← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ. ــ ولأَنَّ العَبْدَ مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقْتَلْ به الحرُّ (١)، كالمُكاتَبِ إذا مَلَك ما يُؤَدِّى، والعُمُوماتُ مَخْصُوصَةٌ بهذا، فنَقِيسُ عليه. ٤٠٧٥ - مسألة: (إلَّا أن يَجْرَحَه وهو مِثْلُه، أو يَقْتُلَه ثم يُسْلِمَ القاتِلُ أو الجَارِحُ، أو يَعْتِقَ فيَمُوتَ المَجْرُوحُ، فإنَّه يُقْتَلُ به) وجملةُ ذلك، أنَّ الاعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجُوبِ كالحَدِّ. فعلى هذا، إذا قَتَل ذِمِّىِّ ذِمِّيًّا أو جَرَحَه، ثم أسْلَمَ الجارِحُ، و (٢) مات المَجْرُوحُ، أو قَتَل عبدٌ عبدًا أو جَرَحَه، ثُمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارِحُ، ومات المَجْرُوحُ، وَجَب القِصاصُ؛ لأنَّهما مُتكافِئان حالَ الجِنايَةِ، ولأَنَّ القِصاصَ قد وَجَب، فلا يَسْقُطُ بما طَرَأ، كما لو جُنَّ. [كذا ذَكَره أصحابُنا. وهو قولُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْتَلَ به. وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافِرٍ». ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فلا يُقْتَلُ بكافِرٍ، كما لو كان مُؤْمِنًا حالَ قَتْلِه. ولأَنَّ إسْلامَه لو قارَنَ السَّبَبَ مع عِلْمِه، فإذا طَرَأ أسْقَطَ حُكْمَه. والأَوَّلُ أقْيَسُ] (٣).

стр. 12147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [فصل: ولو جَرَح ذِمِّىٌّ حُرٌّ (١) عبدًا ثم لَحِق بدارِ الحرب، فأُسِرَ واسْتُرِقَّ، لم يُقْتَلْ بالعبدِ؛ لأنَّه حينَ وُجوبِ القِصاصِ حُرٌّ] (٢). فصل: ولا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بعبدِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، وداودَ، أنَّه يُقْتَلُ به؛ لِما رَوَى قَتادَةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، قال: إنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ». رَواه سعيدٌ، والإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. مع العُمُوماتِ والمَعْنَى في التى قبلَها. ولَنا، ما ذَكَرْناه في التى قبلَها. وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لو لم أسْمَعْ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لَا يُقَادُ المَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ، والوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ» لأقَدْتُه مِنْكَ. رَواه النَّسائِىُّ (٤). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رجلًا قَتَل

стр. 12148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبدَه، فجَلَدَه النبىُّ ﷺ مائةً، ونَفاهُ عامًا، ومَحا سَهْمَه (١) مِن المسلمين. رَواه سعيدٌ، والخَلَّالُ (٢). قال أحمدُ: ليس بشئٍ مِن قِبَلِ إسحاقَ بنِ أبى فَرْوَةَ. ورَوَاه عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن أبى بكرٍ وعمرَ (٣)، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قالا: مَن قَتَل عبدَه، جُلِد مائةً، وحُرِمَ سَهْمَه مع المسلمين (٤). فأَمّا حديثُ سَمُرَةَ، فلم يَثْبُتْ. قال أحمدُ: الحسنُ لم يَسْمَعْ مِن سَمُرَةَ، إنَّما هى صَحِيفَةٌ. وقال غيرُه: إنَّما سَمِعَ الحسنُ مِن سَمُرَةَ ثلاثةَ أحاديثَ، ليس هذا منها. ولأَنَّ الحسنَ أفْتَى بخِلافِه، فإنَّه (٥) يقولُ: لا يُقْتَلُ الحُرُّ بالعبدِ. وقال: إذا قَتَل السَّيِّدُ عبدَه يُضْرَبُ. ومخالَفَتُه له تَدُلُّ على ضَعْفِه.

стр. 12149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُقْطَعُ طَرَفُ الحُرِّ بطَرَفِ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه بينَهم. ويُقْتَلُ العبدُ بالحُرِّ، وبسَيِّدِه؛ لأنَّه إذا قُتِل بمِثْلِه، فبمَن هو أكْمَلُ منه. (١) أَوْلَى، مع عُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ في ذلك. ومتى وَجَب القِصاصُ على العبدِ، فعَفا وَلِىُّ الجِنايَةِ إلى المالِ، فله ذلك، ويَتَعَلَّقُ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، فتَعَلَّقَ برَقَبَتِه (٢)، كالقِصاصِ. فإن شاء سَيِّدُه أن يُسَلِّمَه إلى وَلِىِّ الجِنايةِ، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن ذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما تَعَلَّقَ حَقُّه به. وإن قال وَلِىُّ الجِنايةِ: بِعْه، وادْفَعْ إلَىَّ ثَمَنَه. لم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لم يتَعَلَّقْ بذِمَّتِه شئٌ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالرَّقَبَةِ التى سَلَّمَها، فبَرِئَ منها. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَلْزَمُه ذلك، كما يَلْزَمُه بَيْعُ الرَّهْنِ. وإنِ امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِه، واخْتارَ فِداءَه، فهل تَلْزَمُه قِيمَتُه أو أَرْشُ الجِنايةِ؟ على رِوايَتَيْن، تُذْكرُ (٣) في غيرِ هذا المَوْضِعِ.

стр. 12150

وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، أَوْ عَتَقَ وَمَاتَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ. فِى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. ــ ٤٠٧٦ - مسألة: وإن جَرَح مسلمٌ كافِرًا، فأسْلَمَ المَجْرُوحُ، ثم مات مسلمًا بسِرايَةِ الجُرْحِ (١)، لم يُقْتَلْ به قاتِلُه؛ لعَدَم التَّكافُؤِ حالَ الجِنايَةِ (وعليه دِيَةُ مُسْلِمٍ) لأَنَّ اعْتِبارَ الأَرْشِ بحالِ اسْتِقَرارِ الجِنايةِ. وهذا (قولُ ابنِ حامِدٍ) بدليلِ ما لو قَطَع يَدَىْ رَجُل ورِجْلَيْه، فسَرَى إلى نفسِه، ففيه دِيَةٌ واحدةٌ، ولو اعْتُبِرَ حال الجِنايَةِ، وَجَب دِيَتانِ. ولو قَطَج حُرٌّ يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لعَدَم التَّكافُؤِ (٢) حالَ الجِنايَةِ، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، اعْتِبارًا بحالِ الاسْتِقْرارِ. وهو قولُ ابنِ حامدٍ، كالمسألةِ قبلَها، ومَذهَبُ الشافعىِّ. وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن، مِن نِصْفِ قِيمَتِه، أو نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ، والباقى لوَرَثَتِه؛ لأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِه إن كانت أقَلَّ، فهى التى وُجِدَتْ في مِلْكِه، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها؛ لأَنَّ الزَّائِدَ حَصَل بحُرِّيَّتِه، ولا حَقَّ له فيما حَصَل بها. وإن كان الأقَلُّ الدِّيَةَ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لأَنَّ نَقْصَ (٣) القِيمَةِ حَصَل بسَبَبٍ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ،

стр. 12151

وَفِى قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ: عَلَيْهِ فِى الذِّمِّىِّ دِيَةُ ذِمِّىِّ، وَفِى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ. ــ وهو العِتْقُ. وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ في رِوَايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ (١) ومات، أنَّ على الجانِى قِيمَتَه للسَّيِّدِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحال الجِنايةِ. وهو اختِيارُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأبى الخَطَّابِ. قال أبو الخَطَّابِ: مَن قَطَعَ يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ضَمِنَه بدِيَةِ ذِمِّىٍّ، ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، فأعْتَقَه سَيِّدُه ومات، فعلى الجانِى قِيمَتُه للسَّيِّدِ؛ لأَنَّ حُكْمَ القِصاصَ مُعْتَبَرٌ بحالِ الجِنايةِ، دُونَ حالِ السِّرايَةِ، فكذلك الدِّيَةُ. والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ تعالى. قاله (٢) شيخُنا؛ لأَنَّ سِرايَةَ الجُرْحِ مَضْمُونَةٌ (٣)، فإذا أتْلَفَتْ حُرًّا مسلمًا، وَجَب ضَمانُه بدِيَةٍ كاملةٍ، كما لو قَتَلَه بجُرْحٍ ثانٍ. وقولُ أحمدَ في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عبدٍ: عليه قِيمَتُه للسَّيِّدِ.

