بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
ــ
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
[روَى محمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَطاءٍ] (١)، قال: سَمِعْتُ أَبا حُمَيْدٍ السّاعِدِيَّ في عَشَرَةٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، منهم أبو قَتادَةَ، فقال أبو حُمَيْدٍ: أنا أعْلَمُكم بصلاةِ رسولِ ﷺ قالُوا: فاعْرِضْ (٢). قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ يَرْفَعُ يَدَيْه، حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يُكَبِّرُ (٣)، حتَّى يَقَرَّ (٤) كلُّ عَظْمٍ في مَوْضِعِه مُعْتَدِلًا، ثم يَقْرأُ، ثم يُكَبِّرُ، فيرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، ثم يَرْكَعُ (٥) ويَضِعُ راحَتَيْه على رُكْبَتَيْه، ثم يَعْتَدِلُ، فلا يُصَوبُ رَأْسَه ولا يُقْنِعُه (٦)، ثم وَيَرْفعُ رَأْسَه، ويقُولُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. ثم يَرْفَعُ يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه مُعْتَدِلًا، ثم يقُول: اللهُ أكْبَرُ. ثم (٧) يَهْوِي إلى الأرْضِ، فيُجافِي يَدَيْه عن جَنبَيْه، ثم يَرْفَعُ رَأْسَه، ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرَى فيَقْعُدُ عليها، ويَفْتَحُ أصابعَ رِجْلَيْه إذا سَجَد، ويَسْجُدُ، ثم يقولُ: اللهُ أكبرُ. ويَرْفَعُ
стр. 1263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَثْنِي رِجْلَه اليُسْرى، فيَقْعُدُ عليها، حتَّى يَرْجِعَ كل عَظْم إلى مَوْضِعِه، ثم يَصْنَعُ في الأخْرى مِثْلَ ذلك، ثم إذا قام (١) مِن الرَّكْعَةِ كَبَّرَ (٢) فرَفَعَ (٣) يَدَيْه حتَّى يُحاذِيَ بهما مَنْكبَيْه، كما كَبَّرَ عندَ افْتِتاحِ الصلاةِ، ثم يَفْعَلُ ذلك في بَقِّيةِ صَلاِته، حتَّى إذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ (٤) رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد مُتوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ. قالُوا: صَدَقتَ، هكذا كان يُصَلِّي رسولُ الله ﷺ . رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (٥)، وأبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (٦)، وقال: حديث حسن صحِيح. وفي لَفْظٍ رَواه البُخارِيُّ (٧)، قال: فإذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه، ثم هَصَرَ (٨) ظَهْرَه، فإذا رَفَع رَأْسَه، اسْتَوَى قائمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ (٩) إلى مَكانِه، فإذا سَجَد، سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ، ولا قابِضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ أصابع رِجْلَيْه القِبْلَةَ،
стр. 1264
السُّنَّةُ أنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ إذَا قَالَ الْمُؤذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.
ــ
فإذا جَلَس في الرَّكْعَتَيْن جَلَس على اليُسْرى، ونَصبَ الأُخْرَى، فإذا كانتِ السَّجْدَةُ التى فيها التَّسْلِيمُ، أخَّرَ رِجْلَه اليُسْرَى، وجَلَس (١) مُتَوَرِّكًا على شِقِّه الأيْسَرِ، وقَعَد كل مَقْعَدَتِه.
