. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الدِّيَةِ أن لا يُحْمَلَ منها شئٌ حتى تَبْلُغَ عَقْلَ المأْمُومَةِ. ولأَنَّ مُقْتَضَى الأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ على الجانِى؛ لأنَّه مُو جَبُ جِنايَتِه، وبَدَلُ مُتْلَفِه، فكانَ عليه، كسائرِ الجِناياتِ والمُتْلَفاتِ، وإنَّما خُولِفَ في الثُّلُثِ تَخْفِيفًا عن الجانِى، لكَوْنِه كثيرًا يُجْحِفُ به، قال النبىُّ ﷺ : «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» (١). ففِيما دُونَه يَبْقَى على قَضِيَّةِ الأَصْلِ ومُقْتَضَى الدَّليلِ، وهذا حُجَّةٌ على الزُّهْرِىِّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الثُّلُثَ كثيرًا، فأمَّا دِيَةُ الجَنِينِ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ إلَّا إذا ماتَ مع اُّمِّه مِن الضَّرْبةِ؛ لكَوْنِ دِيَتِهما جميعًا مُوجَبَ جِنايةٍ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها على العاقِلَةِ، فلأنَّها دِيةُ آدَمِى كاملةٌ.
стр. 12672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذا بَلَغَ الثُّلُثَ. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا. وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ أنَّه قال في القديمِ: لا تَحْمِلُ ما دُونَ الدِّيَةِ، لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى ضَمانِ الأمْوالِ، بدليلِ أنَّه لا يَجِبُ فيه كَفَّارَةٌ. ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ الواجِبَ دِيَةُ جِنايةٍ على حُرٍّ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْها العاقِلَةُ، كدِيَةِ النَّفْسِ، ولأنَّه كثيرٌ يَجِبُ ضَمانًا لحُرِّ، أشْبَهَ ما ذكَرْنا. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا جَنَى على الأطْرافِ بما يُوجِبُ الدِّيَةَ، أو زِيادةً عليها.
فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ المرأةِ بغيرِ خِلافٍ بينَهم فيها. وتَحْمِلُ مِن جِراحِها ما يَبْلُغُ أرْشُه ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، كدِيَةِ أنْفِها، فأمَّا ما دُونَ ذلك، كدِيَةِ يَدِها، فلا تَحْمِلُه العاقلةُ. وكذلك الحُكْمُ في دِيَةِ الكِتابِىِّ. ولا تَحْمِلُ دِيَةَ المَجُوسِىِّ؛ لأنَّها دُونَ الثُّلُثِ.
стр. 12673
وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأَ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَتَكُونُ فِى مَالِ الْقَاتِلِ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ.
ــ
٤٣٣٨ - مسألة: وتَحْمِلُ غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّه، فإنَّ العاملةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّه. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ دِيَتَهما (١) وجَبَت في حالٍ واحدةٍ بجِنايةٍ واحدةٍ مع زِيادَتِهما على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْهُما العاقلةُ، كالدِّيَةِ الواحدةِ. ولا تَحْمِلُها إن مات مُنْفَرِدًا، أو مات قبلَ مَوْتِ أُمِّه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه دُونَ الثُّلُثِ.
٤٣٣٩ - مسألة: (وتَحْمِلُ جِنايَةَ الخَطَأ عن الحُرِّ إذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ) وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ، لا تَحْمِلُ ما (٢) دُونَ الدِّيَةِ. وقد ذكَرْناه، وذكَرْنا دَلِيلَه.
٤٣٤٠ - مسألة: (قَال أَبُو بَكْرٍ: ولا تَحْمِلُ) العاقِلَةُ (شِبْهَ
стр. 12674
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
ــ
العَمْدِ، وتَكُونُ في مالِ القاتِلِ في ثَلاثِ سِنِينَ) وهى رِوايةٌ عن أحمدَ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والحارِثُ العُكْلىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ. وهى على القاتلِ في مالِه؛ لأنَّها مُوجَبُ فِعْل قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مَغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيَةَ العَمْدِ. وهكذا يجبُ أن يكونَ مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ. والثانيةُ، تَحْمِلُها العاقلةُ. ذكَرَفا الخِرَقِىُّ. وهى ظاهرُ المذْهَبِ. وبه قال الشَّعْبِى، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْل، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى
стр. 12675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ القِصاصَ، فوَجَبَت دِيَتُه على العاقلةِ، كالخَطَأ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ؛ فإنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، [وإرادَتِه] (٢) القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأ يُغَلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو الأسنانُ، وهو قَصدُه (٣) الفِعْلَ، ويَخِفُّ مِن وَجْهٍ، وهو كوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ، وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقلةِ لها وتَأْجِيلُها. ولا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً. رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، [وعُبَيْدُ اللَّهِ] (٤) بنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقد حُكِىَ عن قَوْمٍ مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا. والدِّيَةُ تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها
стр. 12676
وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لَكِنْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ.
ــ
تَجبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحَكْمةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعَلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيَا بالدِّيَةِ على العاقلةِ في ثَلاثِ سِنِينَ (١). ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا.
٤٣٤١ - مسألة: (وما يَحْمِلُه كلُّ واحِدٍ مِن العاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لكنْ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فيُحَملُ كلَّ إنْسانٍ مِنْهم ما يَسْهُلُ ولا يَشُقُّ) وحملةُ ذلك، أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ العاقلةَ لا تُكَلَّفُ مِن العَقْلِ ما يُجْحِفُ بها، ويَشُقُّ عليها؛ لأنَّه لازِمٌ لها (٢) مِن غيرِ جِنايَتِها على سبيلِ المُواسَاةِ للقاتلِ، والتَّخْفِيفِ عنه، فلا يُخَفَّف عن الجانِى بما يَثْقُلُ على غيرِه، ويُجْحِفُ به، كالزَّكاةِ، ولأنَّه لو كان الإجْحافُ مَشْروعًا، كان الجاى أحَقَّ به؛ لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، وجَزاءُ فِعْلِه، فإذا لم يُشْرَعْ في حَقِّه، ففى حَقِّ غيرِه أوْلَى. واخْتَلفَ أهْلُ العلمِ فيما يَحْمِلُه
стр. 12677
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا. وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ في الأحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
كلُّ واحدٍ منهم؛ فقال أحمدُ: يَحْمِلُونَ على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ. فعلى هذا، لا يتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يُرْجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ على كلِّ واحدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِى. وهذا مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ التَّقْدِيرَ لا يَثْبُت إلَّا بتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هذه المسألةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيها إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، كمَقادِيرِ النَّفَقاتِ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَفْرِضُ على المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛ لأنَّه أقَلُّ مالٍ (١) يتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ، فكان مُعْتَبَرًا بها، ويَجِبُ على المُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثقالٍ؛ لأَنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ، لكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فيه، بدليلِ قولِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: لا يُقْطَعُ في الشئِ التَّافِهِ، وما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا قَطْعَ فيه (٢). وهذا اخْتِيارُ
стр. 12678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبى بكرٍ، ومذْهَبُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: أكثرُ ما يُجْعَلُ على الواحدِ أرْبَعةُ دَراهِمَ، وليس لأقَلِّه حَدُّ؛ لأَنَّ ذلك يَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ للقَرابةِ، فلم يتَقَدَّرْ أقَلُّه، كالنَّفَقَةِ. قال: ويُسَوَّى بينَ الغَنِىِّ وْالمُتَوَسِّطِ لذلك. والصَّحِيح الأَوَّلُ بم لِمَا ذكَرْنا مِن أنَّ التَّقْدِيرَ إنَّما يُصارُ إليه بتَوْقيفٍ، [ولا تَوْقيفَ] (١) فيه، وإنَّما يَخْتَلِفُ بالغِنَى والتَّوَسُّطِ، كالزَّكاةِ والنَّفَقَةِ، ولا يخْتلِفُ بالبُعْدِ والقُرْبِ لذلك.