стр. 12152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا خِلافَ فيه، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الزَّائِدِ على القِيمَةِ مِن دِيَةِ الحُرِّ للوَرَثَةِ، ولم يَذْكُرْه أحمدُ. ولأَنَّ الواجِبَ مُقَدَّرٌ بما تُفْضِى (١) إليه السِّرايَةُ، دُونَ ما تُتْلِفُه (٢) الجِنايةُ، بدليلِ أنَّ مَن قُطِعَتْ يَدَاهُ ورِجْلاه، فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِه، لم يَلْزَم الجانِىَ أكْثَرُ مِن دِيَةٍ، ولو قَطَع إصْبَعًا، فسَرى إلى نفْسِه، لو جَبَتِ الدِّيَةُ كامِلةً، فكذلك إذا سَرَتْ إلى نفسِ حُرٍّ مسلم، تَجِبُ دِيَةٌ كامِلَةٌ. فأمَّا إن قَطَع يَدَ مُرْتَدٍّ، أو (٣) حَرْبِىٍّ، فسَرَى ذلك إلى نفسِه، لم يَجِبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ ولا كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ أسْلَمَ قبلَ السِّرايةِ أو لم يُسْلِمْ؛ لأَنَّ الجُرْحَ غيرُ مَضْمُونٍ، فلم تُضْمَنْ

стр. 12153

وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْهِ ديَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ. وَقَالَ أَبَو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. ــ سِرايَتُه، بخِلافِ التى قبلَها. ٤٠٧٧ - مسألة: (وإن رَمَى مسلمٌ ذِمِّيًّا عبدًا، فلمْ يَقَعِ السَّهْمُ به حتى عَتَقَ وأسْلَمَ، فلا قَوَدَ، وعليه دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ إذا مات مِن الرَّمْيَةِ) هذا قولُ ابنِ حامدٍ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ (وقال أبو بكرٍ: يجبُ القِصاصُ) لأنَّه قَتَل مُكافِئًا له عمدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ القِصاصُ، كما لو كان حُرًّا مسلمًا كذلك حالَ الرَّمْى، يُحَقِّقُه أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ (١) الإِصابةِ، بدليلِ ما لو رَمَى فلم يُصِبْه حتىِ ارْتَدَّ أو مات، لم يَلْزَمْه شئٌ، ولو رَمَى عبدًا كافرًا، فعَتَقَ و (٢) أسْلَمَ، غرِمَه بدِيَةِ حُرٍّ مسلمٍ. ولَنا، على دَرْءِ (٣) القِصاصِ،

стр. 12154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه لم يَقْصِدْ إلى نَفْسٍ مُكافِئَةٍ، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو رَمَى حَرْبِيًّا (١) أو مُرْتَدًّا فأسْلَمَ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه في العَبْدِ [دِيَةُ عبدٍ لمَوْلاه؛ لأَنَّ الإِصابَةَ ناشِئَةٌ] (٢) عن إرْسالِ السَّهْم، فكان الاعْتِبارُ بها، كحالَةِ الجُرْحِ. ولَنا، أنَّ الإِصابَةَ حَصَلَتْ في حُرٍّ، فكان ضَمانُه ضمانَ الأحْرارِ، كما لو قَصَد هَدَفًا أو طائِرًا، فأصاب حُرًّا، ثم يَبْطُلُ [ما ذَكَرَه] (٣) بما إذا رَمَي حَيًّا فأصابه مَيِّتًا، أو عبدًا صحيحًا فأصابه بعدَ قَطْعِ يَدَيْه، لم تَجِبْ دِيَتُه لوَرَثَتِه، وعندَه تَجِبُ لمَوْلاه. ولو رَمَى كافِرًا فأصابه السَّهْمُ بعدَ أن أسْلَمَ، كانت دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمين، وعندَ أبى حنيفةَ لوَرَثَتِه الكُفَّارِ. ولَنا، أنَّه مات مسلِمًا حُرًّا، فكانت دِيَتُه للمسلمين، كما لو كان مسلمًا حالَ الرَّمْى، فوُجُوبُ المالِ مُعْتَبَرٌ بحالِ الإِصابَةِ؛ لأنَّه [بَدَلٌ عن] (٤) المَحَلِّ، فيُعْتَبَرُ عن المَحَلِّ الذى فات بها، فيَجِبُ بقَدْرِه، وقد فات بها نَفْسُ مسلمٍ حُرٍّ، والقِصاصُ جَزاءُ (٥) الفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ الفِعْلُ فيه والإِصابةُ معًا؛ لأنَّهما طَرَفَاه، فلذلك لم (٦) يَجِبِ القِصاصُ بقَتْلِه.

стр. 12155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فُصُولٌ تتعلقُ بهذه المسألةِ: فصل (١): ولو قَطَع يَدَ عبدٍ، ثم عَتَق ومات، أو يَدَ ذِمِّىِّ، ثم أسْلَمَ ومات، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الواجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ، لوَرَثَتِه ولسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، اعْتِبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايَةِ. وقال القاضى، وأبو بكرٍ: تجبُ قِيمَةُ العبدِ بالِغَةً ما بَلَغَتْ، مَصْرُوفَةً إلى السَّيِّدِ، اعْتِبارًا بحالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها المُوجبُ للضَّمانِ، فاعْتُبِرَت حالَ وُجُودِها. ومُقْتَضَى قَوْلِهما ضَمانُ الذِّمِّىِّ الذى أسْلَمَ بدِيَةِ ذِمِّىِّ، ويَلْزَمُهما على هذا أن يَصْرِفاها إلى وَرَثَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ الدِّيَةَ لا تَخْلُو مِن أن تكونَ مُسْتَحَقَّةً للمَجْنِىِّ عليه، أو لوَرَثَتِه؛ فإن كانت له، وَجَب أن تكونَ لوَرَثَتِه المسلمين، كسائِرِ أمْوالِه وأمْلاكِه، و (٢) كالذى كَسَبَه بعدَ جُرْحِه. وإن كانت تَحْدُثُ على مِلْكِ وَرَثَتِه، فوَرَثَتُه هم المسلمون دُونَ الكُفَّارِ. فصل: وإن قَطَع أنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُه ألفُ (٣) دِينارٍ، فانْدَمَلَ، ثم أعْتَقَه السَّيِّدُ، وَجَبَتْ قِيمَتُه بكَمالِها للسَّيِّدِ. وإن أعْتَقَه ثم انْدَمَلَ، فكذلك؛ لأنَّه إنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِنايةِ، والجِنايةُ كانت في مِلْكِ سَيِّدِه. وإن مات مِن سِرايةِ الجُرْحِ، فكذلك في قولِ أبى بكرٍ والقاضى.

