. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبى بكرٍ، أنَّه لا يجبُ القِصاصُ ههُنا؛ لأنَّه (١) يضَعُ الحَدِيدَةَ في غيرِ المَوْضِعِ الذى وَضَعَها الجانِى فيه، فلم يَمْلِكْ ذلك، كقولِه (٢) في مَن قطَع اليَدَ مِن نِصْفِ الذِّراعِ أو الكَفِّ. وذكَر القاضى ههُنا كقولِ أبى بكرٍ، وفى نظائرِهِ مثلَ قولِ ابنِ حامدٍ. ولا يَصِحُّ التَّفْريقُ مع التَّساوِى. وإن قطَع بعضَ الأنْفِ، قُدِّرَ بالأجْزاءِ، وأُخِذَ منه بقَدْرِ ذلك، ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى قَطعِ جَميعِ أنْفِ الجانِى لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المَجْنِىِّ عليه لكِبَرِه (٣)، ويُؤْخَذُ المَنْخِرُ الأيْمَنُ بالأيْمَنِ، والأيْسَرُ بمثلِه، ويُؤْخَذُ الحاجِزُ بالحاجِزِ، لأنَّه يُمْكِنُ القِصاصُ فيه، لِانْتِهائِه إلى حَدٍّ.
فصل: وتُؤْخَذُ (٤) العَيْنُ بِالعَيْنِ؛ للآيَةِ. ولا يُشْتَرَطُ التَّساوِى في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ ذلك يُفْضِى إلى سُقوطِ القِصاصِ بالكُلِّيَّةِ.
стр. 12287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ بالأُذُنِ. أجْمَع أهْلُ العلمِ على أنَّ الأُذُنَ تُؤْخَذُ بالأُذُنِ، وقد دَلَّتِ الآيةُ على ذلك، ولأنَّها تَنْتَهِى إلى حَدٍّ فاصِلٍ، فأَشْبَهَتِ اليَدَ. وتُؤْخَذُ الكبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّميعِ بمثلِها وبأُذُنِ الأصَمِّ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ الأصَمِّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَساوِيهما، فإنَّ ذَهابَ السَّمْعِ نَقْصٌ في الرَّأْسِ؛ لأنَّه مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ فيهما. وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالمَثْقوبَةِ؛ لأَنَّ الثَّقْبَ ليس بعَيْبٍ، وإنَّما يُفْعَل في العادةِ للقُرْطِ والتَّزَيُّنِ به، فإن كان الثَّقْبَ في غيرِ مَحَلِّه، أو كانت مَخْرُومةً، أُخذَتْ بالصَّحِيحَةِ، ولم تُؤْخَذِ الصَّحِيحَةُ بها؛ لأَنَّ الثَّقْبَ إذا انْخَرَمَ صار نَقْصًا فيها، والثَّقْبُ في غيرِ مَحَلِّه عَيْبٌ، ويُخَيَّر المَجْنِىُّ عليه بينَ أخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وبينَ أن يَقْتَصَّ فيما سِوَى المَعِيبِ ويَتْرُكَه مِن أُذُنِ
стр. 12288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجانِى (١). وفى وُجُوب الحُكومةِ له في قَدْرِ النَّقْصِ وَجْهان. وإن قُطِعَتْ بعضُ أُذُنِه، فله أَن يَقْتَصَّ مِن أُذُنِ الجانِى بقَدْرِ ما قُطِع مِن أُذُنِه، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وعلى حسابِ (٢) ذلك. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: لا يَجْرِى القِصاصُ في البَعْضِ؛ لأنَّه لا يَنْتَهِى إلى حَدٍّ. ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ تَقْدِيرُ المَقْطُوعِ، وليس فيها كَسْرُ عَظْمٍ، فجَرَى القِصاصُ في بعْضِها، كالذَّكَرِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكَرُوه.
فصل: وتُؤْخَذُ الأُذُنُ المُسْتَحْشِفَةُ (٣) بالصَّحِيحةِ. وهل تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بها؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّها ناقِصَةٌ مَعِيبةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحَةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ. والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأَنَّ المَقْصُودَ منها جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والجمالُ (٤)، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
стр. 12289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن قطَع أُذُنَه فأَبانَها، فأَلْصَقَها صاحِبُها فالْتَصَقَتْ وثَبَتَتْ، فقال القاضى: يجبُ القِصاصُ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه وَجَبَ بالإِبَانَةِ، وقد وُجِدَتْ. وقال أبو بكرٍ: لا قِصاصَ فيها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها لم تَبِنْ على الدَّوامِ، فلم يَسْتَحِقَّ إبانَةَ أُذُنِ الجانِى دَوامًا. فإن سَقَطَتْ بعدَ ذلك قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فله القِصاصُ، ويَرُدُّ ما أخَذَ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، إذا لم تَسْقُطْ، له دِيَةُ الأُذُنِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى. وكذلك قولُ الأوَّلِينَ إذا اخْتارَ الدِّيَةَ. وقال مالكٌ: لا عَقْلَ لها إذا عادَتْ مَكانَها. فأمَّا إن قطَع بعضَ أُذُنِه فالْتَصَقَ، فله أَرْشُ الجُرْحِ، ولا قِصاصَ فيه. وإن قطَع أُذُنَ إنسانٍ، فاسْتَوْفَى منه، فألْصَقَ الجانِى أُذُنَه فالْتَصَقَتْ، فطَلَبَ المَجْنِىُّ عليه إبانَتَها، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأَنَّ الإِبانَةَ قد حَصَلَتْ، والقِصاصَ قد اسْتُوفِىَ، فلم يَبْقَ له (١)
стр. 12290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِبَلَه حَقٌّ. فأمَّا إن كان المَجْنِىُّ عليه لم يَقْطَعْ جميعَ الأُذُنِ، إنَّما قطَع بعْضَها فالْتَصَقَ، كان للمَجْنِىِّ عليه قَطْعُ جَمِيعِها؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبانَةَ جَمِيعِها، ولم يَكُنْ إِبَانَةٌ، والحُكْمُ في السِّنِّ كالحُكْمِ في الأُذُنِ (١).
فصل: ومَن ألْصَقَ أُذُنَه بعدَ إبانَتِها، أو سِنَّهُ، فهل تَلْزَمُه (٢) إبَانتها؟ فيه وَجْهان مَبْنِيّانِ على الرِّوايتَيْنِ فيما بانَ مِن الآدَمِىِّ، هل هو نَجِسٌ أو طاهِرٌ؟ إن قُلْنا: هو نَجِسٌ. لَزِمَتْه إزالتها، ما لم يَخْفِ الضَّرَرَ بذلك، كما لو جبَر عَظْمَه (٣) بعَظْم نجِسٌ. وإن قُلْنا بطَهارَتِها. لم تَلْزَمْه إزالَتُها. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو قولُ عَطاءِ بنِ أبى رباحٍ، وعَطاءٍ الخُراسانىِّ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه جُزْءُ آدَمِىٍّ طاهِرٌ في حَياتِه ومَوْتِه، فكان طاهِرًا (٤) كحالةِ اتِّصالِه (٥). فأمَّا إن قطَع بعضَ أُذُنِه فالْتَصَقَتْ، لم يَلْزَمْه إبَانَتُها، على
стр. 12291
فَإِذَا أَوْضَحَ إِنْسَانًا، فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ، فَإِنَّهُ
ــ
الرِّوايتَيْن جميعًا؛ لأنَّها لم تَصِرْ مَيْتَةً، لعَدَمِ إِبَانَتِها. ولا قِصاصَ فيها. قاله القاضى. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلَةُ في المَقْطُوعِ منها.
