← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَعَنْهُ، لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. ــ ٤٤٢٢ - مسألة: (وإن كانُوا فُسَّاقًا، أو عُمْيَانًا، أو بعضُهم، فعليهم الحَدُّ. وعَنه، لا حَدَّ عليهم) إذا كانُوا أربعةً غيرَ مَرْضِيِّينَ، كالعَبِيدِ والفُسَّاقِ والعُمْيانِ، ففيهم ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، عليهم الحَدُّ. وهو قولُ مالكٍ. قال القاضى: هذا الصَّحِيحُ؛ لأنَّها شهادة لم تَكْمُلْ، فوَجَبَ الحَدُّ على الشُّهودِ، كما لو لم يَكْمُلِ العَدَدُ. والثانيةُ، لا حَدَّ عليهم. وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأَنَّ هؤلاءِ قد جاءوا بأربعةِ شُهَدَاءَ، فَدَخَلُوا في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّ عَدَدَهم قد كَمَل، ورَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى غيرِ تَفْرِيطِهم، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أرْبَعَةٌ مَسْتُورون (١)، ولم تَثْبُتْ عَدالَتُهم ولا فِسْقُهم. الثَّالثةُ، إن كانوا عُمْيَانًا أو بعضُهم، جُلِدُوا، وإن كانوا عَبِيدًا أو فُسَّاقًا، فلا حَدَّ عليهم. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأَنَّ العُمْيانَ مَعْلُوم كَذِبُهم؛ لكَوْنِهم شَهِدُوا بما لم يَرَوْه يَقِينًا، والآخَرُونَ يَجوزُ صِدْقُهم، وقد كَمَل عدَدُهم (٢)،

стр. 12917

وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا، حُدَّ الثَّلاثَةُ، وَلَاعَنَ الزَّوجُ إِنْ شَاءَ. ــ فأشْبَهُوا مَسْتُورِى الحالِ. وقال أصحابُ. الشافعىِّ: إن كان رَدُّ الشَّهادَةِ لمَعْنًى ظاهرٍ، كالعَمَى، والرِّقِّ، والفِسْقِ الظاهِرِ، ففِيهم قَوْلان، وإن كان لمَعْنًى خفِىٍّ، فلا حَدَّ عليهم؛ لأَنَّ ما يَخْفَى يَخْفَى على الشُّهودِ، فلا يكونُ ذلك تَفْرِيطًا منهم، بخِلافِ ما يَظْهَرُ. فإن شَهِدَ ثلاثةُ رجالٍ وامْرأتان، حُدَّ الجميعُ؛ لأَنَّ شهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وهذا يُقَوِّى رِوايةَ إيجابِ الحَدِّ على الأوَّلِينَ، ويُنَبِّهُ على إيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانوا عُمْيانًا أو بعضُهم؛ لأن المرأتَيْنِ يَحْتَمِلُ صِدْقُهما، وهما مِن أهلِ الشهادَةِ في الجُمْلَةِ، والأعْمَى كاذِبٌ يَقِينًا، وليس مِن أهلِ الشَّهادةِ على الأفْعالِ، فوُجوبُ (١) الحَدِّ عليهم وعلى مَن معهم أوْلَى. ٤٤٢٣ - مسألة: (وإن كان أحَدُهم زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةُ، ولَاعَنَ الزَّوْجُ إن شاء) لأَنَّ الزَّوْجَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه على امرأتِه؛ لأنَّه بشهادَتِه مُقِرٌّ

стр. 12918

وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أنَّهُ زَنَى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثنَانِ أنَّه زَنى بِهَا في بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ عَلَيْهِمُ ــ بعُدوَانِه لها، فلا تُقْبَلُ شهادتُه عليها (١)، فيَبْقَى الشُّهودُ ثلاثةً، فيُحَدُّون، كما حُدَّ (٢) شهُودُ المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولأَنَّ اللَّهَ سبحانَه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. ٤٤٢٤ - مسألة: (وإن شَهِدَ اثْنَانِ أنَّه زَنَى بها في بَيْتٍ أو بَلَدٍ، واثْنَان أنَّه زَنَى بها فِى بَيْتٍ أو بَلَدٍ آخَرَ، فهم قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وعنه ،

стр. 12919

الْحَدُّ. وَعَنْهُ، يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. وَهُوَ بَعِيدٌ. ــ يُحَدُّ المَشْهُودُ عليه. وهو بَعِيدٌ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بها في هذا البيتِ، واثنان أنَّه زَنَى بها في بيتٍ آخَرَ، أو شَهِد كلُّ اثْنَيْن عليه بالزِّنَى في بلدٍ غيرِ البلدِ الذى شَهِدَ به (١) صاحِبَاهُما، أو اخْتَلَفُوا في اليومِ، فالجميعُ قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. واخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه لا حَدَّ عليهم. وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةً. ولَنا، أنَّه لم يَكْمُلْ أربعةٌ على زِنًى واحدٍ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ، كما لو انْفَرَدَ بالشَّهادةِ اثْنان. وأمَّا المَشْهُودُ عليه، فلا حَدَّ عليه في قولِهم جميعًا. وقال أبو بكر: عليه الحَدُّ. وحَكاه قوْلًا لأحمدَ. وهو بَعِيدٌ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ زِنَى واحدٍ بشَهادَةِ أرْبَعةٍ، فلم يجبِ الحَدُّ، ولأَنَّ جميعَ ما يُعْتَبَرُ له البَيِّنَةُ يُعْتَبَرُ كَمالُهَا في حَقِّ واحدٍ، فالمُوجِبُ

стр. 12920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للحَدِّ أوْلَى؛ لأنَّه (١) ممَّا يُحْتَاطُ له، ويُدْرأُ بالشُّبُهاتِ. وقد قال أبو بكرٍ: إنَّه لو شَهِدَ اثنان أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيْضاءَ، وشهدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى [بامرأةٍ سوداءَ] (٢)، فهم قَذَفَةٌ. ذَكَرَه القاضى، وهذا يَنْقُضُ قولَه.

