. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِياسًا على هَتْكِ الحِرْزِ، ولأَنَّ سَرِقَةَ النِّصابِ فِعْلٌ يُوجِبُ القَطْعَ، فاسْتَوَى في الواحِدُ والجماعةُ، كالقِصاصِ، ولم يُفرِّقْ أصحابُنا بينَ كَوْنِ المَسْرُوقِ ثَقِيلًا يَشْتَرِكُ الجماعةُ في حَمْلِه، وبينَ أن يُخرِجَ كلُّ واحدٍ منهم جُزْءًا، ونَصَّ أحمدُ على هذا. وقال مالكٌ: إنِ انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ منهم بجُزْء، لم يُقْطَعْ واحِدٌ منهم، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ من قاطِعِى اليَدِ بقَطعِ جُزْءٍ منها، لم يَجِبِ القِصاصُ. ولَنا، أنَّهم اشْتَركُوا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخراجِ النِّصابِ، فلَزِمَهم القَطْعُ، كما لو كان ثَقِيلًا فحَمَلُوه، وفارَقَ القِصاصَ، فإنَّه يَعْتَمِدُ (١) المُماثَلَةَ، ولا تُوجَدُ المُماثَلَةُ إلَّا أن تُوجَدَ أفْعالُهم في جميعِ أجْزاءِ اليَدِ، وفى مسألتِنا القَصْدُ الزَّجْرُ (٢) مِن غيرِ اعْتِبارِ مُماثَلَةٍ، والحاجَةُ إلى الزَّجْرِ عن إخْراجِ المالِ مَوْجودَةٌ، وسَواءٌ دَخَلا الحِرْزَ معًا، أو دَخَل أحَدُهما فأخْرَجَ بعضَ النِّصابِ، ثم دَخَل الآخَرُ فأخْرَجَ باقِيَه؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في هَتْكِ الحِرْزِ وإخْراجِ النِّصابِ، فوَجَبَ عليهما القَطْعُ، كما لو حَمَلاه معًا.
стр. 13092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان أحدُ الشَّرِيكَيْن مما لا قَطْعَ عليه، كأبى المَسْروقِ منه، قُطِعَ شَرِيكُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، كما لو شَارَكَه في قَطْعِ يَدِ ابنِه. والثانى، لا يُقْطَعُ. وهو أصَحُّ؛ لأَنَّ سَرِقَتَهما جميعًا صارَتْ عِلَّةً لقَطْعِهما، وسَرِقَةُ الأبِ لا تَصْلُحُ مُوجِبَة للقَطْعِ؛ لأنَّه أخَذَ ما لَه أخْذُه (١)، بخِلافِ قَطْعِ يَدِ ابنِه، فإنَّ الفِعْلَ تَمَحَّضَ عُدْوانًا، وإنَّما سَقَطَ (١) القِصاصُ لفَضِيلةِ الأبِ، لا لمَعْنًى في فِعْلِه، [وههُنا فِعْلُه] (٢) قد تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فوَجَبَ أن لا يَجِبَ القَطْعُ به، كاشْتِراكِ العامِدِ والخاطِئَ. فأمَّا إن أخْرَجَ كلُّ واحدٍ منهما نِصابًا، وَجَب القَطْعُ على شَرِيكِ الأب؛ لأنَّه انْفَرَدَ بما يُوجِبُ القَطْعَ. فإن أخْرَجَ الأبُ نِصابًا، وشَرِيكُه دونَ النِّصَابِ، ففيه الوَجْهان. وإنِ اعْتَرَفَ اثْنانِ بسَرِقَةِ نِصابٍ، ثم رَجَع أحَدُهما، فالقَطْعُ على الآخَرِ؛ لأنَّه اخْتَصَّ بالاسْقاطِ فيَخْتصُّ بالسُّقُوطِ. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ عن شَرِيكِه؛ لأَنَّ السَّبَبَ السَّرِقَةُ مِنهما، وقد اخْتَلَّ أحَدُ جُزْأَيْها. وكذلك لو أقَرَّ بمُشاركَةِ آخَرَ في سَرِقَةِ نِصابٍ، ولم يُقِرَّ الآخرُ ففى القَطْعِ وَجْهان.
стр. 13093
وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا، وَدَخَلَاهُ، فَأَخْرَجَ أحَدُهُمَا نِصَابًا وَحْدَهُ، أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَقَدَّمَهُ إِلَى بَابِ النَّقْبِ، وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، قُطِعَا.
