← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ، مِثْلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ ــ وإن كان فيها دُحورٌ، فبحِسابِ ذلك. وهذا الخبرُ إن صَحَّ، فهو مُخالفٌ لِما ذهَبوا إليه، فلا يَصْلُحُ دَليلًا عليه. قال شيْخُنا (١): والصَّحِيحُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا تَقْديرَ في غيرِ الخَمْسةِ؛ الضِّلَعِ، والتَّرْقوَتيْنِ، والزَّنْدَيْنِ؛ لأَنَّ التَّقْديرَ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، ومُقْتضى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومةِ في هذه العِظَامِ الباطنةِ كلِّها، وإنَّما خالَفْناه في هذه العِظامِ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ففيما عدَاها يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ. ٤٣٢٦ - مسألة: (وما عدا ما ذَكَرْنا مِن الجُرُوحِ وكَسْرِ

стр. 12637

وَالْعُصْعُص، فَفِيه حُكُومَةٌ؛ وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِىُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِىَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ. ــ العِظامِ، مثلَ خَرَزَةِ الصُّلْبِ (١)، والْعُصْعُصِ (٢)، ففيه الحُكومَةُ) ولا نعلمُ فيها مُخالِفًا، وإن خالفَ فيها أحدٌ، فهو قولٌ شاذٌّ لا يَسْتَنِدُ إلى دَليلٍ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُصارُ إليه. وخَرَزَةُ الصُّلْبِ إن [أُرِيدَ بها] (٣) كَسْرُ الصُّلْبِ (٤)، ففيه الدِّيَةُ. وقال القاضى: فيه حُكومةٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وقد ذكَرْناه. ٤٣٢٧ - مسألة: (والحُكُومَةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِىُّ عليه كأنَّه عبدٌ لَا جِنايةَ به، ثم يُقَوَّمَ وهى به قد بَرَأتْ، فَمَا نقَص، فله مثلُه مِنَ الدِّيَةِ، فإن كان قِيمَتُه وهو صَحِيحٌ عِشْرِين، وَقِيمَتُه وبه الجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ، ففيه نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِه) وهذا الذى ذكَره في تَفْسِيرِ الحُكومةِ قولُ أهلِ

стр. 12638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العلمِ، لا نعلمُ بينَهم فيه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى وغيرُهم. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): كلّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ يرَى أنَّ معنى قولِهم: حُكومةٌ. أن يُقالَ إذا أُصِيبَ الإِنسانُ بجُرْحٍ لا عقْلَ له معلومٌ: كم قيمةُ هذا الجُرْحِ لو كان عَبْدًا لم يُجْرَحْ هذا الجُرْحَ؟ فإذا قِيلَ: مائةَ دينارٍ. قيلِ: وكم قِيمَتُه وقد أصابَه هذا الجُرْحُ وانتَهى بُرْؤُه؟ قيل: خمسةٌ وتِسعُونَ. فالذى يجبُ على الجانِى نِص عُشْرِ الدِّيَةِ. وإن قالوا: تِسْعونَ. فعُشْرُ الدِّيَةِ. وإن زادَ أو نقَص، فعلى هذا المِثالِ. وإنَّما كان كذلك، لأَنَّ جُمْلتَه مَضْمونةٌ بالدِّيَةِ، فأجْزاؤُه مَضْمونَةٌ منها، كما أنَّ المبِيعَ لمَّا كان مضْمُونًا على البائعِ بالثَّمَنِ، كان أَرْشُ عَيْبِه مُقَدَّرًا مِن الثَّمنِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لا عيبَ فيه؟ فإن قالُوا: عشَرةٌ. فيقالُ: كم قِيمتُه وفيه العَيْبُ؟ فإذا قيل: تسعةٌ. عُلِمَ أنَّه نقَص عُشْرُ قِيمَتِه، فيجبُ أن (٢) يُرَدَّ مِن الثَّمنِ عُشْرُه، أىَّ [قَدْرٍ كان] (٣)، ونُقَدِّرَه عَبْدًا ليُمْكِنَ تقْويمُه، ويُجْعَلَ العَبْدُ أصْلًا للحُرِّ فيما لا مُوَقَّتَ فيه، والحرُّ أصْلًا للعَبْدِ فيما فيه تَوْقِيتٌ، في المشْهُورِ مِن المذْهبِ.

стр. 12639

إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ في شَىْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا يُبْلَغُ بِهِ أَرْشُ الْمُقَدَّرِ، فَإِذَا كَانَتْ في الشِّجَاجِ الَّتِى دُونَ الْمُوضِحَةِ، لَمْ يُبْلَغْ بِهَا أَرْشُ ــ ٤٣٢٨ - مسألة: (إلَّا أن تَكونَ في شئٍ فيه مُقَدَّرٌ، فلا يُبْلَغُ به أَرْشُ المُقَدَّرِ، فإن كانتْ في الشِّجاجِ الَّتى دونَ المُوضِحَةِ، لم يُبْلَغْ بها أَرْشُ المُوضِحَةِ) فلو جَرَحَهُ في وَجْهِه سِمْحَاقًا، فنَقَصَتْه عُشْرَ قِيمَتِه، فمُقْتَضَى الحُكومَةِ وجُوبُ عَشْر مِن الإِبِلِ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ، فههُنا يُعْلَمُ غلطُ المُقَوِّمِ؛ لأَنَّ الجِراحةَ لو كانت مُوضِحَةً، لم تَزِدْ على خَمْسٍ، مع أنَّها سِمْحاقٌ وزيادةٌ عليها، فلَأن لا يجبَ في بعضِها زيادةٌ على خَمسٍ أوْلَى. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه يجبُ ما تُخْرِجُه الحُكومَةُ، كائنًا ما كانَ؛ لأنَّها جِراحَةٌ لا مُقَدَّرَ فيها، فوجب فيها ما نقَص، كما لو كانت في سائرِ البدَنِ. ولَنا، أنَّها [بعضُ المُوضِحَةِ] (١)، لأنَّه لو أوْضَحَه لقَطَعَ ما قطَعَتْه هذه الجِراحَةُ، ولا يجوزُ أن يجبَ في بعضِ الشئِ أكثرُ ممَّا يجبُ فيه، ولأَنَّ الضَّرَرَ في المُوضِحَةِ أكبرُ (٢)، والشَّيْنَ أعْظَمُ، والمَحَلَّ واحدٌ، فإذا لم يَزِدْ أَرْشُ المُوضِحَةِ على خَمْسٍ، كان ذلك تَنْبِيهًا على أَنْ لا يَزيدَ ما دُونَها عليها. وأمَّا سائرُ البدَنِ، فما كان فيه مُوَقَّتٌ،