٤١٣٦ - مسألة: (وإذا أوْضَحَ إنْسانًا، فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ، أو سَمْعُه، أو شَمُّه، فإنَّه يُوضِحُه) فإنَّه جُرْحٌ يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ منه مِن
стр. 12292
يُوضِحُه، فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ، وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِىَ عَلَى حَدَقَتهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ،
ــ
غيرِ حَيْفٍ؛ لأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه (ثم إن ذهبَ ذلك، وإلَّا اسْتَعْمَلَ فيه ما يُذْهِبُه مِن غيرِ أن يَجْنِىَ على حَدَقَتِه، أو أُذُنِه، أو أنْفِه) لأنَّه يَسْتَوْفِى حَقَّه مِن غيرِ زِيادةٍ، فيُعالَجُ بما يُذْهِبُ بصَرَه مِن غيرِ أن يَقلَعَ عَيْنَه، كما روَى يحيى بنُ جَعْدَةَ، أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ بحَلُوبَةٍ له إلى المَدِينةِ، فساوَمَهُ فيها مَوْلًى لعثمانَ بنِ عفَّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فنازَعَه، فلَطَمَه ففَقَأَ عَيْنَه، فقال له عثمانُ: هل لك أن أُضَعِّفَ لك الدِّيَةَ وتَعْفُوَ عنه؟ فأَبَى، فرَفَعَهُما إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فدَعا علىٌّ بمِرآةٍ فأحْماها، ثم وضَع القُطْنَ على عَيْنِه الأُخْرَى، ثم أخَذَ المِرْآةَ بكَلْبَتَيْنِ، فأَدْناها [مِن عَيْنِه] (١) حتى سالَ إنسانُ عَيْنِه. وإن وضَع فيها كافُورًا يَذْهَبُ بضَوْئِها مِن غيرِ أن يَجْنِىَ على الحَدَقَةِ،
стр. 12293
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، سَقَطَ.
ــ
جازَ. وكذلك السَّمْعُ والشَّمُّ (فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بالجِنايةِ على هذه الأعْضاءِ، سقَط) القِصاصُ؛ لتَعَذُّرِ المُماثَلَةِ، ولأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يُسْقِطُ القَوَدَ، فحَقِيقَتُه أوْلَى.
فصل: وإن شَجَّه دُونَ المُوضِحَةِ، فأذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِه، لم يَقْتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّها لا قِصاصَ فيها إذا لم يَذْهَبْ ضَوْءُ العَيْنِ، فكذلك إذا ذهَب، ويُعالَجُ ضَوْءُ العَيْنِ بمثلِ ما ذكَرْنا. فإن كانتِ الشَّجَّةُ فوقَ المُوضِحَةِ، فله أن يَقْتَصَّ مُوضِحَةً. فإن ذهَب ضَوْءُ العَيْنِ، وإلَّا اسْتَعْمَلَ فيه ما يُزِيلُه من غيرِ أَنْ يَجْنِىَ على الحَدَقَةِ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ في القِصاصِ في البَصَرِ في هذه المواضِعِ كُلِّها (١)، فقال بعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه لا يَجبُ بالسِّرَايةِ عندَهم، كما لو قطَع إصْبَعَه، فسَرَى القَطْعُ إلى التى تَلِيها، فأَذهَبَها. وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ ههُنا، قولًا واحدًا؛ لأَنَّ ضَوْءَ العَيْنِ لا تُمْكِنُ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ، فيَقْتَصُّ منه بالسِّرَايةِ، كالنَّفْسِ، فيَقْتَصُّ مِن البَصَرِ بما ذكَرْنا في مثلِ هذا.
стр. 12294
فَصْلٌ: الثَّانِى، الْمُمَاثَلَةُ فِى الْمَوْضِعِ، فَتُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، والْعُلْيَا والسُّفْلَى، مِنَ الشَّفَتَيْنِ والأَجْفَانِ بِمِثْلِهَا.
والْإِصْبَعُ والسِّنُّ والأُنْمَلةُ بِمِثْلِهَا فِى المَوْضِعِ وَالاسْمِ.
ــ
فصل: الشَّرطُ (الثانى، المُمَاثلةُ في الموْضِع، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ مِن اليُمْنَى واليُسْرَى، والعُلْيا والسُّفْلَى، مِن الشَّفَتَيْنِ والأجْفانِ بمِثْلِها) لأَنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُمَاثَلَةَ. هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العلمِ، منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وحُكِى عن ابنِ سِيرِينَ، وشَريكٍ، أنَّ إحْدَاهما تُؤْخَذُ بالأُخْرَى، لاسْتِوائِهما في الخِلْقَةِ والمَنْفَعَةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تَخْتَصُّ باسْم، فلا تُؤْخَذُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، كاليَدِ مع الرِّجْلِ. وِكذلك كلُّ ما انْقَسَمَ إلى يَمِينٍ ويَسارٍ، كاليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والأُذُنيْنِ، والمَنْخَرَيْن، والثَّدْيَيْنِ، والألْيَتَيْنِ، والأُنْثَيَيْن (١)، لا تُؤْخَذُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، وكذلك كلُّ (١) ما انْقَسَمَ إلى أعْلَى وأسفَلَ، كالجَفْنَيْن والشَّفَتَيْن، لا يُؤْخَذُ الأعْلَى بالأسْفَلِ، ولا الأسْفَلُ بالأعْلَى، لذلك.
٤١٣٧ - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (الإصْبَعُ والسِّنُّ والأُنْمُلَةُ بمِثْلِهَا فِى المَوْضِعِ والِاسْمِ) ولَا تُؤْخَذُ أُنْمُلَةٌ بِأْنْمُلَةٍ إلَّا أن يَتَّفِقَا فِى المَوْضِعِ
стр. 12295
وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا، وَقَطَعَ الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الإِصْبَعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُلْيَا، فَصَاحِبُ الُوسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنُ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ، وبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ الْعُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصَّ مِنَ الْوُسْطى،
ــ
والِاسْمِ، ولا تُؤْخَذُ عُلْيَا بسُفْلَى ولا وُسْطَى، والوُسْطىَ والسُّفْلَى لا تُؤْخَذانِ بغيرِهما.
٤١٣٨ - مسألة: (فلو قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، وقطَع الوُسْطَى مِن آخَرَ ليس له عُلْيَا، فصاحِبُ الوُسْطَى مُخَيَّرٌ بينَ أخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِه، وبينَ أن يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ العُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصَّ مِنَ الوُسْطى) لأنَّه يَسْتَوْفِى حَقَّه بذلك.
فصل: فإن قطَع مِن ثالثٍ السُّفْلَى، فللأوَّلِ أن يَقْتَصَّ مِن العُلْيَا، ثم للثانِى أن يَقْتَصَّ مِن الوُسْطَى، ثم للثالثِ أن يَقْتَصَّ مِن السُّفْلَى، سواءٌ (١) جاءُوا جميعًا أو واحِدًا بعدَ واحدٍ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ إلَّا في العُلْيا؛ لأنَّه لم يَجِبْ في غيرِها حالَ الجِنايةِ، لتَعَذُّرِ اسْتِيفائِه، فلم يَجِبْ بعدَ ذلك، كما لو كان غيرَ مُكافِئٍ حالَ الجِنايةِ، ثم صارَ مُكافِئًا بعدَه. ولَنا، أنَّ تَعَذُّرَ القِصاصِ لاتِّصالِ مَحَلِّه بغيرِه لا يَمْنَعُه إذا زالَ الاتِّصالُ، كالحاملِ إذا جَنَتْ ثم وَضَعَتْ. ويُفارِقُ عَدَمَ التَّكافُؤ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ لمَعْنًى فيه، وههُنا تَعَذَّرَ لاتِّصالِ غيرِه به (٢)، فأمَّا إن جاءَ
стр. 12296
وَلَا يُؤْخَذُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُخَالِفُهُ،
ــ
صاحِبُ الوُسْطَى أو السُّفْلَى يَطْلُبُ القِصاصَ قبلَ صاحِبِ العُلْيا، لم يُجَبْ إليه؛ لأَنَّ في اسْتِيفائِه إتْلَافَ أُنْمُلَةٍ لا يَسْتَحِقُّها، وقيل لهما: إمَّا أن تَصْبِرَا حتى تَعْلَمَا ما يكونُ مِن الأَوَّلِ، فإنِ اقْتَصَّ فلكما القِصاصُ، وإن عَفا فلا قِصاصَ لكما، وإمَّا أن تَرْضَيَا بالعَقْلِ، فإن جاءَ صاحِبُ العُلْيا فاقْتَصَّ، فللثانى الاقْتِصاصُ، وحُكمُ الثالثِ مع الثانى كحُكْمِ (١) الثانى مع الأَوَّلِ، فإن عَفا فلكما العَقْلُ. وإن قالا: نحن نَصْبِرُ ونَنْتَظِرُ بالقِصَاصِ أن تَسْقُطَ العُلْيَا بمَرَضٍ أو نحوِه، ثم نَقْتَصُّ. لم يُمْنَعا مِن ذلك. فإن قطَع صاحِبُ الوُسْطَى الوُسْطَى والعُلْيَا، فعليه دِيَةُ العُلْيَا، تُدْفَعُ إلى صاحبِ العُلْيَا. وإن قطَع الإِصْبَعَ كلَّها، فعليه القِصاصُ في الأُنْمُلَةِ الثالثةِ، وعليه أَرْشُ العُلْيَا للأوَّلِ، وأرْشُ السُّفْلَى على الجانِى لصاحِبِها، وإن عَفا الجانِى عن قِصاصِها، وجَب أرْشُها، يَدْفَعُه إليه، ليَدْفَعَه إلى المَجْنِىِّ عليه.