٣٧٧ - مسألة: (يُسْتَحَبُّ أن يَقُومَ إلى الصلاةِ إذا قال المُؤَذِّنُ: قد قامَتِ الصلاةُ) قال ابنُ المُنْذِرِ (٢): على هذا أهلُ الحَرَمَيْن. وقال الشافعيُّ: يَقُومُ إذا فَرَغ المُؤذِّنُ مِن الإقامَةِ. وكان عُمَر بنُ عبدِ العزيزِ، ومحمدُ بنُ كعبٍ (٣)، وسالِمٌ، والزُّهْريُّ يَقُومُون في أوَّلِ بَدْوَةٍ مِن الإِقَامَةِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ إذا قال: حَيَّ على الصلاةِ. فإذا قال: قد قامَتِ الصلاةُ. كَبَّرَ. وكان أصحابُ عبدِ الله يُكَبِّرُوُن كذلك. وبه قال النَّخَعيُّ. بقَوْلِ بلالٍ: لا تَسْبِقْنِي بآمِينَ (٤). فدَلَّ على أنَّه كان يُكَبْرُ قبلَ فَراغِه. وعندَنا لا يُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّر إلَّا بعدَ فَراغِه مِن الإقامَةِ. وهو قولُ الحسنِ، وأبي يُوسُفَ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وعليه جُلُّ الأئِمَّةِ
стр. 1265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الأمْصارِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّه (١) يَقُومُ عندَ قَوْلِه (٢): قَدْ قامَتِ الصلاةُ. لأنَّ هذا خَبَرٌ بمَعْنَى الأمْرِ، ومَقْصُودَه (٣) الإعْلامُ ليَقُومُوا، فيُسْتَحَبُّ المُبادَرَةُ إلى القِيامِ امْتثالًا للأمْرِ. وإنَّما قُلْنا: إِنَّه لا يُكَبِّرُ حتَّى يَفْرُغ المُؤَذِّنُ. لأن النَّبِيَّ ﷺ إنَّما كان يُكَبِّرُ بعدَ فَراغِه، يَدُلُّ عليه ما رُوِيَ عنه، أنَّه كان يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بعدَ إقامَةِ الصلاةِ، فرَوَى أنَسٌ، قال: أُقَيمَتِ الصلاةُ، فأقْبَل علينا رسولُ اللهِ ﷺ بوَجْهِه، فقال: «سَوُّوا صُفُوفَكم، وَتَرَاصُّوا، فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي». رَواه البُخارِيُّ (٤). ويَقولُ في الإقامَةِ مِثْلَ قَوْلِ المُؤذِّنِ، فرَوَى أبو داود (٥)،
стр. 1266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن بعضِ أصحاب رسول اللهِ ﷺ ، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمَّا أن قالَ: قد قامَتِ الصلاةُ. قال النبيُّ ﷺ : «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا». وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأَذانِ. فأمّا حَدِيثُهم، فإنَّ بِلالًا كان يُقِيمُ في مَوْضِع أذانِه، وإلَّا فليس بينَ لَفْظِ الإقامَةِ والفَراغِ منها ما يُفَوِّتُ بِلَالًا «آمِينَ»، مع النبيِّ ﷺ . إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَقُومُ المَأَمُومُون إذا كان الإمامُ في المَسْجِدِ أو قَرِيبًا منه. قال أحمدُ: يَنْبَغِي أن تقامَ الصُّفُوفُ قبلَ أن يَدْخُلَ الإمامُ. لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كانتِ الصلاةُ تُقامُ لرسولِ اللهِ ﷺ فيَأخُذُ النَّاسُ مَصافَّهم قبلَ أن يَقُومَ النبيُّ ﷺ مَقامَه. رَواه مسلمٌ (١). فأمَّا إن أُقِيمَتِ الصلاةُ والإمامُ في غيرِ المَسْجِدِ، ولم يَعْلمُوا قُرْبَه، لم يَقُومُوا؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا أُقِيمتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَى تَرَوْى قَدْ خرَجْتُ». رَواه مسلمٌ (٢).