стр. 12921

وَإِنْ شَهِدَا أَنَّه زَنَى بِهَا في زَاوِيةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ الآخَرَانِ أنَّه زَنَى بهَا في زَاوِيَتِهِ الأُخْرَى، ــ ٤٤٢٥ - مسألة: (وإن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بِها في زاوِيَةِ بَيْتٍ، وشَهِد اثْنانِ أنَّه زَنَى بها في زَاوِيةٍ أُخْرَى) كَمَلَتْ شَهَادَتُهُم، إن كانَتِ الزَّاوِيَتَان مُتَقَارِبَتَيْن، وحُدَّ المَشْهُودُ عليه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ عليه، لأَنَّ شَهادَتَهم لم تَكْمُلْ، ولأنَّهم اخْتَلَفُوا في المَكانِ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفُوا (١) في البَيْتَيْن. فأمَّا إن كانتِ الزَّاوِيتان مُتَباعِدَتيْن، فالقولُ فيهما كالقولِ في البَيْتَيْن. وعلى قولِ أبى بَكرٍ تَكْمُلُ الشَّهادَةُ، سَواءٌ تَقارَبَتِ الزَّاوِيَتان أو تَباعَدَتا. ولَنا، أنَّهما إذا تَقارَبَتا، أمْكَنَ صِدْقُ الشُّهودِ، بأن يكونَ ابْتِداءُ الفِعْلِ في إحْداهما، وتَمامُه في الأُخْرَى، أو يَنْسِبَه كلُّ اثْنَيْن إلى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْن لقُرْبِه منها، فيجبُ قَبولُ شَهادَتِهم، كما لو اتَّفَقُوا، بخِلافِ ما إذا كانَتَا مُتَباعِدَتَيْن، فإنَّه لا يُمْكِنُ كَوْنُ المَشْهودِ به فِعْلًا واحدًا. فإن قِيلَ: فقد يُمْكِنُ أن يكونَ المَشْهُودُ

стр. 12922

أَوْ شَهِدَا أنَّه زَنَى بهَا في قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ الآخرَانِ أنَّه زَنَى بِهَا في قَمِيصٍ أَحْمَرَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَكْمُلَ، كَالَّتى قَبْلَهَا. ــ به فِعْلَيْنِ، فلِمَ (١) أوْجَبْتُم الحَدَّ مع الاحْتِمالِ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ؟ قُلْنا: ليس هذا شُبْهَةً، بدليلِ ما لو اتَّفَقُوا على مَوْضِعٍ واحدٍ، فإنَّ هذا يَحْتَمِلُ فيه والحَدُّ واجِبٌ. والقولُ في الزَّمانِ كالقولِ في هذا، متى كان بينَهما زَمَنٌ مُتَباعِدٌ لا يُمْكِنُ وُجُودُ الفِعْلِ الواحدِ في جميعِه، كطَرَفىِ النَّهارِ، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهم، ومتى تَقارَبَا كَمَلَتْ شَهادَتُهم. ٤٤٢٦ - مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بِها في قَمِيصٍ أبْيَضَ، وشَهِد آخَرَان أنَّه زَنَى بِها في قَمِيص أَحْمَرَ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهم. ويَحْتَمِلُ أن لا تَكْمُلَ) كما لو شَهِد كلُّ اثْنَين (٢) أنَّه زَنَى بِها في بَيْتٍ غيرِ الذى شَهِد

стр. 12923

وَإِنْ شَهِدَا أنَّه زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ الآخَرَانِ أنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ. ــ به صَاحِباهُما، وكذلك إن شَهِد اثْنان أنَّه زَنَى بها في قميصٍ كَتَّانٍ، وشَهِدَ اثنان أنَّه زَنَى بها في قَميصٍ خزٍّ، تَكْمُلُ الشَّهادَةُ. وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لتَنافِى الشَّهادَتَيْن. ولَنا، أنَّه لا تَنافِىَ بينَهما، فإنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصان، فذَكَر كلُّ اثْنَيْن واحدًا، وتَرَكَا ذِكْرَ الآخَرِ، ويُمْكِنُ أن يكونَ عليه قميصٌ أبيضُ، وعليها قميصٌ أحمرُ، وإذا أمْكَنَ التَّصْدِيقُ، لم يَجُزِ التَّكْذِيبُ. ٤٤٢٧ - مسألة: (وإن شَهِدا أنَّه زَنَى بها مُطاوِعَةً، وشَهِد آخران أنَّه زَنَى بِها مُكْرَهَةً) فلا حَدَّ عليها إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ لم تَكْمُلْ على

стр. 12924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِعْل مُوجِبٍ للحَدِّ. وفى الرجُلِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ أبى بكرٍ، والقاضى، وأكثَرِ الأصحابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ البَيِّنَةَ لا تَكْمُلُ على فِعْلٍ واحدٍ، فإنَّ فِعْلَ المُطَاوِعَةِ غيرُ فِعلِ المُكْرَهَةِ، ولم يَتِمَّ العَدَدُ على كلِّ واحدٍ مِن الفِعْلَيْن، ولأَنَّ كلَّ شاهِدَيْن منهما [يُكَذِّبان الآخَرَيْن] (١)، وذلك يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، أو يكونُ شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، ولا يَخْرُجُ عن أن يكون كلُّ واحدٍ منهما مُكَذِّبًا للآخَرِ، إلَّا بتَقْدِيرِ فِعْلَيْن تكونُ مُطاوِعَةً في أحَدِهما، ومُكْرَهَةً في الآخَرِ، وهذا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهادَةِ كامِلةً على فِعْلٍ واحدٍ، ولأَنَّ شَاهِدَىِ المطَاوِعَةِ قاذِفَانِ لها، ولم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ عليها، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهم على غيرِها. والوَجْهُ الثانى، يَجِبُ الحَدُّ على الرجُلِ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ، ووَجْهٌ ثانٍ للشافعىِّ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ كَمَلَتْ على وُجودِ الزِّنَى منه، واخْتلافُهما إنَّما هو في فِعْلِها، لا في فِعْلِه، فلا يَمْنَعُ كَمالَ الشَّهادَةِ عليه (٢).