فصل: فإن قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ثم قطَع أُنْمُلَتَىْ آخَرَ العُلْيَا والوُسْطىَ مِن تلك الإِصْبعِ، فللأوَّلِ قَطْعُ العُلْيَا؛ لأَنَّ حَقَّه أسْبَقُ، ثم يَقْطَعُ الثانى الوُسْطَى، ويأْخُذُ أَرْشَ العُلْيا مِن الجانِى. فإن بادَرَ الثَّانِى فقَطعَ الأُنْمُلَتَيْنِ، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ للأوَّلِ، وله الأَرْشُ على الجانِى. وإن كان قطَع الأُنْمُلَتَيْنِ أوَّلًا، قَدَّمْنا صاحِبَهُما في القِصاصِ، ووَجَبَ لصاحبِ العُلْيَا أَرشُها، وإن بادرَ صاحِبُها
стр. 12297
وَلا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّة بِزَائِدَةٍ، وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ.
ــ
فقَطَعَها، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وتُقطَعُ الوُسْطى للأوَّلِ، ويأْخذُ الأَرْشَ للعُلْيَا. ولو قطَع أُنْمُلَةَ رَجُلٍ العُلْيَا، ولم يَكُنْ للقاطعِ عُلْيَا، فاسْتَوْفَى الجانِى مِن الوُسْطَى، فإن عَفا إلى الدِّيَةِ، تَقَاصَّا وتساقَطا؛ لأَنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، وإنِ اخْتارَ الجانِى القِصاصَ، فله ذلك، ويَدْفَعُ أَرْشَ العُلْيَا. ويَجِئُ على قولِ أبى بكرٍ، أن لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لأَنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، واسمُ الأُنْمُلَةِ يشْمَلُهما، فتَساقَطَا، كقولِه في إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى. واللَّهُ أعلمُ.
٤١٣٩ - مسألة: (ولا تُؤْخَذُ أصْلِيَّةٌ بِزائِدَةٍ، ولا زائِدَةٌ بأَصلِيَّةٍ) ولا زائِدَةٌ بزائِدَةٍ في غيرِ مَحَلِّهَا؛ لعدمِ التَّمَاثُلِ (وإن تَراضَيا عليه لم يَجُزْ)
стр. 12298
فَإِنْ فَعَلَا، أَوْ قَطَعَهَا تَعَدِّيًا،
ــ
وجملةُ ذلك، أنَّ ما لا يجوزُ أخْذُه قِصاصًا، لا يجوزُ بتراضِيهِما؛ لأَنَّ الدِّماءَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ والبَذْلِ، ولذلك لو بَذَلَها ابْتِداءً، لم يَحِلَّ له أخْذُها، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ قَتْلُ نَفْسِه، ولا قَطْعُ طَرَفِه، فلا يَحِلُّ لغيرِه بِبَذْلِه.
٤١٤٠ - مسألة: فلو تَراضَيا على قَطْعِ إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الأُخْرَى، فَقَطَعَها المُقْتَصُّ، سقَط القَوَدُ، لأَنَّ القَوَدَ سقَط في الأُولَى بإسْقاطِ صاحِبِها، وفى الثَّانيةِ بإذْنِ صاحِبِها في قَطعِها، ودِيَتُهما (١) مُتَساوِيَةٌ. وهذا قولُ أبى بكرٍ. وكذلك لو قَطَعَها تَعَدِّيًا، سقَط القِصاصُ، لأنَّهما تَساوَيا في الدِّيَةِ والأَلَمِ والاسمِ، فتَقَاصَّا وتَساقَطا، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ يُفْضِى إلى قَطْعِ يَدَىْ كلِّ واحدٍ منهما، وإذْهابِ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، وإلْحاقِ الضَّرَرِ العظيمِ بهما جميعًا. ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ لوُضُوحِه. وكلُّ واحدٍ مِن القَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بسِرَايَتِه، لأنَّه عُدْوَانٌ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان أخَذَها (٢) عُدْوانًا، فلكلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ على صاحِبِه، وإن أخَذَها بتَراضِيِهما، فلا قِصاصَ في الثَّانيةِ؛ لرِضَا صاحِبِها ببَذْلِها، وإذْنِه في قَطْعِها. وفى وُجُوبِه في الأُولَى وَجْهان، أحدُهما، يَسْقُطُ، لِما ذكَرْناه. والثانى، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّه رَضِىَ بتَرْكِه بعِوَضٍ لم يَثْبُتْ له، فكان له الرُّجُوعُ إلى حَقِّه، كما لو باعَه سِلْعَةً بخمْرٍ وقَبَّضَه إيَّاه. فعلى هذا، له القِصاصُ بعدَ انْدِمالِ الأُخْرَى، وللجانِى دِيَةُ
стр. 12299
أَوْ قَالَ: أَخرِجْ يَمِينَكَ. فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا، أجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ أخْرَجَهَا عَمْدًا، لَمْ يُجْزِ، ويُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ.
ــ
يَدِه. فإذا وجَبَ للمَجْنِىِّ عليه دِيَةُ يَدِه وكانتِ الدِّيَتانِ واحدةً، تقَاصَّا، وإن كانت إحْداهما أكثرَ (١) مِن الأُخْرَى، كالرَّجُلِ مع المرأةِ، وجَب الفَضْلُ لصاحِبِه.
٤١٤١ - مسألة: وإن (قال) له: (أخْرِجْ يَمِينَكَ. فَأخْرَجَ يَسارَه، فَقَطَعَها، أجْزَأَتْ) على قولِ أبى بَكْرٍ، سَوَاءٌ قَطعها عَالِمًا بها أو جاهِلًا. وعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، إن أخْرَجَها عَمْدًا عالِمًا أَنَّها يَسارُه وأنَّها لا تُجْزِئُ، فلا ضَمانَ على قَاطِعِها ولا قَوَدَ؛ لأنَّه بذَلَها بإخْراجِه لها لا علىِ سَبِيلِ العِوَضِ، وقد يقومُ الفِعْلُ في ذلك مَقامَ النُّطْقِ، بدليلِ أنَّه لا فَرْق بينَ قَوْلِه: خُذْ هذا فكُلْه. وبينَ اسْتِدْعاءِ ذلك منه، فيُعْطِيه إيَّاه. ويُفارِقُ هذا ما إذا قطَع يَدَ إنسانٍ وهو ساكِتٌ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه البَذْلُ. ويُنْظَرُ في المُقْتَصِّ؛ فإن فَعَلَ ذلك عالِمًا بالحالِ، عُزِّرَ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ منه لحَقِّ اللَّهِ تعالى. وهل يَسْقُطُ القِصاصُ في اليُمْنَى؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما،
стр. 12300
وَإِنْ أخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ، فَعَلَى الْقَاطِعِ
ــ
يَسْقُطُ؛ لأنَّ قاطِعَ اليَسارِ تَعَدَّى بقَطْعِها، فلم يَمْلِكْ قَطْعَ اليَدِ الأُخْرَى، كما لو قطَع يَدَ السَّارِقِ اليُسْرى مكان يَمِيِنِه، فإنَّه لا يَمْلِكُ قَطْعَ يَمِينِه. والوجهُ الثانى، لا يَسْقُطُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وفرَّقُوا بينَ القِصاصِ وقَطْعِ السَّارِقِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أنَّ الحَدَّ مَبْنِىٌّ على الإِسْقاطِ، بخِلافِ القِصاصِ. الثانى، أن اليَسارَ لا تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ وإن عُدِمَتْ يمينُه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ، بخِلافِ القِصاصِ. والثالثُ، أنَّ اليَدَ لو سَقَطَتْ بأكِلَةٍ (١) أو قِصاصٍ، سقَط القَطْعُ في السَّرِقَةِ، فجازَ أن يَسْقُطَ بقَطْعِ اليَسارِ، بخِلافِ القِصاصِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ، ويَنْتَقِلُ إلى البَدَلِ. ولكنْ لا تُقْطَعُ يَمِينُه حتى تَنْدَمِلَ يَسارُه؛ لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى ذَهابِ نَفْسِهْ. فإن قيلِ: أليس لو قطَع يَمِينَ رَجُلٍ ويَسارَ آخَرَ، لم يُؤَخَّرْ أحَدُهما إلى انْدِمالِ الآخرِ؟ قُلْنا: الفرقُ بينَهما أنَّ القَطْعَيْنِ مُسْتَحقَّانِ قِصاصًا، فلهذا جَمَعْنا بينَهما، وفى مَسْأَلتِنا أحَدُهما غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلا نَجْمَعُ بينَهما، فإذا انْدَمَلَتِ اليَسارُ قَطَعْنا اليَمِينَ، فإن سَرَى قَطْعُ اليَسارِ إلى نَفْسِه، كانتْ هَدْرًا، ويَجِبُ (٢) في تَرِكَتِه دِيَةُ اليُمْنَى؛ لتَعَذُّر الاسْتِيفاءِ فيها بمَوْتِه.