стр. 1267
ثُمَّ يُسَوِّي الْإمَامُ الصُّفُوفَ،
ــ
٣٧٨ - مسألة: (ثم يُسَوِّي الإمامُ الصُّفُوفَ) وذلك مُسْتَحَبٌّ، يَلْتَفِتُ عن يَمِيِنِه، فيَقُولُ: اسْتَوُوا، رَحِمكم اللهُ. وعن يَسارِه كذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولِما روَى محمدُ بنُ مُسْلِمٍ، قال: صَلَّيْتُ إلى جَنْب أنسٍ بنِ مالكٍ يَوْمًا، فقال: هل تَدْرِي لم صُنِع هذا العُودُ؟ قلْتُ:
стр. 1268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا والله. فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا قام إلى الصلاةِ أخَذَه بيَميِنِه، فقال: «اعْتَدِلُوا، وسَوُّوا صُفُوفَكمْ». ثم أخذَه بيسارِه، وقال: «اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ». رَواه أبو داودَ (١). وعنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ من تَمَامِ الصَّلاةِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢).
стр. 1269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قِيلَ لأحمدَ: قبلَ التَّكْبِيرِ تقُول شيئًا؛ قال: لا. يَعْنِي ليس قبله دُعاءٌ مَسْنُونٌ، إذ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابِه، ولأنَّ الدُّعاءَ يكون بعدَ العِبادَةِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١).
стр. 1270
ثُمَّ يَقُولُ: الله أَكْبَرُ. لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا»
ــ
٣٧٩ - مسألة: (وَيقُولُ: الله أكبَرُ. لا يُجْزِئُه غيرُها) لا تَنْعَقِدُ الصلاة إلَّا بقَوْلِ: الله أكْبَرُ. وهو قولُ مالكٍ. وكان ابنُ مسعودٍ، والثَّوريُّ، والشافعيُّ يَقُولُون: افْتِتاحُ الصلاةِ التَّكْبِيرُ. وعليه عَوامُّ أهلِ العِلْمِ (١) قديمًا وحديثًا، إلَّا أنَّ الشافعيِّ قال: تَنْعَقِدُ بقَوْلِه: الله الأَكْبَرُ. لأنَّ الألِفَ واللَّامَ لم تُغَيِّره عن بِنْيَتِه ومَعْناه، وإنَّما أفادَت التَّعْرِيفَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بكل اسْم لله تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، كقَوْلِه: الله عَظِيمٌ. أو كَبِيرٌ. أو جَلِيلٌ. وسُبْحانَ الله. والحَمْدُ للهِ. ولا إلهَ إلَّا الله. ونَحْوُه قولُ: الحَكَمِ (٢)؛ لأنَّه ذِكْرٌ لله على وَجْهِ التَّعْظِيم، أشْبَهَ قولَه: اللهُ أكبَرُ. ولأنَّ الخُطْبَةَ لا يَتَعَيَّنُ في أوَّلِها لَفْظٌ، كذلك هذا. ولنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «تَحْرِيمهَا التَّكْبِيرُ». رَواه أبو داودَ (٣). وقولُه للمسِيءِ في
стр. 1271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَلاِته: «إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فكَبِّرْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وفي حديثِ رِفاعَةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاة امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطهُورَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولَ: اللهُ أكْبَرُ». رواه أبو داودَ (٢) وكان النبيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاةَ بقوْلِه: «اللهُ أكْبَرُ». لم يُنْقَلْ عنه عُدُولٌ
стр. 1272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ذلك حتَّى فارَقَ الدُّنْيا، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بقَوْلِه (١): اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى. ولا يَصِحُّ القِياسُ على الخُطْبَةِ؛ لأنَّه لم يَرِدْ عن النبيِّ ﷺ فيها لَفْظْ بعَينِه في جَميعِ خُطْبَتِه (٢)، ولا أمَرَ به، ولأنه يَجُوزُ فيها الكلامُ بخِلافِ الصلاةِ. وما قالَه الشافيُّ عُدُول عن المَنْصُوصِ، فأشبهَ ما لو قال: اللهُ العَظِيمُ. وقَوْلُهم: لم يُغَيِّرْ (٣) بِنْيَتَه ولا مَعْناه. مَمْنُوعٌ؛ لأنَّ التَّنكِيرَ (٤) مُتَضَمِّنٌ لإضْمارٍ أو تَقْدِير، بخِلافِ التَّعْرِيفِ، فإنَّ مَعْنَى قولِه: «اللهُ أكْبَرُ». أي: مِن كل شئٍ. ولأنَّ ذلك لم يَرِدْ في كَلام الله تعالى، ولا في كلام رسولِه ﷺ ، ولا في المُتَعارَفِ مِن كلام الفُصَحَاء إلَّا كما ذَكَرْنا، فإطْلاقُ لَفظِ التَّكبِير يَنْصَرِف إليها دُونَ غيرِهُ، [كما أنَّ إِطلاقَ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى قولِه: «بِسْمِ اللهِ» دُونَ غيرِه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ غيرَها] (٥) لا يُساوِيها.