стр. 12925

وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ أَوْ شَاهِدَا الْمُطَاوِعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٤٤٢٨ - مسألة: (وهل يُحَدُّ الجَمِيعُ أو شَاهِدا المُطاوِعَةِ؟ على وَجْهَيْن) في الشُّهودِ ثلاثةُ أوْجهٍ؛ أحدُها، لا حَدَّ عليهم. وهو قولُ مَن أوْجَبَ الحَدَّ على الرجُلِ بشَهادتِهم. والثانى، عليهم الحَدُّ؛ لأنَّهم شَهِدُوا بالزِّنَى فلم تَكْمُلْ شَهادَتُهم، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو لم يَكْمُلْ عَدَدُهم. والثالثُ، يجب الحَدُّ على شَاهِدَى المُطَاوِعَةِ؛ لأنَّهما قَذَفَا المرأةَ بالزِّنَى، فلم تَكْمُلْ [شَهادتُهما عليها] (١)، ولا يجبُ على شاهِدَى الإكراهِ؛ لأنَّهما لم يَقْذِفَا المرأةَ، وقد كَمَلَتْ شَهادتُهم على الرجلِ، وإنَّما انْتَفَى عنه الحَدُّ

стр. 12926

وَعِنْدَ أَبى الْخَطَّاب، يُحَدُّ الزَّانى المَشْهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ والشُّهُودُ. ــ للشُّبْهَةِ (وعندَ أبى الخَطَّابِ، يُحَدُّ الزَّانِى المَشْهودُ عليه دُونَ المرأةِ والشُّهودِ) وقد ذَكَرْناه.

стр. 12927

وَإِنْ شَهِدَ أَربَعَةٌ فَرَجَعَ أَحدُهُم قَبْلَ الْحَدِّ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحَدِّ فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ مَا أَتْلَفُوهُ. ــ ٤٤٢٩ - مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ فرَجَعَ أحَدُهُم، فلا شئَ على الرَّاجِعِ، ويُحَدُّ الثلاثةُ، وإن كان رُجُوعُه بعد الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ ما أتْلَفُوه) وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، أوِ واحدٌ نهم، ففيهم رِوايَتان؛ إحدَاهما، يجبُ الحَدُّ على الجميعِ؛ [لأنَّه نقَص عَدَدُ الشُّهودِ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو كانُوا ثلاثةً، وإن رَجَعُوا كلُّهم، فعليهم الحَدُّ] (١)؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ أنَّهم قَذَفَةٌ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثانيةُ، يُحَدُّ الثلاثةُ دُونَ الرَّاجِعِ. اخْتارَها أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ؛ لأنَّه إذا رَجَع قبلَ الحَدِّ، فهو كالتَّائِبِ قبلَ تَنْفِيذِ الحُكْمِ بقولِه، فيَسْقُطُ عنه الحَدُّ؛ لأَنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمْكِينًا له مِن الرُّجوعِ الذى يَحْصُلُ به مصلحةُ [المَشْهُودِ عليه] (٢)، وفى إيجابِ الحَدِّ عليه زَجْرٌ له عن الرُّجُوعِ، خَوْفًا مِن الحَدِّ، فتَفُوتُ تلك المصلحةُ، وتَتَحَقَّقُ المَفْسَدَةُ،

стр. 12928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فناسَبَ ذلك نَفْىَ الحَدِّ عنه. وقال الشافعىُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثلاثةِ؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه بالكَذِبِ في قَذْفِه، وأمَّا الثلاثةُ فقد وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم، وإنَّما سَقَط بعدَ وُجوبِه برُجوعِ الرَّابعِ، ومَن وجَب الحَدُّ بشَهادَتِه، لم يَكُنْ قاذِفًا، فلم يُحَدَّ، كما لو لم يَرْجِعْ أحدٌ. ولَنا، أنَّه نَقَص العَدَدُ بالرُّجوعِ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو شَهِد ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرّابعُ مِن الشَّهادَةِ. وقولُهم: وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم. يَبْطلُ بما إذا رَجَعُوا كلُّهم، وبالرَّاجعِ وحدَه، فإنَّ الحَدَّ وَجَب ثم سَقَط، ووَجَب الحَدُّ بسُقُوطِه، ولأَنَّ الحَدَّ إذا وَجَب على الرَّاجِعِ مع المصلحةِ في رُجُوعِه، بإسْقاطِ الحَدِّ عن المَشْهودِ عليه بعدَ وُجوبِه، وإحيائِه المشهودَ عليه بعدَ إشْرافِه على التَّلَف، فعلى غيرِه أوْلَى. فأمَّا إن كان رُجوعُه بعدَ الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ؛ لأَنَّ إقامَةَ الحَدِّ كحُكْمِ الحاكِمِ، لا تَسْقُطُ برُجوعِ الشاهِدِ بعدَه، وعلى الرَّاجعِ رُبْعُ ما تَلِفَ بشَهادَتِهم، ويُذكَرُ ذلك في الرُّجوعُ عن الشَّهادةِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

стр. 12929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا ثَبَتَتِ الشَّهادَةُ بالزِّنَى، فصَدَّقَهم المَشْهودُ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ؛ لأَنَّ صِحَّةَ البَيِّنَةِ يُشْتَرَطُ لها الإنْكارُ، وما كَمَل الإِقْرارُ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). وبَيَّنَ النبىُّ ﷺ السَّبِيلَ بالحَدِّ، فتجبُ إقامَتُه، ولأَنَّ البَيِّنَةَ تَمَّتْ عليه، فوَجَب الحَدُّ، كما لو لم يَعْتَرِفْ، ولأَنَّ البَيِّنَةَ إحْدى حُجَّتىِ الزِّنَى، فلم تَبْطُلْ بوُجودِ الحُجَّةِ الأُخْرَى أو بَعْضِها، كالإِقْرارِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجودَ الإِقرارِ يُؤَكِّدُ البَيِّنَةَ ويوافِقُها، ولا يُنافِيها، فلا يَقْدَحُ فيها، كتَزْكِيَةِ الشُّهودِ، والثَّناءِ عليهم، ولا نُسَلِّمُ اشْتِراطَ الإِنْكارِ، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِقْرارِ في غيرِ الحَدِّ إذا وُجِدَ بكَمالِه، وههُنا لم يَكْمُلْ، فلم يَجِبْ الاكتِفاءُ به، ووَجَب سَماعُ البَيِّنَةِ والعملُ بها. وعلى هذا، لو أقَرَّ مَرَّةً، أو دونَ الأرْبعِ، لم يَمْنَعْ ذلك سَماعَ البَيِّنَةِ عليه، ولو تَمَّتِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ على نَفْسِه إقْرارًا تامًّا، ثم رَجَع عن إقْرارِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ برُجوعِه، وقولُه يَقْتَضِى خِلافَ ذلك.

стр. 12930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن شَهِد شاهدان، واعْتَرَفَ هو مَرَّتَيْن، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، ولم يَجِبِ الحَدُّ. لا نَعلمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن اعْتَبَرَ إقْرارَ أرْبَعِ مَرَّاتٍ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ إحْدَى الحُجَّتَيْنِ لم تَكْمُلْ، ولا تُلَفَّقُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، كإقْرارِ بعضَ مَرَّةٍ. فصل: فإن كَمَلَتِ البَيِّنَةُ، ثم ماتَ الشُّهودُ أو غابُوا، جازَ الحُكمُ بها، وإقامةُ الحَدِّ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقامُ الحَدُّ؛ لجَوازِ أن يكونُوا رَجَعُوا، وهذه شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الحَدَّ. ولَنا، أنَّ كلَّ شَهادةٍ جازَ الحُكْمُ بها مع حُضُورِ الشُّهودِ، جازَ الحكمُ مع غَيْبَتِهم، كسائرِ الشَّهاداتِ، واحْتمالُ رُجُوعِهم ليس بشُبْهَةٍ، كما لو حُكِمَ بشَهادتِهم. فصل؛ وإن شَهِدُوا بزِنًى قديمٍ، أو أقَرَّ به، وَجَب الحَدُّ. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا أقْبَلُ بَيِّنَةً على زِنًى قديمٍ، وأحُدُّه بالإِقْرارِ به. وهذا قولُ ابنِ حامدٍ: وذَكَرَه ابنُ أبى (١) موسى مذهبًا لأحمدَ؛ لِما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: أيُّما شُهودٍ شَهِدُوا بحَدٍّ لم يَشْهَدُوا بحَضْرَتِه، فإنَّما هم شُهودُ ضِغْنٍ (٢). ولأَنَّ تأْخِيرَه للشَّهادةِ إلى هذا الوَقْتِ، يدُلُّ على التُّهْمَةِ،

стр. 12931

وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِامرَأة، فَشَهدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أنَّها عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ. نَصَّ عَلَيْهِ. ــ فيَدْرَأُ ذلك الحَدَّ. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، وأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ على الفَوْرِ، فيَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ بعدَ تَطاوُلِ الزَّمانِ، كسائِرِ الحُقُوقِ. والحديثُ مُرْسَلٌ رَواه الحسنُ، ومَراسِيلُ الحسنِ ليستْ بالقَوِيَّةِ، والتَّأْخِيرُ يجوزُ أن يكونَ لعُذْرٍ أو غَيْبَةٍ، والحَدُّ لا يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ، فإنَّه لو سَقَط بكُلِّ احْتِمالٍ، لم يَجِبْ حَدٌّ أصْلًا. فصل: وتجوزُ الشَّهادةُ بالحَدِّ مِن غيرِ مُدَّعٍ. لا نَعلمُ فيه اخْتِلافًا، ونَصَّ عليه أحمدُ، واحْتَجَّ بقِصَّةِ أبى بَكْرَةَ، حيثُ شَهِدَ هو وأصحابُه على المُغيرةِ مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى (١)، وشَهِدَ الجَارُودُ وصاحِبُه على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُرْبِ الخمرِ، ولم يَتَقَدَّمْه دَعْوَى (٢). ولأن الحَدَّ حَقٌّ للَّه تعالى، فلم تَفْتَقِرِ الشَّهادةُ به إلى تَقَدُّم دَعْوَى، كسائرِ العِباداتِ، يُبَيِّنُه أنَّ الدَّعْوَى في سائرِ الحُقوقِ إنَّما تكونُ مِن المُسْتَحِقِّينَ، وهذا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ مِن الآدَمِيِّينَ فيَدَّعِيَه، فلو وَقَفَتِ الشَّهادةُ به على الدَّعْوَى لامْتَنَعَ إقامَتُها. ٤٤٣٠ - مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ بالزِّنَى بامرأةٍ، فشَهِدَ ثِقَاتٌ مِن النِّساءِ أنَّها عَذْرَاءُ، فلا حَدَّ عليها ولا على الشُّهُودِ. نَصَّ عليه) وبهذا

стр. 12932

وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا، لَمْ يُحَدَّ ــ قال الشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ؛ لأَنَّ شَهادةَ النِّساءِ لا مَدْخَلَ لها في الحُدُودِ، فلا يَسْقُطُ بشَهادَتِهِنَّ. ولَنا، أنَّ البَكارَةَ تَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، ووُجُودُها يَمْنَعُ مِن الزِّنَى ظاهِرًا؛ لأَنَّ الزِّنَى لا يَحْصُلُ بدُونِ الإِيلاجِ في الفَرْجِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع بَقاءِ البَكارَةِ؛ لأَنَّ البِكْرَ هى التى لم تُوطَأْ في قُبُلِها، وإذا انْتَفَى الزِّنَى، لم يجبِ الحَدُّ، كما لو قامَتِ البَيِّنَةُ بأنَّ المَشْهودَ عليه بالزِّنَى مَجْبُوبٌ، وإنَّما لم يَجِبِ الحَدُّ على الشُّهودِ؛ لِكمالِ عِدَّتِهم، مع احْتِمالِ صِدْقِهم، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَطِئَها ثم عادَتْ عُذْرَتُها، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ عنهم، غيرَ مُوجِبٍ له عليها، فإنَّ الحَدَّ لا يجبُ بالشُّبُهاتِ. ويُكْتَفَى بشَهادةِ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأَنَّ شَهادَتَها مَقْبُولةٌ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ. فأمَّا إن شَهِدْنَ بأنَّها رَتْقاءُ، أو ثَبَتَ أنَّ الرجُلَ المشْهُودَ عليه مَجْبوبٌ، فيَنْبَغِى أن يجبَ الحَدُّ على الشُّهُودِ، لأنَّه يُتَيَقَّنُ كَذِبُهم في شَهادَتِهم بأمْرٍ لايعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فوَجَبَ عليهم الحَدُّ. ٤٤٣١ - مسألة: (وإن شَهِد أرْبعةٌ أنَّه زَنَى بِامْرأةٍ، فَشَهِدَ أربعةٌ آخَرُونَ أنَّهم هم الزُّنَاةُ بِها، لم يُحَدَّ المَشْهُودُ عليه. وهل يُحَدُّ الشُّهُودُ

стр. 12933

الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ الأوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يجبُ الحَدُّ على واحدٍ منهم. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الأوَّلِينَ قد جَرَّحَهم الآخِرُون بشَهادَتِهم عليهم، والآخِرون تَتَطَرَّقُ إليهم (١) التُّهْمَةُ. والثانيةُ، يَجِبُ الحَدُّ على الشُّهودِ الأوَّلِين. اخْتارَها أبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ شهادةَ الآخِرين صَحِيحَةٌ، فيجبُ الحكمُ بها. وهذا قولُ أبى يوسفَ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في صَدْرِ المَسْألةِ كَلامًا مَعْناه، لا يُحَدُّ أحَد منهم حَدَّ الزِّنَى. وهل يُحَدُّ الأوَّلون حَدَّ القَذْفِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على القاذفِ إذا جاءَ مَجِئَ الشَّاهدِ، هل يُحَدُّ؟ على رِوَايَتَيْن. فصل: وكلُّ زِنًى أوْجَبَ الحَدَّ، لا يُقْبَلُ فيه إلَّا أربعةُ شُهودٍ، باتِّفاقِ العُلَماءِ؛ لتَناوُلِ النَّصِّ له، بقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢). ويَدْخُلُ فيه اللِّواطُ، ووَطْءُ المرأةِ في دُبُرِها؛ لأنَّه زِنًى.

стр. 12934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعندَ أبى حنيفةَ، يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن، بِناءً على أصْلِه بأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ. وقد بَيَّنَّا وُجوبَ الحَدِّ به، ويُخَصُّ هذا بأنَّ الوَطْءَ في الدُّبُرِ فاحِشَةٌ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢). فإذا وُطِئَت في الدُّبُرِ، دَخَلَتْ في عُمومِ الآيةِ. وأمَّا وَطْءُ البَهيمةِ إن قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ به، لم يَثْبُتْ إلَّا بشُهودٍ أربعةٍ. وإن قُلْنا: لا يُوجِبُ إلا التَّعْزِيرَ. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُتُ بشاهِدَيْن؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ، فيَثْبُتُ بشاهِدَيْن، كسائرِ الحُقُوقِ. والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأربعةٍ. وِهو قولُ القاضِى؛ لأنَّه فاحِشَةٌ، ولأنَّه إيلاجٌ في فَرْج مُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ الزِّنَى. وعلى قِياسِ هذا كلُّ وَطءٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ ولا يُوجِبُ الحَدَّ، كوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ، وأمَتِه المُزَوَّجَةِ. فإن لم يَكُنْ وَطْئًا، كالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ ونحوِها، ثَبَت بشاهِدَيْن، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه ليس بوَطْءٍ، أشْبَهَ سائِرَ الحُقُوقِ.

стр. 12935

وَإِنْ حَمَلَتِ امْرأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ. ــ ٤٤٣٢ - مسألة: (وإن حَمَلَتِ امرأةٌ لا زَوْجَ لها ولا سَيِّدَ، لم تُحَدَّ بذلكَ بمُجَرَّدِه) لَكِنَّها تُسْأَلُ، فإنِ ادَّعَتْ أنَّها اكْرِهَتْ، [أو وُطِئَتْ] (١) بشُبْهَةٍ، أو لم تَعْتَرِفْ بالزِّنَى، لم تُحَدَّ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وقال مالكٌ: عليها الحَدُّ إذا كانت مُقِيمَةً غيرَ غَرِيبَةٍ، إلَّا أن تَظْهَرَ أماراتُ الإِكرَاهِ، بأن تَأْتِىَ مُسْتَغِيثَةً أوِ صارِخَةً؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: والرَّجْمُ واجِبٌ على كُلِّ مَن زَنَى مِن الرِّجالِ والنِّساءِ إذا كان مُحْصَنًا، إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ (٢). ورُوِىَ أنَّ عثمانَ أُتِىَ بامرأةٍ وَلَدَتْ لسِتَّةِ أشْهُر، فأمَرَ بها عثمانُ أن تُرْجَمَ، فقال علىٌّ: ليس لك عليها سَبِيلٌ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣). وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان يَرْجُمُها بحَمْلِها. وعن عمرَ نحوٌ مِن هذا (٤).

стр. 12936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: أيها النَّاسُ، إنَّ الزِّنَى زِناءانِ (١)، زِنَى سِرٍّ، وزِنَى عَلانِيَةٍ، فَزِنى السِّرِّ أن يَشْهَدَ الشُّهودُ، فيكونَ الشُّهودُ أوَّلَ مَن يَرْمِى، وزِنَى العَلانِيَةِ أن يَظْهَرَ الحَبَلُ أو الاعْتِرافُ، فيكونَ الإِمامُ أوَّلَ مَن يَرْمِى (٢). وهذا قولُ سادَةِ الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ لهم في عَصْرِهم مُخالِفٌ، فيكونُ إجْماعًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه مِن وَطْءِ إكْراهٍ أو شُبْهَةٍ، والحَدُّ يَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد قِيلَ: إنَّ المرأةَ تَحْمِلُ مِن غيرِ وَطْءٍ، بأن يَدْخُلَ ماءُ الرجُلِ في فَرْجِها، إمَّا بفِعْلِها أو فِعْلِ غيرِها. ولهذا تُصُوِّرَ حَمْلُ البِكْرِ، وقد وُجِدَ ذلك. وأمَّا قولُ الصَّحابةِ، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عنهم، فرَوَى سعيدٌ، ثَنا خَلَفُ ابنُ خَلِيفَةَ، ثَنا أبو هاشمٍ (٣)، أنَّ امرأةً رُفِعَتْ إلى عمرَ ابنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ليس لها زَوْجٌ، وقد حَمَلَت، فسألها عمرُ، فقالت: إنِّى امرأةٌ ثَقِيلةُ الرَّأْسِ، وَقَع علىَّ رجلٌ وأنا نائمةٌ، فما اسْتَيْقَظْتُ حتى فَرَغ. فدَرَأَ عنها الحَدَّ (٤). ورَوَى النَّزَّالُ بنُ سَبْرَةَ، عن عمرَ، أنَّه أُتِىَ بامرأةٍ حاملٍ، فادَّعَتْ أنَّها اكْرِهَتْ، فقال: خَلِّ سَبِيلَها.

стр. 12937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكَتَب إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أن لا يُقْتَلَ أحَدٌ إلَّا بإذْنِه (١). ورُوِىَ عن علىٍّ، وابن عباسٍ، أنَّهما قالا: إذا كان في الحَدِّ لَعَلَّ وعَسَى، فهو مُعَطَّلٌ (٢). ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٣) بإسْنادِه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وعُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، أنَّهم قالُوا: إذا اشْتَبَهَ عليك الحَدُّ، فادْرَأْ ما اسْتَطَعْتَ. ولا خِلافَ أنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وهى مُتَحَقِّقَةٌ ههُنا. فصل: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ أو الحاكمِ الذى يَثْبُتُ عندَه الحَدُّ بالإِقْرارِ، التَّعْرِيضُ له بالرُّجوعِ إذا تَمَّ، والوُقُوفُ عن إتْمامِه إذا لم يتِمَّ، كما رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه أعْرَضَ عن ماعِزٍ حينَ أقَرَّ عندَه، ثم جاءَه مِن الناحيةِ الأُخْرَى، فأعْرَضَ عنه، حتى تَمَّمَ إقْرارَه أربعًا، ثم قال: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَ» (٤). ورُوِىَ أنَّه قال للَّذى أقَرَّ بالسَّرِقَةِ: «مَا إخَالُكَ فَعَلْتَ». رَواه سعيدٌ، عن سفيانَ، عن يَزِيدَ بنِ خَصِيفةَ (٥)، عن محمدِ

стр. 12938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثَوْبانَ، عن النبىِّ ﷺ (١). وقال: ثَنا هُشَيْمٌ، عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ (٢)، عن يَزِيدَ بنِ أبى كَبْشَةَ، عن أبى الدَّرْدَاءِ، أنَّه أُتِىَ بجاريةٍ سوداءَ سَرَقَتْ، فقال لها: أسَرَقْتِ؟ قولى: لا. فقالَتْ: لا. فخَلَّى سَبِيلَها (٣). ولا بَأْسَ أن يُعَرِّض بعضُ الحاضِرِينَ بالرُّجوعِ أو بأن لا يُقِرَّ. وروينا عن الأحْنَفِ، أنَّه كان جالسًا عندَ مُعاويةَ، فأُتِىَ بسارقٍ، فقال له معاويةُ: أسَرَقْتَ؟ فقال له بعضُ الشُّرَطَةِ: اصْدُقِ الأميرَ. فقال الأحْنَفُ: الصِّدْقُ في كلِّ المَواطِنِ مَعْجَزَةٌ. فعَرَّضَ له بتَرْكِ الإِقْرارِ. [ورُوِىَ عن بعضَ السَّلَفِ، أنَّه قال: لا يُقْطَعُ ظَرِيفٌ. يعنى أنَّه إذا قامتْ عليه بَيِّنَةٌ، ادَّعَى شُبْهَةً، فدَفَعَ عنه القَطْعَ، فلا يُقْطَعُ. ويُكْرَهُ لمن عَلِم حالَه أن يَحُثَّه على الإِقْرارِ] (٤)؛ لِما رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال لهَزَّالٍ، وقد كان قال لماعِزٍ: بادِرْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ قبلَ أن يَنْزِلَ فيكَ قُرْآنٌ: «ألَا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ!». رَواه سعيدٌ (٥). ورَوَى

стр. 12939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسْنادِه أيضًا، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال جاءَ ماعِزُ بنُ مالكٍ إلى عمرَ ابنِ الخَطَّابِ، فقال له: إنَّه أصَابَ فاحِشَةً. فقال له: أخْبَرْتَ بهذا أحَدًا قَبْلِى؟ قال: لا. قال: [فاسْتَتِرْ بسِتْرِ] (١) اللَّهِ، وتُبْ إلى اللَّهِ، فإنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ ولا يُغَيِّرُونَ، واللَّهُ يُغَيِّرُ ولا يُعَيِّرُ، فتُبْ إلى اللَّهِ، ولا تُخْبِرْ به أحدًا. فانْطَلَقَ إلى أبى بكرٍ، فقال له مثلَ ما قالَ عمرُ، فلم تُقِرَّه نَفْسُه حتى أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذَكَرَ له ذلك (٢).

стр. 12940

بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ الرَّمْىُ بِالزِّنَى. ــ بابُ القذْفِ (وهو الرَّمْىُ بالزِّنَى) وهو مُحَرَّمٌ بإجْماعِ الأُمَّةِ، والأَصْلُ في تَحْرِيمِه الكِتابُ والسُّنَّةُ [والإِجْماعُ] (١)؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). وقال سبحانَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ». قالوا: وما هُنَّ يا رسولَ اللَّهِ؛ قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ، وأكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ المَتِيمِ، والتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ». مُتَّفَقٌ عليه (٤).

стр. 12941

وَمَنْ قَذَفَ حُرًّا مُحْصَنًا، فَعَلَيْهِ جَلْدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، أَو أَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ عَبْدًا. وَهَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ للَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلآدَمِيِّينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٤٤٣٣ - مسألة: (ومَن قَذَف حُرًّا مُحْصَنًا، فعليه جَلْدُ ثَمانِينَ جَلْدَةً إن كان القاذِفُ حُرًّا، أو أرْبَعِينَ إن كان عَبْدًا. وقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) المُحْصناتُ في القرآنِ جاءت بأربعةِ مَعانٍ؛ أحدُها، العَفائِفُ، وهو المُرادُ ههُنا. الثانى، بمعنى المُزَوَّجاتِ، كقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). وقولِه تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ (٢). والثالثُ، بمعنى الحَرائرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). وقولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣). وقولِه: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). والرابعُ، بمعنى الإِسْلامِ، كقولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٢). قال ابنُ مسعودٍ:

стр. 12942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحْصانُها إسْلامُها (١). وأجْمَعَ العُلَماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَف مُحْصَنًا، إذا كان القاذِفُ مُكَلَّفًا.

стр. 12943

والْمُحْصَنُ؛ هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِى يُجَامِعُ مِثْلُهُ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٤٤٣٤ - مسألة: (والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المُسْلِمُ العاقِلُ العَفِيفُ الذِى يُجامِعُ مِثْلُه. وهَل يُشْتَرَطُ البُلُوغُ؟ على رِوايَتَيْن) فهذه الخمسةُ شُروط الإِحْصانِ. وبه يقولُ جماعةُ العُلماءِ (١) قَدِيمًا وحدِيثًا، سِوَى ما رُوِى عن داودَ، أنَّه أوْجَبَ الحَدَّ على قاذفِ العَبْدِ (٢). وقال ابنُ أبى مُوسى: إذا قَذَف أمَّ ولدِ رجُلٍ، وله منها ولدٌ، حُدَّ. وعن ابنِ المُسَيَّبِ، وابنِ أبى ليلى، قالوا: إذا قَذَف ذِمِّيَّة لها ولدٌ مسلمٌ، يُحَدُّ. وقال ابنُ أبى موسى: إذا قَذَف مسلمٌ ذِمِّيَّةً تحتَ مسلم، أو لها منه ولدٌ، حُدَّ في

стр. 12944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأَنَّ ما لا يُحَدُّ قاذِفُه إذا لم يَكُنْ له ولدٌ، لا يُحَدُّ وله ولدٌ، كالمجنونةِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في اشْتِراطِ البُلوغِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه شَرْطٌ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ التَّكْلِيفِ، فأشْبَهَ العقلَ، ولأن زِنَى الصَّبِىِّ لا يُوجِبُ عليه الحَدَّ، فلا يجبُ الحَدُّ بالقَذْفِ به، كزِنَى المجْنونِ. والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه حُرٌّ عاقلٌ عفيفٌ يَتَعَيَّرُ بهذا القولِ المُمْكِنِ صِدْقُه، فأشْبَهَ الكبيرَ. وهذا قولُ مالكٍ، وإسحاقَ. فعلى هذه الرِّوايةِ، لا بدَّ أن يكونَ كبيرًا يُجامِعُ مثلُه، وأدْناه أن يكونَ للغلامِ عَشْرٌ، وللجاريةِ تِسْعٌ (١).

стр. 12945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويجبُ بقَذْفِ المُحْصَنِ ثمانونَ جَلْدَةً، إذا كان القاذِفُ حُرًّا، وأربعونَ إن كان عَبْدًا، كما ذَكَرَه. وقد أجمعَ العُلَماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَن قَذَف مُحْصَنًا، وأن حَدَّه ثمانون إن كان حُرًّا، وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. وإن كان القاذِفُ عبدًا، فحدُّه أربعونَ جَلْدَةً، وأجمعوا على وُجوبِ الحَدِّ على العَبْدِ إذا قَذَف مُحْصَنًا؛ لدُخُولِه في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربعون، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، فرُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ أنَّه قال: أدْرَكْتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، ومَن

стр. 12946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدَهم مِن الخلفاءِ، فلم أرَهُم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إذا قَذَف إلَّا أربعين (١). وروَى خِلاسٌ، أنَّ عليًّا قال في عبدٍ قَذَف حُرًّا: عليه نِصْفُ الحَدِّ (٢). وجَلَد أبوْ بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ عبدًا قَذَف حُرًّا ثمانين (٣). وبه قال قَبِيصَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، عَمَلًا بعُموم الآيةِ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ للإِجْماعِ المَنْقُولِ عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولأنَّه حَدٌّ يَتَبَعَّضُ، فكان العبدُ فيه على النِّصْفِ مِن حَد الحُرِّ، كحَدِّ الزِّنَى، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، وقد عِيبَ على أبى بكرِ بنِ محمدِ [بنِ عمرِو] (٤) بنِ حَزْمٍ جَلْدُه العبدَ ثمانينَ. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ: ما رَأيْتُ (٥)

стр. 12947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحَدًا جَلَد العبدَ ثمانينَ قبلَه. وقال سعيدٌ: ثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ (١)، عن أبِيه، قال: حَضَرْتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، جَلَد عبدًا في فِرْيَةٍ ثمانين، فأنْكَرَ ذلك مَن حَضَرَه مِن النَّاسِ، وغيرُهم مِن الفُقَهاءِ، فقال لى عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: إنِّى رأيتُ واللَّهِ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فما رأيتُ أحدًا جَلَد عبدًا في فِرْيةٍ فوقَ أربعينَ (٢). قال الخِرَقِىُّ: ويكونُ بدُونِ السَّوْطِ الذى يُجْلَدُ به الحُرُّ؛ لأنَّه لمَّا خُفِّفَ في عَدَدِه، خُفِّفَ في سَوْطِه، كما أنَّ الحُدودَ في أنفسِها كلَّما قَلَّ منها، كان سَوْطُه أخَفَّ. وظاهرُ ما ذَكَرَه شيخُنا، أنَّه يكونُ بسَوْطِ الحُرِّ،، فَتَساوَوْا في الجَلْدِ ليَتَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ (٣)؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ بذلك.

стр. 12948

وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ. ــ ٤٤٣٥ - مسألة: (وقَذْف غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) فإذا قَذَف مُشْرِكًا، أو عَبْدًا، أو مسلمًا له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أو مسلمةً لها دُونَ تِسْعِ سِنِينَ (١)، أو مَن ليس بعَفِيفٍ، فعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه لَمَّا انْتَفَى وُجوبُ الحَدِّ عن القاذِفِ، وَجَب التَّأْدِيبُ رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِينَ، وكَفًّا له عن أذَاهم.

стр. 12949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويجبُ الحَدُّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، والمَجْبُوبِ، والمَرِيضِ المُدْنَفِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْنَاءِ. وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجْبُوبٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): وكذلك الرَّتْقاءُ. وقال الحسنُ: لا حَدَّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، لأَنَّ العارَ مُنْتَفٍ عن المَقْذُوفِ بدونِ الحَدِّ؛ للعِلْمِ بكَذِب القاذِفِ، والحَدُّ إنَّما يجبُ لنَفْىِ العارِ. ولَنا، عمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢). والرَّتْقاءُ دَاخِلَةٌ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه قاذِف مُحْصَنًا، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كالقاذِفِ للقادرِ على الوَطْءِ، ولأَنَّ إمْكانَ الوَطْءِ أمْر خَفِىٌّ، لا يَعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فلا يَنْتَفِى العارُ عندَ مَن لم يَعْلَمْه بدُونِ الحَدِّ، فيجبُ، كقَذْفِ المريضِ. فصل: ويجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإِسْلامِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه في دارٍ لا حَدَّ على أهْلِها. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ حُرٌ، قَذَف مُحْصَنًا، فأشْبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ. فصل: ويُشْتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على القاذِفِ شَرْطانِ؛ أحدُهما، مُطالبَةُ المَقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طَلَبِه، كسائرِ حُقوقِه. الثانى؛

стр. 12950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن لا يَأْتِىَ ببَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾. الآية. ولذلك يُشْتَرَطُ عَدَمُ إقْرار المَقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ. وإن كان القاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ شَرْط آخَرُ، وهو امْتِناعُه مِن اللِّعانِ. ولا نعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا. ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامةِ الحَدِّ، فلو طَلَب ثم عَفَا عن الحَدِّ، سَقَط. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الحسنُ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يَسْقُطُ بعَفْوِه؛ لأنَّه حَد، فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ (١) لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَةِ الآدَمِىِّ باسْتِيفائِه، فسَقَط بعَفْوِه، كالقِصاصِ، وفارَقَ سائرَ الحُدُودِ، فإنَّه لا (٢) يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها، فأمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ، فإنَّما يُعْتَبَرُ فيه المُطالبةُ بالمَسْرُوقِ، لا باسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دَعْواه، ويُسْتَحْلَف فيه، ويَحْكُمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ. فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ. فصل: وإذا قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ بقَذْفِ مَن لم يَبْلُغْ، لم تَجُزْ إقامَتُهْ حتى يَبْلُغَ ويطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ لأَنَّ مُطَالَبَتَه قبلَ البُلوغِ لا تُوجِبُ الحَدَّ؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ كَلامِه، وليس لوَلِيِّه المُطالبَةُ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ للتَّشَفِّى، فلم يَقُمْ غيرُه مَقَامَه في اسْتِيفائِه، كالقِصاصِ، فإذا بلَغ وطالب، أُقِيمَ حينَئِذٍ. ولو قذَف غائبًا لم يُقَمْ عليه الحَدُّ (٢) حتى يَقْدَمَ ويُطالِبَ، إلَّا أن

стр. 12951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَثْبُتَ أنَّه طالَب في غَيْبَتِه. ويَحْتَمِلُ أن لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبَتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ قَذْفِه، وقبلَ طَلَبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يُفِيقَ ويُطالِبَ، وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالَب به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازت إقامَتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قبلَ اسْتِيفائِه. فصل: وإذا قَذَف ولدَه، لم يَجبْ عليه الحَدُّ، وإن نَزَل، سَواءٌ كان القاذِفُ رجُلًا أو امرأةً. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌ، فلا تَمْنَعُ مِن وُجُوبِه قَرابَةُ الوِلادَة، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبة تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا تجبُ للوَلَدِ على الوالَدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،

стр. 12952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا يجبُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، ولأَنَّ الأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ القِصاصَ، فمنَعَتِ الحَدَّ، [كالرِّقِّ والكُفْرِ] (١). وبهذا يُخَصُّ عُمُومُ الآيةِ. ثم ما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالسَّرِقَةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بالسرقةِ مِن مالِ ابْنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أنَّ حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لا حَقَّ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يَثْبُتُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لو قَذَف أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، لم يَكُنْ لابنِه المُطالَبَةُ؛ لأَنَّ ما مَنَع ثُبوتَه ابْتِداءً، أسْقَطَه طارِئًا، كالقِصاصِ. فإن كان لها ابنٌ آخرُ مِن غيرِه، كان له اسْتِيفاؤُه إذا ماتَت (٢) بعدَ المُطالَبَةِ به؛ لأَنَّ الحَدَّ يَمْلِكُ بعضُ الوَرَثَةِ اسْتيفاءَه كلِّه، بخِلافِ القِصاصِ. وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقارِبِ، فيُوجِبُ الحَدَّ على القاذِفِ، في قَوْلِهم جميعًا.

стр. 12953

وَإِنْ قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ. وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. ــ ٤٤٣٦ - مسألة: (وإن قال: زَنَيْتِ وأنتِ صَغِيرَةٌ. وفَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعِ سنينَ، لم يُحَدَّ، وإلَّا خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن) أمَّا إذا فَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعَ سنِينَ فإنَّه لا يُحَدُّ، فإنَّه لا يجبُ بقَذْفِها الحَدُّ، على ما ذَكَرْنا، وكذلك إن قَذَف صغيرًا له دُونَ عَشْرِ سنينَ، وإن لم يُفَسِّرْه بذلك، وفَسَّرَه بما زادَ عليه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ، فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ في الإِحْصانِ. لم يُحَدَّ، وعليه التَّعْزِيرُ. وإن قُلنا: ليس بشَرْطٍ. لَزِمَه الحَدُّ، كالبالغِ؛ لأنَّه قَذَف مُحْصَنًا. فصل: فإنِ اخْتَلَفَ القاذِفُ والمَقْذُوفُ، فقال القاذِفُ: كنتَ

стр. 12954

وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أَوْ: أَمَةٌ. وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وِإنْ كَانتْ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِى ــ صغيرًا حينَ قَذَفْتُكَ. وقال المَقْذُوفُ: كنتُ كبيرًا. فذَكَر القاضى، أنَّ القولَ قولُ القاذِفِ، لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ مِنِ الحَدِّ. فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيَنةً بدَعْوَاه، وكانَتَا مُطْلَقَتَيْن، أو مُؤَرَّختَيْن تاريخَيْن مُخْتَلِفَيْن، فهما قَذْفان؛ مُوجَبُ أحَدِهما التَّعْزِيرُ، والآخَر الحَدُّ، وإن بَيَّنَتَا تارِيخًا واحدًا، وقالت إحْدَاهما: وهو صغيرٌ. وقالتِ الأُخْرَى: وهو كبيرٌ. تَعارَضَتَا وسَقَطَتا. وكذلك لو كان تاريخُ بَيِّنَةِ المَقْذُوفِ قبلَ تاريخِ بَيِّنَةِ القاذِفِ. ٤٤٣٧ - مسألة: (وإن قال لحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ) إذا قال: زَنَيْتَ إذْ كنتَ مُشْرِكًا. أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا. فقال المَقْذُوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقيقًا؛ [نَظرنا؛ فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قبلَها. وإن] (١) ثبَت أنَّه لم يَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه في وَصْفِه بذلك، وإن لم يَثْبُتْ واحدٌ منهما، وَجَب عليه الحَدُّ، في

стр. 12955

في الْحَالِ. فَأَنْكَرَهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ وإسْلامُ أهلِ دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه. وأمَّا إذا قال: زَنَيْتَ وأنت مُشْرِكٌ. فقال المَقْذُوفُ: أرَدْت قَذْفِى بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا. وقال القاذِفُ: بل أرَدْتُ قَذْفَك بالزِّنَى إذ كنتَ مُشْرِكًا. فقال أبو الخَطَّابِ: القولُ قولُ القاذِفِ. وهو قولُ بعض الشافعيةِ؛ لأَنَّ الخِلافَ في نِيَّتِه، وهو أعلمُ بها، وقولُه: وأنت مُشْرِكٌ. مُبْتدأٌ وخَبَرٌ، وهو حالٌ لقولِه: زَنَيْتَ. كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١). وقال القاضى: يجبُ الحَدُّ. وهو قولُ بعضِ الشّافعيةِ؛ لأَنَّ قولَه: زَنَيْتَ. خِطَابٌ في الحالِ، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ زِنَاه في الحالِ.
следующие страницы →