٤١٤٢ - مسألة: (وإن أخْرَجَها دَهْشَةً، أو ظَنًّا) منه (أنَّها
стр. 12301
دِيَتُهَا،
ــ
تُجْزِئُ، فعلى القاطِعِ دِيَتُها) إن علِمَ أَنَّها يَسارٌ وِأنَّها لا تُجْزِئُ، [ويُعَزَّرُ] (١). وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: عليه القِصاصُ؛ لأنَّه قَطَعها مع العلمِ بأنَّه ليس له قَطعُها. ولَنا، أنَّه قَطَعَها ببَذْلِ صاحِبِها، فلم يجِبْ عليه القِصاصُ، كما لو عَلِمَ باذِلُها. وإن كان جاهِلًا، فلا تَعْزِيرَ عليه، وعليه الضَّمانُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّه بذَلَها له على وَجْهِ البَدَلِ (٢)، فكانتْ مَضْمُونَةً عليه؛ لأنَّه لو كان عالِمًا بها كانت مَضمُونَةً عليه، وما وجَب ضَمانُه في العَمْدِ، وجَبَ في الخَطَأ، كإتْلافِ المالِ، والقِصاصُ باقٍ له في اليَمِينِ، ولا يَقْتَصُّ حتى تَنْدَمِلَ اليَسارُ، فإن عَفا وجَب بدَلُها، ويَتَقاصَّان، وإن سَرَتِ اليَسارُ إلى نَفْسِه، كانت مَضْمُونَة بدِيَةٍ كاملةٍ، وقد تَعَذَّرَ قَطْعُ اليُمْنَى، ووَجَبَ له نِصْفُ الدِّيَةِ. فيتَقاصَّان به، ويَبْقَى نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَةِ الجانِى. فإنِ اخْتَلَفا في بذْلِها، فقال الجانِى: إنَّما بَذَلْتُها (٣) بدَلًا عن اليَمِينِ. وقال المَجْنِى عليه: بَذَلْتَها بغيرِ عِوَضٍ. أو قال: أخْرَجْتُها
стр. 12302
وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا، فَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وإنْ جَهِلَ أحَدَهُمَا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وإنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا، وَالْآخَرُ غَاقِلًا، ذَهَبَتْ هَدْرًا.
ــ
دَهْشَةً. قال: بل عالِمًا. فالقولُ قولُ الجانِى؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، ولأَنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنْسانَ لا يَبْذُلُ طَرَفَه للقَطْعِ تَبَرُّعًا، مع أنَّ عليه قَطْعًا مُسْتَحَقًّا. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
٤١٤٣ - مسألة: (وإن كان مَن عليهِ القِصاصُ مَجْنُونًا) مِثْلَ مَن يُجَنُّ بعدَ وُجُوبِ القِصاصِ عليه، فعلَى قَاطِعِها القَوَدُ (إن كان عالِمًا بها، وأنَّها لا تُجْزِئُ) لأنَّه قَطَعَها تَعَدِّيًا بغيرِ حَقٌّ (وإن جَهِلَ أحَدَهُما فعليه الدِّيَةُ) لأَنَّ بَذْلَ المَجْنُونِ ليس بشُبْهَةٍ.
٤١٤٤ - مسألة: وإن كان مَن لهُ القِصاصُ مَجْنُونًا، ومَن عليه القِصاصُ عاقِلًا ، فأخْرَجَ إليه يَسارَه أَوْ يَمِينَهُ فَقَطَعَها، ذَهَبَت هَدْرًا؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ، ولا يجوزُ البَذْلُ له، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أتْلَفَها ببَذْل صاحِبِها، لكنْ إن كان المقْطوعُ اليُمْنَى، فقد تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ فيها لتَلَفِها، فتكونُ للمَجْنونِ دِيَتُها.
فصل: فإن وثَب المجْنُونُ عليه فقَطَعَ يَدَه التى لا قِصاصَ
стр. 12303
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، اسْتِوَاؤُهُمَا فِى الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشلَّاءَ، وَلَا كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ، وَلَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ، وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ،
ــ
فيها، فعلى عاقِلَتِه دِيَتُها، وله القِصاصُ في الأُخْرَى، وإن قطَع الأُخْرَى، فهو مُسْتَوْفٍ حَقَّه، في أحَدِ الوَجْهينِ؛ لأَنَّ حَقَّه مُتَعَيِّنٌ فيها، فإذا أخَذَها قَهْرًا، سقَط حَقُّه، كما لو أتْلَفَ ودِيعَتَه. والثانى، لا يَسْقُطُ حَقُّه، وله عَقْلُ يَدِه، وعَقْلُ يَدِ الجانِى على عاقِلَتِه؛ لأَنَّ المَجْنُونَ لا يَصِحُّ منه الاسْتِيفاءُ. ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ إذا أتْلَفَها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، وليس لها بَدَلٌ إذا تَلِفَتْ بذلك، واليَدُ بخِلافِه، فإنَّها لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ، كانتْ عليه دِيَتُها، وكذلك الحُكْمُ في الصَّغيرِ. فإنِ اقْتَصَّا ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، سقَط حَقُّهما، وَجْهًا واحدًا، وقد ذكَرْناه.
فصل: (الثالثُ، اسْتِواؤُهما في الصِّحَّةِ والكَمالِ) لأَنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُماثَلَةَ (فلا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بشَلَّاءَ، ولا كاملةُ الأصابعِ بناقِصَةٍ) ولا ذاتُ أظْفارٍ بما لا أظْفارَ لها (١) (ولا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بقائمَةٍ (٢)، ولا لسانٌ ناطِقٌ بأخْرَسَ) لا نعلمُ أحدًا مِن أهْل العلم قال بوُجُوب قَطْعِ يَدٍ أو رِجْلٍ أو لِسانٍ صَحِيحٍ بأشَلَّ، إلَّا ما حُكِىَ عن (٣) داودَ، أنَّه أوْجَبَ
стр. 12304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك؛ لاشْتِراكِهما في الاسمِ، فأُخِذَ به كالأُذُنَيْنِ. وِلَنا، أنَّ الشَّلَّاءَ [لا نَفْعَ] (١) فيها سِوَى الجَمالِ (٢)، فلا تُؤْخَذُ بما فيه نفْعُه، كالعَيْنِ الصَّحِيحَةِ لا تُؤْخَذُ بالقائمةِ، وما ذُكِرَ له قِياسٌ، وهو لا يقولُ بالقِياسِ، وإذا لم يُوجبِ القِصاصَ في العَيْنَيْنِ مع قوْلِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٣). لأجْل تَفاوُتِهِما في الصِّحَّةِ والعَمَى، فلَأن لا يُوجِبَ ذلك فيما لا نَصَّ فيه أَوْلَى.
فصل: ولا تُؤْخَذُ يَدٌ كاملةُ الأصابعِ بناقِصَةِ الأصابعِ، فلو قطَع مَن له خَمْسُ أصابِعَ يَدَ مَن له أرْبَعٌ أو ثَلاثٌ، أو قطَع مَن له أرْبَعُ أصابعَ يَدَ مَن له ثَلاثٌ، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأنَّها (٤) فوقَ حَقِّه. وهل له أن يَقْطَعَ نِصْفِ الكَفِّ. وإن قطَع ذُو اليَدِ الكاملةِ يَدًا فيها إصْبَعٌ شَلَّاءُ وباقِيها مِن أصابعِ الجانِى بعَدَدِ أصابِعِه؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهما فيما إذا قطَع مِن صِحاحٌ، لم يَجُزْ أخْذُ الصَّحِيحةِ بها؛ لأنَّه أخْذُ كامِلٍ بناقِصٍ. وفى الاقْتِصاصِ مِن الأصابعِ الصِّحاحِ وَجْهان؟ فإن قُلْنا: له أن يَقْتَصَّ. فله الحُكومةُ في الشَّلَّاءِ، وأَرْشُ ما تَحْتَها مِن الكَفِّ. وهل يَدْخُلُ ما تحتَ
стр. 12305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصابعِ الصِّحاحِ في قِصاصِها، أو تجِبُ فيه (١) حُكومةٌ؟ [على وجْهَيْن] (٢).