فصل: والتَّكْبيرُ رُكْنٌ لا تَنْعَقِدُ الصلاةُ إلَّا به، لا يَسْقُطُ في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ، وهو قَوْل مالكٍ، والشافعيِّ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ،
стр. 1273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، أجْزَأتْه تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «تَحْرِيمُهَا التَّبكْيرُ». فدَلَّ على أنَّه لا يَدْخُلُ في الصلاةِ بدُونِه.
فصل: ولا يصِحُّ إلَّا مُرَتبًا، فإن نَكَّسَه لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يكُونُ تَكْبِيرًا. ويَجِبُ على المُصَلِّي أن يُسْمِعَه نَفْسَه، إمامًا كان أو غَيرَه، إلَّا أن يكُونَ به عارِضٌ مِن طَرَشٍ، أو ما يَمْنَعُ السَّماعَ، فيَأْتِيَ به بحيث لو كان سَمِيعًا أو لا عارِضَ به سَمعَه؛ لأنَّه ذِكْر مَحَلُّه اللِّسانُ، فلا يكُونُ كامِلًا. بدُونِ الصَّوْتِ، والصَّوْتُ ما يَتَأَتْى سَماعُه، وأقْرَبُ السّامِعِين إليه نَفْسُه، فمتى لم يَسْمَعْه، لم يَعْلَمْ أنَّه أُتَى بالقَوْلِ. والرجلُ والمرأة سَواءٌ فيما ذكَرْنا.
فصل: ويُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، ولا يَمُدُّ في غيرِ مَوضِع المَدِّ، فإن فَعَل بحيث لم يُغَيِّرِ المَعْنَى، مِثْلَ أن يَمُدَّ الهَمْزَةَ الأولَى في اسْمِ الله تعالى، فيَقُولُ: آللهُ. فيَصِيرَ اسْتِفْهامًا، أو يَمدُّ أكْبرُ (١). فيَصِيرَ ألِفًا، فيَبْقَى جَمْعَ كُبَرٍ، وهو الطَّبْلُ، لم يَجُزْ؛ لتَّغَيُّرِ المعْنَى. وإن قال: اللهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ. ونَحْوَه، لم يُسْتَحَبَّ. نَصَّ عليه (٢). وانْعَقَدَتْ به الصلاةُ.
стр. 1274
فَإنْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، فَإنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّر بِلُغَتِهِ.