стр. 12640

الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانت فِى إِصْبَعٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَةَ الإِصْبَعِ، وَإِنْ كَانَتْ في أُنْمُلَةٍ، لَمْ يَبْلُغْ بِهَا دِيَتَهَا. ــ كالأعْضاءِ، والعِظَامِ المعْلُومَةِ، والجائِفَةِ، فلا يُزادُ جُرْحُ عَظْمٍ على دِيَتِه، مثالُه، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فبلَغ أَرشُها بالحُكومةِ خَمْسًا مِن الإِبِلِ، فإنَّه يُرَدُّ إلى [دِيَةِ الأُنْمُلَةِ] (١). وإن كان في إصْبَعٍ، فبلَغ ما زادَ على العَشْرِ بالحُكومةِ، رُدَّ إلى العَشْرِ. وإن جَنَى عليه في جَوْفِه دُون الجائفَةِ، لم يَزِدْ على أَرْشِ الجائفَةِ، وما لم يَكُنْ كذلك، وجبَ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ؛ لأَنَّ المَحَلَّ مُخْتَلِفٌ. فإن قِيلَ: فقد وجَب في بعضِ البَدَنِ أكثرُ ممَّا وجَب في جَميعِه، وَوجبَ في منافعِ اللِّسانِ أكثرُ مِن الواجبِ فيه. قُلْنا: إنَّما وجبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ دِيَةً عن الرُّوحِ، وليستِ الأطْرافُ بعضَها، بخِلافِ مَسْألَتِنا. هذا ذكَره القاضى. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ أن يَختَصَّ امْتِناعُ الزِّيادة بالرَّأْس والوَجْهِ؛ لقولِه: إلَّا أن تكونَ الجِنايةُ في وَجْهٍ أو رَأْسٍ، فلا يُجَاوَزُ به أَرْشُ المُوَقَّتِ.

стр. 12641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا أَخْرَجَتِ الحُكومةُ في شِجاجِ الرَّأْسِ التى دُونَ المُوضِحَةِ قَدْرَ أَرش المُوضِحَةِ أو زيادةً عليه، فظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يجبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ. وقال القاضى: يجبُ أن يَنْقُصَ عنها شيئًا على حَسَبِ ما يُؤدِّى إليه الاجْتِهادُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في كتابِ «الكَافِى» (١) و «المُقْنِعِ»؛ لئَلَّا يجبَ في بعْضِها ما يجبُ في جَميعِها. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ وُجوبُ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ، وإنَّما سقَطَ الزَّائِدُ على أَرْشِ المُوضِحَةِ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ [أو تَنْبِيهَ النَّصِّ] (٢)، ففيما لم يَزِدْ، يَجِبُ البَقاءُ على الأَصْلِ، ولأَنَّ ما ثبَت بالتَّنْبِيهِ، يجوزُ أن يُساوِىَ المَنْصُوصَ عليه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُ أن يَزِيدَ عليه، أنَّه لمَّا نَصَّ على وُجوبِ [فِدْيَةِ الأذى (٣) في حَقِّ المَعْذُورِ، لم يَلْزَمْ زِيادَتُها في حَقِّ مَن لا عُذْرَ له، ولا يَمْتَنِعُ أن يجبَ في البعْضِ ما يجبُ في الكُلِّ، بدليلِ وُجوبِ] (٤) دِيَةِ الأصابعِ مثلَ دِيَةِ اليَدِ كلِّها،

стр. 12642

وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، ــ وفى حَشَفَةِ الذَّكَرِ مثل ما في جَميعِه. فإن قِيل: هذا وجَب بالتَّقْدِيرِ الشَّرْعِىِّ لا بالتَّقْويمِ. قُلْنا: إذا ثبَت الحُكْمُ بنَصِّ الشَّارِعِ، لم يَمْتَنِعْ ثُبوتُ مثْلِه بالقِياسِ عليه، والاجتهادِ المُؤَدِّى إليه. وفى الجملةِ، فالحُكومةُ دليلُ (١) تَرْكِ العملِ بها في الزَّائدِ لمعنًى مَفْقُودٍ (٢) في المُساوِى، فيجبُ العملُ فيه (٣) بها؛ لعَدَمِ المُعارِضِ ثَمَّ، وإن صَحَّ ما ذكَرُوه، فيَنْبَغِى أن يَنْقُصَ أدْنَى ما تَزولُ به المُساواةُ المَحْذُورةُ (٤).، ويجبُ الباقى، عَمَلًا بالدَّليلِ المُوجِبِ له. فصل: ولا يكونُ التَّقويمُ إلَّا بعدَ بُرْءِ الجُرْحِ؛ لأَنَّ أَرْشَ الجُرْحِ المُقَدَّرَ إنَّما يسْتَقِرُّ بعدَ بُرْئِه. ٤٣٢٩ - مسألة: (فإت كانتِ) الجِراحَةُ (مِمَّا لَا تَنْقُصُ شَيْئًا بعدَ الانْدِمالِ) مثلَ أن قطَع إصْبَعًا زائِدَةً أو يَدًا، أو قلَع (٥) لِحْيَةَ امْرَأةٍ، فلم

стр. 12643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ينْقُصْه ذلك، بل زادَه حُسْنًا، [فلا شئَ على الجانِى؛ لأَنَّ الحُكومَةَ لأجْلِ جَبْرِ النَّقْصِ، ولا نَقْصَ ههُنا، فأَشبَهَ ما لو لطَم وَجْهَه فلم يُؤَثِّرْ، وإن زادتْه الجِنايةُ حُسْنًا] (١)، فالجانِى مُحْسِنٌ (٢) بجِنايتِه، فلم يَضْمَنْ، كما لو قطَع سِلْعَةً، أو ثُؤْلُولًا (٣)، أو بَطَّ خُرَاجًا. ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ. قال القاضى: نَصَّ أحمدُ على هذا، لأَنَّ هذا جُزْءٌ مِن مَضْمُونٍ، فلم يَعْرَ عن ضَمانٍ، كما لو أتْلَفَ مُقَدَّرَ الأَرْشِ فازدادَ به جَمالًا، أو لم يَنْقُصْه شيئًا. فعلى هذا، يُقَوَّمُ في أقْرَبِ الأحْوالِ إلى البُرْءِ، لأنَّه لمَّا سقَط اعْتِبارُ قِيمَتِه بعدَ بُرْئِه، قُوِّمَ في أقْرَبِ الأحْوال إليه، كولدِ المَغْرُورِ لمَّا تَعَذَّرَ تَقْويمُه في البطنِ، قُوِّمَ عندَ الوَضْعِ، لأَنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ التى أمْكَنَ تَقْويمُه إلى

стр. 12644

فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا، فَلا شَىْءَ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ كَوْنِه في البَطْنَ. ٤٣٣٠ - مسألة: (فإن لم يَنْقُصْ في تلك الحالِ) قُوِّمَ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، لأنَّه لا بُدَّ مِن نَقْصٍ للخَوْفِ عليه. ذكَره القاضى. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كما ذكَرْنا. وتُقَوَّمُ لِحْيةُ المرأةِ كأنَّها لحْيَةُ رَجُلٍ في حال يَنْقُصُه ذَهابُ لِحْيَته. وإنْ أتْلَفَ سِنًّا زائدةً، قُوِّمَ وليست له سِنٌّ زائدةٌ، ولا خَلفَها أصْلِيَّةٌ، ثم يُقَوَّمُ وقد ذهبَتِ الزَّائدةُ. فإن كانتِ المرأةُ إذا قدَّرْنَاها ابنَ عشرين نَقَصَها ذَهابُ لِحْيَتها يَسِيرًا، وإن قدَّرْناها ابنَ أرْبعينَ نَقَصها كثيرًا، قدَّرْناها ابنَ عشرين؛ لأنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ إلى حالِ المَجْنِىِّ عليه،