فصل: وإن قَطَع (٣) اليَدَ الكاملةَ [ذُو يَدٍ] (٤) فيها إصْبَعٌ زائدَةٌ، وجَب القِصاصُ [فيها. ذكَرَه أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ الزَّائدةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في المَعْنَى، فلم يَمْنَعْ وُجُودُها القِصاصَ] (٥) منها، كالسِّلْعةِ فيها والخُرَاجِ (٦). واخْتارَ القاضى أنَّها لا تُقْطَعُ بها. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّها زِيادةٌ. فعلى هذا إن كان للمَجْنِىِّ عليه أيضا إصْبَعٌ زائدةٌ في مَحَلِّ الزَّائدةِ مِن الجانِى، وجَب القِصاصُ؛ لاسْتِوائِهِما، وإن كانتْ في غيرِ مَحَلِّها، أو (٧) لم يَكُنْ للمَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زائدةٌ، لم تُؤْخَذْ يَدُ الجانِى. وهل يَمْلِكُ قَطْعَ الأصابعِ؟ يُنْظَرُ؛ فإن كانتِ الزَّائِدَةُ مُلْصَقَةً بإحْدى الأصابعِ، فليس له قَطْعُ تلك الإِصْبَعِ؛ لأَنَّ في قَطْعِها إضْرارًا بالزَّائِدَةِ. وهل له قَطْعُ الأصابعِ الأرْبعِ؟ على وَجْهَين. وإن لم تكُنْ ملصقةً بواحدةٍ منهنَّ، فهل له قطْعُ الخَمْسِ؟ على وَجْهين. وإن كانتِ الزَّائدةُ نابتةً في إصْبعٍ في أُنْمُلَتِها
стр. 12306
وَلَا ذَكَرٌ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ، وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِىٍّ وَلَا عِنِّينٍ.
ــ
العُلْيا، لم يَجُزْ قَطْعُها، وإن كانت نابِتَةً في السُّفْلى أو الوُسْطَى، فله قطْعُ ما فَوْقَها مِن الأنامِلِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن. ويأْخُذُ أَرْشَ الأُنْمُلَةِ التى تَعَذَّرَ قَطْعُها، في أحَدِ الوَجْهَيْن، ويَتْبَعُ ذلك خُمْسُ الكَفِّ.
فصل: وإن قطَع ذُو يَدٍ لها أظْفارٌ يَدَ مَن لا أظْفارَ له، لم يَجُزِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذُ بالنَّاقصةِ. وإن كانتِ المقطوعةُ ذاتَ أظْفارٍ، إلَّا أنَّها خَضْرَاءُ أو مُسْتَحْشِفَةٌ، أُخِذَتْ بها السَّلِيمةُ؛ لأَنَّ ذلك عِلَّةٌ ومَرَضٌ، والمَرَضُ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ أنَّا نأْخُذُ الصَّحِيحَ بالمسَّقِيمِ.
٤١٤٥ - مسألة: (ولا) تُؤْخَذُ (عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بقائِمَةٍ، ولا لسانٌ ناطِقٌ بأَخْرَسَ، ولا ذَكَرٌ صَحِيحٌ بأشَلَّ) لأنَّها ليست مُماثِلَةٍ لها، ولأنَّه يأْخُذُ أكثرَ مِن حَقِّه، فأشْبَهَتِ اليَدَ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، لا تُؤْخَذُ بها (١).
٤١٤٦ - مسألة: (ولا) يُؤْخَذُ (ذَكَرُ فَحْلٍ بذَكَرِ خَصِىٍّ ولَا عِنِّينٍ) ذكَرَه الشَّرِيفُ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه لا مَنْفعَةَ فيهما، فإنَّ ذكَرَ العِنِّينِ لا يُوجَدُ منه وَطْءٌ ولا إنْزَالٌ، والخَصِىُّ لا يُولَدُ له، ولا يَكادُ يَقْدِرُ على الوَطْءِ ولا يُنْزِلُ، فهما (١) كالأشَلِّ، ولأَنَّ كلَّ وأحدٍ منهما ناقِصٌ،
стр. 12307
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِما،
ــ
فلا يُؤْخَذُ به الكامِلُ، كاليَدِ الناقصةِ بالكاملةِ (ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ بهما) قال أبو الخَطَّابِ: يُؤْخَذُ غيرُهما بهما، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وهو مذْهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما عُضْوان صَحِيحان، يَنْقَبِضان ويَنْبَسِطانِ، فيؤْخَذُ بهما غيرُهما، كذَكَرِ الفَحْلِ غيرِ العِنِّينِ، وإنَّما عَدَمُ الإنْزالِ لذَهابِ الخُصْيَةِ، والعُنَّةُ لعِلَّةٍ في الظَّهْرِ، فلم يَمْنَعْ ذلك مِن القِصاصِ بهما، كأُذُنِ الأصمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ. وقال القاضى: لا يُؤْخَذُ ذكَرُ الفَحْلِ بالخَصِىِّ؛ لتَحَقُّقِ نَقْصِه، والإِياسِ مِن بُرْئِه. وفى أخْذِه بذَكَرِ العِنِّينِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُؤْخَذُ به الصَّحِيحُ؛ لأنَّه غيرُ مَأْيُوسٍ من زَوالِ عُنَّتِه، ولذلك يُؤجَّلُ سَنةً، بخِلافِ الخَصِىِّ (١). والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه إذا ترَدَّدَتِ الحالُ بينَ كَوْنِه مُساوِيًا للآخَرِ وعَدَمِه، لم يَجبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فلا يجِبُ بالشَّكِّ، سِيَّما وقد حَكَمْنا بانْتِفاءِ التَّساوِى، لقِيامِ الدليلِ على عُنَّتِه، وثُبُوتِ عُنَّتِه. ويُؤْخَذُ كل واحدٍ مِنَ الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعَبْدِ، والذِّمِّى بالذِّمِّىِّ.
стр. 12308
إِلَّا مَارِنَ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ، يُؤْخَذُ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ وَالْمَخْرُومِ وَالْمُسْتَحْشِفِ،
ــ
٤١٤٧ - مسألة: (إلَّا مارِنَ الأشَمِّ الصَّحِيحِ) فإنَّه (يُؤْخَذُ بمارنِ الأخْشَمِ) الَّذِى لَا [شَمَّ له] (١)؛ لأَنَّ ذلك لعِلَّةٍ في الدِّماغِ والأنفُ صَحيحٌ، كما تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصَمِّ، لكَوْنِ ذَهابِ السَّمْعِ نَقْصًا في الرَّأْسِ؛ لأنَّهْ مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ في الأُذنِ (و) يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ (بالمَخْرُوم والمُسْتَحْشِفِ) لأَنَّ كوْنَه مُسْتَحْشِفًا مَرَضٌ، فلا يَمْنَعُ من أخْذِه به؛ لأَنَّه يقُومُ مَقامَ الصَّحِيحِ [وفيه وجه آخرُ، أنَّ الصَّحيحَ لا يُؤْخَذُ به؛ لأَنَّه مَعِيبٌ، فلم يُؤْخَذْ به الصَّحِيحُ، كاليدِ الشَّلَّاءِ. ذكرَه شَيْخُنا في الكافِى] (٢).
стр. 12309
وَأُذُنَ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ الشَّلَّاءِ في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
ــ
٤١٤٨ - مسألة: (وأُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصمِّ) لِمَا ذَكَرْنا. وتُؤْخَذُ الأُذُنُ المُسْتَحْشِفَةُ بالصَّحِيحةِ. وهل تُؤْخَذُ بها الصَّحِيحةُ. [فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤخَذُ بها؛ لأَنَّها ناقِصَةٌ مَعِيبَةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحةُ] (١)، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ. والثانى، تُؤْخَذُ بها، لأَنَّ
стр. 12310
وَيُؤْخَذُ الْمَعِيبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ، وَبِمِثْلِهِ إِذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ،
ــ
المَقْصُودَ جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والْجمالُ (١)، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخِلافِ سائرِ الأعْضاءِ.
