← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ فَعَادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الْجَانِى، ــ عَوْدِها، فلا قِصاصَ) لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ القِصاصِ، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ (١) مَوْجُودٌ، والعَوْدَ مَشْكُوكٌ فيه. ٤١٥٧ - مسألة: فإن قلَع (٢) سِنَّ كَبِيرٍ، فقال القاضى: يُسْأَلُ أهْلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: لا تعودُ. فله القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ. لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوَقْتُ، فإن لم تَعُدْ وجَب القِصاصُ. ٤١٥٨ - مسألة: (وإنِ اقْتَصَّ مِن سِنٍّ فعادَتْ، غَرِمَ سِنَّ الجانِى)

стр. 12322

ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِى، رَدَّ مَا أَخَذَ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِىِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً أَوْ مَعِيبَةً، فَعَلَى الْجَانِى أَرْشُ نَقْصِهَا. ــ لأنَّه قد تَبَيَّنَ أنَّ القِصاصَ لم يَكُنْ يجبُ، ويَضْمَنُها بِالدِّيَةِ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّعَدِّىَ (وإن عادَتْ سِنُّ الجَانِى، رَدَّ ما أخَذ) إذا لم تَعُدْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه. ٤١٥٩ - مسألة: (وإن عَادَتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليهِ قَصِيرَةً أو مَعِيبَةً، فعلى الجانِى أَرْشُ نَقْصِها) بالحِساب، ففى نِصْفِها نِصْف دِيَتِها، ونحو ذلك. وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ منها، أَو مائلةً عن مَحَلِّها، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ حصَل بفِعْلِه، وقد ذكَرْنا هذه المسائل [مِن قولِه (١): ولا يُقْتَصُّ مِن سِنٍّ حتى يُيْأَسَ مِن عَوْدِها. بأبْسَطَ مِن هذا، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه] (٢) في مسْألةِ: ويُؤْخذ السِّنُّ بالسِّنِّ. واللَّه أعلمُ.

стр. 12323

فَصْلٌ: النَّوْعُ الثَّانِى، الْجُرُوحُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ في كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إِلَى عَظْمٍ؛ كَالْمُوضِحَةِ، وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ، وَالْقَدَمِ. ــ فصل: قال ﵀: (النَّوعُ الثانى، الجُروحُ، فيجبُ القِصاصُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ؛ كالمُوضِحَةِ، وجُرحِ العَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، والقَدَمِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. [ولحديثِ الرُّبَيِّعِ (١) الذى ذَكَرْناه. إذا ثبَت هذا، فإنَّ القِصاصَ] (٢) يجبُ في كلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه مِن غيرِ زِيادةٍ، كالمُوضِحَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهٍ، [ولا نَعْلَمُ في جوازِ القِصاصِ في المُوضِحَةِ خِلافًا، وهى كلُّ جُرحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ في الرأْسِ والوجْهِ] (٣)؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على القِصاصِ في الجُرُوحِ، فلو لم يَجِبْ ههنُا لسَقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفى معْنى المُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ فيما سِوَى الرَّأْسِ والوَجْهِ؛ كالسَّاعِدِ، والعَضُدِ، والفَخِذِ، والسَّاقِ، يجبُ فيه القِصاصُ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصْحابِه: لا قِصاصَ فيها؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ

стр. 12324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها. وهو غيرُ صَحِيحٍ؛ لمُخالَفَتِه قولَه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاؤُه بغيرِ حَيْفٍ ولا زِيادةٍ، لكَوْنِه يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فأَشْبَهَ المُوضِحَةَ، والتَّقْديرُ في المُوضِحَةِ ليس هو المُقْتَضِىَ للقِصاصِ، ولا عَدَمُه مانِعًا، وإنَّما كان التَّقْديرُ في المُوضِحَةِ لِكثرةِ شَيْنِها (١)، وشَرَفِ مَحَلِّها، ولهذا قُدِّرَ ما فوْقَها مِن شجاجِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، ولا قِصاصَ فيه. فصل: ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ بالسَّيْفِ، ولا بآلةٍ يُخْشَى منها الزِّيادةُ، سواءٌ كان الجُرْحُ بها أو بغيرِها؛ لأَنَّ القَتْلَ إنَّما اسْتُوفِىَ بالسَّيْفِ لأنَّه آلتُه، وليس ثَمَّ شئٌ يُخْشَى التَّعَدِّى إليه، فيَجِبُ أن يُسْتَوْفَى فيما دُونَ النَّفْسِ بآلتِه، ويُتَوَقَّى ما يُخْشَى منه الزِّيادةُ إلى مَحَلِّ لا يجوزُ اسْتِيفاؤُه، ولأنَّا منَعْنا القِصاصَ بالكُلِّيَّةِ فيما تُخْشَى الزِّيادةُ في اسْتِيفائِه، فَلأَنْ نَمْنَعَ الآلةَ التى يُخْشَى منها ذلك أوْلَى. فإن كان الجُرْحُ مُوضِحَةً أو ما أشْبَهَها، فبِالمُوسَى أو حَدِيدةٍ ماضِيةٍ مُعَدَّةٍ لذلك، ولا يَسْتَوْفِى إلَّا مَن له عِلْمٌ بذلك، كالجَرائِحِى ومَن أَشْبَهَه، فإن لم يكن للوَلِىِّ عِلْمٌ بذلك، أُمِرَ بالاسْتِنابةِ، وإن كان له عِلْمٌ، فقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُمَكنُ منه؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُمَكَّنُ مِن اسْتِيفائِه إذا كان يُحْسِنُ، كالقَتْلِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُمَكَّنَ مِن اسْتِيفائِه بنَفْسِه، ولا

стр. 12325

وَلَا يَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالْجُرُوحِ. ــ يَلِيَه إلَّا نائبُ الإِمامِ، أو مَن يَسْتَنِيبُه وَلِىُّ الجِنايةِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ مع لعَداوَةِ وقَصْدِ التَّشَفِّى أن يَحِيفَ في الاسْتِيفاءِ بما لا يُمْكِنُ تَلافِيه، ورُبَّما أَفْضَى إلى النِّزاعِ والاخْتِلافِ، بأن يَدَّعِىَ الجانِى الزِّيادةَ ويُنْكِرَها المُسْتَوْفِى. ٤١٦٠ - مسألة: (ولا يَجِبُ) القِصاصُ (فيما سِوَى ذلِك مِن الشِّجاجِ والجُرُوحِ) كما دُونَ المُوضِحَةِ أو أعْظَمَ مِنْها. وممَّن رُوِى عنه منعُ القِصاصِ فيما دُونَ المُوضِحَةِ؛ الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ومَنَعَه فيما فوقَها عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ أحدًا أوْجَبَ القِصاصَ فيما فوقَ المُوضِحَةِ، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه أقادَ من المُنَقِّلَةِ، وليس بثابتٍ عنه. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): ولا أعلمُ أحدًا خالفَ ذلك. [ولأنَّها جِراحاتٌ] (٢) لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيها، فأَشْبهَ (٣) الجائِفَةَ. وأمَّا ما دُونَ المُوضِحَةِ، فقد رُوِى عن مالكٍ، أنَّ القِصاصَ يجبُ في الدَّامِيَةِ والباضِعَةِ والسِّمْحاقِ. ورُوِىَ نحوُه عن أصْحابِ الرَّأْى. ولَنا، أنَّها جِراحَةٌ لا تَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فلم يجبْ

стр. 12326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها قِصاصٌ، كالجائِفَةِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ فيها الزِّيادةُ، فأَشْبَهَ كَسْرَ العِظامِ، وبيانُ ذلك، أنَّه إنِ اقْتَصَّ مِن غيرِ تَقْدِيرٍ، أفْضَى إلى أن يأْخُذَ أكثرَ مِن حَقِّه، وإنِ اعْتَبَرَ مِقْدارَ العُمْقِ، أفْضَى إلى أن يَقْتَصَّ مِنَ الباضِعَةِ والسِّمْحاقِ مُوضِحَةً، ومِنَ الباضِعَةِ سِمْحاقًا؛ لأنَّه قد يكونُ لَحْمُ المَشْجُوجِ كثيرًا (١)، بحيثُ يكون عُمْقُ باضِعَتِه كعُمْقِ مُوضِحَةِ الشَّاجِّ أو سِمْحاقِه، ولأنَّنا لم نعْتَبرْ في المُوضِحَةِ قَدرَ عُمْقِها، فكذلك في غيرِها. فصل: ولا قِصاصَ في المأْمُومَةِ مِن شِجاجِ الرَّأْسِ، ولا في الجائِفَةِ. والمأْمُومَةُ هى التى تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدماغِ. والجائِفَةُ هى التى تَصِلُ إلى الجَوْفِ. وليس فيهما قِصاصٌ عندَ أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ نعْلَمُه، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه أقَصَّ (٢) مِنَ المأْمُومَةِ، فأنْكَرَ الناسُ عليه، وقالوا: ما سَمِعْنا أحدًا أقَصَّ (٢) منها قبلَ ابنِ الزُّبَيْرِ (٣). ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا قِصاصَ في المأمُومَةِ (٤). وهو قولُ مَكْحُوِلٍ، والزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: لا قِصاصَ في الجائِفةِ. وروَى ابنُ ماجَه، في «سُنَنِه» (٥)، عن العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، عن