ــ
٣٨٠ - مسألة: (فإِن لم يُحْسِنْها لَزِمَه تَعَلُّمُها، فإن خَشِيَ فوات الوَقْتِ كَبَّر بلُغَتِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يْجْزِئُه التَّكبِيرُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ مع قُدْرَته عليها. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). وهذا قد ذَكَر اسْمَ رَبَّه. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن النُّصُوصِ، وهي تَخُصُّ ما ذَكَرُوه. فإن لم يُحْسِنِ العَرَبِيَّةَ، لَزِمَه تَعَلمُ التكبِيرِ بها؛ لأنَّه ذِكْر واجِبٌ في الصلاةِ لا تَصِح بدُونِه، فلَزِمَه تَعَلمُه، كالقِراءَةِ. فإن خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، كَبَّرَ بِلُغَتِه في أظْهَرِ الوَجْهَيْن. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ عَجَز عنه بالعربِيةِ، فلَزِمَه الإتْيانُ به (٢) بغيرِها، كلَفْظِ النَّكاحِ، ولأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى يَحْصُلُ بكلِّ لِسانٍ. والثاني، لا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضي في «الجامِع» (٣). ويَكُونُ حُكْمُه حُكْمَ الأخْرَسِ؛ لأنَّه ذِكْر تَنْعَقِدُ به الصلاةُ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ عنه بغيرِ العَرَبِيَّةِ كالقُرْآنِ (٤)، فإن عَجَز عن بَعْضِ اللَّفْظِ، أو بعضِ الحُرُوفِ، أتى بما يُمْكنُه، كمَن عَجَز عن بعضِ الفاتِحَةِ.
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان أخْرَسَ أو عاجِزًا عن التَّكْبِيرِ بكلِّ لسانٍ، سَقَط عنه. وعليه تَحْرِيكُ لِسانِه. ذَكَره القاضي في «المُجَرَّدِ» (١)؛ لأنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُه النُّطْقُ بتَحْرِيكِ لِسانِه، فإذا عَجَز عن أحَدِهما لزِمَه
стр. 1276
وَيَجْهَرُ الْإمَامُ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ،
ــ
الآخَرُ. قال شيخُنا (١): وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه قولٌ عَجَز عنه، فلم يلْزَمْه تَحْرِيكُ لِسانِه في مَوْضِعِه كالقِراءَةِ، وإنَّما لَزِمَه تَحْرِيكُ لِسانِه مع التَّكبِيرِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ التَّكبِيرِ عليه، فإِذا سَقَط التَّكبِيرُ سَقَط ما هو مِن ضَرُورَته، كمَن سَقَط عنه القِيامُ، سَقَط عنه النُّهُوضُ إليه وإن قَدَر عليه. ولأنَّ (٢) تَحْرِيكَ لِسانِه بغيرِ النُّطْقِ مُجَرَّدُ عَبَثٍ، فلم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كالعَبَثِ بسائِرِ جَوارِحِه.
٣٨١ - مسألة: (ويَجْهَرُ الإِمامُ بالتَّكْبِيرِ كُلِّه) ليَسْمَعَ المَأمُومُون
стр. 1277
وَيُسِرُّ غَيْرُهُ بِهِ وَبِالْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ.
ــ
فيُكَبِّروا بتَكْبيرِه، فإن لم يُمْكِنْه إسْماعُهم، جَهَر بعضُ المَأْمُومِين ليُسْمْعَهم، أَو يُسْمِعَ مَن لَا يُسْمِعُه الإمامُ؛ لِما روَى جابِر، قال: صَلَّى بنا رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ خَلْفَه، فإذا كَبَر رسولُ الله ﷺ كَبَّرَ أبو بكرٍ ليُسْمِعَنا. متَّفَقٌ عليه (١).
٣٨٢ - مسألة: (ويُسِرُّ غيرُه به وبالقِراءَةِ بقَدْرِ ما يُسْمِعُ نَفْسَه) لا يُسْتَحَبُّ لغيرِ الإمامِ الجَهْرُ بالتَّكْبِيرِ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه، ورُبَّما لَبَسَ على المَأمُومِين، إِلَّا أن يَحْتاجَ إلى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ؛ ليُسْمِعَ المَأْمُومِين، كما ذَكَرْنا. ويَجِبُ عليه أن يُكَبِّرْ بحيث يُسْمِعُ نَفْسَه، وكذلك القِراءةُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى كلامًا بدُونِ ذلك، وقد ذَكَرْناه قبلَ هذا.