٤٣٤٢ - مسألة: واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ بنِصْفِ دِينارٍ ورُبْعِه ؛
стр. 12679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال بَعْضُهم: يَتَكَرَّرُ الوَاجِبُ فِى الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَيَكُونُ الوَاجبُ على الغَنِىِّ فيها دِينارًا ونِصْفًا، وعلى المُتَوَسِّطِ ثَلاثَةَ أرْبَاعِ دِينارٍ؛ لَأنَّه حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالحَوْلِ على سبيلِ المُواساةِ، فيتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، كالزَّكاةِ. وقال بعضُهم: لا يتَكَرَّرُ؛ لأَنَّ في إيجابِ زِيادةٍ على النِّصْفِ إيجابَ الزِّيادةِ على أقَلِّ الزَّكاةِ، فيكون مُضِرًّا. ويُعْتَبَرُ الغِنَى والتَّوَسُّطُ عندَ رَأْسِ الحَوْلِ؛ لأنَّه حالُ الوُجُوبِ، فاعْتُبِرَ الحالُ (١) عندَه، كالزَّكاةِ. وإنِ اجْتمعَ مِن العاقلةِ في دَرَجَةٍ واحدةٍ عَدَدٌ كثيرٌ، قُسِمَ الواجِبُ على جَمِيعِهم، فيُلْزِمُ الحاكمُ كلَّ إنْسانٍ علىِ حَسَبِ ما يَراه وإن قَلَّ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَجْعَلُ على المُتَوَسِّطِ نِصْفَ ما على الغَنِىِّ، وِيَعُمُّ بذلك جَمِيعَهم. وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال في الآخرِ: يَخُصُّ الحاكمُ مَن شاءَ منهم، فيَفْرِضُ عليهم هذا القَدْرَ الواجِبَ؛ لِئَلَّا يَنْقصَ عن القَدْرِ الواجِبِ، ويَصِيرَ إلى الشئِ التَّافِه، ولأنَّه يَشُقُّ، فربَّما أصابَ كلَّ واحدٍ قِيراطٌ، فيَشُقُّ جَمْعُه. ولَنا، أنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابةِ، فكانوا سواءً، كما لو قَلُّوا، وكالمِيراثِ. وأمَّا التَّعَلُّقُ بمَشَقَّةِ الجَمْعِ فلا يَصِحُّ؛ لأَنَّ مَشَقَّةَ زِيادَةِ الواجِبِ أعْظَمُ مِن مَشَقَّةِ (٢) الجَمْعِ، ثم هذا تَعَلُّق بالحِكْمَةِ مِن غيرِ أصْل يَشْهَدُ لها، فلا يُتْرَكُ لها الدَّلِيلُ، ثم هى مُعارَضَةٌ بحَقِّه الواجبِ على كلِّ واحدٍ منهم، وسُهُولةِ الواجبِ عليهمِ، ثم لا يَخْلُو مِن أن يَخُصَّ الحاكمُ بعضَهم بالاجْتِهادِ أو بغيرِ اجْتِهادٍ، فإن خصَّه بالاجْتِهادِ ففِيه مَشَقَّةٌ عليه،
стр. 12680
وَيَبْدأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، فَمَتَى اتَّسَعَتْ أمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ.
ــ
وربَّما لا يَحْصُلُ له مَعْرِفةُ الأَوْلَى منهم بذلك، فيتَعَذَّرُ الإِيجابُ، وإن خَصَّه بالتَّحَكُّمِ أفْضَى إلى أنَّه يَتَخَيَّرُ بين أن يُوجِبَ على إنْسانٍ شيئًا بشَهْوَتِه مِن غيرِ دَلِيلٍ، وبينَ أن لا يُوجِبَ عليه، ولا نَظِيرَ له، وربَّما ارْتَشَى مِن بعضِهم واتُّهِمَ، وربَّما امْتَنَعَ مَنْ فُرِضَ عليه شئٌ (١) مِن أدائِه؛ لكَوْنِه يَرَى مثلَه لا يُؤَدِّى شيئًا مع التَّساوِى مِن كلِّ الوُجُوهِ.
٤٣٤٣ - مسألة: (ويَبْدأُ بالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فمتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ الأقْرَبِين لها، لم يَتَجاوَزْهُمْ، وإلَّا انْتَقَلَ إلى مَن يليهم) وجملةُ ذلك، أنَّه يَبْدَأُ في قِسْمَةِ الدِّيَةِ بينَ العاقلةِ بالأقْرَبِ فالأقرَبِ، فيَقسِمُ على الإِخْوَةِ وبَنِيهم، والأعْمامِ وبَنِيهم، ثم أعْمامِ الأَبِ، ثم بَنِيهم، ثم أعْمامِ الجَدِّ، ثم بَنِيهم، كذلك أبدًا، حتى إذا انْقَرَضَ المُناسِبُونَ، فعلى المَوْلَى المُعْتِقِ، ثم على عَصَباتِه، ثم على مَوْلَى المَوْلَى، ثم على عَصَباتِه، الأقْرَبِ فالأقْرَبِ،
стр. 12681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالمِيراثِ سواءً. وإن قُلْنا: الآباءُ والأَبْناءُ مِن العاقلةِ. بُدِئَ بهم؛ لأنَّهم أقْرَبُ. ومتى اتَّسَعَتْ أمْوالُ قَوْمٍ للعَقْلِ، لم يَعْدُهم إلى مَن بَعْدَهم؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بالتَّعْصِيبِ، فقُدِّمَ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، كالمِيراثِ وَوِلايةِ النِّكاحِ. وهل يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِى بالأبَوَيْن على مَن يُدْلِى بالأبِ؟ على وَجْهين؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ، كالمِيراثِ، وكتَقْديمِ الأخِ على ابْنِه. والثانى، يَسْتَويانِ؛ لأَنَّ ذلك يُسْتَفادُ بالتَّعْصِيبِ، ولا أثَرَ لقَرابةِ الأُمِّ في التَّعْصيبِ. والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأَنَّ قَرابةَ الأُمِّ تُؤثِّرُ في التَّرْجيحِ والتَّقْديم وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ؛ لاجْتِماعِ القَرابَتَيْنِ على وَجْهٍ لا تَنْفَرِدُ كلُّ واحدةٍ بحُكْمٍ، وذلك لأَنَّ القَرابَتَيْن تَنْقَسِمُ إلى ما يَنْفَرِدُ كلُّ واحدةٍ منهما بحُكْمٍ، كابنِ العَمِّ إذا كان أخًا لأُمٍّ، فإنَّه يَرِثُ بكلِّ واحدةٍ مِن القَرابَتَيْن مِيراثًا مُنْفَرِدًا، يَرِثُ السُّدْسَ بالأُخُوَّةِ، ويَرِثُ بالتَّعْصِيبِ بِبُنُوَّةِ العَمِّ، وحَجْبُ إحْدَى القَرابَتَيْن لا يُؤَثِّرُ (١) في حَجْبِ الأُخْرَى، فهذا لا يُؤثِّرُ في قُوَّةٍ ولا تَرْجِيحٍ، ولذلك لا يُقَدَّمُ ابنُ العَمِّ الذى هو أخٌ لأُمٍّ على غيرِه، وإلى ما لا يَنْفرِدُ كلُّ واحدَةٍ منهما بحُكْمٍ، كابْنِ العَمِّ مِن أبَوَيْن
стр. 12682
فَإِنْ تَسَاوَى جَمَاعَةٌ فِى الْقُرْبِ، وَزَّعَ الْقَدْرَ الَّذِى يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ.
ــ
مع (١) ابْنِ عَمٍّ مِن أبٍ، لا تَنْفَرِدُ إحْدى القَرابَتَيْن بميراثٍ عن الأُخْرَى، فتُؤَثِّرُ في التَّرْجيحِ وقُوَّةِ التَّعْصِيبِ، ولذلك أَثَّرَتْ في التَّقْديم في المِيراثِ، فكذلك في غيرِه. وبما ذكَرْنا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُسَوَّى بينَ القَريبِ والبَعِيدِ، ويُقْسَمُ على جَمِيعِهم؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ جَعَلَ دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عَصَبةِ القاتلةِ (٢). ولَنا، أنَّه حُكْمٌ تعَلَّقَ بالتَّعْصِيبِ، فوَجَبَ أن يُقَدَّمَ فيه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ كالمِيراثِ، والخَبَرُ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّنا نَقْسِمُه على الجماعةِ إذا لم يَفِ به الأقْرَبُ، فنَحْمِلُه على ذلك.