стр. 12327

إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْمُوضِحَةِ، كَالْهَاشِمَةِ والْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً، وَلَا شَىْءَ لَهُ، عَلَى قَوْلِ أَبِى بَكْرٍ. ــ النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا قَوَدَ (١) فِى المأْمُومَةِ، ولَا فِى الجَائِفَةِ، ولا في المُنَقِّلَةِ». ولأنَّهما جُرْحانِ لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيهما، فلم يَجِبْ فيهما قِصاصٌ، ككَسْرِ العِظامِ. ٤١٦١ - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ أعْظَمَ مِن المُوضِحَةِ، كالهاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ والمَأْمُومَةِ، فلهْ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً) بغيرِ خِلافٍ بينَ أصْحابِنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يَقْتَصِرُ على بعضِ حَقِّه، ويَقْتَصُّ مِن مَحَلِّ جِنايتِه، فإنَّه إنَّما وضَعَ السِّكِّينَ في مَوْضِعِ وضَعَها الجانِى؛ لأَنَّ سِكِّينَ الجانِى وصَلَتْ إلى العَظْمِ ثم تجاوَزَتْه، بخِلافِ قاطعِ السَّاعِدِ، فإنَّه لم يَضَعْ سِكِّينَه في الكُوعِ. ٤١٦٢ - مسألة: (ولا شئَ له) مع القِصاصَ (كل قول أبى بَكْرٍ) لأنَّه جُرْحٌ واحدٌ، فلا يُجْمَعُ فيه بينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ، كما لو قطَع الشَّلاءَ بالصَّحِيحةِ، وكما في الأنْفُسِ إذا قُتِل الكافِرُ بالمُسْلِمِ، والعَبْدُ

стр. 12328

وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَهُ مَا بَيْنَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ. فَيأْخُذُ فِى الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنَ الإبلِ، وَفِى الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا، وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ، فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا في بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ، كَانَ لَهُ أَنْ يُوضِحَهُ في جَمِيعِ رَأْسِهِ، وفى الْأَرْشِ لِلْزَّائِدِ وَجْهَانِ. ــ بالحُرِّ. (وقال ابنُ حامدٍ: له ما بينَ دِيَةِ مُوضِحَةٍ ودِيَةِ تلكَ الشَّجَّةِ) وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ القِصاصُ فيه، فانْتَقَلَ إلى البَدَلِ، كما لو قطَع إصْبَعَيْه، فلم يُمْكِنْ الاسْتِيفاءُ إلَّا من واحدةٍ، وفارَقَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحَةِ؛ فإنَّ الزِّيادةَ ثَمَّ مِن حيثُ المعنى، وليست مُتَمَيِّزَةً، بخِلافِ مسْأَلتِنا (فيأخُذُ في الهاشِمةِ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، وفى المُنَقِّلَةِ عَشْرًا). ٤١٦٣ - مسألة: (ويُعْتَبَرُ قَدْرُ الجُرْحِ بالمِساحَةِ، فلو أَوْضَحَ إنْسَانًا في بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيادَةٌ، كان لهُ أن يُوضِحَهُ في جميعِ رَأْسِه، وفى الأَرْشِ للزَّائِدِ وَجهان) وجملةُ

стр. 12329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، أنَّه إذا أرادَ الاستِيفاءَ مِن مُوضِحَةٍ وشِبْهِها، فإن كان على مَوْضِعِها شَعَرٌ أزَالَه، ويَعْمِدُ إلى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِن رَأْسِ المَشْجُوجِ، فيَعْلَمُ طُولَها وعَرْضَها بخَشَبَةٍ أو خَيْطٍ، ويضَعُها على رأسِ الشَّاجِّ، ويُعْلِمُ طَرَفَيْه بسَوادٍ أو غيرِه، ويأْخُذُ حَدِيدةً عَرْضُها كعَرْضِ الشَّجَّةِ، فيَضَعُها في أوَّلِ الشَّجَّةِ، ويَجُرُّها إلى آخِرِها، فيَأْخُذُ مثلَ الشَّجَّةِ طُولًا وعَرْضًا، ولا يُراعِى العُمْقَ؛ لأَنَّ حَدَّه العَظْمُ، ولو رُوعِىَ لَتَعَذَّرَ الاسْتِيفاءُ؛ لأَنَّ الناسَ يخْتَلِفونَ في قِلَّةِ اللَّحْمِ وكَثْرَتِه، وهذا كما يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ بمثلِه. وإنِ اخْتَلَفا في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، فإن كان رَأْسُ الشَّاجِّ والمَشْجُوجِ سواءً، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ، وإن كان (١) رَأْسُ الشَّاجِّ أصْغَرَ، لكنَّه يتَّسِعُ للشَّجَّةِ، اسْتُوفِيَتْ وإنِ اسْتَوْعَبَتْ رَأْسَ الشَّاجِّ كلَّه؛ لأنَّه اسْتَوْفاها بالمساحَةِ، ولا يَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ زِيادَتُها على مثلِ مَوْضِعِها مِن رَأْسِ الجانِى؛ لأَنَّ الجَمِيعَ رَأْسٌ. وإن كان قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ على رَأْسِ الجانِى، فإنَّه يَسْتَوْفِى الشَّجَّةَ في جَمِيعِ رأْسِ الشَّاجِّ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلَ إلى جَبْهَتِه (٢)؛ لأنَّه يَقْتَصُّ في عُضْو آخرَ غيرِ العُضْوِ المَجْنِىِّ

стр. 12330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه، ولا يَنْزِلَ إلى قَفَاه؛ لِما ذكَرْنا. ولا يَسْتَوْفِى بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ في موضعٍ آخَرَ مِن رَأْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَوْفِيًا مُوضِحَتَيْنِ، وواضِعًا للحَدِيدَةِ في غيرِ الموْضِعِ الذى وضَعَها فيه الجانِى. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في (١) ماذا يَصْنَعُ؟ فذكَر القاضى أنَّ ظاهِرَ كلامِ أبى بكر، أنَّه لا أَرْشَ له فيما بَقِىَ؛ [لِئلَّا يَجْتَمِعَ] (٢) قِصاصٌ ودِيَةٌ في جُرْحٍ واحدٍ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. فعلى هذا، يتَخَيَّرُ بينَ الاسْتِيفاءِ في جميعِ رَأْسِ الشَّاجِّ ولا أَرْشَ له، وبينَ العَفْوِ إلى دِيَةِ مُوضِحَةٍ. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ، وبعْضُ أصْحابِنا: له أَرْشُ ما بَقِىَ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأن القِصاصَ تَعَذَّرَ فيما جَنَى عليه، فكل له أَرْشُه، كما لو تعَذرَ في الجميعِ. فعلى هذا، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الجانِى مِنَ الشَّجَّةِ في رَأْسِ (٣) المَجْنِىِّ عليه، ويَسْتَوْفِى أَرْشَ الباقِى، فإن كانتْ بقَدْرِ ثُلُثَيْها (٤) فلَه أَرْشُ ثُلُثِ مُوضِحَةٍ، وإن زادتْ على هذا أو نقَصَتْ، فبالحِساب مِن أَرْشِ المُوضِحَةِ. [ولا يَجِبُ له أَرْشُ مُوضِحَةٍ] (٥) كاملةٍ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى إيجابِ القِصاصِ ودِيَةِ مُوضِحَةٍ [في مُوضِحَةٍ واحدةٍ] (٦)، فإن أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورَأْسُ الجانِى أكبرُ،