стр. 1278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِير قائمًا، فإنِ انْحَنَى إلى الرُّكُوعِ بحيث يَصِيرُ راكِعًا قبلَ إنْهاءِ التكْبِيرِ، لم تَنْعَقِدْ صَلاتُه إن كانت فَرْضًا، لأن القِيامَ فيها واجِبٌ ولم يَأْتِ به، وإِن كانت نافِلَةً فظاهرُ قَوْلِ القاضي أنَّها تَنْعَقِدُ، فإِنَّه قال (١): إِن كَبَّر في الفَرِيضَةِ في حالِ انْحِنائِه إلى الرُّكُوعِ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا؛ لسُقُوطِ القِيامِ فيه، فإِذا تَعَذَّرَ الفَرْضُ، وَقَعَتْ نفْلًا، كمَن أحْرِمَ بفَرِيضَةٍ فبان قبلَ وَقْتِها. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ النَّافِلَةُ إلَّا أن يُكبِّرَ في حالِ قِيامِه أَيضًا، لأنَّ صِفَةَ الرُّكوعِ غيرُ صِفَةِ القُعُودِ، ولم يَأْتِ بالتَّكْبِيرِ قائِمًا ولا قاعِدًا، ولأنَّ عليه الإتْيانَ بالتَّكْبِيرِ قبلَ وُجُودِ الرُّكُوعَ منه.
فصل: ولا يُكَبِّرُ المَأمُومُ حتَّى يَفْرُغ إمامُه مِن التَّكْبِيرِ. وقال أبو حنيفةَ: يُكبِّرُ معه، كما يَرْكَعُ معه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّمَا
стр. 1279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتمَّ بهِ، فَإذَا كَبَّر فَكبِّرُوا». مُتَّفَقُ عليه (١). والرُّكُوعُ مِثْلُ ذلك، إلَّا أنَّه لا تَفْسُدُ صَلاتُه بالرُّكُوعِ معه، لأنَّه قد دَخَل في الصلاةِ، هاهُنا بخِلافِه. فإن كَبَّر قبلَ إِمامِه، لم تنْعَقِدْ صَلاتُه، وعليه إعادَة التَّكْبِيرِ بعدَ تَكْبِيرِ الإمامِ.
فصل: والتَّكْبيرُ مِن الصلاةِ، خِلافًا لأصحابِ أبي حنيفةَ في قوْلِهم: ليس منها. لأنَّه أَضافَه إِليها في قولِه: «تحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (٢). ولا يُضافُ الشيءُ إلى نَفْسِه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ في الصلاةِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ (٣). وما ذَكَرُوه لا
стр. 1280
وَيَرْفَعُ يَدَيْه مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الْأَصَابعِ، مَضْمُومَةً بَعْضُهَا إلى بَعْض، إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ،
ــ
يَصِحُّ، فإنَّ أجْزاءَ الشئِ تُضافُ إليه، كيَدِ الإنْسانِ وسائِرِ أطْرافِه، واللهُ
أعلمُ.
٣٨٣ - مسألة: (ثم يَرْفَعُ يدَيْه مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الأصابعِ مَضْمُومًا بَعْضُها إلى بعض إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى فُرُوعِ أُذُنَيْه) رَفْعُ اليَدَيْنِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ مُسْتَحَبٌّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لم (١) يَخْتَلِفْ أهلُ العِلْمِ في أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَرْفَعُ يَدَيْه إذا افْتتح الصلاةَ. فرَوَى ابنُ عُمَرَ، ﵄، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفع يَدَيْه حتَّى يُحاِذىَ بهما مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن يَرْكَعَ، وبعدَ
стр. 1281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الركُوعِ، ولا يرفَعُ بينَ السَّجْدَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (١).