ــ
٤٤٩١ - مسألة: (وإن هَتَكَ اثْنَان حِرْزًا، ودَخَلَاه، فأخْرَجَ أحَدُهما نِصابًا وحدَه، أو دَخَلَ أحَدُهما فقَدَّمَه إلى بابِ النَّقْبِ، وأدْخَلَ الآخَرُ يَدَه فأخْرَجَه، قُطِعَا) أمَّا إذا هَتَك اثْنان حِرْزًا، ودَخَلاه، فأخْرَجَ أحَدُهما نِصابًا وحدَه، فقال أصحابُنا: القَطْعُ عليهما. وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه، إذا أخْرَجَ نِصابَيْن. وقال مالكٌ، والشافعىُّ (١)، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْتَصُّ القَطْعُ بالمُخْرِجِ؛ لأنَّه هو السَّارِقُ. وإن أخْرَجَ أحدُهما دُونَ النِّصابِ، والآخَرُ أكثرَ مِن نِصابٍ فتمَّا (٢) نِصابَيْن، فعندَ
стр. 13094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصحابِنا، وأبى حنيفةَ وصاحِبَيْه، يَجِبُ القَطْعُ عليهما. وعندَ الشافعىِّ ومُوافِقِيه، لا قَطْعَ على مَن لم يُخْرِجْ نِصابًا. وإن أخْرَجَ أحدُهما نِصابًا، والآخَر دُونَ النِّصابِ، فعندَ أصحابِنا، عليهما القَطْعُ. وعندَ الشافعىِّ، القَطْعُ على مُخْرِجِ النِّصابِ وَحْدَه. وعندَ أبى حنيفةَ، لا قَطْعَ على واحدٍ مِنهما؛ لأَنَّ المُخْرَجَ لم يَبْلُغْ نُصُبًا (١) بعدَدِ السَّارِقين. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ ما قُلْنا فيما تَقَدَّمَ.
٤٤٩٢ - مسألة: فإن نَقَبَا حِرْزًا، فدَخَلَ أحَدُهما فقَرَّبَ المَتاعَ مِن النَّقْبِ، وأدْخَلَ الخارجُ (٢) يَدَه فأخْرَجَه، فقال أصحابُنا: قياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّ القَطْعَ عليهما. وقال الشافعىُّ: القَطْعُ على الخارِجِ؛ لأنَّه مُخْرِجُ المَتاعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ على واحدٍ منهما. ولَنا، أنَّهما اشْتَركا في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْراجِ المَتاعِ، فَلزمَهما القَطْعُ، كما لو حَملاه معًا فأخْرَجاه. وإن وَضَعَه في النَّقْبِ، فمَدَّ الآخَرُ يَدَه فأخْرَجَه فأخَذَه، فالقَطْعُ عليهما. ونُقِلَ عن (٣) الشافعىِّ في هذه المسألةِ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن في الصُّورَةِ التى قبلَها.
فصل: قال أحمدُ، ﵀، في رجلَين دَخَلا دارًا، أحدُهما في سُفْلِها جَمَع المَتاعَ وشَدَّه بحَبْلٍ، والآخَرُ في عُلْوِها مَدَّ الحَبْلَ فرَمَى به
стр. 13095
وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجٍ فَأَخَذَهُ آخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلَ وَحْدَهُ.
وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا، وَدَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْطَعَا،
ــ
وَراءَ الدَّارِ، فالقَطْعُ عليهما؛ لأنَّهما اشْتَركا في إخْراجِه.
٤٤٩٣ - مسألة: (وإن رَماه الدَّاخِلُ إلى خارِجٍ، فأخَذَه الآخَرُ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه) وإنِ اشْتَرَكَا في النَّقْبِ؛ لأَنَّ الدَّاخِلَ أخْرَجَ المَتاعَ وحدَه، فاخْتَصَّ القَطْعُ به.
٤٤٩٤ - مسألة: (وإن نَقَب أحَدُهما، ودَخَل الآخَرُ فأخْرَجَه، فلا قَطْعَ عليهما. ويَحْتَمِلُ أن يُقْطَعَا) (١) وإنَّما لم يُقْطَعَا؛ لأَنَّ الأوَّلَ لم يَسْرِقْ، والثانَى لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، وإنَّما سَرَق مِن حِرْزٍ هَتَكَه غيرُه، فأشْبَهَ ما لو نَقَب رجلٌ وانْصَرَفَ، وجاءَآخَرُ فصادَفَ الحِرْزَ مَهْتُوكًا فسَرَقَ منه. ويَحْتَمِلُ أن يُقْطَعَا؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في سَرِقَةِ نِصابٍ، أشْبَهَ
стр. 13096
إِلَّا أَنْ يَنْقُبَ وَيَذْهَبَ، فَيَأْتِىَ الْآخَرُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَيَسْرِقَ، فَلَا قَطْعَ.