стр. 12331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فللمَجْنِىِّ عليه أن يُوضِحَ منه بقَدْرِ مِساحَةِ مُوضِحَةٍ مِن أىِّ الطَّرَفَيْنِ شاءَ؛ لأنَّه جَنَى عليه في ذلك الموْضِعِ كلِّه، وإنِ اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِه، ثم تجاوَزَها واعْتَرَفَ أنَّه عَمَدَ ذلك، فعليه القِصاصُ في ذلك القَدْرِ، فإذا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُه، اسْتُوفِىَ منه القِصاصُ في مَوْضِعِ الانْدِمال؛ لأنَّه مَوْضِعُ الجِنايةِ، وإنِ ادَّعَى الخَطَأَ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه، وعليه أَرْشُ مُوضِحَةٍ. فإن قيل: فهذه المُوضِحَةُ كلُّها (١) لو كانت عُدْوانًا لم يَجِبْ فيها إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ، فكيف يَجِبُ في بعْضِها دِيَةُ مُوضِحَةٍ؟ قُلنا: لأَنَّ المُسْتَوْفَى لم يَكُنْ جِنايةً، إنَّما الجِنايةُ الزَّائدُ، والزَّائدُ لو انْفَرَدَ لَكانَ مُوضِحَةً، فكذلك إذا كان معه ما ليس بجِنايةٍ، بخِلافِ ما إذا كانتْ كلُّها عُدْوانًا، فإنَّ الجميعَ جِناية واحدةٌ. فصل: إذا أوْضَحَه في جميعِ رَأْسِه، ورأسُ الجانِى أكْبَرُ، فأَحبَّ (٢) أن يَسْتَوْفىَ القِصاصَ بعضَه مِن مُقَدَّمِ الرّأْسِ وبعضَه مِن مُؤَخَّرِه، مُنِعَ

стр. 12332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن ذلك؛ لأنَّه يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بواحدةٍ، ودِيَتُهما مُخْتَلِفَةٌ. ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّه لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ الجِنايةِ ولا قَدْرَها. فإنْ قال أهلُ الخِبْرَةِ: إنَّ في ذلك زِيادةَ ضَرَرٍ أو شَيْنٍ. لم يَجُزْ. ولأصحابِ الشافعىِّ كَهذيْن القوْلَيْنِ. فإن كان رأسُ المَجْنِىِّ عليه أَنْ بَرَ، فأوْضَحَه الجانِى في مُقَدَّمِه ومُؤَخَّرِه مُوضِحَتَيْنِ، قَدرُهما جميعُ رأسِ الجانِى، فله الخِيارُ بينَ أن يُوضِحَه مُوضِحة واحدةً في جميعِ راسِه، أو (١) يُوضِحَه مُوضِحَتَيْنِ يَقْتَصِرُ في كلِّ واحدةٍ منهما على قَدرِ مُوضِحَتِه، ولا أَرْشَ لذلك، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه تَرَكَ الاسْتِيفاءَ مع إمكانِه. وإن عَفا إلى الأَرْشِ، فله أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وإن شاءَ اقْتَصَّ من إحدَاهما، وأخَذَ أَرْشَ الأُخْرَى. فصل: فإن كانتِ الجِنايةُ في غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، فكانتْ في ساعِدٍ، فزادَتْ على ساعدِ الجانِى، لم يَنْزِلْ إلى الكَفِّ، ولم يصعد إلى العَضُدِ، وإن كانتْ في السَّاقِ، لم ينزلْ إلى القَدَمِ، ولم يَصْعَدْ إلى الفَخِذِ؛ لأنَّه عُضْو آخَرُ، فلا يَقْتَصُّ منه، كما لم ينْزِلْ من الرَّأْسِ إلى الوَجْهِ، ولم يصْعد من الوَجْهِ إلى الرَّأْسَ. فصل: إذا شُجَّ في مُقَدَّمِ رَأسِه أو مُؤخَّرِه عَرْضًا شَجَّةً لا يَتَّسِعُ لها مثلُ مَوْضِعِها مِن رَأسِ الشَّاجِّ، فأرادَ أن يَسْتَوْفِىَ مِن وَسَطِ الرَّأْسِ، فيما بينَ الأُذُنَيْنِ، لكَوْنِه يَتَّسِعُ لمثلِ تلك الشَّجَّةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا

стр. 12333

فَصْلٌ: وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِى قَطعِ طَرَفٍ، أَوْ جُرجٍ مُوجاٍ لِلْقِصَاصِ وَتَسَاوتْ أفْعَالُهُم، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْها جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ، فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْن. ــ يجوزُ، لأنَّه غيرُ الموْضِعِ الذىَ شَجَّه فيه، فلم يَجُزْ له الاسْتِيفاءُ منه، كما لو أمكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ الشَّجَّةِ. واحتَمَلَ الجوازُ، لأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ واحدٌ، فإذا لم يُمكِنْه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن مَحَلِّ شَجَّتِه، جازَ مِن غيرِه، كما لو شَجَّه في مُقَدَّم رَأْسِه شجةً قَدرها جَمِيعُ رَأسِ الشَّاجِّ، جازَ إتْمامُ اسْتِيفائِها مِن مُؤَخَّرِ رأسِ الجانِى. وهذا مَنْصُوصُ الشافعىِّ. وهكذا يُخَرَّجُ فيما إذا كان الجرحُ في مَوْضِعٍ مِن السَّاقِ والقَدَمِ والذِّراعِ والعَضُدِ. وإن أَمْكَنَ الاسْتِيفاءُ مِن مَحَل الجِنايةِ، لم يَجُزِ العُدُولُ عنه، وَجْهًا واحدًا. فصل: قال: (وإذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في قَطْعِ طَرَفٍ، أو جُرحٍ مُوجِبٍ للقِصاصِ وتَساوَتْ أفْعالُهم، مثلَ أن يضَعُوا الحَدِيدةَ على يَدِه ويتَحامَلُوا عليها جميعًا حتى تَبِينَ، فعلى جَمِيعِهم القِصاصُ، في أشْهرِ الرِّوايتَيْن) وهى التى ذكَرها الخِرَقِىُّ. وبذلك قال مالكٍ، والشافعى (١)، وأبو

стр. 12334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَوْرٍ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ: لا تُقْطَعُ يَدانِ بيَدٍ واحدةٍ. وهى الروايةُ الأُخْرَى؛ لأَنَّه رُوِى عنه أنَّ الجماعةَ لا يُقْتَلون بالواحدِ. وهذا تَنْبيهٌ على أنَّ الأطْرَافَ لا تُؤْخَذُ بطَرَفٍ واحدٍ؛ لأَنَّ الأَطْرَافَ يُعتَبَرُ التَّساوِى فيها، بدليلِ أنَّا لا نَأخُذُ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابعِ بناقِصَتِها (١)، ولا أصْلِيَّةً بزائدةٍ، ولا يَمِينًا بيَسارٍ، ولا يَسارًا بيَمين، ولا تَساوِىَ بينَ الطَّرَفِ والأطْرَافِ، فوَجَبَ امْتِناعُ القِصاصِ بينَهما، ولا يُعتَبَرُ التَّساوِى في النَّفْسِ، فإنَّا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بالمريضِ، وصَحِيحَ الأطْرَافِ بمقْطُوعِها وأشَلِّها، ولأنَّه يُعتَبَرُ في القِصاصِ في الأطْرَافِ التَّساوِى (٢) في نَفْسِ القَطْعِ، بحيث لو قطَع كُل واحدٍ مِن جانبٍ (٣)، لم يَجِبِ القِصاصُ، بخِلافِ النَّفْسِ، ولأَنَّ الاشْتِراكَ المُوجِبَ للقِصاصِ في النَّفْسِ يَقَعُ كثيرًا، فوَجَبَ القِصاصُ زَجْرًا عنه، كَيْلا يُتَّخَذَ وسِيلةً إلى كَثْرَةِ القَتْلِ، والاشْتِراكُ المُخْتَلَفُ فيه لا يَقَعُ إلَّا في غايةِ النُّدرَةِ، فلا حاجةَ إلى الزَّجْرِ عنه، ولأَنَّ إيجابَ القِصاصِ على المُشْتَرِكينَ في النَّفْسِ يحْصُلُ به الزَّجْرُ عن كُلِّ اشْتِراكٍ، أو عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، وإيجابُه على المُشْترِكينَ في