وهو مُخَيَّرٌ في رَفْعِهما إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى (٢) فُرُوعِ أُذُنَيْه، يَعْنِي أنَّه يَبْلُغُ بأطْرافِ أصابِعِه ذلك المَوْضِعَ؛ لأن كلا الأمْرَيْن قد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ ، فالرفْعُ إلى المَنْكِبَيْن قد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، ورَواه عليّ، وأبو هُرَيْرةَ. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ. والرَّفْعُ إلى حَذْوِ الأذُنَيْن رَواهُ
стр. 1282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وائلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِث مِن رِوايَةِ مسلم (١)، وقال به ناسٌ مِن أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ مَيْلَ أبي عبدِ الله إلى الأوَّلِ أكْثَرُ؛ لكثرةِ رُواتِه وقُرْبهم مِن النبيِّ ﷺ ، وجَوَّزَ الآخَرَ؛ لصِحَّةِ رِوايَتِه، فدَلَّ على أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَفْعَلُ هذا وهذا.
ويُسْتَحَبُّ أن يَمُدَّ أصابعَه وَقْتَ الرَّفْع، ويَضُمَّ بَعْضَها إلى بعضٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ ﷺ كان إذا دَخَل في الصلاةِ رَفَع يَدَيْه مَدًّا (٢).
стр. 1283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ أن يُفَرِّقَ أصابِعَه. وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ ﷺ كان يَنْشُرُ أصابِعَه للتَّكْبِيرِ (١).
ولَنا، ما رَوَيْناه. وحَدِيثُهم خَطَأٌ، قالَه التِّرْمذيُّ (٢). ثم لو صَحَّ كان مَعْناه المَدَّ. قال أحمدُ: أهْلُ العَرَبيَّة قالوُا: هذا الضَّمُّ. وضمَّ أصابِعَه. وهذا النَّشْرُ. ومَدَّ أصابِعَه. وهذا التَّفْرِيقُ. وفَرقَ أصابِعَه. ولأن النَّشْرَ لا يَقْتَضِي التَّفْرِيق، كنَشْرِ الثَّوْبِ.
فصل: ويكونُ ابْتِداءُ الرفع مع ابْتداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، فإذا انْقَضَى التَّكْبيرُ حَطَّ يَدَيْه؛ لأنَّ الرفْعَ للتَّكْبِيرِ، فكان معه. فإن نَسِيَ رَفْعَ اليَدَيْن حتَّى فَرَغ مِن التَّكْبِيرِ، لم يَرْفَعْهما؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها. وإن ذَكَرَه في أثْناء التَّكْبِيرِ رَفَعَهما؛ لبَقاءِ مَحَلِّه، فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُ اليَدَيْن إلى المَنْكِبَيْن رَفَعَهما قَدْرَ الإمْكانِ. وإن أمْكَنَه رَفْعُ إحْداهما حَسْبُ،
стр. 1284
ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى،
ــ
رَفَعَها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُمْ» (١). فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُهما إلَّا بالزِّيادَةِ على المسْنُونِ، رَفَعَهما؛ لأنَّه يَأتِي بالسُنَّةِ وزِيادةٍ مَغْلُوبٍ عليها. وهذا كلّه قول الشافعيِّ. وإن كانت يَداه في ثَوْبِه، رَفَعَهما بحيث يُمْكِنُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ في الشِّتاء، فرَأيْتُ أصحابَه يَرْفَعُون أيْدِيَهُم في ثِيابِهم في الصلاةِ. وفي رِوايَةٍ، قال: ثم جِئْتُ في زَمانٍ فيه برْدٌ شَدِيدٌ، فرَأيْتُ النّاسَ عليهم جُلُّ الثِّيابِ، تَتَحَركُ أيَدِيهم تحتَ الثِّيابِ. رَواهما أبو داودَ (٢). وفيه: فرَأيْتُهم يَرْفَعُون أيدِيَهُم إلى صُدُورِهم (٣). ولا فَرْقَ في ذلك بينَ النّافِلَةِ والفَرِيضَةِ، والإمامِ والمَأمُومِ والمُنْفَرِدِ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ. والله أعلمُ.