ــ
ما لو دَخَلا معًا، فأخْرَجَ أحدُهما المَتاعَ.
٤٤٩٥ - مسألة: (إلَّا أن يَنْقُبَ) أحَدُهما (ويَذْهبَ، فيَأْتِىَ الآخَرُ مِن غيرِ علمٍ، فيَسْرِقَ، فلا قَطْعَ) لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، ومِن شَرْطِ وُجوبِ القَطْعِ هَتْكُه، وقد فاتَ الشَّرْطُ، فيَفُوتُ المَشْرُوطُ.
فصل: فإنِ اشْتَرَكَ رجلان في النَّقْبِ، ودَخَل أحَدُهما، فأخْرَجَ المَتاعَ وحدَه، أو أخَذَه وناوَلَه الآخَرَ (١) خارِجًا مِن الحِرْزِ، فالقَطْعُ على الدَّاخِلِ وحدَه؛ لأنَّه أخْرَجَ المَتاعَ وحدَه مع مُشارَكَتِه في النَّقْبِ. وبهذا
стр. 13097
فَصْلٌ: الرَّابِعُ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ،
ــ
قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليهما؛ لأَنَّ الدَّاخِلَ لم يَنْفَصِلْ عن الحِرْز ويَدُه على السَّرِقَةِ، فلم يَلْزَمْه القَطْعُ، كما لو أتْلَفَه داخِلَ الحِرْزِ. ولَنا، أنَّ المَسْرُوقَ خَرَج مِن الحِرْزِ ويَدُه عليه، فوَجَبَ عليه القَطْعُ، كما لو خَرَج به، بخِلافِ ما لو أتْلَفَه، لأنَّه لم يُخْرِجْه مِن الحِرْزِ.
فصل: (الرَّابعُ، أن يُخْرِجَه مِن الحِرْزِ) يُشْتَرَطُ أن يَسْرِقَ مِن حِرْزٍ ويُخْرِجَه منه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وأبو الأسْوَدِ الدُّؤَلِىُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِىُّ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ولا نعلمُ عن أحَدٍ مِن أهلِ العلمِ خِلافَهم، إلَّا قَوْلًا حُكِىَ عن عائشةَ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، في مَن جَمَع المَتاعَ، فلم يَخْرُجْ به مِن الحِرْزِ، عليه القَطْعُ. وعن الحسنِ مثلُ قولِ الجماعَةِ، وحُكِلَ عن داودَ، أنَّه لا يَعْتَبِرُ الحِرْزَ؛ لأَنَّ الآيةَ لا تَفْصِيلَ فيها. وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ، غيرُ ثابِتَةٍ عمَّن نُقِلَتْ عنه. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): ليس فيه (٢) خبرٌ ثابتٌ، ولا مَقالٌ لأهلِ العلمِ، إلَّا ما ذَكَرْناه، فهو كالإِجْماعِ، والإِجْماعُ حُجَّةٌ على مَن خالَفَه. وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رجلًا مِن مُزَيْنَةَ سألَ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الثِّمَارِ، فقال: «مَا أُخذَ مِن غيرِ أكْمامِهِ واحْتَمَلَ، فَفِيهِ
стр. 13098
فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ. أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَتْلَفَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْه، وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا، أَوْ ذَهَبًا وَخَرَجَ بِهِ، أَوْ نَقَبَ وَدَخَلَ، فَتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ، أَوْ فِى مَاءٍ جَارٍ، فَأَخْرَجَهُ،
ــ
قِيمَتُه ومِثْلُه مَعَهُ، وَمَا كَانَ فِى الجِرانِ، فَفِيه القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (١). وهذا الخبرُ يَخُصُّ الآيةَ، كما خَصَصْنَاها في اعْتِبارِ النِّصابِ.
٤٤٩٦ - مسألة: (فَإن سَرَقَ مِن غيرِ حِرْزٍ) فلا قَطْعَ عليه لفَواتِ شَرْطِه، مثلَ أن يَجِدَ حِرْزًا مَهْتُوكًا، أو بابًا مَفْتُوحًا، [فيَأْخُذَ منه] (٢)، فلا قَطْعَ عليه؛ لذلك.
٤٤٩٧ - مسألة: (فإن دَخَلَ الحِرْزَ، فأتْلَفَ فيه) نِصَابًا ولم يُخْرجْه (فلا قَطْعَ عليه) لأنَّه لم يَسْرِق، لكن يَلْزَمُه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَه، ولا يُقْطَعُ حتى يُخْرِجَه مِن الحِرْزِ، فمتى أخْرَجَه [مِن الحِرْزِ] (٢)، فعليه القَطْعُ، سَواءٌ حَمَلَه إلى مَنْزِلِه، أو تَرَكَه خارِجًا مِن الحِرْزِ.