стр. 12335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطَّرَفِ لا يَحْصُلُ به الزَّجْرُ عن الاشْتِراكِ المُعتادِ، ولا عن شئٍ مِنَ الاشْتِراكِ، إلَّا عن صُورَةٍ نادرةِ الوُقوعِ، بَعِيدةِ الوُجُودِ، يُحْتاجُ في وُجُودِها إلى تَكَلُّفٍ، فإيجابُ القِصاصِ للزَّجْرِ عنها يكون مَنْعًا لشئٍ لا يَكادُ يَقَعُ لصُعُوبَتِه، وإطْلاقًا في القَطْع السَّهْلِ المُعْتادِ بِنَفْى القِصاصِ عن فاعِلِه، وهذا لا فائدَةَ فيه، بخلافِ الاشْتِراكِ في النَّفْسِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ في الطَّرَفِ والنَّفْسِ على الجماعةِ بواحدٍ على خِلافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأخُذُ في الاسْتِيفاءِ زِيادَةً على ما فوَّتَ عليه، ويُخِلُّ بالتَّماثُلِ المَنْصُوصِ على النَّهْى عمَّا عَداه، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصلُ زَجْرًا عن الاشْتِراكِ الذى يَقَعُ القَتْلُ به غالِبًا، ففيما عَدَاه يَجِب البَقاءُ على أصْلِ التَّحْريمِ، ولأَنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ الطَّرَفِ، ولا يَلْزَمُ مِن المُحافظةِ عليها بأَخْذِ الجماعةِ بالواحدِ، المُحافظَةُ على ما دُونَها بذلك. ولَنا، ما رُوِى أنَّ شاهِدَينِ شَهِدا عندَ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على رَجُل بالسَّرِقَةِ، فقَطَعَ يَدَه، ثم جاءَا بآخَرَ، فقالا: هو السَّارِقُ، وأخْطَأْنا في الأَوَّلِ. فرَدَّ شَهادَتَهُما على الثانى، وغَرَّمَهُما دِيَةَ يَدِ الأَوَّلِ، وقال: لو عَلِمتُ أنَّكُما تَعَمَّدْتُما لمَطَعتُكُما (١). فأخْبَرَ أنَّ القِصاصَ على كلِّ واحدٍ منهما لو تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ واحدةٍ. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُؤْخَذُ فيه الجماعةُ بالواحدِ، كالأنْفُس (٢)، وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى، فمِثْلُه في الأنْفُسِ (٣)؛

стр. 12336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّا نَعتَبِرُ التَّساوِىَ فيها فلا نأْخُذُ مُسْلِمًا بكافِر، ولا حُرًّا بعَبْدٍ، وأمَّا أَخْذُ صَحيحِ الأَطْرَافِ بمقْطُوعِها، فلأنَّ الطَّرَفَ ليس هو مِنَ النَّفْسِ المُقْتَصِّ منها، وإنَّما يُؤْخَذُ تَبَعًا، ولذلك (١) كانتْ دِيَتُهُما واحدةً، بخِلافِ اليَدِ النَّاقِصَةِ والشَّلَّاءِ مع الصَّحِيحةِ، فإنَّ دِيَتَهُما مُخْتلِفة. وأمَّا اعتِبارُ التَّساوِى في الفِعْلِ، فإنَّما اعتُبِرَ في اليَدِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ مُباشَرَتُها بالقَطْعِ، فإذا قطَع كلُّ واحدٍ منهما مِن جانبٍ، كان (٢) فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَمَيِّزًا عن فِعْلِ الآخرِ، فلا يَجِبُ على إنْسانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لم يُقْطَعْ مثلُه، وأمَّا النَّفْسُ، فلا يُمكِنُ مُباشَرَتُها بالفِعلِ، وإنَّما أفْعالُهم في البَدَنِ، فَيُفْضِى (٣) أَلَمُه إليها فتَزْهَقُ، ولا يتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أحَدِهما مِن ألَمِ فِعْلِ (٤) الآخَرِ، فكانا كالقاطِعَيْنِ في مَحَل واحدٍ، ولذلك لا يُسْتَوْفَى مِن الطَّرَفِ إلَّا في المَفْصِلِ الذى قطَع الجانِى منه (٥)، ولا يجوزُ تَجاوُزُه، وفى النَّفْسِ لو قَتَلَه بجُرْحٍ في جَنْبِه أو بَطْنِه أو غيرِ ذلك، كان الاسْتِيفاءُ مِنَ العُنُقِ دونَ المَحَلِّ الذى وقَعَتِ الجِنايةُ فيه. إذا ثبَت هذا، فإنَّ الجِنايةَ إنَّما تَجِبُ على المُشْتَرِكينَ في الطَّرَفِ، إذا اشْتَرَكُوا فيه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ فِعلُ أحَدِهم

стр. 12337

وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُم، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا قِصَاصَ، رِوايةً وَاحِدَةً. ــ مِن فِعْلِ الآخَرِ؛ إمَّا بأنْ يَشْهدُوا عليه بما يُوجِبُ قَطْعَه، فيُقْطَعَ، ثم يرجِعُوا عن الشَّهادةِ، أو (١) يُكْرِهُوا إنْسانًا على قَطْعِ طَرَفٍ، فيَجِبُ قَطْعُ المُكْرِهِينَ والمُكْرَهِ، أو يُلْقُوا صَخْرَةً على طَرَفِ إنْسانٍ، فيَقْطَعَه، أو يَقْطَعُوا يدًا، أو يَقْلَعُوا (٢) عَيْنًا بضَربَةٍ واحدةٍ، أو يَضَعُوا حَدِيدةً على مَفْصِلٍ وَيَتَحامَلُوا عليها جَمِيعًا، أو يَمُدُّوها فتَبِينَ، ونحو ذلك. ٤١٦٤ - مسألة: (وإن تَفَرَّقَتْ أفْعَالُهم، أو قطَع كُلُّ وَاحِدٍ مِن جَانِبٍ، فلا قِصاصَ) عليهم (روايَةً واحِدَةً) لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يَقْطَعِ اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها، وإن كان فِعلُ كل واحدٍ منهم يُمكِنُ الاقْتِصاصُ (٣) بمُفْرَدِه، اقْتُصَّ منه. وهذا مذهبُ الشافِعىِّ.

стр. 12338

وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَة بِالْقِصَاصِ أوِ الدِّيَةِ، فَلَوْ قَطَعَ إصبَعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إلى جَانِبها وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِل، أَوْ تَآكَلَتِ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِى ذَلِكَ، ــ ٤١٦٥ - مسألة: (وسِرايَةُ الجِنايَةِ مَضْمُونَة بالْقِصاصِ أو الدِّيَةِ) سِرايةُ الجِنايةِ مضْمُونةٌ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّها أثَرُ جِنايَةٍ، والجِنايةُ مضْمُونةٌ، فكذلك أَثَرُها، ثم إن سَرَت إلى النَّفْسِ، و (١) ما لا يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن يَهْشِمَه في رَاسِه فيَذْهبَ ضَوْءُ عيْنَيْه (٢)، وجَبَ القِصاصُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفْسِ، وفى ضَوْءِ العَيْنِ خِلاف ذكَرْناه فيما مَضَى. وإن سَرَتْ إلى ما يُمكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثلَ أن قطَع إصبَعًا فتآكَلَت أُخْرَى وسَقَطَتْ، ففيه القِصاصُ أيضًا، في قوْلِ إمامِنا، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا قِصاصَ في الثَّانيةِ، وتَجِبُ دِيَتُها؛ لأَنَّ ما أمكَنَ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّرايةِ، كما لو رَمَى سَهْمًا إلى شَخْصٍ، فمَرَقَ منه إلى آخَرَ. ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجِنايةِ، وجَبَ بالسِّرايةِ،

стр. 12339

وَإِنْ شَلَّ، فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ. ــ كالنَّفْسِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأَشْبَهَ ما ذكَرنا. وفارَقَ ما ذكَرُوه؛ فإنَّ ذلك (١) فِعْلٌ وليس بسِرَايةٍ، ولأنَّه لو قَصَدَ ضَربَ رَجُلٍ فأصابَ آخَرَ، لم يَجِبِ القِصاصُ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فقَطَعَ سَبَّابَتَه، وجَبَ القِصاصُ. ولو ضَرَبَ إبْهامَه فمَرَقَ إلى سَبَّابَتِه، وجَبَ القِصاصُ فيها، فافْتَرَقا. ولأَنَّ الثَّانيةَ تَلِفَتْ بفِغل أوْجَبَ القِصاصَ، فوَجَبَ القِصاصُ فيها، كما لو رَمَى إحدَاهما فمَرَقَ إلى الأُخْرَى. ٤١٦٦ - مسألة: (وإن شَلَّ، ففيهِ دِيَتُه) وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، قالوا: يجبُ الأَرْشُ في الثَّانيةِ التى شَلَّتْ، والقِصاصُ في الأُولَى. وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ القِصاصُ فيهما (٢)، ويَجِبُ أَرْشُهُما جميعًا؛ لأَنَّ حُكْمَ السِّرايةِ لا يَنْفَرِدُ عن الجِنايةِ، بدليلِ ما لو سَرتْ إلى النَّفْسِ، فإذا لم يَجِبِ القِصاصُ في إحداهما، لم يَجبْ في الأُخْرَى. ولَنا (٣)، أنَّها جِنايةٌ مُوجِبة للقِصاصِ لو لم تَسْرِ، [فأَوْجَبَتْه إذا سَرَت، كالتى تَسْرِى] (٤) إلى سُقُوطِ أُخْرَى، وكا لو قطَع يدَ حُبْلَى فسَرَى إلى