стр. 12645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأشْبَهَ تَقْويمَ الجُرحِ الذى لا يَنْقُصُ بعدَ الانْدِمالِ، [فإنَّنا نُقَوِّمُه] (١) في أقْرَبِ أحْوالِ النَّقْصِ إلى حالِ الانْدِمالِ. والأَوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فإنَّ هذا لا مُقَدَّرَ فيه، ولم يَنْقُصْ شيئًا، فأشْبَهَ الضَّرْبَ، وتَضْمِينُ النَّقْصِ الحاصلِ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، إنَّما هو تَضْمِينُ الخَوْفِ عليه، وقد زالَ، فأَشْبَهَ ما لو لَطَمَه فاصْفَرَّ وَجْهُه [حالةَ اللَّطْمَةِ] (٢) أو احْمَرَّ، ثم زالَ. وتَقْديرُ المرأةِ رَجُلًا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ للرَّجُلِ، وعَيْبٌ في المرأةِ، وتقْديرُ ما يَعيبُ بما يَزِينُ لا يَصِحُّ. وكذلك تَقْديرُ السِّنِّ في حالةٍ يُرادُ زَوالُها بحالةٍ تُكْرَهُ، لا يجوزُ؛ فإنَّ الشئَ يُقَدَّرُ بنَظيرِه، ويُقاسُ على مِثْلِه، لا على ضِدِّه، ومن قال بهذا الوَجْهِ، فإنَّما يُوجِبُ أدْنَى ما يُمْكِنُ إيجابُه (٣)، وهو أقَلُّ نَقْصٍ يُمْكنُ تَقْديرُه. فصل: فإن لطَمَه على وَجْهِه فلم يُؤَثِّرْ في وَجْهِه، فلا ضَمانَ؛ لأنَّه لم يَنْقُصْ به جمالٌ ولا مَنفَعَةٌ، ولم يكنْ له حالٌ يَنْقُصُ فيها، فلما يَضْمَنْه، كما لو شَتَمَه.

стр. 12646

بَابُ الْعَاقِلَةِ وَمَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَةُ الإِنْسَانِ عَصَبَاتُهُ كُلّهُمْ؛ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، إِلَّا عَمُودَىْ نَسَبِهِ، آبَاؤُهُ وَأبنَاؤُهُ. وَعَنْهُ، أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا. ــ بابُ العاقِلَةِ وما تحْمِلُه (عاقِلَةُ الإِنْسانِ عَصَباتُه كلُّهم، قَريبُهم وبعيدُهم مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، إلَّا عَمُودَىْ نَسَبِه، آباؤُه وأبْناؤُه. وعنه، أنَّهم مِن العاقِلَةِ أيضًا) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في العاقلةِ، فرُوِىَ عنه أنَّهم جَمِيعُ العَصَباتِ مِن النَّسَبِ والوَلاءِ، يَدْخُلُ فيهم الآباءُ، والأبْناءُ، والإِخْوةُ، وسائِرُ

стр. 12647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَصَباتِ مِن العُمُومةِ وأبْنائِهم. اخْتارَه أبو بكرٍ، والشَّريفُ أبو جعفرٍ. وهو مذهبُ مالكٍ وأبى حنيفة؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأةِ بينَ عَصَبَتِها مَن كانوا لا يَرِثُون منها شيئًا إلَّا ما فضَلَ عن وَرَثَتِها، [وإن قُتِلَتْ فعَقْلُها بينَ ورَثَتِها] (١). رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّهم عَصَبةٌ، فأشْبَهُوا سائِرَ العَصَباتِ، يُحَقِّقُه أنَّ العَقْل موضوعٌ على التَّناصُرِ، وهم مِن أهْلِه، ولأَنَّ العَصَبةَ في تَحَمُّلِ العَقْلِ كهم في المِيراثِ، في تقْديمِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وآباؤُه وأبناؤُه أحَقُّ العَصَباتِ بمِيراثِه، فكانوا أوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه. وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الآباءَ والأبْناءَ ليسوا مِن العاقلةِ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها، فاختَصَمُوا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها ولَدَها [ومَنْ] (١) معهم. مُتَّفَقٌ عليه (٣).

стр. 12648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى روايةٍ: ثم ماتَتِ القاتِلَةُ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِيراثَها لبَنِيها، والعَقْلَ على العَصَبةِ (١). وفى رِوايةٍ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عاقِلَتِها، وبَرَّأَ زَوْجَها ووَلَدَها. قال: فقالت عاقلةُ المَقْتُولَةِ: مِيراثُها لنا. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مِيراثُهَا لِزَوْجِهَا ووَلَدِهَا». رواه أبو داودَ (٢). إذا ثبَتَ هذا في الأوْلادِ، قِسْنا عليه الوالدَ، لأنَّه في معْناه، ولأَنَّ مالَ ولَدِه ووَالِدِه كمالِه، ولهذا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهِم له، ولا شَهادَتُه لهما (٣)، ووجَبَ على كلِّ واحدٍ منهما الإِنْفاقُ على الآخَرِ إذا كان مُحْتاجًا والآخَرُ مُوسِرًا، فلا يجبُ في مالِه دِيَةٌ، كما لم تَجِبْ في مالِ القاتلِ. وفيه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ الإِخْوَةَ ليسوا مِن العاقلةِ، كالوالدِ والوَلَدِ. وهى ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وغيرُه مِن أصْحابِنا يَجْعَلُونهم مِن العاقلةِ بكلِّ حالٍ، ولا نعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم.

стр. 12649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان الوَلَدُ ابنَ ابنِ عَمٍّ، أو كان الوالِدُ أو الوَلَدُ مَوْلًى أو عَصَبةَ مَوْلًى، فإنَّه يَعْقِلُ في ظاهرِ كلام أحمدَ. قاله القاضى. وقال أصْحابُ الشَّافعىِّ: لا يَعْقِلُ؛ لأنَّه والِدٌ ووَلَدٌ، فلم يَعْقِلْ، كما لو لم يَكُنْ كذلك. ولَنا، أنَّه ابنُ ابنِ عَمٍّ، أو مَوْلًى، فيَعْقِلُ، كما لو لم يكُنْ وَلَدًا؛ وذلك لأَنَّ هذه القَرابَةَ أو الوَلاءَ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ مُنْفَرِدًا، فإذا وُجِدَ مع ما لا يُثْبِتُ الحُكْمَ أثْبَتَه، كما لو وُجِدَ مع الرَّحِمِ المُجَرَّدِ (١)، ولأنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه في (٢) القَرابةِ الأُخْرَى، بدليلِ أنَّه يَلى نِكاحَها، مع أنَّ الابنَ لا (٢) يَلى النِّكاحَ عندَهم. فصل: وسائرُ العَصَباتِ مِن العاقلةِ، بَعُدوا أو قَرُبوا مِن النَّسَبِ، والمَوْلَى وعَصَبَتُه. وبهذا قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والنَّخَعِىّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ. ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّهم عَصَبةٌ يَرِثُونَ المالَ إذا لم يَكُنْ وَارِثٌ أقْرَب منهم، فيَدْخُلونَ في العَقْلِ، كالقَريبِ، ولا يُعْتَبَرُ أن يكونوا وارِثِين في الحالِ، بل متى كانوا يَرِثُونَ لولا الحَجْبُ عَقَلُوا؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ قَضَى بالدِّيَةِ بينَ عَصَبةِ المرأةِ، مَن كانوا لا يَرِثُون منها إلا ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها. ولأَنَّ المَوالِىَ مِن العَصَباتِ، فأشْبَهوا المُناسِبينَ.