стр. 12156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ يُراعَى فيها حالُ وُجُودِها. وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبَلٍ، في مَن فَقَأ عَيْنَىْ عَبدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، ففيه قِيمَتُه لا الدِّيَةُ. ومُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الواجِبَ فيه دِيَةُ حُرٍّ (١). وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الجِنايةِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، وقد ذَكَرْناه. [ويُصْرَفُ إلى سَيِّدِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ أقَلَّ الأَمْرَيْن مِن دِيَتِه أو أرْشِ الجُرْحِ، والدِّيَةُ ههُنا أقَلُّ الأَمْرَيْن. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بما إذا قَطَع يَدَيْه ورِجْلَيْه فمات بسِرايَةِ الجُرْحِ، فإنَّ الواجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ لا دِيَةُ الجُرْحِ] (٢). فصل: فإن قَطَع يَدَ عبدٍ، فأُعْتِقَ، ثم عاد فقَطَعَ رِجْلَه، وانْدَمَلَ القَطْعان، فلا قِصاصَ في اليَدِ؛ لأنَّها قُطِعَتْ في حالِ رقِّه، ويَجِبُ فيها نِصْفُ قِيمَتِه، أو ما نَقَصَه القَطْعُ (٣) لسَيِّدِه، إذا قُلْنا: إنَّ العبدَ يُضْمَنُ بما نَقَصَه. ويجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ التى قَطَعها حالَ حُرِّيَّتِه، أو نِصْفُ الدِّيَةِ إن عَفا عن القِصاصِ لوَرَثَتِه. وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ اليَدِ، وسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلى نَفْسِه، ففى اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى القاطِعِ القِصاصُ في النفسِ، أو الدِّيَةُ كامِلَةً لوَرَثَتِه. وإنِ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وسَرَى قَطْعُ اليَدِ، ففى الرِّجْلِ القِصاصُ بِقَطْعِها، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَتِه، ولا قِصاصَ في اليَدِ، ولا في سِرايَتِها، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، لسَيِّدِه منها أقَلُّ الأَمْرَيْن

стр. 12157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن أرْشِ القَطْعِ أو ديَةِ الحُرِّ، على قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ أبى بكرٍ والقاضى، تَجِبُ قِيَمَةُ العبدِ لسَيِّدِه، اعْتِبارًا بحالِ جنايَتِه. وإن سَرَى الجُرْحان، لم يَجِبِ القِصاصُ في النَّفْسِ ولا اليَدِ؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَيْن مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم يجبِ القِصاصُ، كما لو جَرَحَه جُرْحَيْن خَطَأً وعمدًا، ولكنْ يجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّه قَطَعَها مِن حُرٍّ، فإنِ اقْتَصَّ منه، وَجَب نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه، وقد اسْتَوْفَى منه ما يُقابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو نصفِ الدِّيَةِ، فإن زاد نِصْفُ الدِّيَةِ على نِصْفِ القِيمَةِ، كان الزّائِدُ للوَرَثَةِ، وإن عَفَا وَرَثَتُه عن القِصاصِ، فلهم أيضًا نِصْفُ الدِّيَةِ. فإن كان قاطِعُ الرِّجْلِ غيرَ قاطِعِ اليَدِ، واندَمَلَ الجُرْحان، فعلى قاطِعِ اليَدِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى قاطِعِ الرِّجْلِ القِصاصُ فيها أو (١) نِصْفُ الدِّيَةِ. وان سَرَى الجُرْحان إلى نفسِه، فلا قِصاصَ على الأَوَّلِ؛ لأنَّه قَطَع يَدَ عبدٍ، وعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ لأَنَّ المَجْنِىَّ عليه حُرٌّ في حالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ، وعلى الثانى القِصاصُ في النَّفْسِ إذا كانا عَمَدَا القَطْعَ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عمدًا عُدْوانًا، فهو كشريكِ الأبِ. ويَتَخَرَّجُ أن لا قِصاصَ عليه في النَّفْسِ؛ لأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِن سِرايَةِ قَطْعَيْن، مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِب، بِناءً على شريكِ الأبِ. وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ. وإن قُلْنا بوُجُوبِ القِصاصِ في النَّفْسِ، خُرِّجَ في وُجُوبِه في الطَّرَفِ رِوايتان. وإن قُلْنا:

стр. 12158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يجبُ في النَّفْسِ. وَجَب في الرِّجْلِ. فصل: وإن قَلَع عَيْنَ عبدٍ، ثم أُعْتِقَ (١)، ثُمَّ قَطَع آخَرُ يَدَه، ثم قَطَع آخَرُ رِجْلَه، فلا قَوَدَ على الأَوَّلِ، سواءٌ انْدَمَلَ جُرْحُه أو سَرَى، وأمَّا الآخرَان، فعليهما القِصاصُ في الطَّرَفَيْن إن (٢) وَقَف قَطْعُهما، أو دِيَتُهما إن عَفا عنهما. وإن سَرَتِ الجِراحاتُ كلُّها، فعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأَنَّ جِنايَتَهما صارتْ نَفْسًا. وفى ذلك وفى القِصاصِ في الطَّرَفِ اخْتِلافٌ قد (٣) ذَكَرْناه. وإن عَفا عنهما، فعليهم (٤) الدِّيَةُ أثْلاثًا. وفيما يَسْتَحِقُّه السَّيِّدُ وَجْهان؛ أحَدُهما، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ، على قِياسِ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه بالقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ القِيمَةِ، فإذا صارت نَفْسًا، وَجَب فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ؛ فكان له أقَلُّ الأَمْرَيْن. والثانى، له أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الجِنايةَ إذا صارت نَفْسًا، كان الاعْتِبارُ بما آلَتْ إليه، ألا تَرَى أنَّه لو جَنَى الجانِيان الآخَرَان قبلَ العِتْقِ أيضًا، لم يكنْ على الأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ القِيمَةِ، ولا يَزِيدُ حَقُّه بالعِتْقِ، كما لو قَلَع رَجُلٌ عَيْنَه، ثم باعَه سَيِّدُه، ثم قَطَع آخَرُ يَدَه، وآخَرُ رِجْلَه، ثم مات، فإنَّه يكونُ للأوَّلِ ثُلُثُ القِيمَةِ. وإن كان أَرْشُ

стр. 12159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجِنايةِ نِصفَ القِيمَةِ، فإذا قُلْنا بالوَجْهِ الأَوَّلِ، [فلو كان الأَوَّلُ] (١) قَطَع إصْبَعَه، أو هَشَمَه، و (٢) الجانِيان (٣) في الحُرِّيَّةِ قَطَعا يَدَيْه، فالدِّيَةُ عليهم أثْلَاثًا، للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الإِصْبَعِ، وهو عُشْرُ القِيمَةِ، أو ثُلُثِ الدِّيَةِ. ولو كان الجانِى في حالِ الرِّقِّ قَطَع يَدَيْه، والجانِيان (٣) في الحُرِّيَّةِ قَطَعا رِجْلَيْه، وَجَبَتِ الدِّيَةُ أثْلَاثًا، وكان للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن جميعِ قِيمَتِه (٤) أو ثُلُثِ الدِّيَةِ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ له في الفَرْعَيْن أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثِ القِيمَةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ. فصل: فإن كان الجانِيانِ في حالِ الرِّقِّ، والواحِدُ في حالِ الحُرِّيَّةِ، فمات، فعليهم الدِّيَةُ، وللسَّيِّدِ مِن ذلك، في أحدِ الوَجْهَيْن، أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن أرْشِ الجنايَتَيْن أو ثُلُثَى الدِّيَةِ، وعلى الآخَرِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن ثُلُثَى القِيمَةِ أو ثُلُثَى الدِّيَةِ. فصل: وإن كان الجُناةُ أرْبَعَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وثَلاثَةٌ في الحُرِّيَّةِ، ومات، كان للسَّيِّدِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن، الأَقَلُّ مِن أرْشِ الجِنايةِ أو رُبْعِ الدِّيَةِ (٥). وإن كان الثَّلاثَةِ في الرِّقِّ، والواحِدُ في الحُرِّيَّةِ، كان للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَين من أرْشِ الجناياتِ أو ثَلَاثَةِ أرْباعِ الدِّيَةِ، في أحدِ الوَجْهَيْن، وفى