стр. 12340

وَسِرَايةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ. ــ جَنِينِها. وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرَه (١). وفارَقَ الأصلَ؛ لأَنَّ السِّرايةَ مُقْتَضِيَةٌ للقِصاصِ، كاقْتِضاءِ الفِعْلِ له، فاسْتَوَى حُكْمُهما، وههُنا بخِلافِه (٢)، ولأَنَّ ما ذكَره غيرُ صَحِيح، فإنَّ القَطْعَ إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، وجَب القِصاصُ في النَّفْسِ، وسقَط في القَطْعِ، فخالفَ حُكْمُ الجِنايةِ حُكْمَ السِّرايةِ، فسَقَطَ ما قالَه. إذا ثبَت ذلك، فإنَّ الأَرْشَ يَجِبُ في مالِه، فلا تَحمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه جِنايَةُ عمدٍ، وإنَّما لم يَجبِ القِصاصُ فيه لعَدَمِ المُماثَلَةِ في القَطْعِ، فإذا قطَع إصبَعَه فشَلَّتْ أَصابِعُه الباقِية وكَفُّه، فعَفَا عن القِصاصِ، وجَب له [نِصْفُ الدِّيَةِ] (٣)، وإنِ اقتَصَّ مِنَ الإِصْبَعِ، فله في الأصابعِ الباقيةِ أرْبعونَ مِنَ الإِبِلِ، ويَتْبَعُها ما حاذاها مِنَ الكَفِّ، وهو أربَعةُ أخْماسِه. فيَدْخُلُ أَرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمسُ الكَفِّ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتْبَعُها في الأَرْشِ، فلا شئَ له (٢) فيه. والثانى، فيه الحُكومةُ؛ لأَنَّ ما يُقابِلُ الأَرْبَعَ يَتْبَعُها في الأَرْشِ، لاسْتِوائِهِما في الحُكْمِ، وحُكْمُ التى اقْتصَّ منها مُخالِفٌ لحُكْمِ الأَرْشِ، فلم يَتْبَعْها. ٤١٦٧ - مسألة: (وَسِرايَةُ القَوَدِ غيرُ مَضْمُونَةٍ، فلو قطَع اليدَ

стр. 12341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قِصاصًا، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فلا شئَ على القاطعِ) وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ (١)، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِى ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، والشَّعبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: عليه الضَّمانُ. قال أبو حنيفةَ: عليه كمالُ الدِّيَةِ في مالِه. وقال غيرُه: هى على عاقِلَتِه؛ لأنَّه فَوَّتَ نَفْسَه، ولا يَسْتَحِقُّ إلَّا طَرَفَه، فلَزِمَتْه دِيَتُه، كما لو ضَرَبَ عُنُقَه، ولأنَّها سِرَايةُ قَطعٍ مَضْمُونٍ، فكانت مَضْمُونةً كسِرايةِ الجِنايةِ، والدَّليلُ على أنَّه مَضْمُونٌ، أنَّه مَضْمون بالقَطْعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه في مُقابَلَتِه. ولَنا، أنَّ عمرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال (٢): مَن مات مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ لا دِيَةَ له، الحَقُّ (٣) قَتَلَه. روَاه سَعِيدٌ بمعناه (٤). ولأنَّه قَطْعٌ

стр. 12342

وَلا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إلَّا بَعدَ بُرْئِهِ، فإنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ. ــ مُسْتَحَق مُقَدَّر، فلا تُضْمَنُ سِرايَتُه، كقَطْعِ السَّارِقِ. وفارَقَ ما قَاسُوا عليه، فإنَّه ليس ما فَعَلَه مُسْتَحَقًّا. إذا ثبَت هذا، فلا فَرقَ بينَ سِرايته إلى النَّفْس، بأن يَمُوتَ منها، أو إلى ما دُونَها، مثلَ أن يَقْطَعَ إصبَعًا فتَسْرِىَ إلى كَفِّه. ٤١٦٨ - مسألة: (ولَا يُقْتَصُّ مِن الطَّرَفِ إلَّا بعدَ بُرْئِه) في قولِ أكثرِ أَهْلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): كلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى الانْتِظارَ بالجُرحِ حتى يَبْرَأَ. ويتَخَرَّجُ لنا أنَّه يجوزُ الاقْتِصاصُ قبلَ البُرْءِ، بِناءً على قَوْلِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، يُفْعَلُ به كما (٢) فعَل. وهذا قولُ الشافعىِّ. قال:

стр. 12343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولو سألَ القَوَدَ ساعةَ قُطِعَتْ إصْبَعُه، أقَدْتُه؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَجُلًا طعَن رجلًا بقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ أقِدْنِى. قال: «حَتَّى تَبْرَأَ». فأبَى، وعَجَّلَ، فاسْتَقادَ له رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فَعِيبَتْ رِجْلُ المُسْتَقِيدِ، وبَرأَتْ رِجلُ المُسْتَقادِ منه. فقال له (١) النَّبِىُّ ﷺ : «لَيْسَ لك شَىْءٌ، إنَّكَ عَجِلْتَ». رواه سعيدٌ مُرْسلًا (٢). ولأَنَّ القِصاصَ في الطرًّفِ لا يَسْقُطُ بالسِّرايةِ، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه في الحالِ، كما لو بَرَأَ. ولَنا، ما رَوَى جابرٌ أنَّ النبىَّ ﷺ نَهى أن يُسْتَقادَ مِن الجُرْحِ (٣) حتى يَبْرأَ المَجْرُوحُ. وروَاه الدَّارَقُطنِىُّ (٤)، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ . ولأَنَّ الجُرْحَ لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أو لا، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ (٥) ليُعْلَمَ ما حُكْمُه؟ فقد روَاه (٦)، وفى سِياقِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ. فقال: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى، فأَبْعَدَكَ اللَّه»،

стр. 12344

فَلَو سَرَى إِلَى نَفْسِهِ، كَانَ هَدْرًا، وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِى، كَانَ هَدْرًا أَيْضًا. ــ وبَطَل عَرَجُكَ». ثم نَهَى أن يُقْتَصَّ مِن جُرْحٍ حتى يَبْرَأَ صاحِبُه. وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبُولُها، وهى مُتَأخِّرَة عن الاقْتِصاصِ، فتكونُ ناسِخَةً له. وفى نفسِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ اسْتِقادَتَه قبلَ البُرْءِ مَعْصِيَةٌ؛ لقَوْلِه: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى». وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ، وهو مَبْنَى الخِلافِ. ٤١٦٩ - مسألة: فإن فعَل ذلك، سقَط حقُّه مِن سِرايَتِه (فلو سرَى إلى نَفْسِه، كان هَدْرًا، ولو سَرَى القِصاصُ إلى نَفْسِ الجانى، كان هَدْرًا أيضًا) وقال الشافعىُّ: هى مَضْمُونَةٌ؛ لأنَّها سِرايَة جنَايَةٍ، فكانت مَضْمُونَة، كما لو لم يَقْتَصَّ. ولَنا، الخَبَرُ المذْكورُ، ولأنَّه اسْتَعْجَلَ (١) ما لم يكُنْ له اسْتِعْجالُه، فبَطَلَ حَقُّه، كقاتِلِ مَوْرُوثِه، وبهذا فارَقَ مَن لم يَقْتَصَّ. فعلى هذا، لو سَرَى القَطْعانِ جميعًا، فمات الجانِى والمُسْتَوْفِى، فهما هَدْرٌ. وقال أبو حنيفةَ: يجبُ ضَمانُ كُلِّ واحدٍ منهما؛ لأَنَّ سِرايةَ كُلِّ واحدٍ منهما مَضْمُونَةٌ، ثم يتَقاصَّان. وقال الشافعىُّ: إن ماتَ المَجْنِىُّ عليه أوَّلًا، ثم مات الجانِى، كان قِصاصًا به؛ لأنَّه مات مِن سِرايَةِ القَطْعِ، فقد مات بفِعْلِ المَجْنِىِّ عليه. وإن مات

стр. 12345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجانِى (١)، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يكونُ مَوْتُ الجانِى هَدْرًا، ولوَلِىِّ المَجْنِىِّ عليه نِصْف الدِّيَةِ. فأمَّا إن سَرَى أحَدُ القَطْعَيْنِ دونَ صاحبِه، فعندَنا هو هَدْرٌ، لا ضَمانَ فيه. وعندَ أبى حنيفةَ، يجبُ ضَمانُ سِرايَتِه. وعندَ الشافِعىِّ، إن سَرَتِ الجِنايَةُ فهى مَضْمُونَةٌ، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ ضَمانُه. ومَبْنَى ذلك على ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ. فصل: وإنِ انْدَمَلَ جُرْحُ الجِنايةِ، فاقْتَصَّ منه، ثم انْتَقَضَ (٢) فَسَرَى، فسِرايَتُه مَضْمُونةٌ، وسِرايَةُ الاسْتِيفاءِ غيرُ مَضْمُونةٍ؛ لأنَّه اقْتَصَّ بعدَ جوازِ القِصاصِ. فعلى هذا، لو قطَع يَدَىْ رَجُلٍ فَبَرأَ، فاقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المَجْنِىِّ عليه، فمات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الجانِى؛ لأنَّه مات مِن جِنايَتِه. وقال ابنُ أبى موسى: إذا جَرَحَه، فبَرَأَ، ثم انْتَقَضَ، فماتَ، فلا قَوَدَ فيه؛ ولَنا، أنَّ الجِنايةَ لو سَرَتْ إلى النَّفْسِ قبلَ الانْدِمالِ وجَب القِصاصُ، فكذلك بعدَه، وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فلا شئَ له (٣)، لأنَّه اسْتَوْفَى بالقَطْعِ ما قِيمَتُه دِيَةٌ وهو يَداه، وإن سَرَى الاسْتِيفاءُ، لم يَجِبْ أيضًا شئٌ؛ لأَنَّ القِصاصَ قد سقَط بمَوْتِه، والدِّيَةُ لا يُمْكِنُ إيجابُها؛ لِما ذَكَرْنا. وإن كان المقْطُوعُ بالجِنايةِ يَدًا، فوَلِيُّه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ في

стр. 12346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّفْسِ وبينَ العَفْوِ (١) إلى نِصْفِ الدِّيَةِ. ومتى سقَط القِصاصُ بمَوْتِ الجانِى أو غيرِه، وجَب نِصْفُ الدِّيَةِ في تَرِكَةِ الجانِى، أو مالهِ إن كان حَيًّا. فصل: ولو قطَع كِتَابِىٌّ يَدَ مُسْلِمٍ، [فبَرأَ و] (٢) اقْتَصَّ، ثم انْتَقَضَ جُرْحُ المُسْلِمِ ومات، فلِوَلِيِّه قَتْلُ الكِتابِىِّ والعَفْوُ إلى أَرْشِ الجُرْحِ، وفى قَدْرِه وَجْهان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدِه بالقِصاصِ، وبَدَلُها نِصْفُ دِيَتِه، فبَقِىَ له نِصْفُها، كما لو كان القاطِعُ مُسْلِمًا. والثانى، له ثَلاثَةُ أرْباعِها؛ لأَنَّ يَدَ اليَهودِىِّ تَعْدِلُ نِصْفَ دِيَتِه، وذلك رُبْعُ دِيَةِ المُسْلِمِ، فقد اسْتَوْفَى رُبْعَ دِيَتِه، وبَقِىَ له ثَلاثةُ أرْباعِها. وإن كان قَطَع يَدَىِ المُسْلِمِ، فاقْتَصَّ منه، ثم مات المسلمُ، فعَفا وَلِيُّه إلى مالٍ، انْبَنَى على الوَجْهَيْنِ. وإن قُلْنا: تُعْتَبَرُ قِيمةُ يَدِ اليَهُودِىِّ. فله ههُنا نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن قُلْنا: الاعْتِبارُ بقِيمَةِ يَدِ المسلمِ. فلا شئَ له ههُنا؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدَيْه (٣)، وهما جَمِيعُ دِيَتِه. ولو كان القَطْعُ في يَدَيْه ورِجْلَيْه، فعَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له شئٌ، وجْهًا واحدًا؛ لأَنَّ دِيَةَ ذلك دِيَةُ المُسْلِمِ. ولو كان الجانِى امرأةً، فالحُكْمُ على ما ذكَرْنا سَواءً؛ لأَنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَةِ (٤) الرَّجُلِ.

стр. 12347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا قطَع يدَ رَجُلٍ [مِن الكُوعِ] (١)، ثم قَطَعَها آخَرُ مِن المَرْفِقِ، فمات بسِرايَتِهما، فلِلْوَلِىِّ قَتْلُ القاطِعَيْنِ، وليس له أن يَقْطَعَ طَرَفَيْهِما، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وفى (٢) الآخَرِ، له قَطْعُ يَدِ القاطِعِ مِنَ الكُوعِ. فإن قَطَعَها، ثم عَفا عنه، فله نِصْفُ الدِّيَةِ، وأمَّا الآخَرُ، فإن كانتْ يَدُه مقْطُوعَة مِن الكُوعِ، فقَطَعَها من المَرْفِقِ، ثم عَفا، فله دِيَةٌ إلَّا قَدْرَ الحُكومةِ في الذِّراعِ. ولو كانت يَدُ القاطعِ مِن المَرْفِقِ صَحِيحةً، لم يَجُزْ قَطْعُها، رِواية واحدةً؛ لأنَّه يأْخُذُ صَحِيحَةً بمَقْطُوعةٍ. وإن قطَع أيْدِيَهما وهما صَحيحَتانِ، أو قطَع رَجُلانِ يَدُيْهِ، فقَطَع أيْدِيَهما، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، فمات مِن قَطْعِهما، فليس لوَلِيِّهما العَفْوُ إلى الدِّيَةِ؛ لأنَّه قد اسْتَوْفَى ما قِيمَتُه دِيَةٌ. وإنِ اخْتارَ قَتْلَهما، فله ذلك. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 12348

كِتَابُ الدِّيَاتِ ــ كتابُ الدِّياتِ الأَصْلُ في وُجُوبِ الدِّيَةِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماع؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (١) الآية. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو بكرِ بنُ محمدِ ابنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَتَبَ لعمرِو بنِ حَزْمٍ كِتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، فيه الفَرائِضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، وقال فيه: «وفى النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ». رَوَاه النَّسَائِىُّ في «سُنَنِه»، ومالكٌ في «مُوَطَّئِهِ» (٢). قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٣): وهو كتابٌ مَشْهورٌ عندَ أَهْلِ السِّيَرِ، مَعْروفٌ عندَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِها عن الإِسْنادِ؛ لأنَّه أشْبَهَ التَّواتُرَ (٤) في مَجِيئِه في أحاديثَ كثيرةٍ. تأْتِى (٥) في مواضِعِها مِن ال بابِ ، إن شاءَ اللَّهُ

стр. 12349

كُلُّ مَنْ أَتْلفَ إِنْسَانًا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِىَ في مَالِ الْجَانِى حَالَّةً. ــ تعالى. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوب الدِّيَةِ في الجُمْلَةِ. [وسيَأْتِى ذلك مُفَصَّلًا في مواضِعِه مُبَيَّنًا، إن شاءَ اللَّهُ تعالى] (١). ٤١٧٠ - مسألة: (كُلُّ مَن أَتْلَفَ إنْسَانًا أو جُزءًا منه، بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ، فعليه دِيَتُه) سَواءٌ كان مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمِنًا أو مُهَادِنًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الآيةِ، وفيها: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. وعَبَّرَ عن الذِّمَّةِ بالمِيثاقِ، وحديثِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْم، حينَ كَتَبَ له النَّبِىُّ ﷺ كتابًا إلى أَهْلِ اليَمَنِ، ذكرَ فيه الدِّياتِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على ذلك في الجملةِ. ٤١٧١ - مسألة: (فَإنْ كان) القَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا، فهى في مالِ الجانى حَالَّةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ العَمْدِ تَجِبُ في مالِ القاتلِ، لا تَحْمِلُها العاقِلةُ. وهذا يَقْتَضِيه الأصْلُ، وهو أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يَجِبُ على المُتْلِفِ، وأَرْشَ الجِنايةِ على الجانِى، قال النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَجْنِى جَانٍ إلَّا على نَفْسِه» (٢). وقال لبعضِ أصْحابِه، حينَ رأى معَه ولَدَه: «ابْنُكَ