٤١٤٩ - مسألة: (ويُؤْخَذُ المَعِيبُ مِن ذلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ وبمثْلِه، إذا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ) إذا كان القاطعُ أشَلَّ، والمَقْطُوعةُ سالِمةً، فإن شاءَ المَجْنِىُّ عليه أخْذَ الدِّيَةِ، فله أخْذُ دِيَةِ يَدِه (٢)، لا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عَجَز عن اسْتِيفاءِ حَقِّه على الكَمالِ بالقِصاصِ، فكانت له الدِّيَةُ، كما لو لم يَكُنْ للقاطعِ يَدٌ. وهذا قولُ أبِى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وإنِ اخْتارَ القِصاصَ، سُئِلَ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّه إذا قُطِعَ لم تَنْسَدَّ العُرُوقُ، ويَدْخُلُ الهواءُ إلى البَدَنِ فيُفْسِدُه. سقَط القِصاصُ؛ لأنَّه لا يجوزُ أخْذُ نَفْسٍ بطَرفٍ. وإن أُمِنَ هذا، فله القِصاصُ؛ لأنَّه رَضِىَ بدُونِ حَقِّه، فكان له ذلك، كما لو رَضِىَ المُسْلِمُ
стр. 12311
وَلَا يَجِبُ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الْآخَرِ، لَهُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ، وَلَا شَىْءَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الشَّلَلِ. وَاخْتَارَ أبو الْخَطَّابِ أنَّ لَهُ أَرْشَهُ.
ــ
بالقِصاصِ مِن الذِّمِّىِّ، والحُرُّ مِن العَبْدِ (ولا يجبُ له مع القِصاصِ أَرْشٌ) لأَنَّ الشَّلَّاءَ كالصَّحِيحةِ في الخِلْقَةِ، وإنَّما نَقَصَتْ في الصِّفَةِ، فلم يَكُنْ له أَرْشٌ، كالصُّورَتَيْنِ المذْكُورَتَيْنِ (واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ له الأَرْشَ) مع القِصاصِ، على قِياسِ قَوْلِه في عَيْنِ الأعْوَرِ إذا قُلِعَتْ؛ لأنَّه أخَذَ النَّاقِصَ بالزَّائدِ. والأَوَّلُ أصَحُّ، وهو اختِيارُ الخِرَقِىِّ، فإنَّ إلْحاقَ هذا الفَرْعِ بالأصُولِ المُتَّفَقِ عليها أوْلَى مِن إلْحاقِه بفَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فيه، خارجٍ عن الأُصُولِ، مُخالِفٍ للقِياسَ.
فصل: وتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ بالشَّلَّاءِ، إذا امِنَ في الاسْتِيفاء الزِّيادةُ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: لا تُؤْخَذُ بها. في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ الشَّلَلَ عِلَّةٌ، والعِلَلُ يَخْتَلِفُ تأْثِيرُها في البَدَنِ، فلا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ بينَهما. ولَنا، أنَّهما مُماثِلانِ (١) في ذاتِ العُضْوِ وصِفَتِه، فجاز أَخْذُ إحْداهما بالأُخْرَى، كالصَّحِيحةِ بالصَّحِيحَةِ.
стр. 12312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤١٥٠ - مسألة: وتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بالنَّاقِصَةِ، إذا تَساوَتا فيه، بأن يَكُونَ المَقْطُوعُ مِن يَدِ الجَانِى كالمَقْطُوعِ مِن يَدِ المَجْنِىِّ عليه؛ لأنَّهما تَساوَتا في الذَّاتِ والصِّفَةِ. فإنِ اخْتَلَفا، فكان المَقْطُوعُ مِن يَدِ أحَدِهما الإِبهامَ، ومِن الأُخْرَى (١) إصْبَعٌ غيرُها، لم يَجِبِ القِصاصُ؛ لأَنَّ فيه أخْذَ إصْبَعٍ بغيرِها. وإن كانت إحْدَاهما ناقِصَةً إصْبَعًا، والأُخْرَى ناقِصَةً تلك الإِصْبَعَ وغيرَها، جازَ أخْذُ النَّاقِصةِ إصْبَعَيْنِ بالنَّاقِصةِ إصْبَعًا. وهل له أخْذُ إصْبَعِه الزَّائدةِ؟ فيه وَجْهان. ولا يجوزُ أخْذُ الأُخْرَى بها؛ لأَنَّ الكاملةَ لا تُؤْخَذ بالنَّاقصةِ.
٤١٥١ - مسألة: وتؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بالكامِلَةِ؛ لأنَّهَا دُونَ حَقِّهِ. وهل له أخْذُ دِيَةِ الأصابِعِ النَّاقِصةِ ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، له ذلك.
стр. 12313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو قولُ الشافعىِّ، واختِيارُ ابنِ حامدٍ. والثانى، ليس له مع القِصاصِ أَرْشٌ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى الجَمْعِ بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ في عُضْوٍ واحدٍ. وقال القاضى: قِياسُ قَوْلِه سُقُوطُ القِصاصِ، كقولِه في مَن قُطِعَتْ يَدُه مِن نِصْفِ الذِّراعِ. وليس هذا كذلك؛ لأنَّه (١) يَقْتَصُّ مِن مَوْضِعِ الجِنايةِ، ويَضَعُ الحَدِيدَةَ في مَوْضِعِ وضَعَها الجانِى، فمَلَكَ ذلك، كما لو جَنَى عليه فوقَ المُوضِحَةِ، أو كان رَأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، أو أخَذَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحةِ. ويُفارِقُ القاطِعَ مِن نصْفِ الذِّراعِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِصاصُ مِن مَوْضِعِ الجِنايةِ. هكذا حَكاه الشَّرِيفُ عن أبى بكرٍ.
فصل: وإن كانت يَدُ القاطعِ والمَجْنِىِّ عليه كامِلَتَيْنِ، وفى يَدِ المَجْنِىِّ عليه إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، فعلى قَوْلِ ابنِ حامدٍ، لا عِبْرَةَ بالزَّائدَةِ؛ لأنَّها بمنزلةِ الخُرَاجِ (٢) والسِّلْعةِ. وعلى قولِ غيرِه، له قَطْعُ يَدِ الجانِى. وهل له حُكومةٌ في الزَّائدةِ؟ على وَجْهَيْن. وإن قطَع مَن له خَمْسُ أصابعَ أصْليَّةٍ كَفَّ مَن له أرْبَعُ أصابعَ أصْليَّةٍ وإصْبَعٌ زائدةٌ، أو قطَع مَنْ له أرْبَعُ أصابعَ أصْلِيَّةٍ وإصْبَعٌ زائدةٌ كَفَّ مَن له خَمْس أصابعَ أصْليَّةٍ، فلا قِصاصَ في الصُّورَةِ الأُولَى؛ لأَنَّ الأصْلِيَّةَ لا تُؤْخَذُ بالزَّائدةِ. وله القِصاصُ في الصُّورَةِ الثَّانيةِ، في قولِ ابنِ حامدٍ؛ لأَنَّ الزَّائدةَ لا عِبْرةَ بها. وقال غيرُه:
стр. 12314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن لم تَكُنِ الزَّائدةُ في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، فلا قِصاصَ أيضًا؛ لأَنَّ الإصْبَعَيْنِ مُخْتلفانِ. وإن كانت في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، فقال القاضى: يَجْرِى القِصاصُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، ولا شئَ له؛ لنَقْصِ الزَّائدةِ. قال شَيْخُنا (١): وهذا فيه نَظَرٌ؛ لأنَّها متى كانت في مَحَلِّ الأصْلِيَّةِ، كانت أصْليَّةً؛ لأَنَّ الزَّائدةَ هى التى زادَتْ عن عَدَدِ الأصابعِ، أو كانت في غيرِ مَحَلِّ الأصابعِ، وهذا له خَمْسُ أصابعَ في مَحَلِّها، فكانت كلُّها أصْلِيَّةً. فإن قالوا: معنى كَوْنِها زَائدةً، أنَّها ضَعِيفةٌ مائلةٌ عن سَمْتِ الأصابعِ. قُلْنا: ضَعْفُها لا يُوجِبُ كَوْنَها زَائدةً، كذَكَرِ العِنِّينِ، وأمَّا مَيْلُها عن سَمْتِ الأصابعِ، فإنَّها إن لم تَكُنْ نابِتَةً في (٢) مَحَلِّ الإصْبَعِ (٣) المَعْدومةِ، فسَد قَوْلُهم: إنَّها في مَحَلِّها. وإن كانت نابِتةً في مَوْضِعِها، وإنَّما مالَ رأْسُها أو اعْوَجَّتْ، فهو مَرَضٌ لا يُخْرِجُها عن كَوْنِها أصْلِيَّةً.