стр. 12160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآخَرِ، الأقَلُّ مِن ثلاثةِ أرْباعِ القِيمَةِ أو ثلَاثةِ أرْباعِ الدِّيَةِ. ولو كانوا (١) عَشَرَةً؛ واحِدٌ في الرِّقِّ، وتسعةٌ في الحُرِّيَّةِ، فالدِّيَةُ عليهم، وللسَّيِّدِ فيها بحِسابِ ما ذَكَرْنا، على اخْتِلافِ الوَجْهَيْن. فصل: وإن قَطَع يَدَه، ثم أُعْتِقَ، فقَطَعَ آخَرُ رِجْلَه، ثم عاد الأَوَّلُ فقَتَلَه بعدَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ للوَرَثَةِ، ونِصْفُ القِيمَةِ للسَّيِّدِ، وعلى الآخَرِ القِصاصُ للورثةِ في الرِّجْلِ أو (٢) نِصْفُ الدِّيَةِ. فإن كان قبلَ الانْدِمالِ، فعلى الجانِى الأَوَّلِ القِصاصُ في النَّفْسِ دُونَ اليَدِ؛ لأنَّه قَطَعَها في رِقِّه. فإنِ اخْتارَ الورثةُ القِصاصَ في النَّفْسِ، سَقَط حَقُّ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّ عليه النفسُ وأرْشُ الطَّرَفِ قبلَ الانْدِمالِ، فإنَّ الطَّرَفَ داخِلٌ في النَّفْسِ في الأَرْشِ. فإنِ اخْتارُوا (٣) العَفْوَ، فعليه الدِّيَةُ دُونَ أرْشِ الطَّرَفِ؛ لأَنَّ أرْشَ الطَّرفِ يَدْخُلُ في النَّفْسِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْن مِن نِصْفِ القِيمَةِ أو أرْشِ الطَّرَفِ، والباقى للورثةِ. وأمَّا الثانى، فعليه القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأَنَّ القَتْلَ قَطَع سِرايَتَها، فصار كما لو انْدَمَلَتْ. فإن عَفا عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن كان الثانى هو الذى قَتَلَه قبلَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ في النفسِ. وهل يُقْطَعُ طَرَفُه؟ على رِوايَتَيْن. فإن عَفا الورثةُ، فعليهْ دِيَةٌ واحدةٌ. وأمّا الأَوَّلُ، فعليه نِصْف

стр. 12161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القِيمَةِ للسَّيِّدِ، ولا قِصاصَ عليه. وإن كان القاتِلُ ثالثًا، فقد اسْتَقَرَّ القَطْعانِ، ويكونُ على الأَوَّلِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى الثانى القِصاصُ في الرِّجْلِ، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لورثَتِه، وعلى الثالثِ القِصاصُ في النَّفْسِ أو الدِّيَةُ. فصل: وإذا قَطَع رجلٌ يَدَ عبدِه (١)، ثم أعْتَقَه، ثم اندَمَلَ جُرْحُه، فلا قِصاصَ عليه ولا ضَمانَ؛ لأنَّه إنَّما قَطَع يَدَ عَبْدِه، وإنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَب بالجِراحِ. وإن مات بعدَ العِتْقِ بسِرايَةِ الجُرْحِ، فلا قِصاصَ فيه؛ لأَنَّ الجِنايةَ كانت على مَمْلُوكِه. وفى وُجُوبِ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجبُ شئٌ؛ لأنَّه مات بسِرايَةِ جُرْحٍ غيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو مات بسِرايَةِ القَطْعِ في الحَدِّ وسِرايَةِ القَوَدِ. ولأنَّنا تَبَيَّنْا أنَّ القَطْعَ كان قَتْلًا، فيكونُ قاتِلًا لعَبْدِه، فلا يَلْزَمُه ضَمانُه، كما لو لم يُعْتِقْه. وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ. والثانى، يَضْمَنُه بما زاد على أرْشِ القَطْعِ مِن الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات وهو حُرٌّ بسِرايَةِ قَطْع عُدْوانٍ، فيَضْمَنُ، كما لو كان القاطِعُ أجْنَبِيًّا، لكن يَسْقُطُ أَرْشُ القَطْعِ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ويجبُ الزّائِدُ لورثتِه، فإن لم يكنْ له (٢) وارِثٌ سِواه، وَجَب لبيتِ المالِ، ولا يَرِثُ السَّيِّدُ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ.

стр. 12162

وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا، فَكَذَلِكَ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إِلَّا الدِّيَةُ. ــ ٤٠٧٨ - مسألة: (ولو قَتَل مَن يَعْرِفه ذِمِّيًّا عبدًا، فبان أَنَّه قد عَتَقَ وأَسْلَمَ، فعليه القِصاصُ) لأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه بغيرِ حَقٍّ، أشْبَهَ ما لو عَلِم حالَه. ٤٠٧٩ - مسألة: (وإن كان يَعْرِفُه مُرْتَدًّا، فكذلك عندَ أبى بكرٍ) لِما ذَكَرْنا (قال: ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا الدِّيَةُ) لأنَّه لم يَقْصِدْ قَتْلَ مَعْصُومٍ، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كما لو قَتَل في دارِ الحربِ مَن يَعْتَقِدُه (١) حَرْبِيًّا، فبانَ أنَّه بعدَ أن أسْلَمَ.

стр. 12163

فَصْلٌ: الرَّابعُ، أَنْ لَا يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ، فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِى ذَلِكَ سَواءٌ. ــ فصل: (الرّابعُ، أن لا يكونَ أبًا للمَقتُولِ، فلا يُقْتَلُ الوالِدُ بوَلَدِه وإن سَفَل، والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا بوَلَدِ وَلَدِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينَ ووَلَدُ البَناتِ. وممَّن نُقِلَ عنه أنَّ الوالدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه (١)، عمرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال رَبِيعَةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال ابنُ نافِعٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وابنُ المُنْذِرِ (٢): يُقْتَلُ به؛ لظاهِرِ آىِ الكِتابِ، والأخْبارِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ. ولأنَّهما حُرَّان مسلمان مِن أهلِ القِصاصِ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ كلُّ واحِدٍ منهما بصاحِبِه؛ كالأجْنَبِيَّيْنِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ (٢):

стр. 12164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد رُوِى (١) في هذا البابِ أخْبارٌ. وقال مالِكٌ: إن قَتَلَه حَذْفًا بالسَّيْفِ ونحوِه، لم يُقْتَلْ به، وإن ذَبَحَه، أو قَتَلَه قَتْلًا لا يُشَكُّ في أنَّه عَمَد إلى قَتْلِه دُونَ تَأْدِيبِه، أُقِيدَ به. ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ». أخْرَجَ النَّسَائِىُّ حديثَ عمرَ (٢)، ورَواهما ابنُ ماجه (٣). وذَكَرَهما ابنُ عبدِ البَرِّ (٤)، وقال (٤): هو حديثٌ مَشْهُورٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحِجازِ والعِراقِ، مُسْتَفِيضٌ عندَهم، يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعَمَلِ به عن الإِسْنادِ فيه، حتى يكونَ الإِسْنادُ في مِثْلِه مع شُهْرَتِه تَكَلُّفًا. ولأَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ» (٥). وقَضِيَّةُ هذه الإِضافَةِ تمْلِيكُه إيّاه، فإذا لم تَثْبُتْ حقيقةُ المِلْكِيَّةِ، ثَبَتَتْ هذه (٦) الإِضافَةُ شُبْهَةً في دَرْءِ