стр. 12350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذَا؟». قال: نعم. قال: «أمَا إنَّهُ لا يَجْنِى عليك، ولا تَجْنِى عليه» (١). ولأَنَّ مُوجَبَ الجنايةِ أَثَرُ فِعْلِ الجانى، فيجِبُ أن يَخْتَصَّ بضَرَرِها، كما يَخْتَصُّ بنَفْعِها، فإنَّه لو كَسَب كان كَسْبُه لغيرِه، وقد ثَبَت حُكمُ ذلك في سائرِ الجِناياتِ والأكْسابِ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في قَتْلِ الحُرِّ المَعْذُورِ فيه، لكَثْرةِ الواجِبِ، وعَجْزِ الجانِى في الغالِبِ عن تَحَمُّلِه، مع وُجُوبِ الكَفّارَةِ عليه، وقِيامِ عُذْرِه، تَخْفِيفًا عنه (٢)، ورِفْقًا به، والعامِدُ لا عُذْرَ له، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، ولا يُوجَدُ فيه المعنى المُقْتَضِى للمُواساةِ في الخَطَأ. إذا ثبَت هذا، فإنَّها تَجِبُ حالَّةً. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ، فكانتْ مُؤَجَّلَةً، كدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ. ولَنا، أنَّ ما وجَب بالعَمْدِ المَحْضِ كان حالًّا، كالقِصاصِ وأَرْشِ أطْرافِ العَبْدِ، ولا يُشْبِهُ شِبْهَ (٣) العَمْدِ؛ لأَنَّ القاتِلَ مَعْذُورٌ، لكَوْنِه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، وإنَّما أفْضَى إليه مِن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، ولأَنَّ القَصْدَ (٤) التَّخْفِيفُ عن العاقلةِ الذين لم يَصْدُرْ منهم جِنايةٌ، وحَمَلُوا

стр. 12351

وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. ــ أداءَ مالٍ مُواساةً، فَلاقَ بحالِهم التَّخْفِيفُ عنهم، وهذا مَوْجُودٌ في الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ على السَّواءِ، وأمَّا العَمْدُ، فإنَّما يَحْمِلُه الجانِى في غيرِ حالِ العُذْرِ، نرَجَبَ أن [يكونَ مُلْحَقًا ببَدَلِ] (١) سائرِ المُتْلَفاتِ، ويُتَصَوَّرُ الخِلافُ معه، فيما إذا قَتَلَ ابْنَه، أو قَتَلَ أجْنَبِيًّا، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ لعَفْوِ بعْضِهم، أو غيرِ ذلك. ٤١٧٢ - مسألة: (وإن كان شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أو ما جَرَى مَجْراهُ، فعلى عاقِلَتِه) دِيَة شِبْهِ العَمْدِ على العاقلةِ، في ظاهرِ المذهبِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ: هى على القاتِلِ في مالِه. واخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ؛ لأنَّها مُوحبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيةَ العَمْدِ. وهكذا يجبُ أن يكونَ مذهبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ

стр. 12352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قِصاصًا، فوَجَبَتْ دِيَتُه على العاقِلَةِ، كالخَطَأُ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ (١)؛ لأنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، وإرادَتِه القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأُ يُغلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو قَصْدُه الفِعْلَ، [ويُخَفَّفُ] (٢) مِن وَجْهٍ، وهو كَوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها مِن وَجْهٍ وهو حَمْلُ العاقِلَةِ لها وتَأْجِيلُها. ولا نعلمُ في (٣) أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ، وعُبَيْدُ اللَّه بِنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقد حُكِى عن قَوْم مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا. وتُخالِفُ الدِّيَةُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها تَجِبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيا بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ في ثلاثِ سِنِينَ (٤). ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا. وأمَّا دِيَةُ

стр. 12353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخَطَأَ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّها على العاقِلَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه بِن أهلِ العلمِ، وقد ثَبَتَتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللَّه ﷺ أنَّه قَضَى بدِيَةِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، وأَجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القولِ به. ولأَنَّ النبىَّ ﷺ جَعَلَ دِيَةَ عَمْدِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، بما قد رَوَينا من الحدِيثِ، وفيه تَنْبِيهٌ على أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ (٢) الخَطَأُ. والحِكْمَةُ في ذلك أنَّ جِناياتِ الخَطأَ تَكْثُرُ، ودِيةَ الآدَمِىِّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجانِى في مالِه يُجْحِفُ به، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجابَها على العاقِلَةِ، على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والإعانةِ له، تَخْفِيفًا عنه، إذ (٣) كان مَعْذُورًا في فِعْلِه. فصل: فأمَّا الكَفَّارةُ، ففى مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تكونُ في بَيْتِ المالِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها تَكْثرُ، فإيجابُها عليه يُجْحِفُ به. ولَنا، أنَّها كَفَّارة، فاخْتَصَّتْ بمَن وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائِرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا. ولأَنَّ الكَفَّارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بفِعْلِ غيرِه، وتُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يحْصُلُ بها كيْفما كان. ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ (٤). وما ذكَرُوه

стр. 12354

وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعًى، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْها، فَقَتَلَتْهُ، أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا ــ لا أصْلَ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الدِّيَةِ لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ الدِّيَةَ لم تجبْ في بيتِ المالِ، إنَّما وجَبَتْ على العاقِلَةِ، ولا يَجُوزُ أن يَثْبُتَ حُكْمُ الفَرْعِ مُخالِفًا لحُكْمِ الأَصْلِ. الثانى، أنَّ الدِّيَةَ كثيرةٌ، فإيجابُها على القاتل يُجْحِفُ به، والكَفَّارةُ بخِلافِها. الثالثُ، أنَّ الدِّيَةَ وجَبَتْ مُواساةً للقاتلِ، وجُعِلَ حَظُّ القاتلِ مِن الواجِبِ الكَفَّارةَ، فإيجابُها على غيرِه يقْطَعُ المُواساةَ، ويُوجِبُ على غيرِ (١) الجانِى أكْثَرَ ممَّا وجَبَ عليه، وهذا لا يجوزُ. فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شئٌ مِن دِيَةِ الخَطَأْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ مِن العاقِلَةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفقٌ عليه (٢). وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى عليهم بجمِيعِها، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعْضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَه يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا. ولأَنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شئٍ مِن الدِّيَةِ عليه. ٤١٧٣ - مسألة: (ولو ألْقَى على إنْسَانٍ أَفْعًى، أو أَلْقاه عليها ،

стр. 12355

بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ فَهَرَبَ، فَوَقَعَ فِى شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كَانَ أَوْ ضَرِيرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا في فِنَائِهِ، أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِى طَرِيقٍ، أَوْ بَالَتْ فِيها دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيها، فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ. ــ فقَتَلَتْهُ، أو طلَب إنسانًا بسيْفٍ مُجَرَّدٍ، فَهَرَبَ، فَوَقَعَ في شَىْءٍ تَلِفَ به، بَصِيرًا كان أو ضَرِيرًا، أو حفرَ بِئْرًا في فنائِه، أو وضَع حَجَرًا، أو صَبَّ ماءً في طَرِيقٍ، أو بالَتْ فيها دَابَّتُهُ ويدُه عليها، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فيها فَتَلِفَ به إنْسانٌ، وَجَبَتْ عليه دِيَتُه) يجبُ الضَّمانُ بالسَّبَبِ كما يجبُ بالمُباشَرَةِ، فإذا ألْقَى إنْسانًا على أفْعَى، أو ألْقاها عليه، فقَتَلَتْه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه. ٤١٧٤ - مسألة: فإن طلَب إنسانًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ ، فَهَرَبَ منه، فَتَلِفَ في هَرَبِه، ضَمِنَه، سواءٌ سقَط مِن شاهِقٍ، أو انْخَسَفَ به سَقْفٌ، أو خَرَّ في بِئْرٍ، أو لَقِيَه سَبُعٌ فافْتَرَسَه، أو غَرِقَ في ماءٍ، أو احْتَرَقَ بنارٍ، وسواءٌ كان المطْلُوبُ صَغِيرًا أو كبيرًا، أعْمَى أو بَصِيرًا، عاقِلًا أو مجْنُونًا. وقال الشافعىُّ: لا يَضْمَنُ البالِغَ العاقِلَ البَصِيرَ. إلَّا أن ينْخَسِفَ به سَقْفٌ،