فصل: إذا قطَع إصْبَعَه، فأصابَه مِن (٤) جُرْحِها أكِلَةٌ في يَدِه، وسَقَطَتْ مِن مَفْصِلٍ، ففيها القِصاصُ على ما نذْكُرُه في (٤) سِرايَةِ الجِنايةِ. وإن بادَرَ صاحِبُها فقَطَعَها مِن الكُوعِ، لِئَلَّا تَسْرِىَ إلى سائرِ جَسَدِه، ثم انْدَمَلَ جُرْحُه، فعلى الجانِى القِصاصُ في الإصْبَعِ، والحُكومة
стр. 12315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيما تأكَّلَ مِن الكَفِّ، ولا شئَ عليه فيما قَطَعَه المَجْنِىُّ عليه؛ لأنَّه تَلِفَ بفعْلِه. وإن لم ينْدَمِلْ، ومات مِن ذلك، فالجانِى شَرِيكُ نَفْسِه، فيَحْتَمِلُ وُجُوبُ القِصاصِ عليه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ بحالٍ؛ لأَنَّ فِعْلَ المَجْنِىِّ عليه إنَّما قصَد به المَصْلَحَةَ، فهو عَمْدُ الخَطَأَ، وشَرِيكُ الخَاطِئِ لا قِصاصَ عليه، ويكونُ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن قطَع المَجْنِىُّ عليه مَوْضِعَ الأكِلَةِ، نَظَرْتَ؛ فإنْ قَطَع لَحْمًا مَيِّتًا، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فالقِصاصُ على الجانِى؛ لأنَّه سِرايَةُ جُرْحِه خاصَّةً، وإن كان في لَحْمٍ حَىٍّ فمات، فهو كما لو قَطَعَها خَوْفًا مِن سِرايَتِها، وقد ذكَرْناه.
فصل: إذا قَطَع أُنْمُلَةً لها طَرَفانِ، إحْدَاهما زائدةٌ والأُخْرَى أصْلِيَّةٌ، فإن كانت أُنْمُلَةُ القاطعِ ذاتَ طَرَفَيْن أيضًا، أُخِذَتْ بها، وإن لم تَكُنْ ذاتَ طَرَفَيْنِ، قُطِعَتْ، وعليه حُكومةٌ في الزَّائدةِ. وإن كانتِ المَقْطُوعُةُ ذاتَ طَرَفٍ واحدٍ، وأُنْمُلَةُ القاطِعِ ذاتَ طَرَفَيْنِ، أُخِذَتْ بها، في قَوْلِ ابنِ حامدٍ. وعلى قَوْلِ غيرِه، لا قِصاصَ فيها، وله دِيَةُ أُنْمُلَتِهِ (١)، وإن ذهب الطَّرَفُ الزَّائدُ، فله الاسْتِيفاءُ. وإن قال: أنا أصْبِرُ حتى يَذْهَبَ الزَّائدُ (٢) ثم أقْتَصُّ. فله ذلك؛ لأَنَّ القِصاصَ حَقُّه، فلا يُجْبَرُ على تعْجِيلِ اسْتِيفائِه.
стр. 12316
وَإِنِ اخْتَلَفَا في شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ، فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، أَوْ مَارِنِهِ، أَوْ شَفَتِهِ، أَوْ
ــ
٤١٥٢ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في شَلَلِ العُضْوِ وصِحَّتِه) فالقولُ قَوْلُ المَجْنِىِّ عليه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الظاهرَ مِن النَّاسِ سلامةُ الأعْضاء، وخَلْقُ اللَّهِ تعالى لهم بصِفَةِ الكمالِ. والثانى، القَوْلُ قولُ الجانِى؛ لأَنَّ الأَصْلَ براءةُ ذِمَّتِه مِن دِيَةِ عُضْوٍ سالمٍ، ولأنَّه لو كان سالِمًا لم يَخْفَ؛ لأنَّه يَظْهرُ فيَراه الناسُ.
فصل: قال، ﵀: (وإن قطَع بعْضَ لِسانِه، أو مارِنِه، أو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ؛ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وكلُّ جُزْءٍ بمثلِه، ولا يُؤْخَذُ بالمِساحَةِ؛ لئَلَّا يُفْضِىَ إلى أخْذِ جميعِ سنِّ الجانِى ببعضِ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ويكونُ القِصاصُ بالمِبْرَدِ، لتُؤْمَنَ الزِّيادَةُ، فإنَّا لو أخَذْناها بالكَسْرِ، لم نَأْمَنْ أن يَنْصَدِعَ، أو يَنْقَلِعَ، أو يَنْكَسِرَ مِن غيرِ مَوضعِ القِصاصِ. ولا يُقْتَصُّ حتى يقولَ أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُؤْمَنُ (١) انْقِلاعُها، أو السَّوادُ فيها؛ لأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يَمْنَعُ القِصاصَ في الأعْضاءِ، كما لو قُطِعَتْ يَدُه مِن غيرِ مَفْصِلٍ. فإن قيل: فقد أجَزْتُم (٢) القِصاصَ في الأطْرَافِ مع تَوَهُّمِ سِرايَتِها إلى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُم منه (٣) لتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ منه إلى بَعْضِ العُضْوِ؟ قُلْنا: وَهْمُ السِّرايةِ إلى النَّفْسِ لا سبيلَ إلى التَّحَرُّزِ منه، فلو اعْتَبَرْناهُ في المَنْعِ، أفْضَى إلى سُقُوطِ القِصاصِ في الأطْرافِ بالكُلِّيَّةِ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، أمَّا السِّرايَةُ إلى بعضِ العُضْوِ، فتارةً نقولُ: إنَّما يَمْنَعُ القِصاصَ فيها احْتِمالُ الزِّيادةِ في الفِعْلِ، لا في السِّرايةِ، مثلَ مَن يَسْتَوْفِى مِن بعضِ الذِّراعِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ [أن يَفْعَلَ] (٤) أكثرَ ممَّا فُعِلَ به، وكذلك مَن كسَر سِنًّا ولم يَصْدَعْها، فكَسَرَ المُسْتَوْفِى سِنَّهُ وصَدَعَها، أو قَلَعَها (٥)، أو كسَر أكثرَ ممَّا كُسِرَ مِن سِنِّه، فقد زادَ على المِثْلِ،
стр. 12319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثلةَ. وتارةً نقولُ: إنَّ السِّرايةَ في بعضِ العُضْوِ إنَّما تَمْنَعُ إْذا كانت ظاهرةً، ومثلُ هذا يَمْنَعُ في النَّفْسِ، ولهذا مَنَعْناه مِن الاسْتِيفاءِ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومةٍ، وفى وَقْتِ إفْراطِ الحَرِّ والبَرْدِ، تحَرُّزًا مِن السِّرَايةِ.
فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا زائدةً، وهى التى تَنْبُتُ فَضْلةً في غيرِ سَمْتِ الأسْنانِ، خارِجةً عنها إلى داخلِ الفَمِ، أو إلى الشَّفَةِ، وكانت للجانِى مِثْلُها في موْضِعِها، فللمَجْنِىِّ عليه القِصاصُ، أو حُكومةٌ في سِنِّه. وإن لم يَكُنْ له مِثْلُها في محَلِّها، فليس له إلَّا الحُكومةُ. وإن كانت إحْدى الزَّائدَتَيْنِ أكبرَ مِن الأُخْرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأَنَّ الحُكومةَ فيها أكثرُ، فلا يُقْلَعُ بها ما هو أقَلُّ قِيمةً منها. والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّهما سِنَّانِ مُتَساويان في الموْضِعِ، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ منهما بالأُخْرَى، كالأصْلِيتَّيْنِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١). وهو عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ. وإن قُلْنا: يَثْبُتُ القِياسُ في الزّائدتَيْنِ بالاجْتِهادِ. فالثابتُ بالاجْتِهادِ مُعْتَبَرٌ بما ثَبَتَ بالنَّصِّ، واخْتِلافُ القِيمةِ لا يمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ جَرَيانِه بينَ العَبيدِ (٢)، وبينَ الذكرِ والأُنْثَى، في النَّفسِ والأطْرَافِ، على أنَّ كِبَرَ السِّنِّ لا يُوجِبُ كَثْرةَ (٣) قِيمَتِها، فإنَّ السِّنَّ الزَّائدةَ نَقْصٌ وعَيْبٌ، وكثرةُ
стр. 12320
وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يُيْأَس مِنْ عَوْدِهَا، فَإنِ اخْتَلَفَا فِى ذَلِكَ، رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلَ الْخِبْرَةِ.