стр. 12650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: العاقِلَةُ مَن تَحْمِلُ العَقْلَ. والعَقْلُ: الدِّيَةُ. سُمِّيَتْ عَقْلًا (١)؛ لأنَّها تَعْقِلُ لِسانَ وَلِىِّ المَقْتُولِ. وقيل: إنَّما سُمِّيَتِ العاقلةَ؛ لأنَّهم يَمْنَعُونَ عن القاتلِ، والعَقْلُ المَنْعُ، ولهذا سُمِّىَ بعضُ العُلُومِ عَقْلًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ من الإِقْدامِ مِن المَضارِّ. ولا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في أنَّ العاقِلَةَ العَصَباتُ، وأنَّ غَيْرَهم مِن الإِخْوَةِ مِن الأُمِّ، وسائر ذَوِى الأرْحامِ، والزَّوْجِ، وكلِّ من عدَا العَصباتِ، ليسوا مِن العاقلةِ. ولا يَعْقِلُ المَوْلَى من أسْفَلَ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُ مالكٍ. وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: يَعْقِل؛ لأنَّهما شَخْصان يَعْقِل أحَدُهما صاحِبَه، فيَعْقِلُ الآخَرُ عنه، كالأخَوَين (٢). ولَنا، أنَّه ليس بعَصَبةٍ له، ولا وَارِثٍ، فلها يَعْقِلْ عنه (٣)، كالأجْنَبِىِّ، وما ذكَرُوه يَبْطُل بالذَّكَرِ مع الأُنْثَى، والصَّغيرِ مع الكبيرِ، والعاقلِ مع المَجْنُونِ. فصل: ولا يَعْقِل مَوْلى المُوالاةِ، وهو الذى يُوالى رَجُلًا يَجْعَلُ له

стр. 12651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلاءَه ونُصْرَتَه، ولا الحَليفُ، وهو الرجلُ يُحالِفُ آخَرَ على أن يَتَناصَرا على دَفْعِ الظُّلْمِ، وَيَتَضافَرا على مَن قَصَدَهُما أو قَصَدَ أحَدَهُما، ولا العَدِيدُ، وهو الذى لا عَشِيرةَ له، يَنْضَمُّ إلى العَشيرَةِ، فيَعُدُّ نَفْسَه منهم. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْقِلُ مَوْلَى المُوالاةِ ويَرِثُ. وقال مالكٌ: إذا كان الرجلُ في غيرِ عَشِيرَتِه، فعَقْلُه على القَوْمِ الذين هو معهم. ولَنا، أنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فلا يُسْتَحَقُّ بذلك، كوِلايةِ النِّكاحِ. فصل: ولا مَدْخَلَ لأهْلِ الدِّيوانِ في المُعاقَلَةِ (١). وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يتَحَمَّلُونَ جَمِيعَ الدِّيَةِ، فإن عُدِمُوا، فالأقارِبُ حِينئِذٍ يَعْقِلُونَ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَلَ الدِّيَةَ على أهلِ (٢) الدِّيوانِ في الأَعْطِيَةِ إلى ثلاثِ سِنِينَ (٣). ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ

стр. 12652

وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا صَبِىٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا رَقِيقٍ، وَلَا مُخَالفٍ لِدِينِ الْجَانِى، حَمْلُ شَىْءٍ. وَعَنْهُ، أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ. ــ قَضَى بالدِّيَةِ على عَصَبةِ القاتلةِ. ولأنَّه مَعْنًى لا يُسْتَحَقُّ به المِيراثُ، فلم يُحْمَلْ به العَقْلُ، كالجوارِ واتِّفاقِ المَذاهبِ، وقَضاءُ النبىِّ ﷺ أَوْلَى مِن قَضَاءِ عمرَ، على أَنَّه إن صَحَّ ما ذُكِرَ عنه، فيَحْتَمِلُ أنَّهم كانوا عَشِيرةَ القاتلِ. ٤٣٣١ - مسألة: (وليس على فَقِيرٍ، ولا صَبِىٍّ، ولا زائِلِ العَقْلِ، ولا امْرأةٍ، ولَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولا رَقِيقٍ، ولا مُخالِفٍ لدِين الجانِى، حَمْلُ شَىْ ء) مِن الدِّيَةِ (وعنه، أنَّ الفَقِيرَ يَحْمِلُ مِن العَقْلِ) أكثرُ أَهْلِ العلمِ على أنَّه لا مَدْخَلَ لأحدٍ مِن هؤلاء في تَحَمُّلِ العَقْلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَع كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أَهلِ العلمِ، على أنَّ المرأةَ، والصَّبِىَّ الذى [لم يَبْلُغْ] (٢)، لا يَعْقِلانِ مع العاقلةِ، وأجْمَعُوا على أنَّ الفَقِيرَ لا يَلْزَمُه شئٌ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى.

стр. 12653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحَكَى بعضُ أصْحابِنا عن مالكٍ وأبى حنيفةَ، أنَّ للفقيرِ مَدْخَلًا في التَّحَمُّلِ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وحكاها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه مِن أهلِ النُّصْرَةِ، فكان مِن العاقلةِ كالغَنِىِّ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ تَحَمُّلَ العَقْلِ مُواساةٌ، فلا تَلْزَمُ الفقيرَ كالزَّكاةِ، ولأنَّها وجَبَتْ على العاقلةِ تَخْفِيفًا على القاتلِ، فلا يجوزُ التَّثقِيلُ بها على مَن لا جِنايةَ منه، وفى إيجابِها على الفقيرِ تَثْقِيلٌ عليه، وتَكْلِيفٌ له ما لا يَقْدِرُ عليه، ولأنَّنا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَلَّفُ أحَدٌ مِن العاقلةِ ما يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ به، وتَحْمِيلُ الفَقِيرِ شيئًا منها يَثْقُلُ (١) عليه، ويُجْحِفُ بمالِه، وربَّما كان الواجبُ عليه جَمِيعَ مالِه، أو أكثرَ منه، أو لا يكونُ له شئٌ أصْلًا. وأمَّا الصَّبِىُّ والمجنونُ والمرأةُ، فلا يَحْمِلُونَ منها؛ لأَنَّ فيها مَعْنَى التَّناصُرِ، وليس هم مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ. وكذلك المُخالِف في الدِّينِ، ليس هو مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ أيضًا.