٤٣٤٤ - مسألة: (وإن تَساوَى جَماعَةٌ في القُرْبِ، وَزَّعَ القَدْرَ الذى يَلْزَمُهم بينَهم) لأنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابةِ المُقتَضِيةِ للعَقْلِ عنه، فتَساوَوْا في حُكْمِه، كسائرِ الأحْكامِ، [وكالميراثِ] (٣). وقد ذكَرْنا ذلك في مسألةِ: وما يَحْمِلُه كلُّ واحدٍ مِن العاقلةِ غيرُ مُقَدَّرٍ.
فصل: ولا يَحْمِلُ العَقْلَ مَن لا يُعْرَفُ نَسَبُه مِن القاتلِ، إلَّا أن يُعْلَمَ أنَّهم مِن قَوْم يَدْخُلونَ كلُّهم في العَقْلِ، ومَن لا يُعْرَفُ ذلك منه لا يَحْمِلُ، وإن كان مِن قَبِيلَتِه، فلو كان القاتلُ قُرَشِيًّا، لم يَلْزَمْ قُرَيْشًا كلَّهم التَّحَمُّلُ،
стр. 12683
فَصْلٌ: وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا في ثَلَاثِ سِنِينَ، فِى كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهُ إنْ كَانَ دِيَةً كَامِلَةً.
ــ
فإنَّ قُرَيْشًا وإن كانوا كلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ قَبائِلَهُم تَفَرَّقَتْ، وصار كلُّ قَوْم يَنْتَسِبُون إلى أبٍ يتَمَيَّزُون به، فيَعْقِلُ عنهم مَن يُشارِكُهم في نِسْبَتِهم إلى الأبِ الأدْنَى، ألَا تَرَى أنَّ النَّاسَ كلَّهم بَنُو آدَمَ، فهم راجِعُون إلى أبٍ واحدٍ، لكنْ إن كان مِن فَخِذٍ يُعْلَمُ أنَّ جَمِيعَهم يتَحَمَّلُونَ، وجَبَ أن يتَحَمَّلَ جَمِيعُهم، سواءٌ عُرِفَ أحَدُهم أو لم يُعْرَفْ؛ للعِلْمِ بأنَّه مُتَحَمِّلٌ على أىِّ وَجْهٍ كان. وإن لم يَثْبُتْ نَسَبُ القاتلِ مِن أحَدٍ، فالدِّيَةُ في بَيْتِ المالِ؛ لأَنَّ المُسلمينَ يَرِثُونَه إذا لم يَكُنْ وارِثٌ، بمَعْنَى أنَّه يُؤْخَذُ مِيراثُه لبَيْتِ المالِ، فكذلك (١) يَعْقِلُونَه على هذا الوَجْهِ. فإن وُجِدَ له مَن يَحْمِلُ بعضَ العَقْلِ، فالباقى في بيتِ المالِ لذلك. فإن قِيلَ: فهذا ينْتَقِضُ بالذِّمِّىِّ الذى لا وارِثَ له، فإنَّ مِيراثَه لبيتِ المالِ، ولا يَعْقِلُونَ عنه. قُلْنا: إنَّما لم يَعْقِلوا عنه؛ لوجُودِ [المانعِ، وهو] (٢) اخْتِلافُ الدِّينِ، ولذلك لا يَعْقِلُه عَصَباتُه المسلمون.
٤٣٤٥ - مسألة: (وما تَحْمِلُه العاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِى ثَلاثِ سنينَ، في كلِّ سنةٍ ثُلُثُه إن كان دِيَةً كامِلَةً) لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ
стр. 12684
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ، وَجَبَ فِى رَأْسِ
ــ
في أنَّ دِيَةَ الخَطَأ على العاقلةِ. حكاهُ ابنُ المُنْذِرِ (١). وأنَّها مُؤَجَّلَةٌ في ثلاثِ سنين، فإنَّ عمرَ، وعليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، جَعَلَا دِيَةَ الخَطَأ على العاقلةِ في ثلاثِ سِنِين (٢). ولا نَعْرِفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، واتَّبَعَهم أهْلُ العلمِ على ذلك، لأنَّه مالٌ يَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ، فلم يَجِبْ حالًّا، كالزَّكاةِ. ويَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ ثُلُثُها، ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةِ مِن حينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ابْتِداؤُها مِن حينِ حُكْمِ الحاكمِ، لأنَّها مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، [فكان ابْتِداؤُها مِن حينِ حُكْمِ الحاكمِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ. ولَنا، أنَّه مالٌ مُؤَجَّلٌ، فكان ابْتِداءُ أجَلِه مِن حينِ وُجُوبِه] (٣)، كالدَّيْنِ المُؤْجَّلِ والسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ الخِلافَ فيها، فإنَّ الخَوارِجَ لا يُعْتَدُّ بخِلافِهِم.
٤٣٤٦ - مسألة: (وإن كان الواجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَجَبَ في رَأْسِ
стр. 12685
الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا، كَدِيَةِ الْيَدِ، وَجَبَ فِى رَأْسِ الْحَوْلِ الأَوَّلِ الثُّلُثُ، وَبَاقِيهِ في رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانى، وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِىٍّ، فَكَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ وإنْ كَانَ أكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، لَمْ يَزِدْ فِى كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلُثِ.
ــ
الحَوْلِ) الأَوَّلِ (وإن كان نِصْفَها، كدِيَةِ اليَدِ، وَجَبَ في رَأْسِ الحَوْلِ الأَوَّلِ الثُّلُثُ، وباقِيه في رَأْسِ الحَوْلِ الثَّانِى، وإن كان دِيَةَ امْرَأةٍ أو كِتابِىٍّ، فكذلكَ. ويَحْتَمِلُ أن يُقسَمَ فِى ثَلاثِ سنين وإن كان أكْثَرَ مِن دِيَةٍ، كما لو جَنَى عليه فأذْهَبَ سَمْعَه وبَصَرَه، لم يَزِدْ في كلِّ حَوْلٍ على الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الواجِبَ إذا كان دِيَةً كاملةً، فإنَّها تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين،
стр. 12686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كلِّ سَنَةٍ ثُلُثُها، سواءٌ كانت دِيَةَ النَّفْسِ أو دِيَةَ الطَّرَفِ، كدِيَةِ جَدْعِ الأنْفِ، أو (١) الأُذُنَيْن. وإن كان دُونَ الدِّيَةِ نَظَرْنا؛ فإن كان الثُّلُثَ، كدِيَةِ المأْمُومَةِ، وجَبَ في آخِرِ السَّنَةِ الأُولَى، ولم يَجِبْ منه شئٌ حالٌّ؛ لأَنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ حالًّا. وإن كان نِصْفَ الدِّيَةِ أو ثُلُثَيْها، كدِيَةِ اليَدِ أو دِيَةِ المَنْخَرَيْن، وجَبَ الثُّلُثُ في آخرِ السَّنَةِ الأُولَى، والباقى في آخرِ السَّنَةِ (٢) الثَّانيةِ. وإن كان أكثرَ من [الثُّلُثَيْن؛ كدِيَةِ ثمانيةِ أصابعَ، وَجَب الثُّلُثانِ في السنتين، والباقِى في آخرِ الثالثةِ، وإن كان أكثرَ مِن] (٣) دِيَةٍ، مثلَ أن ذهَبَ سَمْعُ إنْسانٍ وبَصَرُه، ففى كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، لأن الواجِبَ لو كان دُونَ الدِّيَةِ، لم يَنْقُصْ في السَّنَةِ عن الثُّلُثِ، فكذلك لا يَزِيدُ عليه إذا زادَ على الثُّلُثِ. وإن كان الواجبُ بالجِنايةِ على اثْنَيْن، وجَبَ لكُلِّ واحدٍ ثُلُثٌ في كلِّ سَنَةٍ، لأَنَّ كلَّ واحدٍ له دِيَةٌ، فيَسْتَحِقُّ ثُلُثَها، كما لو
стр. 12687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انْفَرَدَ حَقُّه. وإن كان الواجِبُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، كدِيَةِ الإِصْبَعِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دُونَ الثُّلُثِ، ويَجِبُ حالًّا؛ لأنَّه مُتْلَفٌ لا تَحْمِلُه العاقلةُ (١)، فكان حالًّا، كالجِنايةِ على المالِ.