стр. 12165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القِصاصِ؛ لأنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه سَبَبُ إيجادِه، فلا يَنْبَغِى أن يَتَسَلَّطَ بسَبَبِه على إعْدامِه. وما ذكَرْناه يَخُصُّ العُمُوماتِ، ويُفارِقُ الأبُ سائِرَ الناسِ، فإنَّهم لو قَتَلُوا بالحَذْفِ بالسَّيْفِ، وَجَب عليهم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه. فصل: والجَدُّ وإن عَلا كالأبِ في هذا، وسَواءٌ كان مِن قِبَلِ الأبِ أو مِن قِبَلِ الأُمِّ، في قولِ أكثَرِ مُسْقِطِى القِصاصِ عن الأبِ. وقال الحسنُ ابنُ حَىٍّ: يُقْتَلُ به. ولَنا، أنَّه والِدٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. ولأَنَّ ذلك حُكْمٌ يتَعَلَّقُ بالوِلادَةِ، فاسْتَوَى فيه القَرِيبُ والبَعِيدُ، كالمَحْرَمِيَّةِ، والعِتْقِ إذا مَلَكَه. والجَدُّ مِن قِبَلِ الأُمِّ كالذى مِن قِبَلِ الأبِ، قال النبىُّ ﷺ [في الحَسَنِ] (١): «إنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ» (٢). فصل: ويَسْتَوِى في ذلك الأبُ والأمُّ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، وعليه العَمَلُ عندَ مُسْقِطِى القِصاص عِن الأب. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَسْقُطُ عن الأُمِّ، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عنه، في أُمِّ ولدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَها عمدًا، تُقْتَلُ. قال: مَن يَقْتُلُها؟ قال: وَلَدُها. وخَرَّجَها أبو بكرٍ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّ الأُمَّ تُقْتَلُ بوَلَدِها؛ لأنَّها لا وِلايَةَ لها عليه، أشْبَهَ الأخَ.

стр. 12166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بوَلَدِه». ولأنَّها أحَدُ الأبَوَيْن، فأشْبَهَتِ الأبَ. ولأنَّها أوْلَى بالبِرِّ، فكانت أوْلَى بنَفْىِ القِصاصِ عنها، والوِلايَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، بدليلِ انْتِفاءِ القِصاصِ عن الأبِ بقَتْلِ وَلَدِه الكبيرِ الذى لا وِلايةَ له عليه، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ، أو الرَّقِيقِ. والجَدَّةُ وإن عَلَتْ في ذلك كالأُمِّ، وسَواءٌ في ذلك مِن قِبَلِ الأبِ، أو مِن قِبَلِ الأُمِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الجَدِّ. فصل: وسواءٌ في ذلك اتِّفاقُهما في الدِّينِ والحُرِّيَّةِ واخْتِلافُهما فيه؛ لأَنَّ انْتِفاءَ (١) القِصاصِ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ، وهو مَوْجُودٌ في كلِّ حالٍ، فلو قَتَل الكافرُ وَلَدَه (٢) المسلمَ، أو قَتَل المسلمُ أباه الكافرَ، أو قَتَل العبدُ وَلَدَه الحُرَّ، أو قَتَل الحُرُّ وَالِدَه (٣) العبدَ، لم يَجِبِ القِصاصُ لشَرَفِ الأُبُوَّةِ فيما إذا قَتَل وَلَدَه، وانْتِفاءِ المُكافَأةِ فيما إذا قَتَل والِدَه.

стр. 12167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا تَداعَى نَفْسان نَسَبَ صغيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ثم قَتَلاه قبلَ إلْحاقِه بواحدٍ منهما، فلا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ابنَ كلِّ واحدٍ منهما أو ابنَهما. وإن ألْحَقَتْه القافَةُ بأحَدِهما، ثم قَتَلاه، لم يُقْتَلْ أبوه، وقُتِل الآخَرُ؛ لأنَّه شَرِيكُ الأبِ في قَتْلِ الابنِ. وإن رَجَعا جميعًا عن الدَّعْوَى، لم يُقْبَلْ رُجُوعُهما؛ لأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ للوَلَدِ، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُهما عن إقْرارِهما به، كما لو أقَرّا له بحَقٍّ سِواه، أو كما لو ادَّعاه واحدٌ، فأُلْحِقَ به، ثم جَحَدَه. وإن رَجَع أحَدُهما، صَحَّ رُجُوعُه، وثَبَت نَسَبُه مِن الآخَرِ؛ لأَنَّ رُجُوعَه لا يُبْطِلُ نَسَبَه، ويَسْقُطُ القِصاصُ عن الذى لم يَرْجِعْ، ويَجبُ على الرَّاجِعِ؛ لأنَّه شارَكَ الأبَ، وإن عُفِىَ (١) عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ. ولو اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فقَتَلاه قبلَ إلحاقِه بأحَدِهما، لم يَجِبِ القِصاصُ. وإن نَفَيَا نَسَبَه، لم يَنْتَفِ [بقَوْلِهما، وإن نَفاه أحَدُهما، لم يَنْتَفِ] (٢) بقَوْلِه؛ لأنَّه لَحِقَه (٣) بالفِراشِ، فلا يَنْتَفِى إلَّا باللِّعانِ. وفارَقَ التىِ قبلَها مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ أحَدَهما إذا رَجَع عن دَعْواه، لَحِق الآخرَ، وههُنا لا يَلْحَقُ بذلك. والثانى، أنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه ثَمَّ (٤)

стр. 12168

وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فِى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. ــ بالاعْتِرافِ، فيَسْقُطُ بالجَحْدِ، وههُنا ثَبَت بالاشْتِراكِ، فلا يَنْتَفِى بالجَحْدِ. ومَذْهَبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا سَواءً. ٤٠٨٠ - مسألة: (ويُقْتَلُ الوَلَدُ بكُلِّ واحِدٍ منهما، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن) هذا قولُ جماعةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى. وحَكَى (١) بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ، أنَّ الابنَ لا يُقْتَلُ بأبيه؛ لأنَّه ممَّن (٢) لا (٣) تُقْبَلُ شَهادَتُه له بحَقِّ النَّسَبِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابنِه. والصَّحيحُ أنَّه يُقْتَلُ به؛ للآياتِ (٤) والأخْبارِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ. ولأَنَّ الأبَ أعْظَمُ حُرْمَةً وحَقًّا مِن الأجْنَبِىِّ، فإذا قُتِل بالأجْنَبِىِّ، فبالأبِ أوْلَى، ولأنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِىِّ. [ولا يَصِحُّ] (٥) قياسُ الابنِ على الأبِ؛ لأَنَّ حُرْمَةَ الوالدِ على الوَلَدِ آكَدُ،

стр. 12169

وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، ــ والابنُ مُضافٌ إلى أبيه بلامِ التَّمْلِيكِ، بخِلافِ الولدِ مع الوالدِ. وقد ذَكَر أصحابُنا حَدِيثَيْنِ مُتَعارِضَيْنِ عن سُراقةَ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا يُقَادُ الأبُ مِن ابِنه، وَلَا الابْنُ مِن أبِيه» (١). والثانى: أنَّه كان يُقِيدُ الأبَ مِن ابنِه، ولا يُقِيدُ الابنَ مِن أبيه (٢). [وهذا الحديثُ] (٣) لا نَعْرِفُه، ولم نَجِدْه في كُتُبِ (٤) السُّنَنِ المَشْهُورَةِ، ولا أظُنُّ له أصْلًا، [وإن كان له أصلٌ] (٥)، فهما مُتَعارِضان مُتَدافِعان، يجبُ اطِّراحُهما، والعَمَلُ بالنُّصُوصِ الواضِحَةِ الثّابِتَةِ، والإِجْماعِ الذى لا تجوزُ مُخالَفَتُه. ٤٠٨١ - مسألة: (متى وَرِثَ وَلَدُهُ القِصاصَ أو شيئًا منه، أو وَرِثَ القاتِلُ شيئًا مِن دَمِه، سَقَط القِصاصُ) فلو قَتَل أحَدُ الزَّوْجَيْنِ صاحِبَه، ولهما ولدٌ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأنَّه لو وَجَب لوَجَبَ لولدِه،