٤٤٩٨ - مسألة: (وإنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أو ذَهَبًا فخَرَجَ به، أو نَقَب ودَخَلَ، فتَرَكَ المَتاعَ على بَهِيمَةٍ، فخَرَجَتْ به، أو في ماءٍ جَارٍ ،
стр. 13099
أَو قَالَ لِصَغِيرِ أَوْ مَعْتُوهٍ: ادْخلْ فَأَخْرِجْهُ. فَفَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ.
ــ
فأخْرَجَه، أو قال لصَغِيرٍ أو مَعْتُوهٍ: ادْخُلْ فأخْرِجْه. ففَعَلَ، فعليه القَطْعُ) أمَّا إذا دَخَل الحِرْزَ فابْتَلَعَ جَوْهًرا، أو ذَهَبًا وخَرَج، فإن لم يَخْرُجْ ما ابْتَلَعَه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أتْلَفَه في الحِرْزِ، وإن خَرَج، ففيه وَجْهان، أحدُهما، يَجِبُ؛ لأنَّه أخْرَجَها في وِعائِها، فأشْبَهَ إخْراجَها في كُمِّه. والثانى، لا يجبُ القَطْعُ؛ لَانّه ضَمِنَها بالبَلْعِ، فكان إتْلافًا لها، ولأنَّه مُلْجَأٌ إلى إخْراجِها؛ لأنَّه لا يمْكِنُه الخُروجُ بدُونِها. وإن تَرَك المَتاعَ على دابَّةٍ، فخَرَجَتْ بنَفْسِها مِن غيرِ سَوْقِها، أو تَرَك المَتاعَ في ماءٍ راكِدٍ فانْفَتَحَ، فخَرَجَ المَتاعُ، أو على حائطٍ [في الدَّارِ] (١)، فأطارَتْه الرِّيحُ، ففى ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ؛ لأَنَّ فِعْلَه سَبَبُ (٢) خُرُوجِه، فأشْبَهَ ما لو ساقَ البَهِيمَةَ، أو فَتَح الماءَ، وحَلَّقَ (٣) الثوبَ في الهواءِ. والثانى، لا
стр. 13100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ الماءَ لم يَكُنْ آلَةً للإِخْراجِ، وإنَّما خَرَج المَتاعُ بسَبَبٍ حادثٍ مِن غيرِ فِعْلِه، والبهِيمةُ لها اخْتِيارٌ لنَفْسِها، فأمَّا إن ساقَ الدَّابَّةَ فخَرَجَتْ بالمَسْرُوقِ، أو تَرَكَه في ماء جارٍ فخَرَجَ به، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه هو المُخْرِجُ، إمَّا بنَفْسِه، وإمَّا بآلَتِه، فوَجَبَ عليه القَطْعُ، كما لو حَمَلَه فأخْرَجَه. وكذلك لو أَمَرَ صَبِيًّا لا يُمَيِّزُ أو مَعْتُوهًا فأخْرَجَه (١)، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه آلةٌ له.
فصل: وسَواءٌ دَخَلَ الحِرْزَ فأخْرَجَه، أو نَقَبَه ثم أدْخَلَ إليه يَدَه أو عَصًا لها شُجْنَةٌ (٢) فاجْتَذَبَه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ (٣)
стр. 13101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، إلَّا أن يكونَ البيتُ صَغِيرًا لا يُمْكِنُه دُخُولُه؛ لأنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ بما أمْكَنَه، فأشْبَهَ المُخْتَلِسَ. ولَنا، أنَّه سَرَقَ نِصابًا مِن حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وهو مِن أهلِ القَطْعِ، فوَصا عليه، كما لو كان البيتُ ضَيِّقًا، ويُخالِفُ المُخْتَلِسَ؛ لأنَّه لم (١) يَهْتِكِ الحِرْزَ. وإن رَمَى المَتاعَ، فأطارَتْه الرِّيحُ فأخْرَجَتْه، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه متى كان ابْتِداءُ الفِعْلِ منه، لم يُؤثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ، كما لو رَمَى صَيْدًا، فأعانَتِ الرِّيحُ السَّهْمَ حتى قَتَل الصَّيْدَ، حَلَّ (٢)، ولو رَمَى الجِمارَ فَأعانَتْها الرِّيحُ حتى وَقَعَت في المَرْمَى، احْتُسِبَ به، وصارَ هذا كما لو تَرَك المَتاعَ في الماءِ فَجَرَى به فأَخْرَجَه.