٤٣٤٧ - مسألة: فإن كانتِ الدِّيَةُ ناقِصَةً، كدِيَةِ المَرْأةِ والكِتابِىِّ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تُقْسَمُ في ثلاثِ سنين؛ لأنَّه بَدَلُ (٢) النَّفْسِ، فأشْبَهَتِ الدِّيَةَ الكاملةَ. والثانى، يَجبُ منها في العامِ الأَوَّلِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ الكاملةِ، وباقِيها في العامِ الثانى، لأَنَّ هذه تَنْقُصُ عن الدِّيَةِ، فلم تُقْسَمْ في ثلاثِ سنين، كأَرْشِ الطَّرفِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وللشَّافعىِّ كالوَجْهَيْن. فإن كانتِ الدِّيَةُ لا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الكاملةِ، كدِيَةِ المَجُوسِىِّ، وهى [ثمانِمائةِ دِرْهَمٍ] (٣)، ودِيَةِ الجَنِينِ، [وهى خَمْسٌ مِن الإِبلِ، لم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه يَنْقُصُ عن الثُّلُثِ، فأشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ والمُوضِحَةِ، إلَّا أن يُقْتَلَ الجَنِينُ] (٤) مع أُمِّه، فتَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّها جِنايَةٌ واحدةٌ، وتكونُ دِيَةُ الأُمِّ على الوَجْهَيْن؛ فإن قُلْنا: هى في عامَيْن. كانت
стр. 12688
وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ فِى الْجُرْحِ مِنْ حِينِ الانْدِمَالِ، وَفِى الْقَتْلِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ. وَقَالَ الْقَاضِى: إِنْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ. إِلَى شَىْءٍ، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ.
ــ
دِيَةُ الجَنِينِ واجِبَةً مع ثلُثِ دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الأَوَّلِ؛ لأنَّها دِيَةٌ أُخْرَى. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ مع باقِى دِيَةِ الأُمِّ في العامِ الثانى. وإن قُلْنا: دِيَةُ الأُمِّ في ثلاثِ سنين. فهل تَجِبُ دِيَةُ الجَنِينِ في ثَلاثةِ أعْوَامٍ أَوْ لا؟ على وَجْهين؛ فإذا قُلْنا بوُجُوبِها في ثلاثِ سنين، وجَبَتْ في السِّنِينَ التى وجَبَت فيها دِيَةُ الأُمِّ؛ لأنَّهُما دِيَتان لمُسْتَحِقَيْنِ، فيَجبُ في كلِّ سنةٍ ثُلُثُ دِيَتِها وثُلُثُ دِيَتِه. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في ثلاثِ سنين أُخْرَى؛ لأَنَّ تَلَفَهما مُوجَبُ جِنايةٍ واحدةٍ.
٤٣٤٨ - مسألة: (وابْتِداءُ الحَوْلِ في الجُرْحِ مِن حِينِ الانْدِمالِ، وفى القَتْلِ مِن حِينِ المَوْتِ. وقال القاضِى: إن لم يَسْرِ الجُرْحُ إلى شَئٍ، فحَوْلُه مِن حِينِ القَطْعِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان الواجبُ دِيَةَ نفْسٍ، فابْتِداءُ حَوْلِها مِن حينِ المَوْتِ، سواءٌ كان قَتْلًا مُوجِبًا أو عن سِرايةِ جُرْحٍ. وإن كان الواجِبُ ديَةَ جُرْحٍ، نَظرتَ، فإن كان عن جُرْح انْدَمَلَ مِن غيرِ سِرايَةٍ، مثلَ أفي قَطَع يَدَه فبَرَأتْ بعدَ مُدَّةٍ،
стр. 12689
وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوِ افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ.
ــ
فابْتداءُ المُدَّةِ مِن حينِ القَطْعِ؛ لأَنَّ تلك حالةُ الوُجُوبِ، ولهذا لو قَطَع يَدَه وهو ذِمِّىٌّ، فأسْلَمَ، ثم انْدَمَلَتْ، وجَب نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِىٍّ. وأمَّا إن كان الجُرْحُ سَارِيًا، مثلَ أن قَطَع إصْبَعَه فسَرَى ذلك إلى كَفِّه، ثم انْدَمَلَ، فابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ الانْدِمالِ؛ لأنَّها إذا سَرَتْ، فما اسْتَقَرَّ الأَرْشُ إلَّا مِن حينِ الانْدِمالِ. هكذا ذَكَره القاضى، وأصْحابُ الشافعىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ المُدَّةُ مِن حينِ الانْدِمالِ فيهما، لأَنَّ الأَرْشَ لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالانْدِمالِ فيهما.
٤٣٤٩ - مسألة: (ومَن مات مِن العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ أو افْتَقَرَ، سَقَطَ مَا عليه، وإن مات بعدَ الحَوْلِ، لم يَسْقُطْ ما عليْه) مَن ماتَ مِن العاقِلَةِ، أو إفْتَقَرَ، أو جُنَّ قبلَ الحَوْلِ، لم يَلْزَمْه شئٌ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه مالٌ يَجِبُ في آخِرِ الحَوْلِ على سَبِيلِ المُواساةِ، فأشْبَهَ الزَّكاةَ. وإن كان ذلك بعدَ الحَوْلِ، لم يَسْقُطِ الواجِبُ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ، لأنَّه خَرَج عن أهْلِيَّةِ
стр. 12690
وَعَمْدُ الصَّبِىِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَعَنْهُ فِى الصَّبِىِّ الْعَاقِلِ، أنَّ عَمْدَهُ فِى مَالِهِ.
ــ
الوُجُوبِ، فأشْبَهَ ما لو مات قبلَ الحَوْلِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَدْخُلُه النِّيابةُ، لا يَمْلِكُ إسْقاطَه في حَياتِه، فأشْبَهَ الدُّيُونَ، وفارَقَ ما قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولم يَسْتَمِرَّ الشَّرْطُ إلى حينِ الوُجُوبِ. فأمَّا إن كان فَقِيرًا عندَ القَتْلِ، فاسْتَغْنَى عندَ الحَوْلِ، فقال القاضى: يَجِبُ عليه؛ لأنَّه وُجِدَ وَقْتَ الوُجُوبِ، وهو مِن أهْلِه. ويُخَرَّجُ على هذا مَن كان صَبِيًّا فبَلَغ، أو مَجْنُونًا فأفاق عندَ الحَوْلِ، وجَبَ عليه؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه لم يَكُنْ مِن أَهْلِ الوُجُوبِ حالَةَ السَّبَبِ، فلم يَثْبُتِ الحُكْمُ فيه حالَةَ الشَّرْطِ، كالكافِرِ إذا مَلَكَ مالًا ثم أسْلَمَ عندَ الحَوْلِ، لم تَلْزَمْه الزَّكاةُ فيه.
٤٣٥٠ - مسألة: (وعَمْدُ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُه العاقِلَةُ) لأنَّه لم يتَحَقَّقْ منه كمالُ القَصْدِ، فتَحْمِلُه العاقلةُ، كشِبْهِ العَمْدِ، ولأنَّه قَتْلٌ لا يُوجبُ القِصاصَ، لأجْلِ العُذْرِ، فأشْبَهَ الخَطَأ (وعنه في الصَّبِىِّ العاقلِ، أَنَّ عَمْدَه في مالِه) وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ؛ لأنَّه عَمْدٌ يجوزُ تأْدِيبُه (١) عليه، فأشْبَهَ القَتْلَ مِن البالغِ. والأَوَّلُ أوْلَى. وما ذكَرُوه
بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِىَ مُجْرَاهُ، أَوْ شَارَكَ فِيهَا، أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرأةٍ فَألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ،
ــ
بابُ كفَّارةِ القتْلِ
(مَن قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمةً خَطأً، أو ما أُجْرِى مُجْراه، أو شارَكَ فيها، أو ضَرَبَ بَطْنَ امرأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أو حَيًّا ثم مات، فعليه الكفَّارةُ) الأصْلُ في كفَّارةِ القَتْلِ قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١). الآية. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ على القاتِلِ خَطَأً كفَّارَةً، سواءٌ كان المقْتُولُ ذَكَرًا أو أُنْثَى، ويجبُ في قَتْلِ الصَّغِيرِ [والكبيرِ] (٢)، سواءٌ باشَرَه بالقَتْلِ، أو تَسَبَّبَ إلى قَتْلِه بسَبَبٍ تُضْمَنُ به النَّفْسُ، كحَفْرِ البِئْرِ، ونَصْبِ السِّكِّينِ، وشهادةِ الزُّورِ.