стр. 12356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّ (١) فيه وفى الصَّغِيرِ والمجْنُونِ والأعْمَى قوليْن؛ لأنَّه هلَك بفِعْلِ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه الطالِبُ، كما لو لم يَطْلُبْه. ولَنا، أنَّه هلَك بسَبَبِ عُدْوانِه، فضَمِنَه، كما لو حفَر له بِئْرًا، أو نصَب له سِكِّينًا، أو سَمَّ طَعامَه ووَضَعَه. وما ذكَرَه (٢) يَبْطُلُ بهذه الأصُولِ. وإن طَلَبَه بشئٍ يُخِيفه به، كاللُّتِّ (٣) ونحوِه، فهو كما لو طَلَبَه بسَيْف مَشْهُورٍ؛ لأنَّه في مَعْناه. فصل: ولو شَهَرَ سَيْفًا في وَجْهِ إنْسانٍ، أو دَلَّاهُ مِن شاهِقٍ، فمات مِن رَوْعَتِه، أو ذهب عَقْلُه، فعليه دِيَتُه. فإن صاحَ بصَبِىٍّ أو مَجْنُونٍ صَيْحةً شديدةً، فخَرَّ مِن سَطْحٍ أو نحوِه، فمات، أو ذهب عَقْلُه، أو تَغَفَّلَ عاقِلًا فصاحَ به، فأصَابَه ذلك، فعليه دِيَتُه، تَحْمِلُها العاقِلَةُ. فإن تَعَمَّدَ ذلك، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإلَّا فهو خَطَأٌ. ووافَقَ الشافعىُّ في الصَّبِىِّ، وله في البالِغِ قَوْلانِ. ولَنا، أنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فضَمِنَه، كالصَّبِىِّ (٤). فصل: وإن قَدَّمَ إنْسانًا إلى هَدَفٍ يَرْمِيه الناسُ، فأصَابَه سَهْمٌ مِن غيرِ تَعَمُّدٍ، فضَمانُه على عاقلةِ الذى قدَّمه؛ لأَنَّ الرَّامِىَ كالحافرِ، والذى قَدَّمَه كالدَّافِعِ، فكان الضَّمانُ على عاقلَتِه. وإن عَمَدَ الرَّامِى رَمْيَه، فالضَّمانُ

стр. 12357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه؛ لأنَّه باشَرَ، وذاك مُتَسَبِّبٌ، فأَشْبَهَ المُمْسِكَ والقاتِلَ. وإن لم يُقَدِّمْه أحَدٌ، فالضَّمانُ على الرَّامِى، وتَحْمِلُه عاقِلته إن كان خَطَأً؛ لأنَّه قَتَلَه. ٤١٧٥ - مسألة: وإن حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنفسِه، أو في طَرِيقٍ لغيرِ مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، أو في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو وضَع فِى ذَلِكَ حَجَرًا، أو صَبَّ فيه مَاءً، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فَهَلَكَ به إنسانٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِعُدْوَانِه. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَر بِئْرًا، فوقَعَ فيها رَجُلٌ فمات. ورُوِىَ ذلك (١) عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ. ٤١٧٦ - مسألة: وإن بالتْ فيها دَابَّتُه، فَزَلَقَ به حَيوانٌ ، فماتَ

стр. 12358

وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ، فَوَقَعَ في الْبِئْرِ، ــ به، فقال أَصْحابُنا: على صاحبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ، إذا كان راكِبًا، أو قَائِدًا، أو سائِقًا؛ لأنَّه تَلَفٌ حصَل مِن جِهةِ دَابَّتِه التى يَدُه عليها، فأَشْبَهَ ما لو جَنَتْ بيَدِها أو فَمِها. وقِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بذلك؛ لأنَّه لا يدَ له على ذلك، ولا (١) يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو كما لو أتْلَفَتْ برِجْلِها، ويُفارِقُ ما إذا أَتْلَفَت بِيَدِها أو فَمِها؛ لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُهُما. ٤١٧٧ - مسألة: (وإن حفَر بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا) أو نصَب سِكِّينًا، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ (فوَقَعَ في البِئْرِ) أو عَلَى (١) السِّكِّينِ (فَالضَّمَانُ

стр. 12359

فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ. ــ على واضعِ الحَجَرِ) ونَاصِبِ السِّكِّينِ دُونَ الحَافِرِ؛ لأَنَّ الحَجَرَ كالدَّافِعِ له، وإذا اجْتَمَعَ الحافرُ والدَّافِعُ، فالضَّمَانُ على الدَّافِعِ وحدَه. وبهذا قال الشافعىُّ. ولو وَضعَ رَجُلٌ حَجَرًا، ثم حَفَرَ آخَرُ عندَه (١) بِئْرًا، أو نصَب سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحَجَرِ، فسَقَطَ عليهما، فهَلَكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ الحُكمُ كذلك؛ لِما ذكَرْنا. واحْتَمَلَ أن يضْمَنَ الحافِرُ وناصبُ السِّكِّينِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُما مُتَأَخِّرٌ عن فِعْلِه، فأَشْبَهَ ما لو كان زِقٌّ فيه مائِعٌ وهو واقِفٌ، فحَلَّ وِكاءَه إنْسانٌ وأمالَه آخَرُ، فسألَ ما فيه، كان الضَّمانُ على الآخِرِ منهما. وإن وضَع إنْسانٌ حَجَرًا أو حَدِيدةً في مِلْكِه، أو حَفَرَ فيه بئْرًا، فدَخَلَ إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه، فهَلَكَ به، فلا ضَمانَ على المالِكِ؛ لأَنَّه لم يتَعَدَّ (٢)، وإنَّما الدَّاخِلُ هلَكَ بعُدْوانِ نَفْسِه، وإن وضَع حَجَرًا في مِلْكِه، ونصَب أجْنَبِىٌّ فيه سِكِّينًا، أو حفَر بِئْرًا بغيرِ إذْنِه، فعَثَرَ رَجُلٌ بالحَجَرِ، فوَقَعَ على السِّكِّينِ أو في البِئرِ، فالضَّمانُ على الحافرِ وناصِبِ السِّكِّينِ لتَعَدِّيهِا، إذ لم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بواضِعِ الحَجَرٍ؛ لانْتِفاءِ عُدْوانِه. وإنِ اشْتَرَكَ جماعةٌ في عُدْوانٍ تَلِفَ به شئٌ، فالضَّمانُ عليهم، فلو وضَع اثْنانِ

стр. 12360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَجَرًا، وواحِدٌ حَجَرًا، فعَثَرَ بهما إنْسانٌ، فهَلَكَ، فالدِّيَةُ كل عَواقِلِهم أثْلَاثًا، في قِياسِ المذهبِ. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأَنَّ السَّبَبَ حصَل مِن الثَّلاثةِ أثْلاثًا، فوَجَبَ الضَّمانُ عليهم سواءً وإنِ اختَلَفَتْ أفْعالُهم، كما لو جَرَحَه واحدٌ جُرْحَيْنِ، وجَرَحَه اثْنانِ جُرْحَيْنِ، فمات بها (١). وقال زُفَرُ: على الاثْنَين النِّصْفُ، وعلى واضِعِ الحجَرِ وحدَه النِّصْفُ؛ لأَنَّ فِعْلَه مُساوٍ لفِعْلِهما. وإن حفَر إنْسانٌ بِئرًا، ونصَب آخَرُ فيها سِكِّينًا، فوَقَع إنسانٌ في البئرِ على السِّكِّينِ، فماتَ، فقال ابنُ حامدٍ: الضَّمانُ على الحافرِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الدَّافعِ. وهذا قِياس المسائِلِ التى قَبلَها. ونَصَّ أحمدُ على أنَّ الضَّمانَ عليهما. قال أبو بكرٍ: لأنَّهما في مَعْنىِ المُمْسِكِ والقاتلِ، الحافرُ كالمُمْسكِ، وناصِبُ السِّكِّينِ كالقاتلِ. فيُخرَّجُ مِن هذا أَنْ يَجِبَ الضَّمانُ كل جميعِ المُتَسَبِّبِينَ في المسائلِ السَّابقةِ. فصل: وإن حفَر بِئرًا في مِلْكِ نَفْسِه، أو في ملكِ غيرِه بإذْنِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ. وكذلك إن حَفَرَها في مَواتٍ، أو وضَع حَجَرًا، أو نصبَ شَرَكًا، أو شَبَكَةً، أو مِنْجَلًا، ليَصِيدَ بها؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ بذلك. وإن فَعَلَ شيئًا مِن ذلك في طَريقٍ ضَيِّقٍ، فعليه ضَمانُ ما تلف به؛
следующие страницы →