стр. 12654

وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ. ــ ٤٣٣٢ - مسألة: (ويَحْمِلُ الغائِبُ كما يَحْمِلُ الحاضِرُ) وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالكٌ: يخْتَصُّ به الحاضِرُ؛ لأَنَّ التَّحَمُّلِ بالنُّصْرَةِ، وإنَّما هى مِن الحاضِرِينَ، ولأَنَّ في قَسْمِه على الجَميعِ مَشَقَّةً. وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، الخَبَرُ، [وأَنَّهم] (١) اسْتَووا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحَمُّلِ العَقْلِ، كالحاضِرِينَ، ولأنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فاسْتَوَى فيه الحاضِرُ والغائِبُ، كالمِيراثِ والولَايةِ. فصل: ويَعْقِلُ المريضُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمانةِ، والشَّيْخُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الهَرَمِ؛ لأنَّهما مِن أهلِ النُّصْرَةِ والمُواساةِ. وفى الزَّمِنِ والشَّيْخِ الفانِى وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَعْقِلَانِ؛ لأنَّهما ليسا مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ، ولهذا لا يجبُ عليهما الجِهادُ، ولا يُقْتَلانِ إذا كانا مِن أَهْلِ الحَرْبِ. وكذلك يُخَرَّجُ في الأعْمَى، لأنَّه مِثْلُهما في هذا المَعْنَى. والثانى، يَعْقِلُونَ؛ لأنَّهم مِن أهلِ المُواساةِ، ولهذا تجبُ عليهم الزَّكاةُ. وهذا مُنْتَقِضٌ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ. ومذهبُ الشافعىِّ [في هذا] (٢) كمَذْهَبِنَا.

стр. 12655

وَخَطَأُ الإِمَامِ وَالْحَاكِمِ في أَحكَامِهِ في بَيْتِ الْمَالِ. وَعَنْهُ، عَلَى عَاقِلَتِهِ. ــ ٤٣٣٣ - مسألة: (وخَطأُ الإمام والحاكِمِ في أحْكامِه في بَيْتِ المَالِ. وعنه، على عاقِلَتِه) لأَنَّ خَطَأَه يَكثُرُ في أحْكامِه، فإيجابُ ما يجبُ به (١) على عاقِلَتِه يُجْحِفُ بهم. وبه قال الأوزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، لأَنَّ الإِمامَ والحاكم نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى في أحْكامِه وأفْعالِه، فكان أَرْشُ جِنايَتِه في مال اللَّهِ سبحانَه. وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجبُ على عاقِلَتِه؛ لما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ، كان يُدْخَل عليها، فقالت: يا وَيْلَها، مالها ولعمرَ. فأسْقَطَتْ ولدًا، فصاح الصَّبِىُّ صَيْحَتَيْن ثم مات،

стр. 12656

وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ فاسْتَشارَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أصْحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأشارَ بعضُهم أن ليس عليك شئٌ، إنَّما أنت والٍ ومُؤَدِّبٌ. فقال علىٌّ: إن كانوا قالوا (١) برأْيِهم، فقد أخْطَأَ (٢) رأْيُهم، وإن كانوا في هَواكَ، فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه. فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ (٣). ٤٣٣٤ - مسألة: (وهل يَتَعاقَلُ أهْلُ الذِّمَّةِ؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، يَتَعاقَلون، قِياسًا على المسلمِين؛ لأَنَّ قَرابَتَهم تَقْتَضِى التَّوْرِيثَ، فاقْتَضتِ التَّعاقُل (٤)، كالمُسلِمِين، ولأَنَّ دِياتِهم دِياتُ أحْرارٍ معْصُومِينَ، فأشْبَهَتْ دِياتِ المُسْلِمين. والثانيةُ، لا يتَعاقَلُون؛ لأَنَّ حَمْلَ العاقِلَةِ ثَبَتَ على خِلافِ الأَصْلِ لحُرْمَةِ قَرابةِ المُسْلِمِين، فلا يُقاسُ عليهم غيرُهم؛ لأنَّهم لا يُساوُونَهم في الحُرْمَةِ.

стр. 12657

وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّىٌّ عَنْ حَرْبِىٍّ، وَلَا حَرْبِىٌّ عَنْ ذِمِّىٍّ. ــ ٤٣٣٥ - مسألة: (ولا يَعْقِلُ حَرْبِىٌّ عن ذمِّىٍّ، ولَا ذمِّىٌّ عن حَرْبِىٍّ) لأنَّه لا يَرِثُ بعضُهم مِن بعضٍ، فلا يَعْقِلُ بَعضُهم عن بَعضٍ، كغيرِ العَصباتِ. وفى الميراثِ احْتِمالٌ أنَّهما يتَوارثان، فيُخَرَّجُ في التَّعاقُل مثلُ ذلك. ولا يَعْقِلُ يَهُودِىٌّ عن نَصْرانِىٍّ، ولا نَصْرَانِىٌّ عن يَهُوىٍّ؛ لأنَّه لا مُوالَاةَ بينَهم. [وهم أهْلُ مِلَّتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن] (١). ويَحْتَمِلُ أن يَتَعاقَلا، بِناءً على الرِّوايتَيْن في توارُثِهما. فإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أو تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، وقُلْنا: إنَّه يُقَرُّ. عَقَلَ عنه عَصَبَتُه مِن أهلِ الدِّينِ الذى انْتَقَلَ إليه. وهل يَعْقِلُ عنه الذين انْتَقَلَ عن دِينهِم؟ على وَجْهَيْنِ. وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ. لم يَعْقِلْ عنه أحَدٌ؛ لأنَّه كالمُرْتَدِّ، والمُرْتَدُّ لا يَعْقِلُ عنه أحَدٌ؛

стр. 12658

وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا كَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ــ لأنَّه ليس بمُسْلِمٍ فيَعْقِلَ عنه المسلمون، ولا ذِمِّىٍّ فيَعْقِلَ عنه أهلُ الذِّمَّةِ، فتكون جِنايَتُه في مالِه. وكذلك كلُّ مَن لا تَحْمِلُ عاقِلَتُه جِنايَتَه، يكونُ مُوجَبُها في مالِه، كسائرِ الجِناياتِ التى لا (١) تَحْمِلُها العاقِلَةُ. ٤٣٣٦ - مسألة: (ومَن لا عاقِلَةَ له، أو لم تَكُنْ له عاقِلَةٌ تَحْمِلُ الجَمِيعَ، فالدِّيَةُ أو باقِيها عليه إن كان ذِمِّيًّا) لأَنَّ بيتَ المالِ لا يَعْقِلُ عنه (وإن كان مُسْلِمًا) ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يُؤَدَّى عنه مِن بَيْتِ المالِ. وهو مذهَبُ الزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ وَدَى الأنْصارِىَّ الذى قُتِلَ بخَيْبَرَ مِن بيتِ المالِ (٢). ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قُتِلَ في زِحام في زَمَنِ عمرَ، فلم يُعْرَفْ قاتِلُه، فقال علىٌّ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ (٣) دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. فأدَّى دِيَتَه مِن بَيْتِ المالِ (٤). ولأَنَّ المُسْلمين يَرِثُونَ مَن لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه عندَ عَدَمِ عاقِلَتِه، كعَصَباتِه ومَوالِيه. والثانيةُ، لا يجبُ ذلك؛ لأَنَّ بَيْتَ المالِ فيه حَقٌّ للنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِين

стр. 12659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والفُقَراءِ ومَن لا عَقْلَ عليه، فلا يَجُوز (١) صَرْفُه فيما لا يجبُ عليهم، ولأَنَّ العَقْلَ على العَصَباتِ، وليس بيتُ المالِ عَصبةً، ولا هو كعَصَبَةٍ، هذا فأمَّا قَتِيلُ الأنْصارِ، فغيرُ لازِم، لأَنَّ ذلك [قَتِيلُ اليَهُودِ] (٢)، وبَيْتُ المالِ لا يَعْقِلُ عن الكُفَّارِ بحالٍ، وإنَّما النبىُّ ﷺ تَفَضَّلَ بذلك عليهم. وقولُهم: إنَّهم يَرِثُونه. قُلْنا: ليس صَرْفُه إلى بَيْتِ المالِ مِيراثًا، بل هو (٣) فَىْءٌ، ولهذا يُؤْخَذُ مالُ مَن لا وارِثَ له مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى بَيْتِ المالِ، ولا يَرِثُه المسلمون، ثم إنَّ العَقْلَ لا يجبُ على الوارِثِ إذا لم يَكُنْ عَصبَةٌ، ويجبُ على (٤) العَصَبةِ وإن لم يَكُنْ وارِثًا. فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، إذا لم يَكُنْ له عاقلةٌ، أُديتِ الدِّيَةُ كلُّها عنه مِن بيتِ المالِ، وإن كان له عاقلةٌ لا تَحْمِلُ الجَميعَ، أُخِذَ الباقى مِن بَيْتِ المالِ. وهل يُؤدَّى مِن بيتِ المالِ دَفْعَةً واحدةً، أو [في ثلاثِ سِنِينَ؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما] (٥)، في ثلاثِ سِنِينَ، كما

стр. 12660

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاتِلِ. ــ يُؤْخَذُ مِن العاقلةِ. والثانى، يُؤدَّى دَفْعَةً وِاحدة. وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ أدَّى دِيَةَ الأنْصارِىِّ دَفْعَةً واحدةَ، وكذلك عمرُ، ولأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تُؤدِّيه العاقلةُ، فيَجبُ كلُّه في الحالِ، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقلةِ تَخْفِيفًا عنهما، ولا حاجَةَ إلى ذلك في بيتِ المالِ، ولهذا يُؤدِّى الجَمِيعَ. فصل: (فإن لم يُمْكنِ) الأخذُ من بيتِ المال (فليس على القاتل شئٌ) وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ ولأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهم ولا رِضَاهما بها (١)، ولا تَجِبُ على غيرِ مَن وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِل، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحَدٍ،

стр. 12661

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في مَالِ الْقَاتِلِ. وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا في ــ كذا ههُنا. فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهم، وسَقَطَ الباقى، فلا يَجِبُ على أحدٍ. قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في مالِ القاتلِ) إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه. وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١). ولأَنَّ قَضِيَّةَ الدليلِ وُجُوبُها على الجانِى (٢) جَبْرًا للمَحَلِّ الذى فَوَّتَه، وإنَّما سَقَط عن القاتلِ؛ لقِيامِ العاقلةِ مَقامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى

стр. 12662

الْمُرْتَدِّ: يجبُ أَرْشُ خَطَئِهِ في مَالِهِ. وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ ــ الدَّليلِ، ولأَنَّ الأمْرَ دائرٌ بينَ أن يُطَلَّ (١) دَمُ المَقْتُولِ وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ فيه مُخالَفَةَ الكتابِ والسُّنَّة وقِياسِ أُصُولِ الشَّريعةِ، فتَعَيَّنَ الثانى، ولأَنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخَطَأ له نَظائِرُ، وقد قالُوا في المُرْتَدِّ: تَجِبُ الدِّيَة في مالِه لَمَّا لم يَكُنْ له (٢) عاقلةٌ، والذِّمِّىُّ الذى لا عاقِلَةَ له، تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَن رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الوَلاءُ لمَوالِى

стр. 12663

يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ في مَالِهِ. ولَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ في مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأرْشُ الْجِنَايَةِ في مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ. فَكَذا هَذَا. ــ أُمِّه فانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصابَ سهمُه إنْسانًا، فنقولُ: قَتِيلٌ (١) في دارِ (٢) الإِسْلامِ مَعْصَومٌ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، [فوجب على قاتِلِه، كهذه الصُّوَرِ] (٣). وهذا أوْلَى مِن إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سبِيلَ إلى الأخْذِ مِن بيتِ المالِ، فتَضيعُ الدِّماءُ، وتَفُوتُ حِكْمَةُ إيجابِ الدِّيَةِ. قولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على العاقلةِ (٤) ابْتِداءً. مَمْنُوعٌ، وإنَّما تجبُ على القاتِلِ، ثم تَتَحَمَّلُها العاقلةُ عنه (٥)، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها عليهم ابْتِداءً، لكنْ مع

стр. 12664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُودِهم، أمَّا مع عَدَمِهم، فلا يُمْكِنُ القَوْلُ بوُجُوبِها عليهم. ثم ما ذكَرُوه مَنْقُوضٌ بما أبدَيْنَاه (١) مِن الصُّوَرِ. فعلى هذا، تَجِبُ الدِّيَةُ على القاتلِ إن تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِها، أو باقِيها إن حَمَلَتِ العاقلةُ بعضَها. واللَّهُ أعلمُ. فصل: ولو رَمَى ذِمِّىٌّ (٢) صَيْدًا، ثم أسْلَمَ، ثم أصابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا (٣) فقَتَلَه، لمِ يَعْقِلْه المسلمون؛ لأنَّه لم يَكُنْ مُسْلِمًا حالَ رَمْيِه، ولا المُعاهِدُون، لأنَّه قَتَلَ مُسْلِمًا، فتكونُ الدِّيَةُ في مالِ الجانِى. وهكذا لو رَمَى وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم قَتَلَ السَّهْمُ إنْسانًا، لم يَعْقِلْه أحدٌ. ولو جَرَحَ ذِمىٌّ ذِمِّيًّا، ثم أسْلَم الجارِحُ، ومات المجروحُ، وكان أَرْشُ جِراحِه يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فعَقْلُه على عَصَبَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وما زادَ على أَرْشِ الجُرْحِ لا يَحْمِلُه أحدٌ، ويكونُ في مالِ الجانِى؛ لِمَا ذكَرْنا. فإن لم يَكُنْ أَرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فجميعُ الدِّيَةِ على الجانِى. وكذلك الحُكمُ إذا جَرَح مُسْلِمٌ ثم ارْتَدَّ. ويَحْتَمِلُ أن تَحْمِلَ العاقلةُ الدِّيَةَ كلَّها في المَسْألتَيْن؛ لأَنَّ الجِنايةَ وُجِدَتْ وهو ممَّن تَحْمِلُ العاقلةُ جِنايَتَه، ولهذا وجَب القِصاصُ في المَسْألَةِ الأُولَى إذا قَتَلَه عَمْدًا. ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْمِلَ

стр. 12665

فَصْلٌ: وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ في مَالِ الْجَانِى ــ العاقلةُ شيئًا؛ لأَنَّ الأَرْشَ إنَّما يسْتَقِرُّ بانْدِمالِ الجُرْحِ وسِرايَتِه. فصل: إذا تزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً، فأوْلَدَها أوْلادًا، فوَلاؤُهم لمَوْلَى أُمِّهِم (١)، فإن جَنَى أحَدُهم، فالعَقلُ على مَوْلَى أُمِّه، لأنَّه عَصَبَتُه ووارِثُه، فإن عَتَق أبُوه، ثم سَرَتِ الجِنايةُ، أو رَمَى بسَهْمٍ فلم يَقَحِ السَّهْمُ حتى عَتَق أبُوه، لم يَحْمِلْ عَقْلَه أحَدٌ، لأَنَّ مَوالِى الأُمِّ قد زالَ وَلاؤُهم عنه قبلَ قَتْلِه، ومَوالِىَ الأدب لم يَكُنْ لهم عليه وَلاءٌ حالَ جِنايَتِه، فتكونُ الدِّيَةُ عليه في مالِه، إلَّا أن يكونَ أَرْش الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ مُنْفَرِدًا، فيُخَرَّجُ فيه مِثْلُ ما قُلْناه في المسألةِ التى قبلَها. ٤٣٣٧ - مسألة: (ولَا تَحْمِلُ العاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ، ويَكُونُ ذلك في مالِ

стр. 12666

حَالًّا، إِلَّا غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ، لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ. ــ الجانِى حالًّا، إلَّا غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّهِ، فَإنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّهِ، وإن ماتا مُنْفَرِدَيْن، لم تَحْمِلْهَا العاقِلَةُ، لنَقْصِها عن الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك، أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، سواءٌ كان ممَّا يَجِبُ القِصاصُ فيه أو لا يجبُ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَحْمِلُ دِيَةَ ما يَجِبُ فيه القِصاصُ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّها لا تَحْمِلُ العَمْدَ بحالٍ. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّها تَحْمِلُ الجِناياتِ التى لا قِصاصَ فيها، كالمأْمُومَةِ والجَائِفةِ. وهذا قولُ قَتادةَ؛ لأنَّها جِنايةٌ لا قِصاصَ فيها، فأشْبَهَتْ جِنايةَ الخَطَأ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولَا صُلْحًا، ولَا اعْتِرافًا» (١). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقُوفًا، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّها جِنايةُ عَمْدٍ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ، كالمُوجِبَةِ للقِصاصِ، وجِنايةِ الأبِ على ابْنِه، ولأَنَّ حَمْلَ العاقلةِ إنَّما يثْبُتُ في الخَطأ، لكَوْنِ الجانِى مَعْذُورًا،

стр. 12667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَخْفِيفًا عنه، ومُواساةً له، والعامِدُ غيرُ مَعْذُورٍ، فلا يَسْتَحِقُّ المُواساةَ ولا التَّخْفِيفَ، فلم يُوجَدْ فيه المُقْتَضى. وبهذا فارَقَ العَمْدُ الخَطَأ، ثم يَبْطُلُ ما ذكَرُوه بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحْمِلُه العاقلةُ. فصل: فإنِ اقْتَصَّ بحَدِيدةٍ مَسْمُومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ليس بعَمْدٍ مَحْضٍ، أشْبَهَ عَمْدَ الخَطَأ. والثانى، لا تَحْمِلُه؛ لأنَّه [قَتَلَ بآلةٍ] (١) يَقْتُلُ مِثْلُها غالِبًا، فأشْبَهَ مَن له القِصاصُ. ولو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم عَفَا عنه، فقَتَلَه الوَكِيلُ مِن غيرِ عِلْم بعَفْوِه، فقال القاضى: لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه عَمَد قَتْلَه. وقال أبو الخَطَّابِ: تَحْمِلُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ الجِنايةَ، وِمثلُ هذا يُعَدُّ خَطَأً، بدليلِ ما لو قَتَل في دارِ الحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّه حَرْبِيًّا، فإنه عَمَد قَتْلَه، وهو أحَدُ نَوْعَىِ الخَطَأ. وهذا أصَحُّ. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان كهذين. فصل: ولا تَحْمِلُ العاقلة العَبْدَ. يَعْنِى إذا قَتَلٍ العَبْدَ قاتِلٌ، وجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتلِ، ولا شئ على عاقِلَتِه، خَطَأ كان أو عَمْدًا. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، والنَّخَعِىِّ، والبَتِّىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وابنِ أبِى لَيْلَى، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفةَ: تَحْمِلُه العاقلةُ؛

стр. 12668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه آدمِىٌّ يَجِبُ بقَتْلِه القِصَاصُ والكفَّارةُ، فحمَلَتِ العاقلةُ بَدَلَه، كالحُرِّ. وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهبَيْن. ووافَقَنا أبو حنيفةَ في دِيَةِ أطْرافِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، ولأَنَّ الواجِبَ فيه قِيمَة تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ صِفاتِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كسائرِ القيَمِ، ولأنَّه حَيوان لا تَحْمِل العاقلةُ قيمةَ (١) أطرَافِه، فلم تَحْمِلِ الواجِبَ في نفْسِه، كالفَرَسِ. فصل: ولا تَحْمِلُ الصُّلْحَ. ومَعْناه أن يَدَّعِىَ عليه القَتْلَ، فيُنْكِرَه ويُصالِحَ (٢) المُدَّعِىَ على مالٍ، فلا تَحْمِلُه العاقِلَةُ؛ لأنَّه مالٌ ثَبَتَ بمُصالَحَتِه واخْتِيارِه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كالذى ثَبَتَ باعْتِرافِه. وقال القاضى: معناه أَنْ يُصالِحَ الأوْلِياءَ عن دَمِ العَمْدِ إلى الدِّيَةِ. والتَّفْسِيرُ الأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ هذا عَمْدٌ يُسْتَغْنَى عنه بذِكْرِ العَمْدِ. وممَّن قال: لا تَحْمِلُ العاقلةُ الصُّلْحَ ابنُ عَبّاسٍ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافعىُّ. وقد ذكَرْنا حديثَ ابنِ عباسٍ فيه، ولأنَّه لو حَمَلَتْه العاقلةُ، أدَّى إلى أن يُصالِحَ بمالِ غيرِه، ويُوجِبَ عليه حَقًّا بقَوْلِه. فصل: ولا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ. وهو أن يُقِرَّ الإِنْسانُ على نفْسِه بقَتْلٍ خَطَأ، أو شِبْهِ عَمْدٍ، فتَجِبُ الدِّيَةُ عليه، فلا تَحْمِلُه العاقلةُ.

стр. 12669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وبه قال ابنُ عباسٍ، والشَّعْبِىُّ، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، وقد ذكرْنا حديثَ ابنِ عباسٍ فيه، ولأنَّه لو وَجَبَ عليهم، لوَجَبَ بإقْرارِ (١) غيرِهم، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ شخْصٍ على غيرِه، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في أن يُواطِئَ مَنْ يُقِرُّ له بذلك ليأخُذَ الدِّيَةَ مِن عاقِلَتِه، فيُقاسِمَه إيَّاها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُه ما اعْتَرَفَ به، وتَجِبُ الدِّيَةُ عليه حالَّةً في مالِه، في قولِ الأكْثَرِين. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمَ: لا يَلْزَمُه شئٌ، ولا يَصِحُّ إقْرارُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على غيرِه لا (٢) على نَفْسِه، ولأنَّه لم يَثْبُتْ مُوجَبُ إقْرارِه، فكان باطِلًا، كما لو أقَرَّ على غيرِه بالقَتْلِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ

стр. 12670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِلَى أَهْلِهِ﴾. ولأنَّه مُقِرٌّ على نفْسِه بالجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فصَحَّ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بإتْلافِ مالٍ، أو بما لا (١) تَحْمِلُ دِيَتَه العاقلةُ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمَونٌ، فيُضْمَنُ إذا اعْتَرَفَ به، كسائرِ المَحالِّ، وإنَّما سقَطَتْ عنه الدِّيَةُ في مَحَلِّ الوِفَاقِ، لتَحَمُّلِ العاقِلَةِ لها، فإذا لم تَحْمِلْها، وجَبَتْ عليه، كجِنايةِ المُرْتَدِّ. فصل: ولا تَحْمِلُ العاقلةُ ما دُونَ الثُّلُثِ. وبهذا قالَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وعبدُ العزيزِ بنُ أبى سَلَمَةَ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا تَحْمِلُ الثُّلُثَ أيضًا. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. تَحْمِلُ السِّنَّ (٢) والمُوضِحَةَ وما فَوْقَهما؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ جَعَلَ الغُرَّةَ التى في الجَنِينِ على العاقِلَةِ (٣)، وقِيمَتُها نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، ولا تَحْمِلُ ما دُونَ ذلك؛ لأنَّه ليس فيه أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. والصَّحِيحُ عن الشَّافعىِّ أنَّها تَحْمِلُ القَلِيلَ والكثيرَ؛ لأَنَّ مَن حَمَلَ الكثيرَ حَمَلَ القليلَ، كالجانِى في العَمْدِ. ولَنا،

стр. 12671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى في الدِّيَةِ أن لا يُحْمَلَ منها شئٌ حتى تَبْلُغَ عَقْلَ المأْمُومَةِ. ولأَنَّ مُقْتَضَى الأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ على الجانِى؛ لأنَّه مُو جَبُ جِنايَتِه، وبَدَلُ مُتْلَفِه، فكانَ عليه، كسائرِ الجِناياتِ والمُتْلَفاتِ، وإنَّما خُولِفَ في الثُّلُثِ تَخْفِيفًا عن الجانِى، لكَوْنِه كثيرًا يُجْحِفُ به، قال النبىُّ ﷺ : «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» (١). ففِيما دُونَه يَبْقَى على قَضِيَّةِ الأَصْلِ ومُقْتَضَى الدَّليلِ، وهذا حُجَّةٌ على الزُّهْرِىِّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ الثُّلُثَ كثيرًا، فأمَّا دِيَةُ الجَنِينِ، فلا تَحْمِلُها العاقلةُ إلَّا إذا ماتَ مع اُّمِّه مِن الضَّرْبةِ؛ لكَوْنِ دِيَتِهما جميعًا مُوجَبَ جِنايةٍ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها على العاقِلَةِ، فلأنَّها دِيةُ آدَمِى كاملةٌ.

стр. 12672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذا بَلَغَ الثُّلُثَ. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا. وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ أنَّه قال في القديمِ: لا تَحْمِلُ ما دُونَ الدِّيَةِ، لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى ضَمانِ الأمْوالِ، بدليلِ أنَّه لا يَجِبُ فيه كَفَّارَةٌ. ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ الواجِبَ دِيَةُ جِنايةٍ على حُرٍّ تَزِيدُ على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْها العاقِلَةُ، كدِيَةِ النَّفْسِ، ولأنَّه كثيرٌ يَجِبُ ضَمانًا لحُرِّ، أشْبَهَ ما ذكَرْنا. وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا جَنَى على الأطْرافِ بما يُوجِبُ الدِّيَةَ، أو زِيادةً عليها. فصل: وتَحْمِلُ العاقلةُ دِيَةَ المرأةِ بغيرِ خِلافٍ بينَهم فيها. وتَحْمِلُ مِن جِراحِها ما يَبْلُغُ أرْشُه ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ، كدِيَةِ أنْفِها، فأمَّا ما دُونَ ذلك، كدِيَةِ يَدِها، فلا تَحْمِلُه العاقلةُ. وكذلك الحُكْمُ في دِيَةِ الكِتابِىِّ. ولا تَحْمِلُ دِيَةَ المَجُوسِىِّ؛ لأنَّها دُونَ الثُّلُثِ.

стр. 12673

وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأَ عَلَى الْحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَتَكُونُ فِى مَالِ الْقَاتِلِ فِى ثَلَاثِ سِنِينَ. ــ ٤٣٣٨ - مسألة: وتَحْمِلُ غُرَّةَ الجَنِينِ إذا مات مع أُمِّه، فإنَّ العاملةَ تَحْمِلُها مع دِيَةِ أُمِّه. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ دِيَتَهما (١) وجَبَت في حالٍ واحدةٍ بجِنايةٍ واحدةٍ مع زِيادَتِهما على الثُّلُثِ، فحَمَلَتْهُما العاقلةُ، كالدِّيَةِ الواحدةِ. ولا تَحْمِلُها إن مات مُنْفَرِدًا، أو مات قبلَ مَوْتِ أُمِّه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه دُونَ الثُّلُثِ. ٤٣٣٩ - مسألة: (وتَحْمِلُ جِنايَةَ الخَطَأ عن الحُرِّ إذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ) وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ، لا تَحْمِلُ ما (٢) دُونَ الدِّيَةِ. وقد ذكَرْناه، وذكَرْنا دَلِيلَه. ٤٣٤٠ - مسألة: (قَال أَبُو بَكْرٍ: ولا تَحْمِلُ) العاقِلَةُ (شِبْهَ

стр. 12674

وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ. ــ العَمْدِ، وتَكُونُ في مالِ القاتِلِ في ثَلاثِ سِنِينَ) وهى رِوايةٌ عن أحمدَ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والحارِثُ العُكْلىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ. وهى على القاتلِ في مالِه؛ لأنَّها مُوجَبُ فِعْل قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقلةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مَغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيَةَ العَمْدِ. وهكذا يجبُ أن يكونَ مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ. والثانيةُ، تَحْمِلُها العاقلةُ. ذكَرَفا الخِرَقِىُّ. وهى ظاهرُ المذْهَبِ. وبه قال الشَّعْبِى، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِمَا روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْل، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى

стр. 12675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ القِصاصَ، فوَجَبَت دِيَتُه على العاقلةِ، كالخَطَأ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ؛ فإنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، [وإرادَتِه] (٢) القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأ يُغَلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو الأسنانُ، وهو قَصدُه (٣) الفِعْلَ، ويَخِفُّ مِن وَجْهٍ، وهو كوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ، وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقلةِ لها وتَأْجِيلُها. ولا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً. رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، [وعُبَيْدُ اللَّهِ] (٤) بنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقد حُكِىَ عن قَوْمٍ مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا. والدِّيَةُ تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها
следующие страницы →