стр. 12693
وَعَنْهُ، أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً.
ــ
وبهذا قال مالكٌ، والشّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجِبُ بالتَّسَبُّبِ؛ لأنَّه ليس بقتْلٍ، ولأنَّه ضَمِنَ بَدَلَه بغيرِ مُباشَرَةٍ للقَتْلِ، فلم تَلْزَمْه الكفَّارةُ كالعاقِلَةِ. ولَنا، أنَّه كالمباشَرَةِ في الضَّمانِ، فكان كالمُباشَرَةِ في الكفَّارةِ، ولأنَّه سَبَبٌ لإِتْلافِ الآدَمِىِّ، يتَعَلَّقُ به ضَمان، فتَعَلَّقَتْ به الكفَّارَةُ، كما لو كان راكِبًا فأَوطأَ دابَّتَه إنْسانًا. وقِياسُهم ينْتَقِضُ بالأبِ إذا أكْرَهَ إنْسانًا على قَتْلِ ابْنِه، فإنَّ الكفَّارَةَ تَجِبُ عليه مِن غيرِ مُباشَرَةٍ، وفارَقَ العاقِلَةَ، فإنَّها تتحَمَّلُ عن غيرِها، ولم يَصْدُرْ منها قَتْل ولا سَبَبٌ إليه. وقولُهم: ليس بقتلٍ. مَمْنُوعٌ. قال القاضى: ويَلْزَمُ الشُّهُودَ الكفَّارةُ، سواءٌ قالوا: أخْطَأْنا. أو: تَعَمَّدْنا. وهذا يَدُلُّ على أنَّ القَتْلَ بالسَّبَبِ تجبُ به الكفَّارَةُ بكُلِّ حالٍ، ولا يُعْتَبَرُ فيه الخَطَأُ والعَمْدُ؛ لأنَّه وإن قصَد القَتْلَ، فهو جارٍ مَجْرَى الخَطَأ، في أنَّه لا يَجِبُ به القِصاصُ.
٤٣٥١ - مسألة: ومَن شارَكَ في قَتْلٍ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، ويَلْزَمُ كلَّ وَاحِدٍ مِن شُرَكائِه كَفَّارَهٌ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. (وعن أحمدَ، أنَّ على المُشْتَرِكينَ كَفَّارَةً واحدةً)
стр. 12694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حكاها أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ. وحَكاه أبو علىٍّ الطَّبَرِىُّ (١) عن الشَّافعىِّ، وأنْكرَه سائرُ أصْحابِه. واحْتَجَّ لمَن أوْجَبَ كفَّارَةً واحدةً بقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. و «مَن» تَتَناوَلُ الواحدَ والجماعةَ، ولم يُوجِبْ إلَّا كفَّارَةً واحدةً ودِيَةً، والدِّيَةُ لا تَتَعَدَّدُ، فكذلك الكفَّارَةُ، ولأنَّها كفَّارَةُ قَتْلٍ، فلم تَتَعَدَّدْ بتَعَدُّدِ القاتلِينَ إذا كان المَقْتُولُ واحدًا، ككَفَّارَةِ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ. ولَنا، أنَّها لا (٢) تَتَبَعَّضُ، وهى مِن مُوجَبِ قَتْلِ الآدَمِىِّ، فكَمَلَتْ في حَقِّ كُلِّ واحدٍ مِن المُشْتَرِكين، كالقِصاصِ. وتُخالِفُ كفَّارَةَ الصَّيْدِ؛ فإنَّها تجبُ بَدَلًا، ولهذا تجبُ في أبْعاضِه، وكذلك الدِّيَةُ.
٤٣٥٢ - مسألة: (ولو ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأةٍ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، أَوْ حَيًّا ثم مات، فعليه الكَفَّارَةُ) تجبُ الكفَّارَةُ بإلْقاءِ الجَنِينِ المَيِّتِ، إذا
стр. 12695
مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
ــ
كان مِن ضَرْبِ بَطْنِها. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ. وقد مضَتْ هذه المسألةُ في دِيَةِ الجَنِينِ (١).
٤٣٥٣ - مسألة: (مُسْلِمًا كان المَقْتُولُ أو كافِرًا، حُرًّا أو عَبْدًا) تجبُ الكفَّارَةُ بقَتْلِ الكافرِ المَضْمُونِ، سواءٌ كان ذِمِّيًّا أو مُسْتَأْمِنًا. وبهذا قال أكثرُ أهلِ العلمِ. وقال الحسنُ، ومالكٌ: لا كفَّارَةَ فيه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. فمفْهومُه أنَّه لا كفَّارَةَ في غيرِ المؤمن (٢). ولَنا، قوْلُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). والذِّمِّىُّ له مِيثاقٌ. وهذا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ، ولأنَّه آدَمِىٌّ مقْتُولٌ ظُلْمًا، فوجَبَتِ الكَفَّارَةُ بقَتْلِه، كالمسلمِ.
٤٣٥٤ - مسألة: وتَجِبُ الكَفَّارَةُ بقَتْلِ العَبْدِ . وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا تَجِبُ؛ لأنَّه مَضْمُون بالقِيمَةِ، أشْبَهَ البَهِيمَةَ.
стр. 12696
وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ كَبِيرًا عَاقِلًا، أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
ــ
ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ولأنَّه يجبُ القِصاصُ بقَتْلِه، فتجبُ الكفَّارةُ به، كالحُرِّ، ولأنَّه مُؤْمِنٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ، ويُفارِقُ البَهائِمَ بذلك.
٤٣٥٥ - مسألة: (وسَواءٌ كان القاتِلُ كَبِيرًا عاقِلًا، أو صَبِيًّا أو مَجْنونًا، حُرًّا أو عَبْدًا) إذا كان القاتلُ صَبِيَّا أو مَجْنُونًا، وجَبَتِ الكفَّارَةُ في أمْوالِهما، وكذلك الكافِرُ، تجبُ عليه الكفَّارَةُ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّها عِبادَة مَحْضَةٌ، تَجِبُ بالشَّرْعِ، فلا تَجِبُ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والكافرِ، كالصَّوْمِ والصلاةِ، وقِياسًا (١) على كفَّارَةِ اليَمِينِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ مالِىٌّ، يتَعَلَّقُ بالقَتلِ، فتعلَّقَتْ بهم، كالدِّيَةِ. وتُفارِقُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ، فإنَّهما عِبادَتان بدَنِيَّتان، وهذه ماليَّةٌ، أشْبَهَتْ نفَقَةَ الأقارِبِ. وأمَّا كفَّارةُ اليَمِينِ، فلا تجِبُ على الصَّبِىِّ والمجْنُونِ؛ لأنَّها تتَعَلَّقُ بالقَوْلِ، ولا قَوْلَ لهما، وهذه تتعلَّقُ بالفعْلِ، وفِعْلُهما مُتَحَقِّق قد أوجبَ الضَّمانَ عليهما، ويتعلَّقُ بالفِعْلِ ما لا يتعَلَّقُ بالقَوْلِ، بدليلِ أنَّ العِتْقَ يتعلَّقُ بإحْبالِهما دُونَ إعْتاقِهما بقَوْلِهما. وأمَّا الكافِرُ فتجبُ عليه، وتكونُ عُقُوبَةً له، كالحُدُودِ. والحُرُّ
стр. 12697
وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ. فَأَمَّا الْقَتْلُ الْمُبَاحُ، كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ الْبَاغِى وَالصَّائِلِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
ــ
والعَبْدُ سواءٌ؛ لدُخُولِهما في عُمُومِ الآيةِ.
٤٣٥٦ - مسألة: (ويُكَفِّرُ العَبْدُ بِالصِّيامِ) لأنَّهُ لا مالَ له. وقد ذكَرْنا كَفَّارةَ العَبْدِ فيما مَضَى.
فصل: ومن قَتَلَ في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَعْتَقِدُه كافِرًا، أو رَمَى إلى صَفِّ الكُفَّارِ، فأصابَ فيهم مُسْلِمًا فقَتَلَه، فعليه كَفَّارَةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١).
٤٣٥٧ - مسألة: (فأمَّا القَتْلُ المُباحُ، كالقِصاصِ، والحَدِّ، وقَتْلِ الباغِى والصَّائِلِ، فلا كَفَّارَةَ فِيهِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كلَّ قَتْلٍ مُباحٍ لا كَفَّارَةَ فيه، كقَتْلِ الحَرْبِىِّ، والباغِى، والزَّانِى المُحْصَنِ، والقتلِ
стр. 12698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِصاصًا أو حَدًّا؛ لأنَّه قَتْلٌ مأْمُورٌ به، والكفارَةُ لا تَجِبُ لمَحْوِ (١) المأْمُورِ به. وأمَّا الخَطَأُ، فلا يُوصَفُ بتَحْرِيمٍ ولا إباحَةٍ؛ لأنَّه كقَتْلِ المجْنُونِ والبَهِيمةِ، لكنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ به معْصُومةٌ محرُّمةٌ، فلذلك وجَبَتِ الكفَّارَةُ فيها. وقال قومٌ: الخَطَأُ مُحَرَّمٌ ولا إثْمَ فيه. وقِيلِ: ليس بمُحَرُّمٍ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ ما أثِمَ فاعِلُه، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. هذا اسْتِثْناء مُنْقَطِع. و «إلَّا» في مَوْضِعِ «لكنْ». والتَّقْديرُ: لَكِنْ قد يقتلُه خَطَأً. وقِيلَ: «إلَّا» بمعنى «ولا»، أى ولا خَطَأً. وهذا يَبْعُدُ؛ لأَنَّ الخَطَأ لا (٢) يتَوَجَّهُ إليه النَّهْىُ؛ لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، وكَوْنِه لا يَدْخُلُ تحتَ الوُسْعِ، ولأنَّها لو كانت بمعنى «ولا» لَكانت عاطِفَةً للخَطَأ على ما قبلَه، وليس قبلَه ما يَصْلُحُ عَطْفُه عليه. فأمَّا قَتْل نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهم، فلا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّهم ليس لهم أيْمانٌ ولا أمانٌ، وإنَّما مُنِعَ مِن قَتْلِهم، لانْتِفاعِ المسلمين بهم، لكَوْنِهم يَصِيرونَ بالسَّبْى رقيقًا يُنْتَفعُ بهم. وكذلك قَتْلُ مَن لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لا كفَّارَةَ فيه؛ لذلك، ولذلك لم يُضْمَنُوا بشئٍ، فأشْبَهُوا مَن قَتْلُه مُباحٌ.
فصل: وَمَن قَتَلَ نَفْسَه خَطأً، وجَبَتِ الكفَّارَةُ في مالِه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجبُ؛ لأَنَّ ضَمانَ نَفْسِه لا يَجِبُ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ به، كقَتْلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهم. ووجْهُ الأَوَّلِ
стр. 12699
وَفِى قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ العَمْدِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَا كَفَّارَةَ فِيهِ. اخْتَارَهَا أبو بَكْرٍ وَالْقَاضِى. وَالأُخْرَى، فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
ــ
عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ولأنَّه آدَمِىٌّ مُؤْمِنٌ مقْتولٌ خَطأً، فوَجَبَتِ الكفَّارَةُ على قاتِله، كما لو قتَلَه غيرُه. قال شيْخُنا (١): وقولُ أبى حنيفةَ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ عامِرَ بنَ الأكْوَعِ، قَتَلَ نفْسَه خَطأً، فلم يَأْمُرِ النبىُّ ﷺ فيه بكَفَّارَةٍ (٢). فأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. فإنَّما أُرِيدَ بها إذا قَتَلَ غيرَه، بدَليلِ قولِه: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. وقاتلُ نفْسِه لا تجِبُ فيه دِيَةٌ، بدَليلِ قَتْلِ عامِر بنِ الأكْوَعِ.
٤٣٥٨ - مسألة: (وفى العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، لَا كَفَّارَةَ فيه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ والقاضِى. والأُخْرَى، فيه الكَفَّارَةُ) المشْهورُ في المذْهَبِ أنَّه لا كَفَّارَةَ في قَتْلِ العَمْدِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى،
стр. 12700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تجبُ فيه الكَفَّارَةُ. وحُكِىَ ذلك عن الزُّهْرِىِّ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ قال: أتَيْنا النبىَّ ﷺ بصاحِبٍ لنا قد أوْجَبَ بالقَتْلِ. فقال: «أُعتِقُوا عنه رَقَبَةً، يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ» (١). ولأنَّها إذا وجَبَتْ في قَتْلِ الخَطَأ، ففى العَمْدِ أوْلَى؛ لأنَّه أعْظَمُ جُرْمًا، وحاجتَه إلى تَكْفِيرِ ذَنْبِه أعْظَمُ. ولَنا، مَفْهومُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ثم ذكرَ قَتْلَ العَمْدِ، فلم يُوجِبْ فيه (٢) كَفَارَةً، وجَعَلَ جَزاءَه جَهَنَّمَ، فمَفْهومُه أنَّه لا كفَّارةَ فيه. ورُوِىَ أنَّ [الحارثَ بنَ] (٣) سُوَيْدِ بنِ الصَّامتِ قتلَ رَجُلًا، فأوْجَبَ النبىُّ ﷺ القَوَدَ، ولم يُوجبْ كفَّارَةً. وعمرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ قتلَ رَجُلَيْن كانا في عَهْد النبىِّ ﷺ ، فوَداهما النبىُّ ﷺ ولم يأْمُرْه بكَفَّارَةٍ (٤). ولأنَّه
стр. 12701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِعْلٌ يُوجبُ القتلَ، فلا يُوجِبُ كَفَّارَةً، كزنَى المُحْصَنِ، وحديثُ واثِلَةَ يَحْتَمِلُ أَنَّه كان خَطأً، وسَمَّاه مُوجبًا، أى فوَّتَ النَّفْسَ بالقَتْلِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان شِبْهَ عَمْدٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَهم بالإِعْتاقِ تَبَرُّعًا، ولذلك أمرَ غيرَ القاتلِ بالإِعْتاقِ. وما ذكَرُوه مِن المعنى لا يَصِحُّ، لأنَّها وجَبَتْ في الخَطَأ، لتَمْحُوَ (١) إثْمَه، لكَوْنِه لا يَخْلُو بن تَفْرِيطٍ، فلا يَلْزَمُ مِن ذلك إيجابُها في مَوْضِع عَظُمَ الإِثْمُ فيه، بحيثُ لا يَرْتَفِعُ بها. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بينَ العَمْدِ المُوجِبِ للقِصاصِ، وما لا قِصاصَ فيه، كقَتْلِ الوالدِ ولدَه، والسَّيِّدِ عبْدَه، والحُرِّ العَبْدَ، والمُسلمِ الكافِرَ؛ لأَنَّ هذا مِن أنْواعِ العمْدِ.
فصل: فأمَّا شِبْهُ العَمْدِ، فقال شَيْخُنا (٢): تجبُ فيه الكفَّارةُ، ولم
стр. 12702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعلمْ لأصْحابنا فيه قَوْلًا، لكنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ ما ذكَرْناه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْرَى الخَطأَ في نَفْىِ القِصاصِ، وحَمْلِ العاقلةِ دِيَتَه، وتأْجِيلِها في ثلاثِ سِنِينَ، فجَرَى مَجْراه في وُجُوب الكفَّارَةِ، ولأَنَّ القاتِلَ إنَّما لم يَحْمِلْ شيئًا مِن الدِّيَةِ لتَحَمُّلِه الكَفَّارَةَ، فلو لم تجِبْ عليه الكَفَّارَةُ، لَحَمَلَ مِن الدِّيَةِ؛ لئلَّا يَخْلُوَ القاتلُ عن وُجوبِ شئٍ أصْلًا، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ بهذا. وقد ذَكَرَ في الكِتابِ المَشْرُوحِ رِوايةً أنَّه كالعَمْدِ؛ لأَنَّ دِيَتَه مُغَلَّظَةٌ. وهى اخْتيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ عندَه أنَّ الدِّيَةَ فيه يَحْمِلُهاْ القاتلُ، فقد أشْبَهَ العَمْدَ في ذلك، فكان حُكْمُه حُكْمَه.
стр. 12703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكَفَّارَةُ القَتْلِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ بنَصِّ القُرآنِ، سَواءٌ كان القاتلُ أو المقْتولُ مُسْلِمًا أو كافِرًا، فإن لم يَجِدْها في مِلْكِه فاضِلةً عن حاجَتِه، أو يَجِدْ ثَمَنَها فاضِلًا عن كفايَتِه، فصيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن تَوْبَةً مِن اللَّهِ، وهذا ثابتٌ بالنَّصِّ أيضًا. فإن لم يَسْتَطِعْ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَثْبُتُ الصِّيامُ في ذِمَّتِه، ولا يجبُ شئٌ آخَرُ، لأَنَّ اللَّهَ تعالى لم يذْكُرْه، ولو وَجَبَ لذَكَرَه. والثانيةُ، يجبُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عندَ العَجْزِ عن (١) الصَّوْمِ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ والفِطْرِ في رمضانَ، وإن لم يَكُنْ مذْكُورًا في نَصِّ القُرآنِ، فقد ذُكِرَ ذلك في نَظِيرِه، فيُقاسُ عليه. فعلى هذه الرِّوايةِ، إن عجزَ عن الإِطْعامِ، ثبتَ في ذِمَّتِه حتى يَقْدِرَ عليه. وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايتَيْن. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 12704
بَابُ الْقَسَامَةِ
وَهِىَ الأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِى دَعْوَى الْقَتْلِ.
ــ
باب القَسامَةِ
(وهى الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ) والقَسامةُ مصدرُ أَقْسَمَ قَسامَةً. ومعناه حَلَفَ حَلِفًا. والمرادُ بالقَسامَةِ ههنا الأيْمانُ المُكَرَّرَةُ في دعْوَى القَتْلِ. وقال القاضى: هى الأيْمانُ إذا كَثُرَتْ على وَجْهِ المُبالَغَةِ. قال: وأهلُ اللُّغَةِ يذْهبون إلى أنَّها القومُ الذين يحْلِفون، سُمُّوا باسْمِ المَصْدَرِ، كما يقالُ: رَجلٌ عَدْلٌ ورِضًا. وأىُّ الأمْرَيْنِ كان، فهو مِن القَسَمِ الذى هو الحَلِفُ. والأَصْلُ في القَسامةِ ما رَوَى أبو (١) سعيدٍ الأنصارىُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عن سَهْلٍ بنِ أبى حَثْمَةَ، ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، أنَّ مُحَيِّصَةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ انْطلَقا إلى خَيْبَرَ، فتَفَرَّقَا في النَّخِيلِ، فقُتِلَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، فاتَّهَمُوا اليَهُودَ، فجاءَ أخُوه عبدُ
стр. 12705
وَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ؛ أحَدُهَا، دَعْوَى الْقَتْلِ، ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ.
ــ
الرحمنِ، وأبْناءُ عَمِّه حُوَيَّصَةُ ومُحَيِّصَةُ إلى النبىِّ ﷺ ، فتَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ في أمْرِ أَخِيه، وهو أصْغَرُهم، فقال النبىُّ ﷺ : «كَبِّرِ الكُبْرَ (١)». أو (٢) قال: «لِيَبْدَأ الأَكْبَرُ». فتَكَلَّما في أمْرِ صاحِبِهما، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فيُدْفَعُ إلَيْكُمْ برُمَّتِه». فقَالُوا: أمْرٌ لم نشْهَدْه، كيف نَحْلِفُ؟ قال: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟». قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قومٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ. قال: فوَداهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِه. قال سهلٌ: فدخلْتُ مِرْبَدًا لهم، فرَكَضَتْنِى نَاقةٌ مِن تلك الإِبلِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣).
٤٣٥٩ - مسألة: (ولَا تَثْبُتُ إلَّا بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، دَعْوَى القَتْلِ، ذَكَرًا كان المَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أو عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا. وأمَّا الجِرَاحُ فَلَا قَسامَةَ فيه) دعْوَى القَتْلِ شرْطٌ في القَسامةِ، ولا تُسْمَعُ
стр. 12706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً، بأنْ يقول: أدَّعِى أنَّ هذا قَتَل وَلِيِّى فلانَ ابنَ فلانٍ، عَمْدًا، أو: خَطَأً -أو: شِبْهَ عمدٍ. ويَصِفُ القَتْلَ، فإن كان [عَمْدًا، قال] (١): قَصَد إليه بسَيْفٍ. أو بما يَقْتُلُ مثْلُه غالِبًا. فإن كانتِ الدَّعْوَى على واحدٍ، فأقَرَّ، ثَبَت القَتْلُ، وإن أنْكَر وثَمَّ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وإلَّا صارَ الأمْرُ إلى الأيْمانِ. وإن كانتِ الدَّعْوَى على أكثرَ مِن واحدٍ، لم يَخْلُ مِن أرْبعةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: قتلَه هذا، و (٢) هذا [قَتَلَه عَمْدًا] (٣). ويَصِفُ العمدَ بصِفَتِه، فيقالُ له: عَيِّنْ واحِدًا. فإنَّ القَسامَةَ المُوجِبَةَ للقَوَدِ لا تكونُ على أكثرَ مِن واحدٍ. الحالُ الثانى، أن يقولَ: تَعَمَّد هذا، وهذا كان خاطِئًا. فهو يَدَّعِى قَتْلًا غيرَ مُوجِبٍ للقَوَدِ، فيُقْسِمُ عليهما، ويَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِن مالِ العامِدِ، ونِصفَها من مالِ (٤) المُخْطِئَ. الحالُ الثالثُ، أن يقولَ: عَمَد هذا، ولا أدْرِى أَكان قتلُ الثانى عَمْدًا أو خَطَأً؟ فقيل: لا تَسُوغُ القَسامَةُ ههُنا؛ [لأنَّه يحْتَمِلُ أن يكونَ الآخَرُ مُخْطِئًا، فيكونُ مُوجَبُها الدِّيَةَ عليهما. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عامِدًا، فلا تَسُوغُ القسامةُ (٥) ههنا] (١)، ويجبُ تَعْيِينُ واحدٍ، والقَسامةُ عليه،
стр. 12707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيكونُ مُوجَبُها القَوَدَ، فلم تَجُزِ القَسامَةُ مع هذا. فإن عادَ فقال: عَلِمْتُ أنَّ الآخَرَ كان عامِدًا. فله أَنْ يُعَيِّنَ واحِدًا، ويُقْسِمَ عليه. وإن قال: كان مُخْطِئًا. ثبَتَتِ القَسامَةُ حينئذٍ، ويُسْأَلُ الآخَرُ، فإن أنْكَرَ، ثبَتَتِ القَسامَةُ، وإن أقَرَّ ثَبَتَ عليه القتلُ، ويكونُ عليه نِصْفُ الدِّيَةِ في مالِه؛ لأنَّه ثَبَت بإقْرارِه لا بالقَسامَةِ. وقال القاضى: يكونُ على عاقِلَتِه. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا. الحالُ الرِابعُ. أن يقولَ: قَتَلاهُ خَطَأً، أو: شِبْهَ عَمْدٍ، أو: أحَدُهما خاطِئًا، والآخرُ شِبْهَ العَمْدِ. فله أن يُقْسِمَ عليهما. فإنِ ادَّعَى أنَّه قَتَلَ وَلِيَّه عَمْدًا، فسُئِلَ عنِ تفْسِيرِ العَمْدِ، ففَسَّرَه بعَمْدِ الخَطَأ، قُبِلَ تفْسِيرُه، [وأقْسَمَ] (١) على ما فسَّرَه به؛ لأنَّه أخْطَأَ في وَصْفِ القَتْلِ بالعَمْدِيَّةِ. ونقَل المُزَنِىُّ عن الشّافعىِّ: لا يَحْلِفُ عليه؛ لأنَّه بدَعْوى العَمْدِ بَرَّأَ العاقِلَةَ، فلم تُسْمَعْ دعْوَاه بعدَ ذلك ما يُوجِبُ عليهم المالَ. ولَنا، أنَّ دَعْوَاه قد تَحَرَّرَتْ، وإنَّما غَلِطَ في تَسْمِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ عَمْدًا، وهذا مما يَشْتَبِهُ، فلا يُؤاخَذُ به. ولو أحْلَفَه الحاكمُ قبلَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وتَبَيُّنِ نَوْعِ القَتْلِ، لم يُعْتَدَّ باليَمِينِ؛ لأَنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ غيرَ مُحَرَّرَةٍ (٢)، فكأَنَّه أحْلَفَه قبلَ الدَّعْوَى، ولأنَّه إنَّما يُحلِّفُه ليُوجِبَ له ما يَسْتَحِقُّه، فإذِا لم يَعْلَمْ ما يستحِقُّه بدَعْوَاه، لم يَحْصُلِ المَقْصُودُ
стр. 12708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باليَمِينِ، فلم يَصِحَّ.
فصل: قال القاضى: يجوزُ للأوْلِياءِ أن يُقْسِمُوا على القاتلِ، إذا غَلَب [على ظَنِّهِم] (١) أنَّه قَتَلَه، وإن كانُوا غائِبِينَ عن مكانِ القَتْلِ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ قال للأنْصارِ: «تَحْلِفُونَ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ». وكانوا بالمدينةِ، والقتلُ بخَيْبَرَ، ولأَنَّ للإِنْسانِ أن يَحْلِفَ على غالِبِ ظَنِّه، كما أنَّ مَن اشْتَرَى مِن إنْسانٍ شيئًا، فجاءَ آخَرُ يدَّعِيه، جازَ أن يَحْلِفَ أنَّه لا يَسْتَحِقه؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه مِلْكُ الذى باعَه، وكذلك إذا وَجَد شيئًا بخَطهِ أو بخَطِّ أبيه ودَفْتَرِه، جازَ أَنْ يَحْلِفَ، وكذلك إذا باعَ شيئًا لم يعلمْ فيه عَيْبًا، فادَّعَى عليه المُشْتَرِى أنَّه مَعِيبٌ، وأرادَ رَدَّهُ، كان له أَنْ يَحْلِفَ أنَّه باعَه (٢) بَرِيئًا مِن العَيْبِ. ولا يَنْبَغِى أن يَحْلِفَ المُدَّعِى إلَّا بعدَ الاسْتِثْباتِ، وغَلَبَةِ ظَنٍّ تُقارِبُ اليَقِينَ، ويَنْبَغِى للحاكمِ أن يقولَ لهم: اتَّقُوا اللَّهَ، واسْتَثْبِتُوا. ويَعِظَهم، ويُحَذِّرَهُم، ويَقْرأ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣). ويُعَرِّفَهُم ما في اليَمِينِ الكاذبةِ، وظُلمِ البَرِئِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بغيرِ الحَقِّ، ويُعَرِّفَهم أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْونُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
стр. 12709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤٣٦٠ - مسألة: (وسَواءٌ كان المَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا) أمّا إذا كان المقْتولُ مُسْلِمًا حُرُّا، فليس فيه خِلافٌ، سواءٌ كان المُدَّعَى عليه مُسْلِمًا أو كافِرًا، فإنَّ الأَصْلَ في القَسامَةِ قِصَّةُ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، حينَ قُتِلَ بخَيْبَرَ، فاتهِمَ اليَهودُ بقَتْلِه، فأمَر النبىُّ ﷺ بالقَسامَةِ. وأمَّا إنْ كان المقْتولُ كافِرًا أو عَبْدًا، وكان قاتلُه ممَّن يجبُ عليه القِصاصُ بقَتْلِه، وهو المُماثِلُ له في حالِه أو دُونَه، ففيه القَسامَةُ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لا قَسامَةَ في العَبْدِ؛ لأنَّه مالٌ، فلم تَجِبِ القَسامَةُ فيه، كالبَهِيمَةِ. ولَنا، أنَّه قَتْلٌ مُوجبٌ للقِصاصِ، فأوْجبَ القَسامَةَ، كقَتْلِ الحُرِّ، بخِلافِ البَهِيمَةِ، فإنَّه لا قِصاصَ فيها. ويُقْسِمُ على العَبْدِ سَيِّدُه؛ لأنَّه المُسْتَحِقُّ لدَمِه، وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمكاتَبُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، كالقِنِّ؛ لأَنَّ الرِّقَّ ثابتٌ فيهم. فإن كان القاتلُ ممَّن (١) لا قِصاصَ عليه، كالمُسْلمِ يقْتُلُ كافِرًا، والحُرِّ يقْتُلُ عَبْدًا، فلا قَسامَةَ فيه، في ظاهرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ القَسامَةَ إنَّما تكونُ فيما يُوجِبُ القَوَدَ. وقال القاضى: فيهما القَسامَةُ. [وهو قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قتْلُ آدَمِىٍّ يُوجبُ الكفَّارَةَ، فشُرِعَتِ القَسامَةُ فيه] (٢)، كقَتْلِ الحُرِّ المُسْلمِ، ولأَنَّ ما كان حُجَّةً في قَتْلِ الحرِّ
стр. 12710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسلمِ (١)، كان حُجَّةً في قتْلِ العَبْدِ والكافرِ، كالبَيِّنَةِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَتْل لا يُوجِبُ القِصاصَ، فأَشْبَهَ قتلَ البَهِيمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن شَرْعِها فيما يُوجِبُ القِصاصَ، شَرْعُها مع عَدَمِه، بدَليلِ أنَّ العَبْدَ لو اتُّهِمَ بقَتْلِ سَيِّدِه، وجَبَتِ القَسامَةُ إذا كان القتلُ مُوجِبًا للقِصاصِ. ذكَره القاضى؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه قبلَ ذلك، ولو لم يكُنْ مُوجِبًا للقِصاصِ لم تُشْرَعِ القَسامَةُ.
فصل: وإن قُتِلَ عبدُ المُكاتَبِ، فللمكاتَبِ أن يُقْسِمَ على الجانِى؛ لأنَّه مالكُ العَبْدِ، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه وفى بَدَلِه (٢)، وليس لسَيِّدِه انْتِزاعُه منه، وله شِراؤُه منه. ولو اشْتَرى المأذونُ له في التِّجارةِ عَبْدًا، فقُتِلَ، فالقَسامَةُ لسَيِّدِه دُونَه؛ لأَنَّ ما اشْتراه الأذونُ يَمْلِكُه سَيِّدُه دُونَه، ولهذا يَمْلِكُ انْتِزاعَه منه. وإن عجزَ المكاتَبُ قبلَ أَنْ يُقْسِمَ، فلسَيِّدِه أن يُقْسِمَ؛ لأنَّه صارَ المُسْتَحِقَّ لبَدَلِ المقْتولِ، بمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ الحُرِّ إذا ماتَ قبلَ أن يُقْسِمَ، ولو ملَّكَ السَّيِّدُ عبدَه أو أمَّ ولَدِه عَبْدًا فقُتِلَ، فالقَسامَةُ للسَّيِّدِ، سواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ العبدُ بالتَّمْلِيكِ -أو- لا يَمْلِكُ؛ لأنَّه إن لم يَمْلِكْ، فالمِلْكُ لسَيِّدِه، وإن [مَلَك، فهو مِلْكٌ] (٣) غيرُ ثابتٍ، ولهذا يَمْلِكُ سَيِّدُه انْتزاعَه منه، ولا يجوزُ له التَّصَرُّفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، بخِلافِ المُكاتَبِ. وإن أوْصَى لأمِّ ولَدِه ببَدَلِ العَبْدِ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ، وإن كان لم يَجِبْ بعدُ،