← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَب وَالْعَبْدِ، وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ. ــ والعامِدِ، ففى وُجُوبِ القِصاصِ على الشَّرِيكِ رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، وُجُوبُه على شَرِيكِ الأبِ والعَبْدِ، وسُقُوطُه عن شَرِيكِ الخاطِئ) ظاهِرُ المَذْهَبِ وُجُوبُ القِصاصِ على شَرِيكِ الأبِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا قصاصَ على واحدٍ منهما. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم [يُوجِبْ، كقَتْلِ] (١) العامِدِ والخاطِئ، والصَّبِىِّ والبالِغِ، والمَجْنُونِ والعاقِلِ. ولَنا، أنَّه شارَكَ في القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ (٢) في مَن يُقْتَلُ به لو انْفَرَدَ بقَتْلِه، فوَصا عليه القِصاصُ،

стр. 12112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كشريكِ الأجْنَبِىِّ. وقوئهمِ: إنَّ فِعْلَ الأبِ غير مُوجِبٍ. مَمْنُوعٌ، فإنَّه يَقْتَضِى الإِيجابَ؛ لكونِه تمَحَّضَ عمدًا عُدْوانًا، والجِنايَة به (١) أعْظَمُ إثْمًا، وأكْبَرُ جُرْمًا؛ ولذلك خَصَّه اللَّه تَعالى بالنَّهىِ، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾. ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢). ولمَّا سُئِل النبىُّ ﷺ عن أعْظَمِ الذَّنْبِ، قال: «أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، ثمَّ أنَّ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» (٣). فجَعَلَه أعْظَمَ الذُّنُوبِ بعدَ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَطَع الرَّحِمَ التى أَمَرَ اللَّهُ بَوَصْلِها، ووَضَعَ الإِساءَةَ مَوْضِعَ الإِحْسانِ، فهو أَوْلَى بإيجابِ العُقُوبَةِ والزَّجْرِ عنه، وإنَّما امْتَنَعَ الوُجُوبُ

стр. 12113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في حَقِّ الأبِ لمَعْنًى مُخْتَصٍّ بالمَحَلِّ، لا لقُصُورٍ في السَّبَبِ المُوجِبِ، فلا يَمْنَعُ عَمَلَه (١) في المَحَلِّ الذى لا مانِعَ فيه. وأمَّا شَرِيكُ الخاطِئ، ففيه رِوايتان؛ إحْدَاهما، يَجِبُ القِصاصُ، فهو كمَسألَتِنا، ومع التَّسْلِيمِ فامْتِناعُ (٢) الوُجُوبِ فيه لقُصُورِ السَّبَبِ عن الإِيجابِ، فإنَّ فِعْلَ الخَاطئِ غيرُ مُوجِبٍ للقِصاصِ، ولا صالحٍ له، والقَتْلُ منه ومِن شَرِيكِه غيرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا، لوُقُوع اِلخَطَأ في الفِعْلِ الذى حَصَل به زُهُوقُ الرُّوحِ، بخِلافِ مسألتِنا. وكذلك كلُّ شَريكَيْن امْتَنَعَ القِصاصُ في حَقِّ أحَدِهما لمَعْنًى فيه مِن غيرِ قُصُورٍ في السَّبَبِ، فهو في وُجُوبِ القِصاصِ على شَرِيكِه كالأبِ وشَرِيكِه، كالمُسْلِمِ والذِّمِّىِّ في قَتْلِ ذِمِّىٍّ، والحُرِّ والعبدِ في قَتْلِ العبدِ، إذا كان القَتْلُ عمدًا (٣) عُدْوانًا، فإنَّ القِصاصَ لا يجبُ على المُسْلِمِ ولا على الحُرِّ، ويجبُ على الذِّمِّىِّ والعبدِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه على شَرِيكِ الأبِ، لأَنَّ امْتِناعَ القِصاصِ عن المُسْلِمِ لإسلامِه، وعن الحُرِّ لحُرِّيَّتِه، وانْتِفاءِ مُكافأةِ المَقْتُولِ له، وهذا المَعْنَى لا يَتَعَدَّى إلى فِعْل شَرِيكِه، فلم يَسْقُطِ القِصاصُ عنه. وقد رُوِى عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّه سُئِل عن حُرٌّ وعبدٍ قَتَلا عَبْدًا عمدًا، فقال: أمَّا الحُرُّ فلا يُقْتَلُ بالعبدِ، والعبدُ

стр. 12114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن شاء سَيِّدُه أسْلَمَه، وإلَّا فَداه بِنصْفِ قِيمَةِ العبدِ. وظاهِرُ هذا أنَّه لا قِصاصَ على العبدِ، فيُخَرَّجُ مثلُ (١) هذا في كلِّ قَتْلٍ شارَكَ فيه مَن لا يجِبُ عليه القِصاصُ. فصل: فإنِ اشْتَرَكَ في القتْلِ صَبِىٌّ ومَجْنُونٌ وبالِغٌ، فالصَّحِيحُ في (٢) المَذْهَبِ أنَّه لا قِصاصَ على البالغِ. وبهذا قال الحسنُ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَوَدَ يجبُ على البالغِ العاقلِ. حَكاها ابنُ المُنْذِرِ (٣) عن أحمدَ. وحُكِىَ ذلك عن مالكٍ. وهو القولُ الثَّانى للشافعىِّ. ورُوِىَ عن قَتادَةَ، والزُّهْرِىِّ، وحَمَّادٍ؛ لأَنَّ القِصاصَ عُقُوبَةٌ يَجِبُ عليه جَزاءً لفِعْلِه، فمتى كان فِعْلُه عَمْدًا (٤) عُدْوانًا، وَجَب عليه القِصاصُ، ولا نَظَرَ إلى فِعْلِ شَريكِه بحالٍ، ولأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، [كشَرِيكِ الأجْنَبِىِّ، وذلك لأَنَّ الإنسانَ إنَّما يُؤاخَذُ (٥) بفِعْلِ نَفْسِه لا بفِعْلِ غيرِه. فعلى هذا، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشرِيك مُنْفَرِدًا، فمتى تَمَخَّضَ عَمْدًا عُدْوانًا، وكان المَقْتُولُ مُكافِئًا له] (٦)،

стр. 12115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [وَجَب عليه القِصاصُ] (١). وبَنَى الشافعىُّ قولَه على أنَّ عَمْدَ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ إذا تَعَمدَاه عمدٌ؛ لأنَّهما يَقْصِدان القَتْلَ، وإنَّما سُقُوطُ القِصاصِ عنهما لمعنًى فيهما، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، فلم يَقْتَضِ [سُقُوطَه عن] (٢) شَرِيكِهما، كالأُبُوَّةِ. ولَنا، أنَّه شارَكَ مَن لا إثْمَ عليه في فِعْلِه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كشَرِيكِ الخاطِئِ، ولأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليس لهما قَصْدٌ صَحِيحٌ، ولهذا لا يَصِحُّ إقْرارُهما، فكان حُكْمُ فِعْلِهما (٣) حُكْمَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، فيكونُ الأُوْلَى عَدَمَ وُجُوبِ القِصاصِ. فصل: ولا يَجِبُ القِصاصُ على شَرِيكِ الخاطِئ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه قال الشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ أنَّ عليه القِصاصَ. وحُكِىَ عن مالكٍ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمدًا عُدْوانًا، فأشْبَهَ شَرِيكَ العامِدِ، ولأَنَّ مُؤاخَذَتَه بفِعْلِه، وفِعْلُه عمدٌ عُدْوانٌ. ولَنا، أنَّه قَتْلٌ لم يَتَمَحَّضْ عمدًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، كشبْه العمدِ، وكما لو قَتَلَه واحِدٌ بجُرْحَيْن عمدًا وخَطَأً، ولأَنَّ كلّ واحدٍ مِن الشَّرِيكيْنِ مُباشِرٌ ومُتَسَبِّبٌ، فإذا كانا عامِدَيْن، فكلُّ واحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلى فِعْلٍ مُوجبٍ للقِصاصِ، فقام فِعْلُ شَرِيكِه مَقامَ فِعْلِه (٤) لتَسَبُّبِه إليه، وههُنا إذا أَقَمْنا

стр. 12116

وَفِى شَرِيكِ السَّبُعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ. ــ فِعْلَ الخاطِئ مُقامَ فِعْلِ العامِدِ، صارَ كأنَّه [قَتَله بعَمْدٍ] (١) وخَطَأٌ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ. واللَّهُ أعلمُ. ٤٠٦١ - مسألة: (وفى شَرِيكِ السَّبُعِ وشَرِيك نَفْسِه وَجْهان) وصورةُ ذلك أنَّ يَجْرَحَه أسَدٌ أو نَمِرٌ، أو جرَحَه (٢) إنسانٌ، ثم جَرَح هو (٢) نفسَه مُتَعَمِّدًا، فهل يجِبُ علىِ شَرِيكِه قِصاصٌ؟ فيه وَجْهان، ذَكَرهما أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامدٍ. واخْتُلِف فيه عن الشافعىِّ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا قِصاصَ عليه، لأنَّه شارَك: مَن لا يَجِبُ (٣) القِصاصُ عليه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، تحَرِيكِ الخاطِئِ، ولأنَّه قَتْل تَرَكَّبَ مِن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ،

стр. 12117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلم يُوجِبْ، كالقَتْلِ الحاصِلِ مِن عَمْدٍ وخَطَأ، ولأنَّه إذا لم يَجِبْ على شَرِيكِ الخاطِئِ وفِعْلُه مَضْمُونٌ، فلَأن لا يَجِبَ على شَرِيكِ مَن لا يُضْمَنُ فِعْلُه أوْلَى. والوَجْهُ الثانى، عليه القِصاصُ. وهو قولُ أبى بكرٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا جَرَحَه رجُل، ثم جَرَح الرجُلُ نفسَه، فمات، فعلى شَرِيكِه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْلٌ عمدٌ مُتَمَحِّضٌ، فوَجَبَ القِصاصُ على الشَّريكِ فيه، كشَريكِ الأب. فأمَّا إن جَرَح الرجُلُ نفسَه خَطأً، كأنَّه (١) أراد ضرْبَ غيرِه فأصاب نفسَه، فلا قِصاصَ على شَرِيكِه في أصَحِّ الوَجْهَيْن. وفيه وَجْهٌ اخَرُ أنَّ عليه القِصاصَ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في شَرِيكِ الخاطِئِ.

стр. 12118

وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أو خَاطَهُ فِى اللَّحْمِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الإِمَامُ، فَمَاتَ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ رِوَايَتَانِ. ــ ٤٠٦٢ - مسألة: (ولو جَرَحَه إنشان عمدًا، فداوَى جُرْحَه بسُمٍّ، أو خاطه في اللَّحْمِ، أو فَعَل ذلك وَلِيُّه، أو الإِمامُ، فمات، ففى وُجُوب القِصاصِ على الجارِحِ وَجْهان) إذا جَرَحَه إنسانٌ، فتَداوَى (١) بسُمٍّ وكان سُمَّ ساعةٍ يَقْتُلُ في الحالِ، فقد قَتَل نفْسَه وقَطَعَ سِرايَةَ الجُرْحِ، وجَرَى مَجْرَى مَن ذَبَحَ نفْسَه بعدَ أنَّ جُرِح، ويُنْظرُ في الجُرْحِ؛ فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، فلوَلِيِّه اسْتِيفاؤُه، وإن لم يكنْ مُوجِبًا، فلِوَلِيِّه الأَرْشُ. وإن كان السُّمُّ لا يَقْتُلُ غالِبًا وقد يَقْتُلُ، ففِعْلُ الرجُلِ في نفْسِه عمدُ خَطَأ، والحُكْمُ في شَرِيكِه كالحُكْمِ في شَرِيكِ الخاطِئ، وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ،

стр. 12119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعلى الجارِحِ نِصْفُ (١) الدِّيَةِ. وإن كان السُّمُّ يَقْتُلُ غالِبًا بعدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ عَمْدَ الخَطَأ أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، إنَّما قَصَد التَّداوِىَ، فيكونُ كالذى قبلَه، واحْتَمَلَ أنَّ يكونَ في حُكْمِ العَمْدِ، فيكونَ في شَرِيكِه الوَجْهان المَذْكُوران في المسألَةِ قبلَها. وإن جَرَحَ رجُلًا، فخاط جُرْحَه [في اللَّحْمِ] (٢)، أو أَمَرَ غيرَه فخاطَه له، وكان ذلك ممَّا يجوزُ أن يَقْتُلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو شَرِب سُمًّا يجوزُ أن يَقْتُلَ،

стр. 12120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ما مَضَى فيه. وإن خاطَه غيرُه بغيرِ إذْنِه كُرْهًا، فهما قاتِلانِ عليهما القَوَدُ. وإن خاطَه وَلِيُّه، أو (١) الإِمامُ، وهو ممَّن لا وِلايَةَ عليه، فهما كالأجْنَبِىِّ. فإن كان لهما عليه وِلايَةٌ، فلا قَوَدَ عليهما؛ لأَنَّ فِعْلَهما جائِزٌ، إذ لهما مُداواتُه، فيكونُ ذلك خَطَأً. وهل على الجارِحِ القَوَدُ؟ فيه وَجْهان.

стр. 12121

بَابُ شرُوطِ الْقِصَاصِ وَهِىَ أرْبَعَةٌ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْجَانِى مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا. ــ بابُ شُرُوطِ القِصاصِ (وهى أربعةٌ؛ أحَدُها، أنَّ يكونَ الجانِى مُكَلَّفًّا، فأمَّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فلا قِصاصَ عليهما) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه لا قِصاصَ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، وكذلك كلُّ زائلِ العَقْلِ بسَبَب يُعْذَرُ فيه، كالنَّائِمِ، والمُغْمَى عليه، ونحوِهما؛ لِما رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ (١)؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، [وعَنِ الصَّبِى حَتَّى يَبْلُغَ] (٢)، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٣). ولأَنَّ القِصاصَ عُقُوبةٌ مُغَلَّظَةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِىِّ وزائلِ العَقْلِ، كالحُدُودِ، ولأنَّهم ليس لهم قَصْدٌ صحيحٌ، فهم كالقاتلِ خَطَأً. فصل: فإنِ اخْتَلَفَ الجانِى ووَلِىُّ الجِنايةِ، فقال الجانِى: كنتُ صَبِيًّا

стр. 12122

وَفِى السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ رِوَايَتَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهِ. ــ حالَ الجِنايةِ. وقال وَلِىُّ الجِنايةِ: كنتَ بالِغًا. فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمينِه، إذا احْتَمَلَ الصِّدْقَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ، وبَراءَةُ ذمَّتِه مِن القَصاصِ. وإن قال: قَتَلْتُه وأنا مَجْنُونٌ. وأنْكَرَ الوَلِى جُنُونَه، فإن عُرِفَ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أيضًا لذلك، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ، وكذلك إن عُرِفَ له (١) جُنُونٌ، ثُمَّ عُرِفَ زَوالُه قبلَ القَتْلِ، وإن ثَبَت لأحَدِهما بما ادَّعاه بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له. وإن أقاما بَيِّنتَيْن تَعارَضَتا، فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ، فقال الوَلِىُّ: كنتَ سَكْرانَ. وقال القاتِلُ: كنتُ مَجْنُونًا. فالقولُ قَوْلُ القاتِلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْرَفُ بنفسِه، ولأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، واجْتِنابُ المسلِمِ فِعْلَ ما يَحْرُمُ عليه. فأمّا إن قَتَلَه وهو عاقِلٌ ثم جُنَّ، لم يَسْقُطْ عنه، سَواء ثَبَتَ ذلك ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ؛ لأَنَّ رُجُوعَه غيرُ مَقْبُولٍ، ويُقْتَصُّ منه في حالِ جُنُونِه. ولو ثَبَت عليه الحَدُّ (٢) بإقْرارِه، ثم جُنَّ، لم يُقَمْ عليه حالَ جُنُونِه؛ لأَنَّ رُجُوعَه يُقْبَلُ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لو كان صحيحًا رَجَع. ٤٠٦٣ - مسألة: (وفى السَّكْرانِ وشِبْهِهِ رِوايَتان؛ أصَحُّهما ،

стр. 12123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُوبُه عليه) إذا قتَلَ السَّكْرانُ وَجَب عليه القِصاصُ. ذَكَره القاضى. وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ عليه مَبْنِىٌّ على طَلاقِه، وفيه رِوايَتان، فيكونُ في وُجُوبِ القِصاصِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجِبُ عليه؛ لأنَّه زائِلُ العَقْلِ، أشْبَهَ المَجْنُونَ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ الصَّبِىَّ. ولَنا، أنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقاموا سُكْرَه مُقامَ قَذْفِه، فأوْجَبُوا عليه حَدَّ القاذِفِ، فلولا أنَّ قَذْفَه مُوجب للحَدِّ عليه لَما وَجَب الحَدُّ بمَظِنَّتِه، وإذا وَجَب الحَدُّ، فالقِصاصُ المُتَمَحِّضُ حَقَّ آدَمِىٍّ أوْلَى، ولأنَّه حُكْمٌ لو لم يُوجِبْ (١) عليه القِصاصَ والحَدَّ، لأفْضَى إلى أنَّ مَن أراد أنَّ يَعْصِىَ اللَّهَ تعالى، شَرِب ما يُسْكِرُه، ثم يَقْتُلُ ويَزْنِى ويَسْرِقُ، ولا تَلْزَمُه عُقُوبَة، ولا يَأْثَمُ (٢)، ويَصِيرُ عِصْيانُه سَبَبًا لسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عنه، ولا وَجْهَ لهذا. وفارَقَ الطَّلاقَ؛ لأنَّه قولٌ يُمْكِنُ إلْغاؤُه، بخِلافِ القَتْلِ. فإن شَرِب أو أكَلَ ما يُزِيلُ عَقْلَه غيرَ الخَمْرِ على وَجْهٍ مُحَرَّمٍ (٣)، فإن زال عَقْلُه بالكُلِّيَّةِ بحيث صار مَجْنُونًا،

стр. 12124

فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِىٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ، وَإِنْ كَانَ الْقاتِلُ ذِمِّيًّا. ــ فلا قِصاصَ عليه، وإن كان يزولُ قَرِيبًا ويعودُ مِن غيرِ تداوٍ، فهو كالسَّكْرانِ، على ما فُصِّلَ فيه. فصل: (الثَّانى، أنَّ يكونَ المَقْتُولُ مَعْصومًا، فلا يجِبُ القصاصُ بقَتْلِ حَرْبِىٍّ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا تَجِبُ بقَتْلِه دِيَةٌ ولا كَفارَةٌ؛ لأنَّه مُباحُ الدَّمِ (١) على الإِطْلاقِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ بقَتْلِه، فقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). وسواءٌ كان القاتِلُ مسلمًا أو ذِمِّيًّا؛ لِما ذَكَرْنا. ٤٠٦٤ - مسألة: وكذلك المُرْتَدُّ لا يجبُ بقَتْلِه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، وإن قَتَلَه ذِمِّىٌّ . وهذا قولُ بعضِ أصحاب الشافعىِّ. وقال

стр. 12125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعضُهم: يجبُ القصاصُ على الذِّمِّىِّ بقَتْلِه، والدِّيَةُ إذا عَفَا عنه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له في قَتْلِه. وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ دُونَ الدِّيَةِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له. ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ (١)، أشْبَهَ الحَرْبِىَّ، ولأنَّ مَن لا يَضْمَنُه المسلمُ لا يَضْمَنُه الذِّمِّىُّ، كالحَرْبِىِّ. وليس على قاتلِ الزّانِى المُحْصَنِ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ. وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ. وحَكَى بعضُهم وَجْهًا، أنَّ على قاتِلِه القَوَدَ؛ لأَنَّ قَتْلَه إلى الإِمامِ، فيَجبُ القَوَدُ (٢) على مَن قَتَلَه سِواه، كمَن عليه القِصاصُ إذا قَتَلَه غيرُ مُسْتَحِقِّه. ولَنا، أنَّه مُباحُ الدَّمِ (١)، قَتْلُه مُتَحَتِّمٌ، فلم يُضْمَنْ، كالحَرْبِىِّ، ويَبْطُلُ ما قالَه بالمُرْتدِّ، وفارَقَ القاتِلَ؛ فإنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ، وهو مُسْتَحَقٌّ على طريقِ المُعاوَضَةِ، فاخْتَصَّ بمُسْتَحِقِّه، وههُنا يجبُ قَتْلُه للَّهِ تعالى، فأشْبَهَ المُرْتَدَّ، وكذلك الحُكْمُ [في المُحارِبِ الذى] (٣) تَحَتَّمَ قَتْلُه.

стр. 12126

وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِىٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، ــ ٤٠٦٥ - مسألة: (وإن قَطَع مسلمٌ أو ذِمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أو حَرْبِىٍّ، فأسْلَمَ، ثُمَّ مات) فلا شئَ على القاطِعِ؛ لأنَّه لم يَجْنِ على مَعْصُومٍ. ٤٠٦٦ - مسألة: (وإن رَمَى حَرْبِيًّا، فأسْلَمَ قبلَ أنَّ يَقَعَ به السَّهْمُ ،

стр. 12127

وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِى الدِّيَةِ وَجْهَانِ. ــ فلا شئَ عليه) لأنَّه رَمَى رَمْيًا مَأْمُورًا به (وإن رَمَى مُرْتَدًّا فأسْلَمَ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، فلا قِصاصَ) لأنَّه رَمَى مَن ليس بمَعْصُومٍ، أشبَهَ الحَرْبِىَّ (وفِى) وُجُوبِ (الدِّيَةِ وَجْهان) أحَدُهما، لا تجبُ، قِياسًا على

стр. 12128

وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِى الْآخَرِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِى الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَّةِ. ــ الحَرْبِىِّ. والثانى، تجبُ؛ لأَنَّ الرمْىَ (١) ههُنا مُحَرَّمٌ؛ لِما فيه مِن الافْتِياتِ على الإِمامِ. ٤٠٦٧ - مسألةَ: (ولو قَطَع يَدَ مسلِمٍ، فارْتَدَّ، ثم مات، فلا شئَ على القاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن) لأنَّها نفْسُ مُرْتَدٍّ غيرِ مَعْصُومٍ ولا مَضْمُونٍ (٢)، وكذلك لو قَطَع يَدَ ذِمِّىٍّ فصار حَرْبِيًّا، ثم مات مِن جِراحِه. وأمَّا اليدُ، فالصحيحُ أنَّه لا قِصاصَ فيها. وذَكَر القاضى وَجْهًا في وُجُوبِ القِصاصِ فيها؛ لأَنَّ القَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُه بانْقِطاء حُكْمِ (٣)

стр. 12129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سِرايَتِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَع طَرَفَه ثم قَتَلَه، أو جاء آخَرُ فقَتَلَه. وللشافعىِّ في وُجُوبِ القِصاصِ قَوْلان. ولَنا، أنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا لِم يجبْ به القَتْلُ، فلم يجبْ به القَطْعُ، كما لو قَطَعِ مِن غيرِ مَفْصِلٍ، وفارَق ما قاسُوا عليه، فإن القَطْعِ لم يَصِرْ قَتْلًا. وهل تجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا ضَمان فيه؛ لأنَّه قَتْل لغيرِ مَعْصُومٍ. والثانى، تَجِبُ؛ لأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرايةِ الجُرْحِ لا يُسْقِطُ ضَمانَه، كما لو قَطَع طَرَفَ رَجُلٍ، ثم قَتَلَه آخَرُ. فعلى هذا، هل يَجِبُ ضَمانُه بدِيَةِ المَقْطُوعِ (١)، أو بأقَلِّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو دِيَةِ النَّفْسِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تجبُ دِيَة المَقْطُوعِ (٢)، فلو قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه، ثم ارْتَدَّ ومات، ففيه دِيَتان؛ لأَنَّ

стр. 12130

وَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى النَّفْسِ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَقَالَ الْقَاضِى: إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِى فِيهِ الْجنَايَةُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ. ــ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرايَةِ، فأشْبَهَ انْقِطاعَ حُكْمِها بانْدِمالِها، أو بقَتْلِ الآخَرِ له. والثانى، يَجِبُ أقَلُّ الأَمْرَيْن؛ لأنَّه لو لم يَرْتَدَّ، لم يجبْ أكْثَرُ مِن دِيَةِ النَّفْسِ، فمع الرِّدَّةِ أوْلَى، ولأنَّه قَطْعٌ صار قَتْلًا، فلم يَجِبْ (١) أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، كما لو لم يَرْتَدَّ، وفارَقَ [أصْلَ الوَجْهِ] (٢) الأَوَّلِ، فإنَّه لم يَصِرْ قتلًا، ولأَنَّ الانْدِمالَ والقَتْلَ مَنَع وُجُودَ السِّرايَةِ، والرِّدَّةُ مَنَعَت ضَمانَها ولم تَمْنَعْ جَعْلَها قَتْلًا. وللشافعىِّ مِن التَّفْصيلِ نحوُ ما قُلْنا. ٤٠٦٨ - مسألة: (وإن عاد إلى الإسلامِ، ثُمَّ مات، وَجَب القِصاصُ) على قاتِلِهِ. نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ (وقال القاضى): يَتَوَجَّهُ عندِى أنَّ (زَمَنَ الرِّدَّةِ إن كان ممّا تَسْرِى فيه الجِنايَةُ)

стр. 12131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ. وهل يجبُ في الطَّرَفِ الذى قُطِع في إسْلامِه؟ على وَجْهَيْن. وهذا (١) مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ القِصاصَ يجبُ بالجِنايَةِ والسِّرايَةِ كلِّها، فإذا لم يُوجَدْ جَمِيعُها في الإِسلامِ، لم يجبِ القِصاصُ (٢)، كما لو جَرَحَه أحَدُهما في الإِسْلامِ، والآخرُ في الرِّدَّةِ، فمات مِهْما. ولَنا، أنَّه مسلمٌ حالَ الجِنايَةِ والموَتِ، فوَجَبَ القِصاصُ بقَتْلِه، كما لو لم يَرْتَدَّ، واحْتِمالُ [السِّرايَةِ حالَ الرِّدَّةِ لا يَمْنَعُ؛ لأنَّها غيرُ مَعْلُومَةٍ، فلا يجوزُ تَرْكُ السبَبِ المَعْلُومِ باحْتِمالِ] (٣) المَانِعِ، كما لو لم يَرْتَدَّ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ يموتَ بمرضٍ أو سَبَبٍ آخَرَ، أو بالجُرْحِ مع شئٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ في الموتِ. فأمَّا الدِّيَةُ، فتَجِبُ كامِلَةً. ويَحْتَمِلُ وُجُوبُ نِصْفِها (٤)؛ لأنَّه ماتَ مِن جُرْحٍ مَضْمُونٍ وسِرايَةٍ غيرِ مَضْمُونَةٍ،

стр. 12132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فوَجَبَ (١) نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو جَرَحَه إنسان وجَرَح نفسَه، فمات منهما. فأمَّا إن كان زَمَنُ الرِّدَّةِ لا تَسْرِى في مِثْلِه الجِنايَةُ، ففيه الدِّيَةُ أو (٢) القِصاصُ. وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه انْتَهَى (٣) إلى حالٍ لو مات لم يَجِبِ القِصاصُ. ولَنا؛ أنَّهما مُتكافِئانِ في حالِ الجِنايَةِ والسِّرايَةِ والموتِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَرْتَدَّ. وإن كان الجُرْحُ خَطَأً وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه فَوَّتَ نفسًا مَعْصُومَةً. فصل: وإن جَرَحَه وهو مسلمٌ فارْتَدَّ، ثم جَرَحَه جُرْحًا آخَرَ، ثم أسْلَمَ ومات مِنهما، فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، ويجبُ فيه نِصْفُ الدِّيَةِ لذلك. وسواءٌ تَساوَى الجُرْحان أو زاد أحَدُهما، مثلَ أنَّ قَطَع يَدَيْه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ، فقَطَعَ رِجْلَه، أو كان بالعكسِ؛ لأَنَّ الجُرْحَ في الحالَيْن كجُرْحِ رِجْلَيْن. وهل يجبُ القِصاصُ في الطَّرَفِ الذى قَطَعَه في حالِ إسلامِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن، بِناءً على مَن

стр. 12133

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِى، وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِى الدِّينِ، وَالْحُرِّيَّةِ أوِ الرِّقِّ، فَيُقْتَلُ ــ قُطِع طَرَفُه وهو مسلمٌ، فارْتَدَّ ومات في رِدَّتِه. ولو قَطَع طَرَفَه في رِدَّتِه أوَّلًا، فأسْلَمَ، ثم قَطَع طَرَفَه الآخَرَ، ومات مِنهما، فالحكمُ فيه كالتى قبلَها. فصل: وإن قَطَع مسلمٌ يَدَ نَصْرَانِىٍّ فتَمَجَّسَ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ. فهو كما لو جَنَى على مسلمٍ فارْتَدَّ. وإن قُلْنا: يُقَرُّ عليه. وَجَبَت دِيَةُ مَجُوسِىٍّ. وإن قَطَع يَدَ مَجُوسِىٍّ، فتَنَصَّرَ، ثم يات، وقُلْنا: يُقَرُّ. وَجَبَت دِيَةُ نَصْرَانِىٍّ. ويَجِئُ على قولِ أبى بكرٍ والقاضى، أنَّ تجِبَ دِيَة نَصْرانِىٍّ في الأُولَى، ودِيَةُ مَجُوسِىٍّ في الثَّانيةِ، كقولِهم في مَن جَنَى على عبدٍ ذِمِّىٍّ فأسْلَمَ وعَتَقَ، ثم مات مِن الجِنايَةِ، ضَمِنَه بقِيمَةِ عبدٍ ذِمِّىٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايَةِ. وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللَّهُ تعالى. فصل: (الثالثُ، أن يكونَ المَجْنِى عليه مُكافِئًا للجانِى، وهو أن

стр. 12134

كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ أوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّىِّ الْحُرِّ أوِ العَبْدِ بِمِثْلِهِ، ــ يُساوِيَه في الدِّينِ، والحُرِّيَّةِ أو الرِّقِّ، فيُقْتَلُ) الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، ذَكَرًا كان أو أُنْثَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١). ٤٠٦٩ - مسألة: ويُقْتَلُ العبدُ المسلمُ بالعبدِ المسلمِ، تَساوَتْ قِيمَتُهما أو اخْتَلَفَتْ. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وسالمٍ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، والشافعىِّ، وأبى حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّ مِن شَرْطِ القِصاصِ تَساوِىَ قِيمَتِهم، وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهم لم يَجْرِ بينَهم قِصاصٌ. ويَنْبَغِى أنَّ يَخْتَصَّ هذا بما إذا كانت قِيمَةُ القاتِلِ أكْثَرَ، فإن كانت أقَلَّ فلا. وهذا قولُ عطاءٍ. وقال ابنُ عباسٍ: ليس في (٢) العبيدِ (٣) قِصاصٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ؛ لأنَّهم أمْوالٌ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. وهذا نَصُّ الكِتابِ، فلا يجوزُ خِلافُه، ولأَنَّ تَفاوُتَ القِيمَةِ

стр. 12135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتَفاوُتِ الدِّيَةِ والفَضائِلِ (١)، فلا يَمْنَعُ القِصاصَ، كالعلمِ والشَّرَفِ، والذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ. فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَهم (٢) فيما دُونَ النَّفْسِ. وبه قال عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وسالِمٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، لا يَجْرِى القِصاصُ بينَهم (٢) فيما دُونَ النَّفْسِ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، لأنّ الأطْرافَ مالٌ، فلا يَجْرِى القِصاصُ فيها، كالبَهائِمِ، ولأن التساوِىَ في الأطْرافِ مُعْتَبَرٌ في جَرَيانِ (٣) القِصاصِ، بدليلِ أنّا لا نَأْخُذُ الصحيحةَ بالشَّلاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابِعِ بالنّاقِصَةِ، وأطْرَافُ العَبيدِ لا تَتَساوَى. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٤). الآية. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ (٥) القِصاصِ، فجرَى بينَ العَبِيدِ، كالقِصاصِ في النَّفْسِ.

стр. 12136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا وَجَب القِصاصُ في طَرَفِ العبيدِ، فللعبدِ (١) اسْتِيفاؤُه والعَفْوُ عنه دُونَ السَّيِّدِ فصل: ويُقْتَلُ العبْدُ (٢) القِنُّ بالمُكاتَبِ، والمُكاتَبُ به، ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِنهما بالمُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، ويُقْتَلُ المُدَبَّرُ وأُمُّ الوَلَدِ بكلِّ واحدٍ مِنهما؛ لأَنَّ الكلَّ عبيدٌ، فيَدْخُلون في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. وقد دَلَّ على (٣) كَونِ المُكاتَبِ عبدًا قولُ النبىِّ ﷺ : «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (٤). وسَواءٌ كان قد أدَّى مِن كِتابَتِه شيئًا أو لم يُؤَدِّ، وسَواءٌ مَلَك ما يُؤَدِّى أو لم يَمْلِكْ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّه إذا مَلَك ما يُؤَدِّى صارَ حُرًّا. فلا يُقْتَلُ بالعبدِ (٥)؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعَبْدِ. وإن أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابَةِ، لم يُقْتَلْ أيضًا، إذا قُلْنا: إنَّه يصيرُ حُرًّا. ومَن لم يَحْكُمْ بحُرِّيِتَّه

стр. 12137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا بأداءِ جميعِ الكِتابَةِ، قال: يُقْتَلُ به. وقال أبو حنيفةَ: إذا قَتَل العبدُ مُكاتَبًا له وَفاءٌ ووارِثٌ سِوى مَوْلاه، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّه حينَ الجَرْحِ كان المُسْتَحِقُّ (١) المَوْلَى، وحينَ الموتِ الوارثَ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا (٢) لمَن يَثْبُتُ حَقُّه في الطَّرَفَيْن. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وقولُه: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. ولأنَّه لو كان قِنًّا، لوَجَبَ بِقَتْلِه القِصاصُ، فإذا كان مكاتَبًا كان أوْلَى، كما لو لم [يُخَلِّفْ وارِثًا] (٣)، وما ذَكَرُوه فشئٌ بَنَوْه على أُصُولِهم، ولا نُسَلِّمُه.

стр. 12138

وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، فِى الصَّحِيحِ عَنْهُ. ــ فصل: إذا قَتَل الكافرُ الحُرُّ عبدًا مسلمًا، لم يُقْتَلْ؛ لأَنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ، لعَدَمِ التَّكافُؤِ، ولأنَّه لا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع الابنِ، وعليه قِيمَتُه، ويُقْتَلُ لنَقْضِ العَهْدِ، إن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُه. وفيه رِوايَتان ذَكَرناهما في مَوْضِعَ ذلك (١). وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، لا يُقْتَلُ، وعليه قِيمَتُه، ويُؤَدَّبُ بما وَرَاه الإِمامُ أو نائِبُه. فصل: وإن قتَل عبدٌ مسلمٌ حُرًّا كافرًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالكافرِ. وإن قَتَل مَن نِصْفُه (٢) حُرٌّ عبدًا، لم يُقْتَلْ به؛ لأنَّا لا نَقْتُلُ نِصْفَ الحُرِّ بعبدٍ. وإن قَتَلَه حُرٌّ، لم يُقْتَلْ به؛ لأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لا يُقْتَلُ به الحُرُّ. وإن قَتَل مَن نِصْفُه حُرٌّ مِثْلَه، قُتِل به؛ لأَنَّ القِصاصَ يقَعُ بينَ (٣) الجُمْلَتَيْن مِن غيرِ تَفْصِيلٍ، وهما مُتَساوِيان. ٤٠٧٠ - مسألة: (ويُقْتَلُ الذَّكَرُ بالأُنْثَى، والأُنْثَى بالذَّكَرِ) هذا

стр. 12139

وَعَنْهُ، يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى. ــ قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: يُقْتَلُ (١) الرجلُ بالمرأةِ، ويُعْطَى أوْلِياؤُه نِصْفَ الدِّيَةِ. رَواه سعيدٌ (٢). ورُوِىَ نحوُه عن أحمدَ. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ، وعطاءٍ. وحُكِىَ عنهما مثلُ قولِ الجماعةِ. ولَعَلَّ مَن ذهَب إلى القولِ الثانى يَحْتَجُّ بقولِ علىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وقولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. مع عُمُومِ سائِرِ النُّصُوصِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ قَتَل يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جارِيَةٍ (٣) مِن الأنْصارِ (٤). وروَى أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرِو ابنِ حَزْمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَتَب إلى أَهْلِ اليَمَنِ بكتابٍ فيه الفرائضُ والأسْنانُ (٥)، وأنَّ الرجلَ يُقْتَلُ بالمرأةِ (٦). وهو كتابٌ مَشْهُورٌ عندَ أَهْلِ العلمِ، مُتَلَقًّى بالقَبُولِ عندَهم. ولأنَّهما

стр. 12140

وَعَنْهُ، لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلَّا أَن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهُمَا. وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ. وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّىِّ وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ. ــ شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ منهما بالآخَرِ، كالرَّجُلَيْن. ولا يجبُ مع القِصاصِ شئٌ؛ لأنَّه قِصاصٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ معه شئٌ على المُقْتَصِّ (١)، كسائِرِ القِصاصِ، واخْتِلافُ الأبْدالِ (٢) لا عِبْرَةَ به في القِصاصِ، بدليلِ أنَّ الجماعَةَ يُقْتَلُونَ بالواحدِ، والنَّصْرَانِىُّ يُؤْخَذُ بالمَجُوسِىِّ، مع اخْتِلافِ دِينِهما، ويُؤْخَذ العبدُ بالعبدِ، مع اخْتِلافِ قِيمَتِهما. ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ بالخُنْثَى، ويُقْتَلُ بهما؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ رجلًا أو امرأةً. ٤٠٧١ - مسألة: (وعَن أحمدَ، لا يُقْتَلُ العَبْدُ بالعبدِ إلَّا أن تَسْتَوِىَ قِيمَتُهما. ولَا عَمَلَ عليه) وقد ذَكَرْناه. ٤٠٧٢ - مسألة: (ويُقْتَلُ الكافِر بالمسلمِ) لأَنَّ النبىَّ ﷺ قَتَلِ اليَهودِىَّ الذى رَضَخَ (٣) رَأْسَ جاريةٍ مِن الأنْصارِ على أوْضَاحٍ لها. ولأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه فبِمن هو فوقَه أوْلَى (و) كذلك يُقْتَلُ (العبدُ بالحُرِّ، والمُرْتَدُّ

стр. 12141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالذِّمِّىِّ وإن عاد إلى الإِسلامِ. نَصَّ عليه) أحمدُ (١)، لذلك. فصل: ويُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ويُقَدَّمُ القِصاصُ على القَتْلِ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ. وإن عَفا عنه وَلِىُّ القِصاصِ، فله دِيَةُ المَقْتُولِ، فإن أسْلَمَ المُرْتَدُّ فهو (٢) في ذِمَّتِه. وإن قُتِل بالرِّدَّةِ أو مات، تَعَلَّقَتْ بمالِه. وإن قَطَع طَرَفًا مِن مسلم أو ذِمِّىٍّ، فعليه القِصاصُ فيه أيضًا. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يُقْتَلُ المُرْتَدُّ بالذِّمِّىِّ، ولا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه؛ لأَنَّ أحْكامَ الإِسلامِ في حَقِّه باقِيَةٌ، بدليلِ وُجُوبِ العِباداتِ عليه، ومُطالبتِه بالإِسلامِ. ولَنا، أنَّه كافِرٌ، فيُقْتَلُ بالذِّمِّىِّ، كالأصْلِىِّ (٣). وقولُهم: إنَّ أحْكامَ الإِسلامِ باقِيَةٌ. غيرُ صحيحٍ، فإنَّه قد زالت عِصْمَتُه وحُرْمَتُه، وحِلُّ [نكاحِ المسلماتِ] (٤)، وشِراءُ العبيدِ المسلمين، وصِحَّةُ العباداتِ وغيرِها (٥)، وأمَّا مُطالَبَتُه بالإِسْلام، فهو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَغْلِيظِ كُفْرِه، وأنَّه لا يُقَرُّ على رِدَّتِه (٦)، لسُوءِ حالِه، فإذا قُتِل بالذِّمِّىِّ مثلُه، فمَن هو دُونَه أَوْلَى. ولا يَمْنَعُ إسْلامُه وُجُوبَ القِصاصِ عليه؛ لأنَّه بعدَ اسْتِقْرارِ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، والأَصْلُ في كلِّ واجبٍ بَقاؤُه، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه وهو عاقِلٌ، ثم جُنَّ.

стр. 12142

وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، ــ ٤٠٧٣ - مسألة: (ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافِرٍ) أىَّ كافِرٍ كان. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعلىٍّ، وزيدِ ابنِ ثابتٍ، ومُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُقْتَلُ المسلمُ بالذِّمِّىِّ خاصَّةً. قال أحمدُ: الشَّعْبِىُّ والنَّخَعِىُّ قالا: دِيَةُ المَجُوسِىِّ والنَّصْرانِىِّ مثلُ دِيَةِ المسلمِ، وإن قَتَلَه يُقْتَلُ به. سبحانَ اللَّهِ! هذا عَجَبٌ، يصيرُ المَجُوسِىُّ مثلَ المسلمِ، ما هذا القول! واسْتَبْشَعَه. وقال: النبىُّ ﷺ يقولُ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ» (١). وهو يقولُ: يُقْتَلُ بكافرٍ. فأىُّ شئٍ أشَدُّ مِن هذا! واحْتَجُّوا بالعُمُوماتِ التى ذَكَرْناها، كقولِه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. وبما روَى

стр. 12143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنُ البَيْلَمانِىِّ (١)، أنَّ النبىَّ ﷺ أقاد مسلمًا بِذِمِّىِّ، وقال: «أنا أحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» (٢). ولأنَّه مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً، فيُقْتَلُ به قاتِلُه، كالمسلمِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤْهُمْ، ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أدْنَاهُمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنُ (٣) بِكَافِرٍ». رَواه أحمدُ، وأبو داودَ (٤). وفى لَفْظٍ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكَافِرٍ». رَواه البُخارِىُّ، وأبو داودَ (٥). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ.

стр. 12144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَواه الإِمامُ أحمدُ (١). ولأنَّه مَنْقُوصٌ (٢) بالكُفْرِ، فلا يُقْتَلُ به المسلمُ، كالمُسْتَأمِنِ، والعُمُوماتُ مَخْصُوصاتٌ بحدِيثِنا، وحديثُهم ليس له إسْنادٌ. قالَه أحمدُ. وقال الدّارَقُطْنِىُّ (٣): يَرْوِيه ابنُ البَيْلَمانِىِّ، وهو ضعيفٌ إذا أسْنَدَ، فكيف إذا أرْسَلَ؟ والمَعْنَى في المسلمِ أنَّه مُكافِئٌ للمسلمِ، بخِلافِ الذِّمِّىِّ. ووافَقَ أبو حنيفةَ الجماعةَ في المسْتَأْمِنِ أنَّ المسلمَ لا يُقادُ به. وهو المشهورُ عن أبى يُوسُفَ. وعنه، يُقْتَلُ به؛ لِما سَبَق في الذِّمِّىِّ. ولَنا، أنَّه ليس بمَحْقُونِ الدَّمِ على التَّأْبِيدِ، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ، مع ما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ في التى قبلَها. فصل. ويُقْتَلُ الذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، سواءٌ اتَّفَقَتْ أدْيانُهم أو اخْتَلَفْ، فيُقْتَلُ النَّصْرانِىُّ باليَهُودِىِّ والمَجُوسِىِّ. نَصَّ عليه أحمدُ في النَّصْرَانِىِّ يُقْتَلُ بالمَجُوسِىِّ إذا قَتَلَه. قِيلَ (٤): فكَيْفَ يُقْتَلُ به وأدْيانُهما مُخْتَلِفَةٌ؟ قال: أذْهَبُ إلى أنَّ النبىَّ ﷺ قَتَل رَجُلًا بالمرأةِ (٥). يَعْنِى أنَّه قَتَلَه بها مع اخْتِلافِ دِينِهما. ولأنَّهما تَكافَآ في العِصْمَةِ بالذِّمَّةِ (٦) ونَقِيصةِ الكُفْرِ، فجَرَى (٧)

стр. 12145

ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ، ــ القِصاصُ بينَهما، كما لو تَساوَى دِينُهما. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. ٤٠٧٤ - مسألة: (ولا) يُقْتَلُ (حُرٌّ بعبدٍ) رُوِى هذا عن [أبى بكرٍ] (١)، وعُمَرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثوْرِىِّ، وأصحاب الرَّأْى، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لعُمُوم الآياتِ والأخْبارِ، ولقولِ (٢) النبىِّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ». ولأنَّه آدَمِىٌّ مَعْصُومٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ (٣). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ». رَواه الدّارَقُطنِىُّ (٤). ولأنَّه لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه مع التَّساوِى في السَّلامَةِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابْنِه.

