني بثلاثةِ قُروءٍ. ومن قال: لا يَلْزَمُها استئنافُ عِدَّةٍ. لم يُوجِبْ عليها ههُنا عِدَّةً؛ لأنَّ العِدَّةَ الأولَى انْقَضَتْ بوَضْعِ الحملِ، إذْ لا يجوزُ أن تَعْتَدَّ الحامِلُ بغيرِ وَضْعِه. وإن كانت مِن ذَواتِ القُروءِ أو الشُّهورِ، فنَكَحَها الثاني بعد مُضِيِّ قَرْءٍ أو شَهْر، ثم مَضَى قَرءَانِ أو شَهْران قبلَ طَلاقِه مِن النكاحِ الثاني، فقد انْقَطَعَتِ العِدَّةُ بالنكاحِ الثاني. وإن قُلْنا: تَسْتَأنِفُ العِدَّةَ. فعليها عِدَّة تامَّةٌ، بثلاثةِ قُروء، أو ثلاثةِ أشْهُر. وإن قُلْنا: تَبْنِي. أتَمَّتِ العِدَّةَ الأولَى بقَرْأين أو شَهْرَين.

стр. 11688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًا، فنَكَحَتْ في عِدَّتِها مَن وَطِئها، فقد ذَكَرْنا أنَّها تَبْنِي على عِدَّةِ الأوَّل، ثم تَسْتَأنِفُ عِدَّةَ الثاني، ولِزَوْجِها الأوَّلِ. رَجْعَتُها في بَقِيَّةِ عِدَّتِها منه؛ لأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْساكٌ للزَّوْجةِ، وطَرَيانُ الوَطْءِ مِن أجْنَبِي على النِّكاحِ لا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمْساكَ زَوْجَتِه، كما لو كانت في صُلْبِ النِّكاحِ. وقيلَ: ليس له رَجْعَتُها؛ لأنَّها مُحَرَّمَة عليه، فلم يَصِحَّ له ارْتِجاعُها، كالمُرْتَدَّةِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ (١)؛ فإنَّ التَّحْرِيمَ لا يَمْنَعُ الرَّجْعَة، كالإحْرامِ. ويُفارِقُ الرِّدّةَ؛ لأنَّها جارِيَة إلى بَينُونَةٍ (٢) بعدَ الرَّجْعَةِ، بخِلافِ العِدَّةِ. وإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها منه، فليسِ له رَجْعَتُهَا في عِدَّةِ الثاني؛ لأنَّها ليست منه. وإذا ارْتَجَعَها في عِدَّتِها مِن نفسِه، وكانت بالقُرُوءِ أو بالأشْهُرِ، انْقَطَعَتْ عِدّتُه بالرَّجْعَةِ، وابْتَدَأتْ عِدَّةً مِن الثاني، ولا يَحِلُّ له وَطْؤها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثاني، كا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ في صُلْبِ نِكاحِه. وإن كانت مُعْتَدَّةً بالحملِ، لم يُمْكِنْ (٣) شُرُوعُها في عِدَّةِ الثاني قبلَ وَضْعِ الحمل؛ لأنَّها بالقُروءِ، فإذا وضَعَتْ حَمْلَها، شَرَعَتْ في عِدَّةِ الثاني، [وإن كان الحملُ مُلْحَقًا بالثاني، فإنَّها تَعْتَدُّ به عن الثاني] (٤)،

стр. 11689

فَصْلٌ: وَيَجِبُ الإحْدَادُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِنِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أوْ زِنًى، أوْ فِي نِكَاح فَاسِدٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِين، ــ وتتَقَدَّمُ عِدَّةُ الثاني على الأوَّلِ، فإذا أكْمَلَتْها، شَرَعَتْ في إتْمامِ عِدَّةِ الأوَّلِ، وله حينَئذٍ أن يَرْتَجِعَها (١)؛ لأنَّها في عِدَّتِه. وإن أحَبَّ أن يرْتَجِعَها في حالِ حَمْلِها (٢)، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّها ليست في عِدَّتِه، وهي مُحَرَّمَة عليه، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ أو المُرْتَدَّةَ. والثاني، له رَجْعَتُها؛ لأن عِدَّتَها منه لم تَنْقَضِ، وتحْرِيمُها لا يَمْنَعُ رَجْعَتَها، كالمُحْرِمَةِ. فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (ويَجِبُ الإحْدادُ على المُعْتَدَّةِ مِن الوَفاةِ. وهل يجبُ على البائِنِ؟ على رِوايتَين. ولا يَجِبُ على الرجْعِيَّةِ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ أو زِنًى، أو في نِكاحٍ فاسدٍ، أو بمِلْكِ يَمينٍ) لا

стр. 11690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في وُجُوبِ الإِحْدادِ على المُتَوَفَّى عنها زوْجُها، إلَّا عن الحسنِ، فإنَّه قال: لا يجبُ الإِحْدادُ. وهو قولٌ شَذَّ به عن أهلِ العلمِ، وخالفَ فيه السُّنَّةَ، فلا يُعَرَّجُ عليه. ٣٨٨٣ - مسألة: (وهل يَجِبُ على البائِنِ؟ على رِوايَتَين)

стр. 11691

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحداهما، يجبُ عليها (١). وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي. والثانيةُ، لا يجبُ عليها. وهو قولُ عَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ونحوُه قولُ (٢) الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُومِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا» (٣). وهذه عِدَّة (١) الوَفاةِ، فيَدُلُّ على أنَّ الإِحْدادَ إنَّما يجبُ في عِدَّةِ الوَفاةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّة عن (٤) غيرِ (١) وَفاةٍ، فلم يَجِبْ عليها الإِحْدادُ، كالرَّجْعِيَّةِ، والمَوْطُوءَةِ بشُبْهَة، ولأنَّ الإِحْدادَ في عِدَّةِ الوَفاةِ لإظْهارِ الأسَف على فِراقِ زَوْجِها وموْتِه، فأمّا الطَّلاقُ فإنَّه فارَقَها باخْتِيارِ نَفْسِه، وقطَع نِكاحَها، فلا مَعْنَى لتَكْلِيفِها (٥) الحُزْنَ عليه، ولأنَّ المُتَوَفَّى عنها لو أتَتْ بولدٍ، لَحِقَ الزَّوْجَ، وليس له مَن يَنْفِيه، فاحْتِيطَ عليها بالإِحْدادِ؛ لئلَّا

стр. 11692

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْحَقَ بالمَيِّتِ مَن ليس منه، بخِلافِ المطَلَّقَةِ، فإنَّ زَوجَها باقٍ، فهو يَحْتاطُ عليها (١) بِنَفْسِه، ويَنْفِى ولَدَها إذا كان مِن غيرِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى، أنَّها مُعْتَدَّة بائِنٌ مِن نِكاح، فَلَزِمَها الإحْدادُ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها؛ وذلك لأن (١) العِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكاحَ، فحَرَّمَتْ دَواعِيَه، بخِلافِ الرَّجْعِيَّةِ، فإنها زَوْجَة، والمَوْطُوءَةُ بشُبْهَةٍ ليست مُعْتَدَّةً مِن نكاح، فلم تَكْمُلِ الحُرْمَةُ. فأمَّا الحديثُ، فإنَّما مدْلُولُه تَحْرِيمُ الإِحْدادِ على مَيِّتٍ غيرِ الزَّوْجِ، ونحن نقولُ به، ولهذا جازَ الإِحْدادُ ههُنا بالإِجْماعِ. فإذا قُلْنا: يَلْزَمُها الاحْدادُ. فحُكْمُها حُكْمُ المُتَوَفَّى عتها زَوْجُها؛ مِن تَوَقِّى الطِّيبِ والزِّينَةِ في نَفْسِها، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تعالى. وذَكَرَ (٢) شيخُنا في كتاب «الكَافِي» (٣) أنَّ (٤) المُخْتَلِعَةَ كالبائِن فيما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ عليها؛ لأنَّها تَحِل لِزَوْجِها الذي خالعَها، و (٥) يَتَزَوَّجُها في عِدَّتِها، بخِلافِ البائِنِ بالثَّلاثِ. والله أعلمُ. ٣٨٨٤ - مسألة: ولا إحْدادَ على الرَّجْعِيَّةِ ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛

стр. 11693

وَسَوَاء فِي الإحْدَادِ، الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ وَالْمُكَلَّفَةُ وَغَيرُهَا. ــ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ، لها أن تتَزَيَّنَ لزوْجِها، وتَسْتَشْرِفَ له ليَرْغَبَ فيها، وتَنْفُقَ عندَه، كما تَفْعَلُ في صُلْبِ النِّكاحِ. ولا إحْدادَ على المَنْكُوحَةِ نِكاحًا فاسِدًا؛ لأنَّها ليست زَوْجَةً على الحقيقةِ، ولا لها مَن كانت تَحِل له، و (١) تَحْزَنُ على فَقْدِه، وكذلك المَوْطُوءَةُ بشُبْهَة والمَزْنِيُّ بها. ولا إحْدادَ على غيرِ الزَّوْجاتِ، كأمِّ الوَلَدِ إذا مات سَيِّدُها، والأمَةِ التي يَطؤها سَيِّدُها إذا ماتَ عنها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُحِد عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا». ٣٨٨٥ - مسألة: ويَسْتَوي في وُجُوبِه الحُرَّةُ والأمَةُ ، والمُسْلِمَةُ

стр. 11694

وَالإحْدَادُ اجْتِنَابُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالتَّحْسِينِ، كَلُبْسِ الْحَلْي، وَالمُلَوَّنِ مِنَ الثيابِ لِلتحْسِينِ، ــ والذِّمِّيَّةُ، والكَبيرَةُ والصَّغِيرَةُ. وقال أصْحابُ الرَّأي: لا إحْدادَ على ذِمِّيَّةٍ ولا صَغِيرَةٍ؛ لأَنَّهما غيرُ مُكَلَّفتَين. ولَنا، عُمومُ الأحاديثِ التي نَذْكُرُها إن شاءَ الله، ولأنَّ غيرَ المُكَلَّفةِ تُساوي المُكَلَّفةَ (١) في اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ؛ كالخَمْرِ والزِّني، وإنَّما يَفْتَرِقان في الإِثْمِ، فكذلك الإِحْدادُ؛ ولأنَّ حُقُوقَ الذِّمِّيَّةِ في النِّكاحِ كحُقوقِ المسْلِمَةِ، فكذلك فيما عليها. ٣٨٨٦ - مسألة: (والإحْدادُ اجْتِنابُ الزِّينةِ والطِّيبِ والتَّحْسِينِ، كلُبْسِ الحَلْي والمُلَوَّنِ مِن الثِّيابِ لِلتَّحْسِينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحادَّةَ يجبُ عليها اجْتِنابُ ما يَدْعُو إلى جِماعِها، ويُرَغِّبُ في النَّظَرِ إليها، ويُحَسِّنُها، وذلك أرْبَعةُ أمُور؛ أحَدُها، الطِّيبُ، ولا خِلافَ في تَحْرِيمِه عندَ مَن أوْجَبَ الإحْدادَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ولَا تَمس طِيبًا، إلَّا عِنْدَ أدْنَى طهْرِهَا، إذَا طَهُرَتْ مِن حَيضِهَا نُبْذَةً (٢) مِنْ قُسْطٍ أو

стр. 11695

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أظْفارٍ (١)». مُتَّفَق عليه (٢). ورَوَتْ زينبُ بنتُ أمِّ سَلَمَةَ، قالت: دخَلْتُ على أمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّيَ أبوها أبو سُفْيانَ، فدَعَتْ بطِيبٍ فيه صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ (٣) أو غيرُه، فدَهَنَتْ منه جارِيَةً، ثم مَسَّتْ بعارِضِها، وقالت: واللهِ ما لِي بالطِّيبِ مِن حاجَةٍ، غيرَ أنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرأةٍ تُومِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ (٤) تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلَّا عَلَى زَوْج، أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشرًا». مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ، ويَدْعُو
следующие страницы →