стр. 12170

أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا، فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَرِثَهَا وَلَدُهُ، سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ. ــ ولا يَجِبُ للولدِ قِصاصٌ على أبيه؛ لأنَّه إذا لم يجبْ بالجِنايةِ عليه، فلأن لا يجبَ له بالجِنايةِ على غيرِه أوْلَى. وسَواءٌ كان الولدُ ذكرًا أو أُنْثَى، أو كان للمَقْتُولِ ولدٌ سِواه، أو مَن يُشارِكُه في المِيراثِ، أو لم يكنْ؛ لأنَّه لو ثَبَت القِصاصُ، لوَجَب له جُزْءٌ منه، ولا يُمْكِنُ وُجُوبُه، وإذا لم يَثْبُتْ بعضُه، سَقَط كلُّه؛ لأنَّه لا يَتَبَعَّضُ، وصار كما لو عَفا بعضُ مُسْتَحِقِّى القِصاصِ عن نَصِيبِه منه. فإن لم يكنْ للمَقْتُولِ ولدٌ منهما، وَجَب القِصاصُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بامْرأتِه؛ لأنَّه مَلَكَها بعقدِ النِّكاحِ، أشْبَهَ الأمَةَ. ولَنا، عُمُومُ النُّصُوصِ. ولأنَّهما شَخْصان مُتَكافِئانِ، يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِيَّيْن. قولُه: [إنَّه مَلَكَها] (١). غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّها حُرَّةٌ، وإنَّما مَلَك مَنْفَعَةَ الاسْتِمْتاعِ، فأشْبَهَ المُسْتَأْجَرَةَ، ولهذا تجبُ عليه دِيَتُها، ويَرِثُها وَرَثَتُها، ولا يَرِثُ منها إلَّا قَدْرَ مِيراثِه، ولو قَتَلَها غيرُه، كانت دِيَتُها أو القِصاصُ لوَرَثَتِها، بخِلافِ الأمَةِ. ٤٠٨٢ - مسألة: (ولو قَتَل رجلٌ أخْا زَوْجَتِه، فوَرِثَتْه، ثم ماتت، فوَرِثَها ولدُه، سَقَط عنه القِصاصُ) وسَواءٌ كان لها ولدٌ مِن غيرِهِ أو لا؛

стр. 12171

وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ، فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ. وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الابْنَيْنَ أَبَاهُ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ، وَهِىَ زَوْجَةُ ــ لأَنَّ القِصاصَ فيما وَرِثَه وَلَدُه منهما (١)، فيَسْقُطُ جميعُه؛ لأَنَّ القِصاصَ لا يَتَبَعَّضُ، فأشْبَهَ ما لو عَفا أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ. وكذلك لو قَتَلَتِ المرأةُ أخا زَوْجِها، فصار القِصاصُ أو جزءٌ منه لابنِها، سَقَط القِصاصُ، سَواءٌ صار إليه ابْتِداءً أو انْتَقَلَ إليه مِن أبِيه أو مِن غيرِه؛ لِما ذكَرْناه. فصل: ولو قَتَلَ رجُلٌ أخاه، فوَرِثَه ابنُ القاتِلِ، أو أحَدًا (٢) يَرِثُ ابْنُه منه شَيْئًا، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: وإذا قَتَل أحَدُ أبَوَىِ المُكاتَبُ المُكاتَبَ، أو عبدًا له، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الوالِدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا يَثْبُتُ للوَلَدِ على والدِه قِصاصٌ. وإنِ اشْتَرَى المُكاتَبِ أحدَ أبَوَيْه؛ ثم قَتَلَه، لم يَجِبْ عليه (١) القِصاصُ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ لا يُقْتَلُ بعبدِه. ٤٠٨٣ - مسألة: (ولو قَتَل أبَاه أو أخاه، فوَرِثَه أخواه، ثم قَتَل أحَدُهما صاحِبَه، سَقَط القِصاصُ عن الأَوَّلِ؛ لأنَّه وَرِث بعضَ دَم نفسِه) . ٤٠٨٤ - مسألة: (وإن قَتَل أحَدُ الابْنَيْن أباه، والآخَرُ أُمَّه، وهى

стр. 12172

الْأَبِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الأَوَّلِ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ وَيَرِثَهُ. ــ زَوْجَةُ الأب، سَقَط القِصاصُ عَنِ الأَوَّلِ لذلك، وله أن يَقْتَصَّ مِن أخيه ويَرِثَه) لأَنَّ القَتْلَ بحَقٍّ لا يَمْنَعُ المِيراثَ. إذا قَتَل أحَدُ الابْنَيْن أباه، والآخَرُ أُمَّه، والزَّوْجِيَّةُ بينَهما مَوْجُودَةٌ حالَ قَتْلِ الأَوَّلِ، فالقِصاصُ على القاتلِ الثانى دُونَ الأوَّل؛ لأَنَّ القَتِيلَ (١) الثانىَ وَرِثَ جُزْءًا مِن دَم الأَوَّلِ، فلَمّا قُتِل وَرِثَه قاتِلُ الَأوَّلِ، فصار له جزءٌ مِن دَمِ نفسِه، فسَقَطَ القِصاصُ، ووَجَبَ له القِصاصُ على أخيه، فإن قَتَلَه، وَرِثَه إن لم يكنْ له وارِثٌ سِواه؛ لأنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، وإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وتقَاصَّا بما بينَهما، وما فَضَل (٢) لأحَدِهما فهو على أخِيه. فصل: وإن لم تكنْ زَوْجَةَ الأبِ، فعلى كلِّ واحدٍ مِنهما القِصاصُ لأخيه؛ لأنَّه وَرِثَ الذى قَتَلَه أخوه وحدَه دُونَ قاتِلِه. فإنْ بادَرَ أحَدُهما فقَتَلَ أخاه، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وسَقَط القِصاصُ عنه؛ لأنَّه يَرِثُ أخاه، لكونِه قَتْلًا بحَقٍّ، فلا يَمْنَعُ المِيراثَ، إلَّا أن يكونَ للمَقْتُولِ ابنٌ، أو ابنُ ابنٍ يَحْجُبُ القاتِلَ، فيكونُ له قَتْلُ عَمِّه، ويَرِثُه إن لم يكُنْ له وارِثٌ سِواهُ.

стр. 12173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن تَشاحَّا في المُبْتَدِئ مِنهما بالقَتْلِ، احْتَمَلَ أن يُبْدَأَ بقَتْلِ القاتِلِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ، واحْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينَهما. وهو قولُ القاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما تَساويا في الاسْتِحْقاقِ، فصِرْنا إلى القُرْعَةِ. وأيُّهما قَتَل صاحِبَه أوَّلًا، إمّا بمُبادَرَةٍ أو قُرْعَةٍ، وَرِثَه، في قِياسِ المَذْهَبِ، إن لم يكنْ له وارِثٌ سِواه، وسَقَط عنه القِصاصُ، وإن كان مَحْجُوبًا عن مِيراثِه كلِّه، فلِوَارثِ القَتِيلِ قَتْلُ الآخَرِ. وإن عَفا أحَدُهما عن الآخَرِ، ثم قَتَل المَعْفُوُّ عنه العافِىَ، وَرِثَه أيضًا، وسَقَط عنه ما وَجَب عليه مِن الدِّيَةِ. فإن تَعافَيا جميعًا (١). على الدِّيَةِ، تَقاصّا بما اسْتَوَيا فيه، ووَجَب لقاتِلِ الأُمِّ الفَضْلُ (٢) على قاتِلِ الأبِ؛ لأَنَّ عَقْلَها نِصْفُ عَقْلِ الأبِ. ويَتَخرَّجُ أن يَسْقُطَ القِصاصُ عنهما في اسْتِحْقاقِه، كسُقُوطِ الدِّيَتَيْن إذا تَساوَتا، ولأنَّه لا سَبِيلَ إلى اسْتِيفائِهما (٣) معًا، واسْتِيقاءُ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ حَيْفٌ لا يجوزُ، فتَعَيَّنَ السُّقُوطُ. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما ابْنٌ يَحْجُبُ عَمَّه عن مِيراثِ أبِيه، فإذا قَتَل أحَدُهما صاحِبَه، وَرِثَه ابنُه،