стр. 12146

إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ. ــ ولأَنَّ العَبْدَ مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقْتَلْ به الحرُّ (١)، كالمُكاتَبِ إذا مَلَك ما يُؤَدِّى، والعُمُوماتُ مَخْصُوصَةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه. ٤٠٧٥ - مسألة: (إلَّا أن يَجْرَحَه وهو مِثْلُه، أو يَقْتُلَه ثم يُسْلِمَ القاتِلُ أو الجَارِحُ، أو يَعْتِقَ فيَمُوتَ المَجْرُوحُ، فإنَّه يُقْتَلُ به) وجملةُ ذلك، أنَّ الاعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجُوبِ كالحَدِّ. فعلى هذا، إذا قَتَل ذِمِّىِّ ذِمِّيًّا أو جَرَحَه، ثم أسْلَمَ الجارِحُ، و (٢) مات المَجْرُوحُ، أو قَتَل عبدٌ عبدًا أو جَرَحَه، ثُمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارِحُ، ومات المَجْرُوحُ، وَجَب القِصاصُ؛ لأنَّهما مُتكافِئان حالَ الجِنايَةِ، ولأَنَّ القِصاصَ قد وَجَب، فلا يَسْقُطُ بما طَرَأ، كما لو جُنَّ. [كذا ذَكَره أصحابُنا. وهو قولُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْتَلَ به. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ». ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فلا يُقْتَلُ بكافِرٍ، كما لو كان مُؤْمِنًا حالَ قَتْلِه. ولأَنَّ إسْلامَه لو قارَنَ السَّبَبَ مع عِلْمِه، فإذا طَرَأ أسْقَطَ حُكْمَه. والأَوَّلُ أقْيَسُ] (٣).

стр. 12147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [فصل: ولو جَرَح ذِمِّىٌّ حُرٌّ (١) عبدًا ثم لَحِق بدارِ الحرب، فأُسِرَ واسْتُرِقَّ، لم يُقْتَلْ بالعبدِ؛ لأنَّه حينَ وُجوبِ القِصاصِ حُرٌّ] (٢). فصل: ولا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بعبدِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، وداودَ، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لِما رَوَى قَتادَةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، قال: إنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ». رَواه سعيدٌ، والإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. مع العُمُوماتِ والمَعْنَى في التى قبلَها. ولَنا، ما ذَكَرْناه في التى قبلَها. وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لو لم أسْمَعْ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لَا يُقَادُ المَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ، والوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لأقَدْتُه مِنْكَ. رَواه النَّسائِىُّ (٤). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رجلًا قَتَل

стр. 12148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبدَه، فجَلَدَه النبىُّ ﷺ مائةً، ونَفاهُ عامًا، ومَحا سَهْمَه (١) مِن المسلمين. رَواه سعيدٌ، والخَلَّالُ (٢). قال أحمدُ: ليس بشئٍ مِن قِبَلِ إسحاقَ بنِ أبى فَرْوَةَ. ورَوَاه عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبى بكرٍ وعمرَ (٣)، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالا: مَن قَتَل عبدَه، جُلِد مائةً، وحُرِمَ سَهْمَه مع المسلمين (٤). فأَمّا حديثُ سَمُرَةَ، فلم يَثْبُتْ. قال أحمدُ: الحسنُ لم يَسْمَعْ مِن سَمُرَةَ، إنَّما هى صَحِيفَةٌ. وقال غيرُه: إنَّما سَمِعَ الحسنُ مِن سَمُرَةَ ثلاثةَ أحاديثَ، ليس هذا منها. ولأَنَّ الحسنَ أفْتَى بخِلافِه، فإنَّه (٥) يقولُ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بالعبدِ. وقال: إذا قَتَل السَّيِّدُ عبدَه يُضْرَبُ. ومخالَفَتُه له تَدُلُّ على ضَعْفِه.

стр. 12149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُقْطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بطَرَفِ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَهم. ويُقْتَلُ العبدُ بالحُرِّ، وبسَيِّدِه؛ لأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه، فبمَن هو أكْمَلُ منه. (١) أَوْلَى، مع عُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في ذلك. ومتى وَجَب القِصاصُ على العبدِ، فعَفا وَلِىُّ الجِنايَةِ إلى المالِ، فله ذلك، ويَتَعَلَّقُ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه (٢)، كالقِصاصِ. فإن شاء سَيِّدُه أن يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما تَعَلَّقَ حَقُّه به. وإن قال وَلِىُّ الجِنايةِ: بِعْه، وادْفَعْ إلَىَّ ثَمَنَه. لم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لم يتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شئٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالرَّقَبَةِ التى سَلَّمَها، فبَرِئَ منها. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، كما يَلْزَمُه بَيْعُ الرَّهْنِ. وإنِ امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِه، واخْتارَ فِداءَه، فهل تَلْزَمُه قِيمَتُه أو أَرْشُ الجِنايةِ؟ على رِوايَتَيْن، تُذْكرُ (٣) في غيرِ هذا المَوْضِعِ.

стр. 12150

وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، أَوْ عَتَقَ وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ. فِى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. ــ ٤٠٧٦ - مسألة: وإن جَرَح مسلمٌ كافِرًا، فأسْلَمَ المَجْرُوحُ، ثم مات مسلمًا بسِرايَةِ الجُرْحِ (١)، لم يُقْتَلْ به قاتِلُه؛ لعَدَم التَّكافُؤِ حالَ الجِنايَةِ (وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ) لأَنَّ اعْتِبارَ الأَرْشِ بحالِ اسْتِقَرارِ الجِنايةِ. وهذا (قولُ ابنِ حامِدٍ) بدليلِ ما لو قَطَع يَدَىْ رَجُل ورِجْلَيْه، فسَرَى إلى نفسِه، ففيه دِيَةٌ واحدةٌ، ولو اعْتُبِرَ حال الجِنايَةِ، وَجَب دِيَتانِ. ولو قَطَج حُرٌّ يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَم التَّكافُؤِ (٢) حالَ الجِنايَةِ، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ. وهو قولُ ابنِ حامدٍ، كالمسألةِ قبلَها، ومَذهَبُ الشافعىِّ. وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن، مِن نِصْفِ قِيمَتِه، أو نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، والباقى لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِه إن كانت أقَلَّ، فهى التى وُجِدَتْ في مِلْكِه، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ الزَّائِدَ حَصَل بحُرِّيَّتِه، ولا حَقَّ له فيما حَصَل بها. وإن كان الأقَلُّ الدِّيَةَ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لأَنَّ نَقْصَ (٣) القِيمَةِ حَصَل بسَبَبٍ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ،
следующие страницы →