فَإنْ مَاتَ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ عَوْدِهَا، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا، وَلَا قِصَاصَ فِيها.
ــ
العَيْبِ زِيادةٌ في النَّقْصِ، لا في القِيمَةِ، ولأَنَّ كِبَرَ السِّنِّ الأصْلِيَّةِ لا يَزِيدُ في قِيمَتِها، فالزائدةُ كذلك.
٤١٥٤ - مسألة: (ولا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها) وهِى سِنُّ مَن قَد أثْغَرَ، أى سَقَطَتْ رَوَاضِعُه ثُمَّ نَبَتَت. فإن قلَع سِنَّ مَن لمْ يُثْغِرْ، لم يُقتَصَّ مِن الجانِى في الحالِ؛ لأنَّها تعودُ بحُكمِ العادةِ، فلم يَجِبْ ضَمانُها، كالشَّعَرِ.
٤١٥٥ - مسألة: فَإن عاد بَدَلُ السِّنِّ على صِفَتِها في مَوْضِعِها، فلا شَىْءَ على الجانِى، وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ الخِبْرَةِ، فَإن قالوا: قَدْ يُئِسَ مِن عَوْدِها. خَيِّرَ المَجْنِىُّ عليه بينَ القِصاصِ وبينَ ديَةِ السِّنِّ.
٤١٥٦ - مسألة: (فإن مات) المَجْنِىُّ عليه (قبلَ الإِيَاسِ مِن
стр. 12321
وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ فَعَادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الْجَانِى،
ــ
عَوْدِها، فلا قِصاصَ) لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ (١) مَوْجُودٌ، والعَوْدَ مَشْكُوكٌ فيه.
٤١٥٧ - مسألة: فإن قلَع (٢) سِنَّ كَبِيرٍ، فقال القاضى: يُسْأَلُ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: لا تعودُ. فله القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ. لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوَقْتُ، فإن لم تَعُدْ وجَب القِصاصُ.
٤١٥٨ - مسألة: (وإنِ اقْتَصَّ مِن سِنٍّ فعادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الجانِى)
стр. 12322
ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِى، رَدَّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً أَوْ مَعِيبَةً، فَعَلَى الْجَانِى أَرْشُ نَقْصِهَا.
ــ
لأنَّه قد تَبَيَّنَ أنَّ القِصاصَ لم يَكُنْ يجبُ، ويَضْمَنُها بِالدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّعَدِّىَ (وإن عادَتْ سِنُّ الجَانِى، رَدَّ ما أخَذ) إذا لم تَعُدْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه.
٤١٥٩ - مسألة: (وإن عَادَتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليهِ قَصِيرَةً أو مَعِيبَةً، فعلى الجانِى أَرْشُ نَقْصِها) بالحِساب، ففى نِصْفِها نِصْف دِيَتِها، ونحو ذلك. وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ منها، أَو مائلةً عن مَحَلِّها، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ حصَل بفِعْلِه، وقد ذكَرْنا هذه المسائل [مِن قولِه (١): ولا يُقْتَصُّ مِن سِنٍّ حتى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها. بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه] (٢) في مسْألةِ: ويُؤْخذ السِّنُّ بالسِّنِّ. واللَّه أعلمُ.
стр. 12323
فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِى، الْجُرُوحُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ في كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إِلَى عَظْمٍ؛ كَالْمُوضِحَةِ، وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، وَالْقَدَمِ.
ــ
فصل: قال ﵀: (النَّوعُ الثانى، الجُروحُ، فيجبُ القِصاصُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ؛ كالمُوضِحَةِ، وجُرحِ العَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، والقَدَمِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. [ولحديثِ الرُّبَيِّعِ (١) الذى ذَكَرْناه. إذا ثبَت هذا، فإنَّ القِصاصَ] (٢) يجبُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه مِن غيرِ زِيادةٍ، كالمُوضِحَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهٍ، [ولا نَعْلَمُ في جوازِ القِصاصِ في المُوضِحَةِ خِلافًا، وهى كلُّ جُرحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ في الرأْسِ والوجْهِ] (٣)؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على القِصاصِ في الجُرُوحِ، فلو لم يَجِبْ ههنُا لسَقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفى معْنى المُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ فيما سِوَى الرَّأْسِ والوَجْهِ؛ كالسَّاعِدِ، والعَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، يجبُ فيه القِصاصُ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصْحابِه: لا قِصاصَ فيها؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ
стр. 12324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها. وهو غيرُ صَحِيحٍ؛ لمُخالَفَتِه قولَه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاؤُه بغيرِ حَيْفٍ ولا زِيادةٍ، لكَوْنِه يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فأَشْبَهَ المُوضِحَةَ، والتَّقْديرُ في المُوضِحَةِ ليس هو المُقْتَضِىَ للقِصاصِ، ولا عَدَمُه مانِعًا، وإنَّما كان التَّقْديرُ في المُوضِحَةِ لِكثرةِ شَيْنِها (١)، وشَرَفِ مَحَلِّها، ولهذا قُدِّرَ ما فوْقَها مِن شجاجِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، ولا قِصاصَ فيه.
فصل: ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ بالسَّيْفِ، ولا بآلةٍ يُخْشَى منها الزِّيادةُ، سواءٌ كان الجُرْحُ بها أو بغيرِها؛ لأَنَّ القَتْلَ إنَّما اسْتُوفِىَ بالسَّيْفِ لأنَّه آلتُه، وليس ثَمَّ شئٌ يُخْشَى التَّعَدِّى إليه، فيَجِبُ أن يُسْتَوْفَى فيما دُونَ النَّفْسِ بآلتِه، ويُتَوَقَّى ما يُخْشَى منه الزِّيادةُ إلى مَحَلِّ لا يجوزُ اسْتِيفاؤُه، ولأنَّا منَعْنا القِصاصَ بالكُلِّيَّةِ فيما تُخْشَى الزِّيادةُ في اسْتِيفائِه، فَلأَنْ نَمْنَعَ الآلةَ التى يُخْشَى منها ذلك أوْلَى. فإن كان الجُرْحُ مُوضِحَةً أو ما أشْبَهَها، فبِالمُوسَى أو حَدِيدةٍ ماضِيةٍ مُعَدَّةٍ لذلك، ولا يَسْتَوْفِى إلَّا مَن له عِلْمٌ بذلك، كالجَرائِحِى ومَن أَشْبَهَه، فإن لم يكن للوَلِىِّ عِلْمٌ بذلك، أُمِرَ بالاسْتِنابةِ، وإن كان له عِلْمٌ، فقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُمَكنُ منه؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُمَكَّنُ مِن اسْتِيفائِه إذا كان يُحْسِنُ، كالقَتْلِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُمَكَّنَ مِن اسْتِيفائِه بنَفْسِه، ولا
стр. 12325
وَلَا يَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالْجُرُوحِ.
ــ
يَلِيَه إلَّا نائبُ الإِمامِ، أو مَن يَسْتَنِيبُه وَلِىُّ الجِنايةِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ مع لعَداوَةِ وقَصْدِ التَّشَفِّى أن يَحِيفَ في الاسْتِيفاءِ بما لا يُمْكِنُ تَلافِيه، ورُبَّما أَفْضَى إلى النِّزاعِ والاخْتِلافِ، بأن يَدَّعِىَ الجانِى الزِّيادةَ ويُنْكِرَها المُسْتَوْفِى.
٤١٦٠ - مسألة: (ولا يَجِبُ) القِصاصُ (فيما سِوَى ذلِك مِن الشِّجاجِ والجُرُوحِ) كما دُونَ المُوضِحَةِ أو أعْظَمَ مِنْها. وممَّن رُوِى عنه منعُ القِصاصِ فيما دُونَ المُوضِحَةِ؛ الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ومَنَعَه فيما فوقَها عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ أحدًا أوْجَبَ القِصاصَ فيما فوقَ المُوضِحَةِ، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه أقادَ من المُنَقِّلَةِ، وليس بثابتٍ عنه. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): ولا أعلمُ أحدًا خالفَ ذلك. [ولأنَّها جِراحاتٌ] (٢) لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيها، فأَشْبهَ (٣) الجائِفَةَ. وأمَّا ما دُونَ المُوضِحَةِ، فقد رُوِى عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يجبُ في الدَّامِيَةِ والباضِعَةِ والسِّمْحاقِ. ورُوِىَ نحوُه عن أصْحابِ الرَّأْى. ولَنا، أنَّها جِراحَةٌ لا تَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فلم يجبْ