٣٨٤ - مسألة: (ثم يَضَعُ كَفَّ يَدِه اليُمْنَى على كُوعِ اليُسْرَى ،
стр. 1285
ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه،
ــ
ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه) وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرى في الصلاةِ مَسْنُونٌ، رُوِيَ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والثوْرِيِّ، والشافعي، وأصحابِ الرَّأي. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن مالكٍ، والذى عليه أصحابُه إرْسالُ اليَدَيْنِ. رُوِي ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، والحسين. ولَنا، ما روى قَبِيصَةُ بنُ هُلْبٍ (١)، عن أَبيه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَؤُمُّنا فيَأْخُذُ شِمالَه بيَمِينِه. رَواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: حديث حسنٌ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبيِّ ﷺ والتّابِعين، ومَن بعدَهم. وعن غُطيْفٍ (٣)، قال: ما نَسِيتُ مِن الأشْياءِ فلم أنْسَ أنِّي رَأيْتُ
стр. 1286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسول اللهِ ﷺ ، واضِعًا يَمِينَه على شِمالِه في الصلاةِ. مِن «المُسْنَدِ» (١). ويَضَعُهما على كُوعِه، أو قَرِيبًا منه؛ لِما روَى وائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّه وَصَف صلاة رسولِ الله ﷺ ، وقال في وَصْفِه: ثم وَضَع يَدَه اليُمْنى على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرَى والرُّسْغِ، والسّاعِدِ (٢).
فصل: ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه. رَوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والثوْرِيِّ وإسحاقَ. قال على، رَضىَ اللهُ عنه: مِن السُنَّةِ وَضْعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ تحتَ السُّرَّةِ. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (٣). وعن أحمدَ، أنَّه يَضَعُهما فَوْقَ السُّرَّةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلى، فوَضَعَ يَدَيْه على صَدْرِه، إحْداهما على (٤) الأُخْرَى (٥). وعنه روايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌ، والأمْرُ في ذلك واسِعٌ.
стр. 1287
وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ،
ــ
٣٨٥ - مسألة: (ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه) وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه أخْشَعُ للمُصَلِّي، وأكَفُّ لنَظَرِه. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ وغيرُه (١)، في قَوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢). هو أن لا يَرْفَعَ بَصَرَه عن مَوْضِع سُجُودِه. قال أبو هُرَيْرَةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَرْفَعُون أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصلاةِ، فلَمَّا نَزَل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. رَمَوْا بأبْصارِهم إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ (٣).
стр. 1288
ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
ــ
٣٨٦ - مسألة: (ثم يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ) الاسْتِفْتاحُ مِن سُنَنِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، وكان مالكٌ لا يَراه، بل يُكَبِّرُ ويَقْرَأُ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعُمَرُ (١) يَفْتَتِحُون الصلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَسْتَفْتِحُ بما سنَذْكُرُه، وعَمِل به الصَّحابَةُ، ﵃، فكان (٣) عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ به صَلَاته، يَجْهَرُ به ليَسْمَعَه النّاسُ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ. وحديثُ أنَسٍ أراد به القِراءَةَ، كما روَى أبو هُرَيْرَةَ: يَقولُ الله تعالى:
стр. 1289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» (١). وفَسَّرَه بالفاتحةِ، مِثْلَ قَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ عُمَرَ، وهو مِمَّن روَى عنه أنَسٌ.
فصل: ومَذْهَبُ أحمدَ، ﵀، الاسْتِفْتاحُ الذى ذَكَرْنا، وقال: لو أنَّ رجلًا اسْتَفْتَحَ ببَعْضِ ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ مِن الاسْتِفْتاحِ، كان حَسَنًا. والذى ذَهَب إليه أحمدُ قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وابنُ مسعودٍ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ. قال التِّرمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ مِن التّابِعِين وغيرِهم. وذَهَب الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ إلى الاسْتِفْتاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ كَبَّرَ، ثم قال: «وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي