. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَثْبُتَ أنَّه طالَب في غَيْبَتِه. ويَحْتَمِلُ أن لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبَتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ قَذْفِه، وقبلَ طَلَبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يُفِيقَ ويُطالِبَ، وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالَب به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازت إقامَتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قبلَ اسْتِيفائِه.
فصل: وإذا قَذَف ولدَه، لم يَجبْ عليه الحَدُّ، وإن نَزَل، سَواءٌ كان القاذِفُ رجُلًا أو امرأةً. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌ، فلا تَمْنَعُ مِن وُجُوبِه قَرابَةُ الوِلادَة، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبة تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا تجبُ للوَلَدِ على الوالَدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،
стр. 12952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يجبُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، ولأَنَّ الأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ القِصاصَ، فمنَعَتِ الحَدَّ، [كالرِّقِّ والكُفْرِ] (١). وبهذا يُخَصُّ عُمُومُ الآيةِ. ثم ما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالسَّرِقَةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بالسرقةِ مِن مالِ ابْنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أنَّ حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لا حَقَّ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يَثْبُتُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لو قَذَف أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، لم يَكُنْ لابنِه المُطالَبَةُ؛ لأَنَّ ما مَنَع ثُبوتَه ابْتِداءً، أسْقَطَه طارِئًا، كالقِصاصِ. فإن كان لها ابنٌ آخرُ مِن غيرِه، كان له اسْتِيفاؤُه إذا ماتَت (٢) بعدَ المُطالَبَةِ به؛ لأَنَّ الحَدَّ يَمْلِكُ بعضُ الوَرَثَةِ اسْتيفاءَه كلِّه، بخِلافِ القِصاصِ. وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقارِبِ، فيُوجِبُ الحَدَّ على القاذِفِ، في قَوْلِهم جميعًا.
стр. 12953
وَإِنْ قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ. وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
٤٤٣٦ - مسألة: (وإن قال: زَنَيْتِ وأنتِ صَغِيرَةٌ. وفَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعِ سنينَ، لم يُحَدَّ، وإلَّا خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن) أمَّا إذا فَسَّرَه بصِغَرٍ عن تِسْعَ سنِينَ فإنَّه لا يُحَدُّ، فإنَّه لا يجبُ بقَذْفِها الحَدُّ، على ما ذَكَرْنا، وكذلك إن قَذَف صغيرًا له دُونَ عَشْرِ سنينَ، وإن لم يُفَسِّرْه بذلك، وفَسَّرَه بما زادَ عليه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ، فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ في الإِحْصانِ. لم يُحَدَّ، وعليه التَّعْزِيرُ. وإن قُلنا: ليس بشَرْطٍ. لَزِمَه الحَدُّ، كالبالغِ؛ لأنَّه قَذَف مُحْصَنًا.
فصل: فإنِ اخْتَلَفَ القاذِفُ والمَقْذُوفُ، فقال القاذِفُ: كنتَ
стр. 12954
وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أَوْ: أَمَةٌ. وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وِإنْ كَانتْ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِى
ــ
صغيرًا حينَ قَذَفْتُكَ. وقال المَقْذُوفُ: كنتُ كبيرًا. فذَكَر القاضى، أنَّ القولَ قولُ القاذِفِ، لأَنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ وبَراءَةُ الذِّمَّةِ مِنِ الحَدِّ. فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيَنةً بدَعْوَاه، وكانَتَا مُطْلَقَتَيْن، أو مُؤَرَّختَيْن تاريخَيْن مُخْتَلِفَيْن، فهما قَذْفان؛ مُوجَبُ أحَدِهما التَّعْزِيرُ، والآخَر الحَدُّ، وإن بَيَّنَتَا تارِيخًا واحدًا، وقالت إحْدَاهما: وهو صغيرٌ. وقالتِ الأُخْرَى: وهو كبيرٌ. تَعارَضَتَا وسَقَطَتا. وكذلك لو كان تاريخُ بَيِّنَةِ المَقْذُوفِ قبلَ تاريخِ بَيِّنَةِ القاذِفِ.
٤٤٣٧ - مسألة: (وإن قال لحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وأنتِ نَصْرَانِيَّةٌ. أو: أمَةٌ. ولم تَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ) إذا قال: زَنَيْتَ إذْ كنتَ مُشْرِكًا. أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا. فقال المَقْذُوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقيقًا؛ [نَظرنا؛ فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قبلَها. وإن] (١) ثبَت أنَّه لم يَكُنْ كذلك، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه في وَصْفِه بذلك، وإن لم يَثْبُتْ واحدٌ منهما، وَجَب عليه الحَدُّ، في
стр. 12955
في الْحَالِ. فَأَنْكَرَهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأَنَّ الأَصْلَ الحُرِّيَّةُ وإسْلامُ أهلِ دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه. وأمَّا إذا قال: زَنَيْتَ وأنت مُشْرِكٌ. فقال المَقْذُوفُ: أرَدْت قَذْفِى بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا. وقال القاذِفُ: بل أرَدْتُ قَذْفَك بالزِّنَى إذ كنتَ مُشْرِكًا. فقال أبو الخَطَّابِ: القولُ قولُ القاذِفِ. وهو قولُ بعض الشافعيةِ؛ لأَنَّ الخِلافَ في نِيَّتِه، وهو أعلمُ بها، وقولُه: وأنت مُشْرِكٌ. مُبْتدأٌ وخَبَرٌ، وهو حالٌ لقولِه: زَنَيْتَ. كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١). وقال القاضى: يجبُ الحَدُّ. وهو قولُ بعضِ الشّافعيةِ؛ لأَنَّ قولَه: زَنَيْتَ. خِطَابٌ في الحالِ، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ زِنَاه في الحالِ.
стр. 12956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهكذا إن قال: زَنَيْتَ وأنتَ عبدٌ. فأمَّا إن قال: [زَنَيْتَ. وقال] (١): أردتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ. فقال الخِرَقِىُّ: يجبُ عليه الحَدُّ، وكذلك إن كان عبدًا؛ لأنَّه قَذَفَه في حال كَوْنِه حُرًّا مُسلمًا مُحْصَنًا، وذلك يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَدِّ عليه؛ لعُمومِ. الآيةِ، ووُجودِ المَعْنى، فإذا ادَّعَى ما يُسْقِطُ الحَدَّ عنه، لم يُقْبَلْ منه، كما لو قَذَف كبيرًا، ثم قال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو صغيرٌ. فأمَّا إن قال: زَنَيْتَ في شِرْكِكَ. أو: وأنتَ مُشْرِكٌ. ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى. وعن مالكٍ، أنَّه يُحَدُّ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأَنَّ القَذْفَ وُجِدَ في حالِ كَوْنِه مُحْصَنًا. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّه أضافَ القَذْفَ إلى حالٍ ناقِصَةٍ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه في حالِ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ على المَقْذُوفِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه بالوَطْءِ دُونَ
стр. 12957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفَرْجِ. وهكذا الحُكمُ لو قَذَف مَن كان رَقِيقًا. فإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ صَبِىٌّ أو: صغيرٌ. سُئِلَ عن الصِّغَرِ، فإن فَسَّرَه بما لا يُجامِعُ في (١) مثلِه، ففيها الوَجْهان. وإن فَسَّرَه بصِغَرٍ يُجامِعُ في مثلِه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في اشْتِراطِ البُلوغِ للإِحْصانِ.
فصل: وإن قَذَف مَجْهُولًا، وادَّعَى أنَّه رَقِيقٌ أو مُشْرِكٌ. وقال المَقْذُوفُ: بل أنا حُرٌّ مسْلِمٌ. فالقولُ قولُه. وقال أبو بكرٍ: القولُ قولُ القاذِفِ في الرِّقِّ؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الحَدِّ، وهو يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وما ادَّعاه محْتَمِلٌ، فيكونُ شُبْهَةً. وعن الشافعىِّ كالوَجْهَيْن. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ الحرِّيَّةُ، وهو الظَّاهِرُ، فلم يُلْتَفَتْ إلى ما خالَفَه، كما لو فَسَّر صَرِيحَ القَذْفِ بما يُحِيلُه.
стр. 12958
وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ.
ــ
٤٤٣٨ - مسألة: (ومَن قَذَفَ مُحْصَنًا، فزالَ إحْصانُه قبلَ إقامَةِ الحَدِّ) عليه (لم يَسْقُطِ الحَدُّ عن القاذِفِ) وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ، وداودُ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ الشُّرُوطَ تجبُ اسْتِدَامَتُها إلى حالِ إقامةِ الحَدِّ، بدَليلِ أنَّه لو ارْتَدَّ أو جُنَّ، لم يُقَمِ الحَدُّ، ولأَنَّ وُجُودَ الزِّنَى يُقَوِّى قولَ القاذِفِ، ويَدُلُّ على تَقَدُّمِ الفِسْقِ منه، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ إذا طَرَا الفِسْقُ بعدَ أدَائِها قبلَ
стр. 12959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحُكْمِ بها. ولَنا، أنَّ الحَدَّ قد وَجَب وتَمَّ بشُروطِه، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ شَرْطِ الوُجوبِ، كما لو زَنَى بأمَةٍ ثم اشْتَرَاها، أو سَرَق عَيْنًا، فنَقَصَتْ قِيمَتُها أو مَلَكَها، أو كما لو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ المُطالَبَةِ. وقولُهم: إنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُها. قُلْنا: الشُّروطُ ههُنا للوُجُوبِ، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الوُجوبِ، وقد وَجَب الحَدُّ، بدَليلِ أنَّه مَلَك المُطالبَةَ به، وتَبْطُلُ الأصُولُ التى ذَكَرُوها بالأُصُولِ التى قِسْنا عليها. وأمَّا إذا جُنَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، فلا يَسْقُطُ الحَدُّ، وإنَّما يَتَأخرُ اسْتِيفاؤه، لتَعَذُّرِ المُطالَبَةِ به، فأشْبَهَ ما لو غابَ مَن له الحَدُّ. فإنِ ارْتَدَّ مَن وَجَب له الحَدُّ، لم يَمْلِكِ المُطالَبَةَ؛ لأَنَّ حُقُوقَه وأمْلاكَه تَزُولُ أو تكونُ مَوْقُوفَةً. وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّ العَدالَةَ شَرْطٌ للحُكْمِ بها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها إلى حينِ الحُكْمِ بها، بخلافِ مَسْألَتِنا، فإنَّ العِفَّةَ شَرْط للوُجُوبِ، فلا تُعْتَبَرُ إلَّا إلى حينِ الوُجُوبِ.
فصل: ولو وَجَب الحَدُّ على ذِمِّىٍّ، أو مُرْتَدٍّ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم عادَ، لم يَسْقُطْ عنه. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَب، فلم يَسْقُطْ بدُخُولِ دارِ الحربِ، كما لو كان مُسْلِمًا دَخَل بأمانٍ.
فصل: ويُحَدُّ مَن قَذف ابنَ المُلاعِنَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، [والنَّخَعِىِّ] (١)،
стр. 12960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وجُمْهورِ العُلَماءِ. ولا نَعلمُ فيه خِلافًا. وقد روَى [ابنُ عباسٍ] (١) أنَّ النبىَّ ﷺ قَضَى في المُلاعِنَةِ، أن لا (٢) تُرْمَى، ولا يُرْمَى وَلَدُها، ومَن رَمَاها أو رَمَى وَلَدَها، فعليه الحَدُّ. رَواه أبو داودَ (٣). ولأَنَّ حَصانَتَها (٤) لمِ تَسْقُصْا باللِّعانِ، ولا يَثْبُتُ الزِّنَى به، ولذلك لم يَلْزَمْها به حَدٌّ. ومَن قَذف ابنَ المُلاعِنَةِ، فقال: هو ولدُ زِنًى. فعليه الحَدُّ، للخَبَرِ والمَعْنَى، وكذلك إن قال: هو مِن الذى رُمِيَتْ به. فأمَّا إن قال: ليس هو ابنَ فُلانٍ. يعنى المُلاعِنَ، وأرادَ أنَّه مَنْفِىٌّ عنه شَرْعًا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه صادِقٌ.
فصل: فأمَّا إن ثَبَت زنَاه ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، أو حُدَّ للزِّنَى، فلا حَدَّ على قاذِفِه؛ لأنَّه صادِدق، ولأنّ إحْصانَ المَقْذُوفِ قد زالَ بالزِّنَى. ولو قال لمَن زَنَى في شِرْكِه، أو مَن كان مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بذاتِ مَحْرَمٍ بعدَ أن أسْلَمَ: يا زَانِى. فلا حَدَّ عليه إذا فَسَّرَه بذلك. وقال مالكٌ: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَف مُسْلِمًا لم يَثْبُتْ زِنَاه في إسْلامِه. ولَنا، أنَّه قَذَف مَن ثَبَت زِنَاه، أشْبَهَ ما لو ثَبَت زِنَاه في الإِسْلام، ولأنَّه صادِق. ومُقْتَضَى كلام الخِرَقِىِّ، وُجوبُ الحَدِّ عليه؛ لقَولِه: ومَن قَذَف مَن كان مُشْرِكًا،
стр. 12961
فَصْلٌ: وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ، إلَّا في مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا، أَنْ يَرَى امْرأَتَهُ تَزْنِى في طُهْرِ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَيَعْتَزِلُهَا، وَتَأْتِى بوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الزَّانِى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا وَنَفْىُ وَلَدِهَا.
ــ
وقال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو مُشْرِكٌ. لم يُلْتَفَتْ إلى قولِه، وحُدَّ.
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (والقَذْفُ مُحَرَّم) لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ والخَبَرِ والإِجْماعِ (إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، أن يَرَى امرأتَه تَزْنِى في طُهْو لم يُصِبْها فيه، فيعْتَزِلُها، وتَأتِى بولدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ مِن الزَّانِى، فيَجِبُ عليه قَذْفها ونَفْيُه) لأَنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى اليَقِينِ في أنَّ (١) الولدَ مِن الزَّانِى، لكَوْنِها أتَتْ به لسِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوَطْءِ، فإذا لم يَنْفِه، لَحِقَه الولدُ، ووَرِثَه، ووَرِثَ أقارِبَه، ووَرِثُوا منه، ونَظَر إلى بَناتِه وأخَواتِه، وليس ذلك بجائز، فيجبُ نَفْيُه لإِزالَةِ ذلك. وقد رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ (١) لَيْسَ مِنْهُمْ،
стр. 12962
والثَّانِى، أَنْ لَا تَأْتِىَ بِوَلَدٍ يَجب نَفْيُهُ، أَوِ اسْتَفَاضَ زِنَاهَا في النَّاسِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ، وَرَأى رَجُلًا يُغرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا، فَيُبَاحُ قَذْفُهَا، وَلَا يَجِبُ.
ــ
فلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِى شَئٍ، ولَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ». رَواه أبو داودَ (١). وقولُه: «وهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْه». يَعْنى يَرَاه منه، فكما حَرُمَ على المرأةِ أن تُدْخِلَ على قَوْمٍ مَن ليس منهم، فالرجُلُ مثلُها، وكذا لو أقَرَّت بالزِّنَى، ووَقَع في نَفْسِه صِدْقُها، فهو كما لو رَآها.
(الثانى أن لا تَأْتِىَ بولدٍ يَجِبُ نَفْيُه) مثلَ أن يَرَاها تَزْنِى، ولا تَأْتِىَ بولَدٍ يَلْحَقُه نَسَبُه، أو يكونَ ثَمَّ ولدٌ لكن لا يعلمُ أنَّه مِن الزِّنَى (أو اسْتَفاضَ زِنَاها في الناسِ، أو أخْبَرَه به ثِقَةٌ، ورَاى رجلًا يُعْرَفُ بالفُجُورِ يَدْخُلُ إليها، فيُبَاحُ قَذْفُها) لأنَّه يَغْلِبُ على ظَنِّه فُجورُها (ولا يجبُ) لأنَّه يُمْكِنُه
стр. 12963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُفارَقَتُها. وقد روَى عَلْقمَةُ، [عن عبدِ اللَّه] (١) أنَّ رجُلًا أتَى النبىَّ ﷺ فقال له: أرأيتَ رجُلًا وَجَد مع امرأتِه رجُلًا فتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوه، أو قَتَل قَتَلْتُمُوه، أو سَكَتَ سَكَتَ على غَيْظٍ (٢). فذَكَرَ أنَّه يَتَكَلَّمُ أو يَسْكُتُ، فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ ﷺ ، والسكوتُ ههُنا أوْلَى إن شاء اللَّه تعالى، لأنَّه أسْتَرُ، ولأَنَّ قَذْفَها يَلْزَمُ منه أن يَحْلِفَ أحَدُهما كاذِبًا، أو يُقِرَّ فيَفْتَضِحَ (٣).
فصل: ولا يجوزُ قَذْفُها بخَبَرِ مَن لا يُوثَقُ بخَبَرِه، لأنَّه غيرُ مَأمُونٍ على الكذِبِ عليها، ولا برُؤيته رجلًا خارِجًا مِن عندِها، مِن غيرِ أن يَسْتَفِيضَ زِنَاها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ دَخَل سارِقًا، أو هارِبًا، أو لحاجَةٍ،
стр. 12964
وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالف لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا، لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ.
ــ
أو لغَرَضٍ فاسدٍ، فلم تُمَكِّنْه، ولا لاسْتِفاضَةِ ذلك في الناسِ مِن غيرِ قَرِينةٍ تدُلُّ على صِدْقِهِم؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ أعْداؤُها أشاعُوا ذلك عنها. وفيه وَجْهٌ، أنَّه يجوزُ؛ لأَنَّ الاسْتِفاضَةَ أقْوَى مِن خَبَرِ الثِّقَةِ.
٤٤٣٩ - مسألة: (وإن أتَتْ بوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُه لوْنَهما، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلَامِه إباحَتُه) إذا أتَتْ بولدٍ يُخالِفُ لوْنُه لوْنَهما، ويُشْبِهُ رجلًا غيرَ والدَيْه، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاءَ رجلٌ [مِن بَنِى فَزارةَ] (١) إلى النبىِّ ﷺ ، فقال: إنَّ امْرأتِى جاءت بوَلَدٍ أَسْوَدَ. يُعَرِّضُ بنَفْيِه، فقال له النبىُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم. قال: «فَمَا أَلْوَانُها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ؟». قال: إنَّ فيهِا لوُرْقًا. قال: «فَأنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟» قال: عسى أن يكونَ نزَعَه عِرْقٌ. قال: «وهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ». قال: ولم يُرَخِّصْ له في الانْتِفاءِ منه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأَنَّ الناسَ كُلَّهم مِن آدَمَ وحَوَّاءَ، وألْوانُهم وخِلَقُهُم مُخْتَلِفَةٌ، ولَوْلَا مُخالَفَتُهُم شَبَهَ والِدَيْهِم، لَكانُوا على صِفَةٍ واحدةٍ، ولأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ
стр. 12965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَعِيفَةٌ، ودلالةَ وِلادَتِه على الفِرَاشِ قَويةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ القَوِىِّ لمُعارَضَةِ الضعيفِ، ولذلك لَمَّا تَنازَعَ سعدُ بنُ أبى وَقَّاص، وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، في ابنِ (١) وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، ورَأَى النبىُّ ﷺ شَبَهًا بَينا بعُتْبَةَ، ألْحَقَ الولدَ بالفِرَاشِ وتَرَكَ الشَّبَهَ (٢). وهذا اخْتِيارُ أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، وأحدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ. وذَكَرَ القاضى، وأبو الخَطَّابِ، أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ جوازُ نَفْيِه. وهو الوَجْهُ الثانى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لقوْلِ النبىِّ ﷺ في حديثِ اللِّعَانِ: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ جَعْدًا جُمَاليًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سابغ الألْيَتَيْن، فَهُو للَّذِى (٣) رُمِيَتْ بِهِ». فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبىُّ ﷺ : «لَوْلَا الأيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ» (٤). فجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا على نَفْيِه عنه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ. وهذا الحديثُ إنَّما يَدُلُّ على نَفْيِه عنه، مع ما تَقَدَّمَ مِن لِعانِه ونَفْيِه إيّاهُ عن نَفْسِه، فجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا (٥) لقولِه ودليلًا على تَصْدِيقِه، وما تَقَدَّمَ مِن الأحادِيثِ يَدُلُّ على عَدَمِ اسْتِقْلالِ الشَّبَهِ (٦) بالنَّفْى، ولأَنَّ هذا كان في موضِعِ زال الفِراشُ،
стр. 12966
فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانى، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ. وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ. وَإِنْ قَالَ يَالُوطِىُّ، أَوْ: يَا مَعْفُوجُ.
ــ
وانْقَطَعَ نَسَبُ الولدِ عن صاحِبِه، فلا يَثْبُتُ مع بَقاءِ الفِرَاشِ المُقْتَضِى لُحُوقَ النَّسَبِ بصاحِبِه. وإن كان يَعْزِلُ عن امرأتِه، لم يُبَحْ له نَفْيُه؛ لِما روَى أبو سعيدٍ أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُصِيبُ النِّساءَ، ونُحِبُّ الأثْمانَ، أفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسمَةٍ خَلَقَهَا» (١). ولأنَّه قد يَسْبِقُ مِن الماءِ ما لا يُحِسُّ به فيَعْلَقُ.
فصل: قال ﵀: (وألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايةٍ، فالصَّرِيحُ قولُه: يا زانِى، يا عاهِرُ، زَنَى فَرْجُك. ونحوُه ممَّا لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، فلا يُقْبَلُ قولُه بما يُحِيلُه) لأنَّه صَرِيحٌ فيه، فأشْبَهَ التَّصْرِيحَ بالطَّلاقِ.
٤٤٤٠ - مسألة: (وإن قال: يَا لُوطِىُّ. أو: يا مَعْفُوجُ (٢). فهو
стр. 12967
فَهُوَ صَرِيحٌ.
ــ
صَرِيحٌ) في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وعليه الحَدُّ إذا قَذَفَه بعملِ قومِ بُوطٍ، إمَّا فاعِلًا أو مَفْعولًا به، فعليه حَدُّ القَذْفِ. وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ [بنُ الحسنِ] (١)، وأبو ثَوْرٍ. وقال عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه. لأنَّه قَذَف بما لا يُوجِبُ الحَدَّ عندَه، وعندَنا هو مُوجِبٌ للحَدِّ، وقد بَيَّنَّاه فيما مَضَى. وكذلك لو قَذَف امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أو قَذَف رجلًا بوَطْءِ امرأةٍ في دُبُرِها، فعليه الحَدُّ عندَنا، وعندَ أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، ومَبْنَى الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في وُجوبِ حَدِّ الزِّنَى على فاعِلِ ذلك، وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ فيه. فإن قَذَف رجلًا بإتْيَانِ بَهِيمةٍ، انْبَنَى ذلك على وُجوبِ الحَدِّ على فاعِلِه، فمَن أوْجَبَ عليه الحَدَّ، أوْجَبَ حَدَّ القَذفِ على قاذِفِه (٢)، ومَن لا فلا. وكلُّ ما لا يَجِبُ الحَدُّ بفِعْلِه، لا يجبُ الحَدُّ على القاذِفِ به، كما لو قَذَف إنْسانًا بالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ (٣)، أو بالوَطْءِ بالشُّبْهَةِ، أو قَذَف امرأةً بالمُساحَقَةِ، أو بالوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لم يَجِبِ
стр. 12968
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
ــ
الحَدُّ على القاذِفِ؛ لأنَّه رَمَاه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه باللَّمْسِ والنَّظَرِ. وِكذلك لو قال: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا مُنافِقُ، يا فاجرُ، يا خبِيثُ، يا أعْوَرُ، يا أقْطَعُ، يا أعْمَى، يا مُقْعَدُ، يا ابنَ الزَّمِنِ الأَعْمَى الأعْرَجِ. فلا حَدَّ عليه (١) في ذلك كلِّه؛ لأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فهو كما لو قال: يا كاذِبُ، يا نَمَّامُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، ولكنَّه يُعَزَّرُ لسَبِّ النَّاسِ وأذَاهُم، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَ مَن لا يُوجِبُ قَذْفُه الحَدَّ.
٤٤٤١ - مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ) بقَوْلِى: يا لُوطِىُّ (أنَّكَ مِن قَوْمِ لُوطٍ) فقال الخِرَقِىُّ: (لَا حَدَّ عليه. وهو بَعِيدٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فروَى عنَه جَماعةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه الحَدُّ
стр. 12969
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرَّجُلِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
ــ
بقولِه: يا لُوطِىُّ. ولا يُسْمَعُ تَفْسِيرُه بما يُحِيلُ القَذْفَ. وهو اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ. ونحوَه قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ. والثانيةُ، لا حَدَّ عليه. نَقَلَها المَرُّوذِىُّ. ونحوَ هذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ. قال الحسنُ: إذا قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَه دِينُ لُوطٍ. فلا حَدَّ عليه. وِإن قال: أردتُ أنَّه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. فعليه الحَدُّ. ووَجْهُ ذلك، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يَجِبْ عليه حَدٌّ، كما لو فَسَّرَه به مُتَّصِلًا بكَلامِه. وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّه إذا كان في غَضَبِه، قال: إنَّه لأهْلٌ أن يُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ قَرِينَةَ الغَضَبِ تَدُلُّ على إرادَةِ القَذْفِ، بخلافِ حالِ الرِّضا. والصَّحِيحُ في المذهبِ الرِّوايةُ الأُولَى؛ لأَنَّ هذه الكَلِمَةَ لا يُفْهَمُ منها إلَّا القَذْفُ بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فكانتْ صريحةً فيه، كقولِه: يا زَانِى. ولأَنَّ قومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحَدٌ، فلا يَحْتَمِلُ أن يُنْسَبَ إليهم.
٤٤٤٢ - مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غيرَ إتْيَانِ الرِّجَالِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن) نحوَ أن يقولَ: أرَدْتُ أنَّك على دِينِ
стр. 12970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لُوطٍ، أو أنَّك تُحِبُّ الصِّبْيانَ وتُقَبِّلُهم، أو تَنْظُرُ إليهم، أو أنَّكَ تَتَخَلَّقُ بأخْلاقِ قَوْمِ لُوطٍ في أنْدِيَتِهم، غيرَ إتْيانِ الفاحِشَةِ، أو أنَّكَ تَنْهَى عن الفاحِشَةِ كنَهْىِ لُوطٍ عنها. أو نحوَ ذلك، خُرِّجَ في ذلك كلِّه وَجْهان؛ بناءً على الرِّوايَتَيْن المنْصُوصَتَيْن في المسألةِ المَذْكُورةِ؛ لأَنَّ هذا في مَعْناه.
فصل: وإن قال: يا مَعْفُوجُ. فالمنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ. وكَلامُ الخِرَقِىِّ يَقْتضى أنَّه يُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِه، فإن فَسَّرَه بغيرِ الفاحِشَةِ، مثلَ أن قال: أرَدْتُ يا مَفْلُوجُ، أو: مُصابًا دُونَ الفَرْجِ. ونحوَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه فَسَّرَه بما لا حَدَّ فيه، وإن فسَّرَه بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فعليه الحَدُّ، كما لو صَرَّحَ به. ووَجْهُ القَوْلَيْن ما تَقَدَّمَ في التى قبلَها.
стр. 12971
وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ. فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ.
ــ
٤٤٤٣ - مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِ فُلانٍ. فقد قَذَف أُمَّه) إذا نَفَى رجلًا عن أبِيه، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَفَ أُمَّه. نَصَّ عليه أحمدُ. إلَّا أنَّه يُسْأَلُ عمَّا أرادَ، فإن فَسَّرَه بالقَذْفِ، فهو قاذِفٌ، وإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، ثم اسْتَلْحَقَه أبُوه، فهو قَذْفٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن لم يَكُنِ اسْتَلْحَقَه، فلا حَدَّ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ نَفَى الولدَ المَنْفِىَّ باللِّعانِ عن أبيه، إلَّا أن يُفَسِّرَه بأنَّ أُمَّه زَنَت، فيكونُ قاذِفًا، وإن لم يكُنْ كذلك، فهو قَذْفٌ في الظَّاهِرِ للأُمِّ؛ لأنَّه لا يكونُ لغيرِ أبيه إلا بزنَى أُمِّه. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَذْفًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ أنَّك لا تُشْبِهُه في كَرَمِه وأخْلاقِه. وكذلك إنْ نَفاه عن قَبِيلَتِه. وبهذا قال النَّخْعىُّ، وإسْحاقُ. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وحَمَّاد، إذا نَفاه عن أَبيه (١) وكانت أُمُّه مُسْلِمَةً حُرَّةً، وإن كانت ذِمِّيَّةً أو رَقِيقَةً، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ القَذْفَ لها. ووَجْهُ الأَوَّلِ ما روَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ عن النبىِّ ﷺ أنَّه كان يقولُ: لَا أُوتَى
стр. 12972
وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِى. فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
برَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ. إلَّا جَلَدْتُه (١). وعن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: لا جَلْدَ إلَّا في اثْنَتَيْن؛ رجلٌ قَذَف مُحْصَنَةً، أو نَفَى رجلًا عن أبِيه (٢). وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا. فأمَّا إن نَفاه عن أُمِّه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أحَدًا بالزِّنَى، وكذلك إن قال: إن لم تَفْعَلْ كذا، فلسْتَ بابنِ فُلانٍ. لأَنَّ القَذْفَ لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ. قال شيخُنا (٣): والقِياسُ يَقْتَضِى أن لا يَجِبَ الحَدُّ بنَفْىِ الرجلِ عن قَبِيلَتِه؛ لأَنَّ ذلك لا يَتَعَيَّنُ فيه الرَّمْىُ بالزِّنَى، فأشْبَهَ ما لو قال للأعْجَمِىِّ: إنَّك (٤) عَرَبِىٌّ.
٤٤٤٤ - مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِى. فعلى وَجْهَيْن) أحدُهما، أنَّه يكونُ قَذْفًا لها؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ ولَدَه، كان لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال لأجْنَبِىٍّ: لستَ بوَلدِ فُلانٍ. فإنَّه يكونُ قَذْفًا لأُمِّه، كذا ههُنا.
стр. 12973
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسَ. أَوْ: أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ.
ــ
والثانى، لا يكونُ قاذِفًا. قاله القاضى؛ لأَنَّ للرجلِ أن يُغَلِّظَ لوَلدِه في القَوْلِ والفِعْلِ.
٤٤٤٥ - مسألة: (وإن قال: أنتَ أَزْنَى النَّاسِ، أو أزْنَى مِن فُلانَةَ) فهو قاذِفٌ له؛ لأنَّه أضَافَ إليه الزِّنَى بصِفَةِ المُبَالَغَةِ. وهذا قولُ أبى بَكْرٍ. وأمَّا الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ قاذِفًا له (١). اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إليهما، وجَعَل أحدَهما فيه أبْلَغَ مِن الآخَرِ، فإنَّ لَفْظَةَ أفعلِ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِى اشْتِراكَ المَذْكُورَيْن في أصلِ الفِعْلِ، وتَفْضِيلَ أحَدِهما على الآخَرِ فيه، كقولِه: أجْوَدُ مِن حاتمٍ. والثانى، يكونُ قاذفًا للمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لأَنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ تُسْتَعْمَلُ للمُنْفَرِدِ بالفِعْلِ، كقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ (٣). وقال لُوطٌ: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٤). أى مِن أدْبارِ
стр. 12974
أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ. أَوْ لِامْرأةٍ: يَا زَانِى. أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ. فَهُوَ صَرِيحٌ في الْقَذْفِ في قَوْلِ أبى بَكْرٍ. وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامَدٍ.
ــ
الرجالِ، ولا طَهارَةَ فيهم. وقال الشافعى، وأصحابُ الرَّأْى: ليس بقَذْفٍ للأوَّلِ ولا للثانى، إلَّا أن يُرِيدَ به القَذْفَ. وهو قولُ ابنِ حامِدٍ. ولَنا، أنَّ مَوْضوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِى ما ذَكَرْنا، فحُمِلَ عليه، كما لو قال: أنتَ زَانٍ.
٤٤٤٦ - مسألة: (وإن قال لرجلٍ: يا زَانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زانِى. أو قال: زَنَت يَدَاكَ ورِجْلَاكَ. فهو صَرِيحٌ في القَذْفِ، في قولِ أبى بكرٍ، وليس بصَرِيحٍ عندَ ابنِ حامِدٍ) أمّا إذا قال لرجلٍ: يا زانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زانِى. فاخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه صَرِيح في قَذْفِهما. وهو مذهبُ الشافعىِّ. واخْتارَ ابنُ حامدٍ أنَّه ليس بقَذْفٍ، إلَّا أن يُفَسِّرَه به. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُريدَ بقولِه: يا زانِيَةُ. أى يا عَلَّامَةُ في الزِّنَى. كما يُقالُ للعالمِ: عَلَّامَةٌ. وللكَثِيرِ الرِّوايَةِ: رَاوِيَةٌ.
стр. 12975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولكثيرِ الحِفْظ: حُفَظَةٌ. ولَنا، أنَّ ما كان قَذْفًا لأحَدِ الجِنْسَيْن، كان قَذْفًا للآخَرِ، كقولِه: زَنَيْت. بفَتْحِ التَّاءِ وبكسرِها لهما جميعًا، ولأَنَّ هذا اللَّفْظَ خِطابٌ لهما (١)، وإشارَة إليهما بلفظِ الزِّنى، وذلك يُغْنِى عن التَّمْييزِ بتاءِ التأنيثِ وحَذْفِها. ولذلك (٢) لو قال للمرأةِ: يا شخصًا زانِيًا. وللرجلِ: يا نَسَمَةً زانِيَةً. كان قاذِفًا. وقولُهم: إنَّه يريدُ بذلك أنَّه عَلَّامَةٌ في الزِّنى. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كان اسْمًا للفعلِ إذا دَخَلَتْه الهاءُ كانت للمُبالَغةِ، كقولِهم: حُفَظَة. [في الحِفْظِ] (٣)، وراويَةٌ. للمُبالَغَةِ في الرِّوايةِ. كذلك هُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ وصُرَعَةٌ. ولأَنَّ كثيرًا مِن الناسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ، ويُؤَنِّثُ المُذَكَّرَ، ولا يَخْرُجُ بذلك عن كوْنِ المُخاطَبِ به مُرادًا بما يُرادُ باللَّفْظِ الصَّحيحِ. وإن قال: زَنَتْ يَداكَ. أو: رِجلاكَ. لم يَكُنْ قاذِفًا في ظاهرِ المذهبِ. وهو قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأَنَّ زِنَى هذه الأعْضاءِ
стр. 12976
وَإِنْ قَالَ زَنَأْتَ في الْجَبَلِ. مَهْمُوزًا، فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أبى بَكْرٍ. وَقَالَ ابَنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا. وَإِنْ لَمْ
ــ
لا يُوجب الحَدَّ، بدَليلِ قولِ النبىِّ ﷺ : «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيانِ وَزِنَاهُمَا البَطْشُ، والرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وزِنَاهُمَا المَشْىُ، ويُصَدِّقُ ذلِك (١) الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه» (٢). وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قذفًا؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إلى عُضْوٍ منه، فأشْبَهَ ما لو أضافَه إلى الفَرْجِ. والأَوْلَى أن يُرْجَعَ إلى تَفسِيرِه.
٤٤٤٧ - مسألة: (وإن قال: زَنَأْتَ فِى الجَبَلِ. مَهْمُوزًا، فهو صَرِيحٌ عندَ أبِى بكرٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، فليس
стр. 12977
يَقُلْ: في الْجَبَلِ. فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أوْ كَالَّتِى قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
بِصَرِيحٍ) إذا قال: زَنَأْتَ في الجبلِ. بالهَمْزِ، فهو صَرِيحٌ عندَ أبى بكرٍ، وأبى الخَطَّابِ؛ لأَنَّ عامَّةَ النَّاسِ لا يَفْهَمُون مِن ذلك إلَّا القَذْفَ، فكان قَذْفًا، كما لو قال: زَنَيْتَ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان عامِّيًّا، فهو قَذْفٌ؛ لأنَّه لا يُريدُ به إلَّا القَذْفَ، وإن كان مِن أهلِ العربيَّةِ، لم يَكُنْ قَذْفًا؛ لأَنَّ مَعْناه في العربيَّةِ، طَلَعْتَ، كقولِ الشاعرِ (١):
* وَارْقَ إلى الخيْرَاتِ زَنْأً في الجبل *
فالظاهِرُ أنَّه يُرِيدُ مَوْضُوعَه. ولأصحابِ الشافعىِّ في كَوْنِه قَذْفًا وَجْهان. وإن قال: زَنَأْتَ. ولم يَقُلْ: في الجبلِ. فالحكمُ فيه كالتى قبلَها. وقال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: ليسن بقَذْفٍ. قال الشافعىُّ: ويُسْتَحْلَفُ على ذلك. ولَنا، أنَّه إذا كان عامِّيًّا لا يَعْرِفُ مَوْضُوعَه في اللغةِ، تَعَيَّنَ مُرادُه في القَذْفِ، ولم يُفْهَمْ منه سِوَاه، فوَجَبَ أن يكونَ قَذْفًا، كما لو فسَّرَه بالقَذْفِ، أو لحَن لَحْنًا غيرَ هذا.
стр. 12978
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال لرجل: زَنَيْتَ بفلانةَ. كان قاذِفًا (١) لهما. وقد نُقِلَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه سُئِلَ عن رجل قال لرجل: يا ناكِحَ أُمِّه. ما عليه؟ قال: إن كانتْ أُمُّه حَيَّةً، فعليه للرجلِ حَدٌّ، ولأُمِّه حَدٌّ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّه إذا قال الرجلُ للرجلِ: يا زَانِىَ ابنَ الزَّانِى؟ قال: عليه حَدَّان. قلتُ: أبلَغَكَ في هذا شئٌ؟ قال: مَكْحُولٌ قال: فيه حَدَّان. وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فهو قاذِفٌ لها، سَواءٌ لَزِمَه حَدُّ الزِّنَى بإقْرارِه أو لم يَلْزَمْه. وبهذا قال ابنُ المُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ. ويُشْبهُ مذْهبَ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه (٢) يُتَصَوَّرُ منه الزِّنَى بغيرِ زِنَاها، لاحْتِمالِ أن تكونَ مُكْرَهَةً، أو مَوْطوءَةً بشُبْهَةٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا مِن بكرِ بنِ لَيْثٍ، أتَى النبىَّ ﷺ فأقَرَّ أنَّه زَنى بامرأةٍ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فجلَدَه النبى ﷺ مائةً، وكان بِكْرًا،
стр. 12979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم سألَه البَيِّنَةَ على المرأةِ، فقالت (١): كَذَبَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ. فجَلَدَه حَدَّ الفِرْيَةِ ثمانينَ (٢). والاحْتِمالُ الذى ذَكَرَه لا يُنافِى الحَدَّ، بدليلِ ما لو قال: يا نايِكَ أُمِّه. فإنَّه يَلْزَمُه الحَدُّ، مع احْتِمالِ أن يكونَ فَعَل ذلك بشُبْهَةٍ. وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّه جَلَد رجلًا قال لرجلٍ ذلك (٣). ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ (٤) قولِ أبى حنيفةَ، بِناءً على ما إذا قال لامرأتِه: يا زانيةُ. فقالتْ: بك زَنيتُ. فإنَّ أصحابَنا قالوا: لا حَدَّ عليها في قولِها: بكَ زَنَيْتُ؛ لاحْتمالِ وُجودِ الزِّنَى منه (٥) مع كَوْنِه واطِئًا بشُبْهَةٍ. ولا يجبُ الحَدُّ عليه؛ لتَصْدِيقِها إيَّاه. وقال الشافعىُّ: عليه الحَدُّ دُونَها، وليس هذا بإقْرارٍ صَحِيحٍ. ولَنا، أنَّها صَدَّقَتْه، فلم يَلْزَمْه حَدٌّ، كما لو [قالَتْ: صَدَقْتَ. ولو قال: يا زانيةُ. قالَتْ] (٦): أنت أزْنَى مِنِّى. فقال أبو بكرٍ: هى كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ، ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخِلافِ التى قبلَها، فإنَّها أضافَتِ الزِّنَى إليه، وفى التى قبلَها أضافَتْه إلى نَفْسِها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ على القاذِفِ إلَّا باللَّفْظِ الصَّريحِ الذى لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، وهو أن يقولَ: يا زَانى. أو يَنْطِقَ باللَّفْظِ الحَقِيقِىِّ في الجِماعِ، فأمَّا ما عَداه مِن الألْفاظِ، فيُرْجَعُ فيه إلى تَفْسِيرِه، كما ذَكَرَه في قولِه: يا لُوطِىُّ، يا مَعْقُوجُ. فلو قال لرجل: يا مُخَنَّثُ. أو لامرأةٍ: يا قَحْبَةُ. وفَسَّرَه بما ليس بقَذْفٍ، نحوَ أن يُرِيدَ بالمُخَنَّثِ أنَّ فيه طِباعَ التَّأْنيثِ والتَّشَبُّهَ بالنِّساءِ، وبالقَحْبَةِ أنَّها تَسْتَعِدُّ لذلك، فلا حَدَّ عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرَةُ، يا خَبِيثَةُ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ في هذا [رِوايةً أُخْرَى] (١)، أنَّه كَلَّه صريحٌ، يجِبُ به الحَدُّ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ. قال أحمدُ في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا أرَى الحَدَّ إلَّا على مَن صَرَّحَ بالقَذْفِ والشَّتِيمَةِ (٢). وقال ابنُ المُنْذِرِ (٣): الحَدُّ على مَن نَصَب الحَدَّ (٤) نَصْبًا. ولأنَّه قولٌ يَحْتَمِلُ غيرَ الزِّنَى، فلم يَكُنْ صَرِيحًا في القَذْفِ، كقولِه: يا فاسِقُ. وكذلك [إن فَسَّر ذلك بما ليس بقَذْفٍ، مثلَ أن يقولَ] (٥) أرَدْتُ بالنَبّطَىِّ نَبَطِىَّ اللِّسانِ، أو فارِسِىَّ الطبعِ، أو رُومِىَّ الخِلْقَةِ، فإنَّه لا حَدَّ عليه.
стр. 12982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه في مَن قال: يا فارِسِىُّ. أنَّه يُحَدُّ، لأنَّه جَعَلَه لغيرِ أبِيه. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناه، فلا يكونُ قَذْفًا. وكذلك إن قال: أفْسَدْتِ عليه فِراشَه. أى خرَقْتِ فِراشَه، أو أتْلَفْتِه. وفى قولِه: عَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه. أى الْتَقَطْتِ ولدًا، وذَكَرْتِ أنَّه وَلَدُه، فإن فَسَّرَ شيئًا مِن ذلك بالزِّنَى، فلا شَكَّ في كَوْنِه قَذْفًا. ومِن صُوَرِ التَّعْرِيضِ أن يقولَ لزَوْجَةِ الآخرِ: قد فَضَحْتِه، وغَطَّيْتِ، أو: نَكَسْتِ رَأسَه، وجَعَلْتِ له قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه، وأفْسَدْتِ فِراشَه. فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في جميعِ ذلك رِوايَتَيْن. وذَكَر أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ رَجَع عن القَوْلِ بوُجوب الحَدِّ في التَّعْريضِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في التَّعْريضِ بالقَذْفِ، مثلَ أن يقولَ لمَن يُخاصِمُه: ما أنتَ بزَانٍ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنَى، يا حَلالُ ابنَ الحلالِ. أو يقولَ: ما أنا بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ. فرَوَى عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا حَدَّ عليه. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتيارُ أبى بكرٍ. وبه قال عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ، لِما رُوِى أنَّ [رجلًا مِن بنى فَزارَةَ أتَى] (١) النبىَّ ﷺ فقال (٢): إنَّ امرأتِى وَلَدَتْ غُلامًا
стр. 12983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أسْودَ. يُعَرِّضُ بنَفْيِه (١). فلم يَلْزَمْه بذلك حَدٌ ولا غيرُه. وقد فَرَّقَ اللَّهُ تعالى بينَ التَّعْريضِ بالخِطْبَةِ والتَّصْريحِ بها، فأباحَ التَّعْريضَ، وحَرَّمَ التَّصريحَ، وكذلك في القَذفِ، ولأَنَّ كلَّ كلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَييْن لم يَكُنْ قَذْفًا، كقولِه: يا فاسِقُ. وروَى الأَثْرَمُ وغيرُه، أنَّ عليه الحَدَّ. رُوِى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال إسْحاقُ، لأَنَّ عمرَ حينَ شاوَرَهم في الذى قال لصاحِبِه: ما أبى بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ. فقالوا: قد مَدَح أباه وأمَّه. فقال عمرُ: قد عَرَّضَ بصاحِبِه؛ فجَلَدَه الحَدَّ (٢). وروَى الأَثْرَمُ (٣)، أنَّ عثمانَ جَلَد رجلًا قال لآخَرَ: يا ابنَ شامَّةِ (٤) الوَذْرِ. يُعَرِّضُ له بزِنَى أمِّه. والوَذْرُ: قِدْرُ اللَّحْمِ. يُعَرِّضُ بكَمَرِ (٥) الرِّجالِ. ولأن الكِنايَةَ مع القَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاِئها، كالصَّريحِ (٦) الذى لا يَحْتَمِلُ إلَّا ذلك المَعْنَى، ولذلك وَقَع الطَّلاقُ بها، فأمّا إن لم يَكُنْ في حالِ
стр. 12984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخُصُومَةِ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فلا شَكَّ في أنَّه لا يكونُ قَذْفًا.
فصل: [وإن] (١) قال لرجل: يا دَيُّوثُ، يا كَشْخَانُ (٢). فقال أحمدُ: يُعَزَّرُ. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: الدَّيُّوثُ الذى يُدْخِلُ الرِّجالَ على امرأتِه. وقال ثعلبٌ: القَرْطَبَانُ الذى يَرْضَى أن يَدْخُلُ الرِّجالُ على نِسائِه. وقال: القَرْنَانُ والكَشْخَانُ، لم أرَهُما في كلامِ العربِ، ومَعْناه عندَ العامَّةِ مثلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أو قريبًا منه. فعلى القاذِفِ به التَّعْزِيرُ، على قِياسِ قولِه في الدَّيُّوثِ، لأنَّه قَذَفَه بما لا حَدَّ فيه. وقال خالدُ بنُ يزيدَ، عن أبِيه، في الرجلَ يقولُ للرجلِ: يا قَرْنَانُ: إذا كان له أخَواتٌ أو بناتٌ في الإِسلامِ، ضُرِبَ الحَدَّ. يَعْنِى أنَّه قاذِفٌ لَهنَّ. وقال خالدٌ، عن أبِيه: القَرْنَانُ عندَ العامَّةِ مَن له بناتٌ، والكَشْخَانُ مَن له أخَوات. يَعنى -واللَّه، أعلمُ- إذا كان يُدْخِلُ الرِّجالَ عليهنَّ. والقَوَّادُ عندَ العامَّةِ السِّمْسارُ في الزِّنَى. والقَذْفُ بذلك كلِّه يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لأنَّه قَذْفٌ بما لا يُوجِبُ الحَدَّ.
٤٤٤٩ - مسألة: (أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقولُ: صَدَقْتَ. أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنيْتَ. وكَذَّبَه الآخَرُ، فهو كِنَايَة ،
стр. 12985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا فَسَّرَه بما يَحْتَمِلُهُ غيرُ القَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُه في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفِى الآخَرِ، هو صَريحٌ) إذا سَمِع رجلًا يقْذِفُ رجلًا، فقال: صدَقْتَ. فالمُصدِّقُ قاذِفٌ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ تَصْدِيقَه ينْصَرِفُ إلى ما قالَه، بدليلِ ما لو قال: لى عليك ألفٌ. فقال: صَدَقْتَ. كان إقْرارًا بها. ولو قال: أعْطِنِى ثَوْبِى هذا. قال صَدَقْتَ. كان إقْرارًا. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ قاذِفًا. وهو قولُ زُفَرَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أرادَ تَصْدِيقَه في غيرِ القَذْفِ. ولو قال: أخْبَرَنِى فلان أنَّكَ زَنَيْت. لم يَكُنْ قاذِفًا، سَواءٌ صَدَّقَه المُخْبَرُ عنه أو كَذَّبَه. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَه الآخرُ. ذكَرَه أبو الخَطَّاب. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ. ونحوُه عن الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه أخْبَرَ بزِنَاه. ولَنا، أَنَّه إنَّما أخْبَرَ
وإنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.
ــ
٤٤٥٠ - مسألة: (وإن قَذف أَهْلَ بَلَدٍ أو جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِن جَمِيعِهم، عُزِّرَ، ولم يُحَدَّ) لأنَّه لا عارَ على المَقْذُوفِ بذلك، للقَطْعِ بكَذِبِ القاذِفِ، ويُعَزَّرُ على ما أتَى به مِن المَعْصِيَةِ والزُّورِ، فهو كما لو سَبَّهُم بغيرِ القَذْفِ.
стр. 12988
وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِى. فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ. قَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ. لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا.
ــ
٤٤٥١ - مسألة: (وإن قال لرجلٍ: اقْذِفْنِى. فقذَفَه. فهل يُحَدُّ) أو يُعَزَّرُ؟ (على وَجْهَيْن) وهذا مَبْنِىٌّ على الاخْتِلافِ في حَدِّ القَذْفِ، إن قُلْنا: هو حَقٌّ للَّه تعالى. وَجَب عليه، ولم يَسقُطْ بالإِذْنِ فيه، كالزِّنَى، وإن قُلْنا: هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ. لم يجبْ عليه الحَدُّ، كما لو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه فَعَل مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه.
٤٤٥٢ - مسألة: (وإن قال لامرأتِه: يَا زانِيَةُ. قالَتْ: بكَ زَنَيْتُ. لم تَكُنْ قاذِفَةً) (١) لأنَّها صَدَّقَتْه فيما قال، فلم يَجِبْ عليه
стр. 12989
وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرأةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إِذَا كَانَتِ الأُمُّ في الحياةِ، وَإِنْ قُذِفَتْ وَهىَ مَيِّتَةٌ؛ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الْابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا. ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ.
ــ
حَدٌّ (١)، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ. ولا يَجِبُ عليها [حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الزِّنَى منها به مِن غيرِ أن يكونَ زَانِيًا، بأن يكونَ قد وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ولا يَجِبُ عليها حَدُّ الزِّنَى] (٢)؛ لأنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ.
٤٤٥٣ - مسألة: (وإذا قُذِفَتِ المرأةُ، لم يَكُنْ لوَلَدِها المُطالَبَةُ، إذا كانتِ الأمُّ في الحَياةِ، وإن قُذِفَتْ وهى مَيتةٌ، مُسْلِمَةً كانَتْ أو كافِرَةً، حُرَّةً أو أمَةً، حُدَّ القاذِفُ إذا طالَبَ الابنُ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِ مَيِّتةٍ) أمَّا إذا قُذِفَتْ
стр. 12990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهى في الحياةِ، فليس لوَلَدِها المُطالبةُ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فلا يُطالِبُ به غيرُها، ولا يقومُ غيرُها مَقامَها، سَواءٌ كان مَحْجُورًا عليها أو غيرَ مَحْجُورٍ عليها؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّى, فلا يقومُ فيه غيرُ المُسْتَحِقِّ مَقامَه، كالقِصاصِ، وتُعْتَبَرُ حَصانتها (١)؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فتُعْتَبَرُ حَصانَتُها (١)، كما لو لم يَكُنْ لها ولدٌ. وأمَّا إن قُذِفَتْ وهى مَيتة، فإن لوَلَدِها المُطالَبَةَ؛ لأنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه، لأنَّه بقَذْفِ أمِّه يَنْسِبُه إلى أنَّه مِن زِنًى، ولا يَسْتَحِقُّ ذلك بطريقِ الإِرْثِ، فلذلك تُعْتَبَرُ الحَصانةُ فيه (٢)، ولا تُعْتَبَرُ الحَصانَةُ في أُمِّه؛ لأَنَّ القَذْفَ له. وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتةٍ بحالٍ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَذْفٌ لمَن لا تَصِحُّ منه المُطالَبَةُ، فأشْبَهَ قَذْفَ المجْنونِ. وقال الشافعىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فلوَلِيِّه المطالَبَةُ، ويَنْقَسِمُ انقِسامَ المِيراثِ، وإن لم يَكُنْ مُحْصَنًا، فلا حَدَّ على قاذِفِه؛ لأنَّه