стр. 12174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وللابنِ أن يَقْتُلَ عَمَّه، ويَرِثه ابنُه، ويَرِثُ كلُّ واحدٍ مِن الابْنَيْن مالَ أبيه، ومالَ جَدِّه الذى (١) قَتَلَه عَمُّه دُونَ الذى قَتَلَه أبُوه. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بِنْتٌ، فقَتَلِ أحَدُهما صاحِبَه، سَقَط القِصاصُ عنه؛ لأنَّه وَرِثَ نِصْفَ مالِ أخِيه ونِصْف قِصاصِ نفسِه، فسَقَطَ عنه (٢) القِصاصُ، ووَرِثَ مالَ أبيه الذى قَتَلَه أخُوه، ونِصْفَ مالِ أخِيه (٣)، ونِصْفَ مالِ أبيه الذى قَتَلَه هو، ووَرِثَتِ البنتُ التى قُتِلَ أبُوها نِصْفَ مالِ أبِيها، ونِصْفَ مالِ جَدِّها الذى قَتَلَه عَمُّها، ولها على عَمِّها نِصْفُ دِيَةِ قَتِيِله (٤). فصل: أرْبَعَةُ إخْوَةٍ، قَتَل الأَوَّلُ الثانى، والثالثُ الرابعَ، فالقِصاصُ على الثالثِ؛ لأنَّه لَمَّا قَتَل الرابعَ، لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأوَّلُ وحدَه، وقد على الثالثِ؛ لأنَّه لَمّا قَتَل الرابعَ، لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأَوَّلُ وحدَه، وقد كان للرابعِ نِصْفُ قِصاصِ الأَوَّلِ، فرَجَعَ نِصْف قِصاصِه إليه، فسَقَطَ، ووَجَب للثالثِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وكان للأوَّلِ قَتْلُ الثالثِ؛ لأنَّه لم يَرِثْ مِن دَمِ نفسِه شيئًا، فإن قَتَلَه، وَرِثَه في ظاهرِ المَذْهَبِ، ويَرِثُ ما يَرِثُه عن أخيه الثانى، فإن عَفا عنه إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ عليه بكَمالِها يُقاصُّه بنِصْفِها. وإن كان لهما وَرثةٌ، كان فيها مِن التَّفْصيلِ مثلُ الذى في التى قبلَها.

стр. 12175

وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَادَّعَى كُفْرَهُ، أَوْ رِقَّهُ، أَوْ ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ، أَوْ قَتَلَ رَجُلًا فِى دَارِهِ، ــ ٤٠٨٥ - مسألة: (وإن قَتَل مَن لا يَعْرِفُ، وادَّعَى كُفْرَه) لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بإسْلامِه بالدارِ، ولهذا يُحْكَمُ بإسْلامِ اللَّقِيطِ، ويكونُ القولُ قولَ الوَلِىِّ، وكذلك (إنِ ادَّعَى رِقَّه) لأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ، والرِّقُّ طارِئٌ. وكذلك لو (ضَرَبَ مَلْفُوفًا، فقَدَّهْ، وادَّعَى أنَّه كان مَيِّتًا) لم يُقْبَلْ قولُه (١)؛ لأَنَّ الأَصْلَ الحَياةُ. وإن قَطَع طَرَفَ إنْسانٍ وادَّعَى شَلَلَه، لم يُقْبَلْ؛ لأَنَّ الأَصْلَ السَّلامَةُ. ٤٠٨٦ - مسألة: (وإن قَتَل رجلًا في دارِه، وادَّعَى أنَّهُ دَخَل

стр. 12176

وَادَّعَى أنَّهُ دَخَلَ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ، ــ يُكابِرُه (١) على أهْلِه أو مالِه، فقَتَلَه دَفْعًا عن نفسِه، وأنْكَرَ وَلِيُّه) فالقولُ قولُ الوَلِىِّ. وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قَتَل رجلًا، وادَّعَى أنَّه وَجَدَه مع امرأتِه، أو أنَّه قَتَلَه دَفْعًا عن نفسِه، أو أنَّه دَخَل مَنْزِلَه يُكابِرُه على مالِه، فلم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلَّا بقَتْلِه، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببَيِّنَةٍ، ولَزِمَه القِصاصُ إذا أنْكَرَ وَلِيُّه. رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا أعْلَمُ فيه (٢) مخالِفًا. وسواءٌ وُجِد في دارِ القاتِلِ أو في غيرِها، وُجِد معه سِلاحٌ أو لم يُوجَدْ؛ لِما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه سُئِل عمَّن وَجَد مع امرأتِه رجلًا فقَتَله، فقال: إن لم يَأْتِ بأرْبعةِ شُهَداءَ، فلْيُعْطَ برُمَّتِه (٣). ولأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ما يَدَّعِيه، فلا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. فأمّا إنِ اعْتَرَفَ الوَلِىُّ بذلك، فلا قِصاصَ عليه

стр. 12177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا دِيَةَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يومًا يتَغَدَّى، إذ جاء رجلٌ يَعْدُو، وفى يَدِه سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، ووَراءَه قومٌ يَعْدُونَ خلفَه، فجاء حتى جَلَس مع عُمَرَ، فجاء الآخَرُون، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنا. فقال له عُمَرُ: ما يقولون؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّى ضَرَبْتُ فَخِذَىِ امرأتِى، فإن كان بينَهما أحَدٌ فقد قَتَلْتُه. فقال عُمَرُ: ما يقولُ؟ قالوا: يا أميرَ المؤمنين، إنَّه ضَرَب بالسَّيْفِ، فوَقَعَ في وَسَطِ الرَّجُلِ وفَخِذَىِ المرأةِ. فأخَذَ عُمَرُ سَيْفَه فهَزَّه، ثم دَفَعَه إليه، وقال:

стр. 12178

أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. ــ إن عادُوا فعُدْ. رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (١). [ورُوِىَ عن الزُّبَيْرِ، أنَّه كان يومًا قد تخَلَّفَ عن الجَيْشِ، ومعه جارِيَةٌ له، فأتاه رَجُلان فقالا: أعْطِنا شيئًا] (٢). فأعْطاهما طعامًا كان معه، فقالا: خَلِّ عن الجاريةِ. فضَرَبَهما بسَيْفِه، فقَطَعَهما بضَرْبَةٍ واحدةٍ (٣). ولأَنَّ الخَصْمَ اعْتَرَفَ بما يُبِيحُ قَتْلَه، فسَقَطَ حَقُّه، كما لو أقَرَّ بقَتْلِه قِصاصًا، أو في حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَه. وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، فكذلك. ٤٠٨٧ - مسألة: (وإن تَجارَحَ اثْنان، وادَّعَى كلُّ وَاحِدٍ) منهما (أنَّه جَرَح) صاحِبَه (دَفْعًا عن نفسِه) وأنْكَرَ الآخَرُ (وَجَب القِصاصُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ) لأَنَّ سَبَبَ القِصاصِ قد وُجِد وهو الجُرْحُ، والأَصْلُ

стр. 12179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَدَمُ ما يدَّعِيه الآخَرُ. وقال شيخُنا (١): يجبُ الضَّمانُ لذلك، والقولُ قولُ كلِّ واحدٍ منهما مع يَمِينِه في نَفْىِ القِصاصِ؛ لأنَّه ما يَدَّعِيه مُحْتَمِلٌ، فيَنْدَرِئُ به القِصاصُ، لأنَّه يَنْدَرِئُ (٢) بالشُّبُهاتِ. هذا الذى ذَكَره في كتَابِ «الكافِى». والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه لو كان دَعْوَى ما يَمْنَعُ القِصاصَ، إذا احْتَمَلَ مانِعٌ منه، لَما وَجَب القِصاصُ في المسائلِ المُتَقَدِّمَةِ، والحُكْمُ بخِلافِه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ القَوَدَ لا يجبُ إلَّا بالعَمْدِ، ولا نَعْلَمُ في وُجُوبِه بقَتْلِ العَمْدِ إذا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُه وانْتَفَتِ المَوانِعُ خِلافًا، وقد دَلَّت عليه الآياتُ والأخْبارُ بعُمُومِها، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٣). وقال تعالى:

стр. 12180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢). يُرِيدُ -واللَّه أعلمُ- أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ يَمْنَعُ الإِقْدامَ على القَتْلِ، خَوْفًا على نَفْسِه مِن القَتْل، فتَبْقَى الحياةُ في مَن أُرِيدَ قَتْلُه. وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣). وقال النبىُّ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وإمَّا أَنْ يُفْدَى». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وروَى أبو شُرَيْحٍ الخُزاعِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أُصِيبَ بدَمٍ، فَهُوَ بِالخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ؛ فإنْ أرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ أنَ يَقْتُلَ، أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ». رَواه أبو داودَ (٥).

стр. 12181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ المسلمَ يُقادُ به قاتِلُه، وإن كان مُجَدَّعَ الأطْرافِ، مَعْدُومَ الحَواسِّ، والقاتلُ صحيحٌ سَوِىُّ الخَلْقِ، أو (١) كان بالعَكْسِ. وكذلك إن تَفاوَتا في العلمِ والشَّرَفِ، والغِنَى والفَقْرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ، والكِبَرِ والصِّغَرِ، ونحو ذلك، لا يَمْنَعُ القِصاصَ بالاتِّفاقِ، وقد دَلَّتْ عليه العُمُوماتُ التى تَلَوْناها، وقولُ النبىِّ ﷺ : «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (٢). [ولأَنَّ] (٣) اعْتِبارَ التَّسَاوِى في الصِّفاتِ والفَضائِلِ، يُفْضِى إلى إسْقاطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ، وفَواتِ حِكْمَةِ (٤) الرَّدْعِ والزَّجْرِ، فوَجَبَ أن يَسْقُطَ اعْتِبارُه، كالطُّولِ والقِصَرِ، والسَّوادِ والبَياضِ. فصل: ويَجْرِى القِصاصُ بينَ الوُلاةِ والعُمَّالِ وبينَ رَعِيَّتِهم؛ لعُمُومِ

стр. 12182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآياتِ والأخْبارِ التى ذَكَرْناها. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وثَبَت عن أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لرجلٍ شَكا إليه عامِلًا (١) أنَّه قَطَع يَدَه ظُلْمًا: لَئِنْ كنتَ صادِقًا لأُقِيدَنَّك منه (٢). وثَبَت أنَّ عمرَ كان يُقِيدُ مِن نَفْسِه. وروَى أبو داودَ (٣)، قال: خَطَب عُمَرُ فقال: إنِّى لم أبْعَثْ عُمَّالِى ليَضْرِبُوا أبْشارَكم، ولا ليَأْخُذُوا أمْوالَكم، فمَن فُعِل به ذلك فلْيَرْفَعْه إلىَّ، أقُصُّه (٤) منه. فقال عمرُو بنُ العاصِ: لو أنَّ رجلًا أدَّبَ بعضَ رَعِيَّتِه، أتَقُصُّه منه؟ قال: إى والذى نَفْسِى بيَدِه، أقَصُّه، وقد رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أقَصَّ مِن نَفْسِه. ولأَنَّ المُؤمنين تَتَكافَأُ دِماؤُهم، وهذان حُرَّانِ مسلمان، ليس بينَهما إيلادٌ، فيَجْرِى (٥) القِصاصُ بينَهما، كسائرِ الرَّعِيَّةِ. فصل: ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ القِصاصِ كونُ القَتْلِ في دارِ الإِسْلامِ، بل متى قَتَل في دارِ الحَرْبِ مسلمًا عالِمًا بإسلامِه عامِدًا، فعليه القَوَدُ، سَواءٌ كان قد هاجَرَ أو لم يُهاجِرْ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو

стр. 12183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ بالقَتْلِ في غيرِ دارِ الإِسلامِ، فإن لم يكنِ المَقْتُولُ هاجَرَ، لم يَضْمَنْه بقِصاصٍ ولا دِيَةٍ، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأ، وإن كان قد هاجَرَ، ثم عاد إلى دارِ الحَرْبِ، كرَجُلَيْن مُسْلِمَيْن دَخَلا دارَ الحَرْبِ بأمانٍ، فقَتَلَ أحَدُهما صاحِبَه، ضَمِنَه بالدِّيَةِ، ولم يَجِبِ القَوَدُ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ كقَوْلِه. ولو قَتَل رجلٌ أسِيرًا مسلمًا في دارِ الحَرْبِ، لم يَضْمَنْه إلَّا بالدِّيَةِ [ولم يَجِبِ القودُ] (١)، عمدًا قَتَلَه أو خَطَأً. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآياتِ والأخْبارِ، ولأنَّه قَتَل مَن يُكافِئُه عمدًا ظُلْمًا، فوَجَبَ عليه القَوَدُ، كما لو قَتَلَه في دارِ الإِسلامِ، ولأَنَّ كلَّ دارٍ يَجِبُ فيها القِصاصُ إذا كان فيها إمامٌ، يَجِبُ وإن لم يكنْ فيها إمامٌ، كدارِ الإِسْلامِ. فصل: وقَتْلُ الغِيلَةِ وغيرُه سَواءٌ في القِصاصِ والعَفْوِ، وذلك للوَلِىِّ دُونَ السُّلْطانِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: الأمْرُ عندَنا أن يُقْتَلَ به، وليس لوَلِىِّ الدَّمِ أن يَعْفُوَ عنه، وذلك إلى السُّلْطانِ. والغِيلَةُ عندَه، أن يُخْدَعَ الإِنْسانُ، فيُدْخَلَ بَيْتًا أو نحوَه، فيُقْتَلَ أو يُؤْخَذَ مالُه. ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بقولِ (٢) عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، في الذى قُتِل غِيلَةً: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ [لأقَدْتُهم به] (٣).

стр. 12184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبقِياسِه على المُحارِبِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١). وقولُ النبىِّ ﷺ : «فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» (٢). ولأنَّه قَتِيلٌ في غيرِ المُحارَبَةِ، فكان أمْرُه إلى وَلِيِّه، كسائرِ القَتْلَى. وقولُ عُمَرَ: [لأقَدْتُهم به] (٣). أى أمْكَنْتُ الوَلِىَّ مِن استِيفاءِ القَوَدِ منهم.

стр. 12185

بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَيُشْتَرَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغ الصَّبِىُّ وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَبٌ، فَهَلْ لَهُ اسْتِيفَاؤهُ لَهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ بابُ اسْتِيفاءِ القِصاصِ (ويُشْتَرطُ له ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ مَن يَسْتَحِقُّه مُكَلَّفًا، فإن كان صَبِيًّا أو مَجْنُونًا، لم يَجُزِ اسْتِيفاؤُه، ويُحْبَسُ القاتِلُ حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ ويَعْقِلَ المَجْنونُ) إذا كان مَن يَسْتَحِقُّ القِصاصَ واحِدًا غيرَ مُكَلَّفٍ، صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، كصَبِىٍّ قُتِلَتْ أُمُّه، وليست زوجةً لأبِيه، فالقِصاصُ له، وليس لأبِيه ولا لغيرِه اسْتِيفاؤُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، له اسْتِيفاؤُه. وكذلك الحُكْمُ في الوَصِىِّ والحاكمِ في الطَّرَفِ دُونَ النَّفْسِ. وذَكَر أبو الخَطّابِ في مَوْضِعٍ في الأبِ رِوايَتَيْن،
следующие страницы →