فصل: إذا أخْرَجَ المَتاعَ مِن بيتٍ في الدَّارِ أو الخانِ إلى الصَّحْنِ، فإن كان بابُ البيتِ مُغْلَقًا، ففَتَحَه أو نَقَبَه، فقد أخْرَجَ المَتاعَ مِن الحِرْزِ، وإن لم يَكُنْ مُغْلَقًا، فما أخْرَجَه مِن الحِرْزِ. وقد قال أحمدُ: إذا أخْرَجَ المتاعَ مِن البيتِ إلى الدَّارِ، يُقْطَعُ. وهو مَحْمولٌ على الصُّورةِ الأُولَى.
فصل: إذا دَخَل السَّارِقُ الحِرْزَ، فاحْتَلَبَ لَبَنًا مِن ماشِيَةٍ (٣)، وأخْرَجَه، فعليه القَطْعُ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ
стр. 13102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه؛ لأنَّه مِن الأشْياءِ الرَّطْبَةِ. وقد مَضَى الكلامُ معه في هذا. وإن شَرِبَه في الحِرْزِ، أو شَرِب منه فانْتَقَصَ النِّصابُ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْ مِن الحِرْزِ نِصابًا. وإن ذَبَح الشَّاةَ في الحِرْزِ، أو شَقَّ الثَّوْبَ، ثم أخْرَجَهُما وقيمتُهما بعدَ الشَّقِّ والذَّبْحِ نِصَابٌ، فعليه القَطْعُ. وبه قال الشافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ (١): لا قَطْعَ عليه في الشَّاةِ؛ لأَنَّ اللَّحْمَ لا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه عندَه، والثَّوْبُ إن شُقَّ أكْثَرُه، فلا [قَطْعَ فيه] (٢)؛ لأَنَّ صاحِبَه مُخَيَّرٌ بينَ أن يُضَمِّنَه قيمةَ جَميعِه، فيكونَ قد أخْرَجَه وهو مِلْكُه. وقد تَقَدَّمَ الكلامُ معه في هذه الأُصولِ. وإن تَطَيَّبَ، وخَرَج، ولم يَبْقَ عليه مِن الطِّيبِ ما إذا جُمِعَ كان نِصابًا، فلا قَطْعَ عليه، لأَنَّ ما لا يَجْتَمِعُ قد أتْلَفَه باسْتِعْمالِه، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ الطَّعامَ، وإن كان يَبْلُغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا، وذُكِرَ فيه وَجْهٌ آخَرُ، فيما إذا كان ما تَطَيَّبَ به يَبْلغُ نِصابًا، فعليه القَطْعُ وإن نَقَص ما يَجْتَمِعُ عن النِّصابِ؛ لأنَّه أخْرَجَ نِصابًا. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه حينَ الإِخْراجِ ناقِصٌ عن النِّصابِ. وإن جَرَّ خَشَبَةً فألقاها بعدَ أن خَرَج بعضُها مِن الحِرْزِ، فلا قَطْعَ عليه، سَواءٌ خَرَج منها ما يُساوِى نِصابًا أو لا؛ لأَنَّ بعضَها لا يَنْفَرِدُ عنِ بعضٍ (٣). وكذلك لو أمْسَكَ الغاصِبُ طَرَفَ عِمامَتِه، والطَّرَفُ الآخرُ في يَدِ مالِكِها، لم
стр. 13103
وَحِرْزُ الْمَالِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالْبُلْدَانِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ،
ــ
يَضْمَنْها. وكذلك لو سَرَقَ ثَوْبًا أو عِمامَةً، فأخْرَجَ بعْضَهما (١).
فصل: فإن نَقَب الحِرْزَ، ثم دَخَل فأخْرَجَ ما دُونَ النِّصابِ، ثم دَخَل فأخْرَجَ ما بَقِىَ مِن النِّصابِ، وكان في وقتَيْن مُتَباعِدَيْن، أو لَيْلَتَيْن، لم يَجِبِ القَطْعُ؛ لأَنَّ كلَّ واحدةٍ منهما سَرِقَةٌ مُنْفَرِدَةٌ لا تَبْلُغُ نِصابًا. وكذلك إن كانا في لَيْلَةٍ واحدةٍ وبينَهما مُدَّة طَويلةٌ. وإن تَقَارَبا، وَجَب القَطْعُ؛ لأنَّها سَرِقَةٌ واحدةٌ، ولأنَّه إذا بُنِىَ فِعْلُ أحَدِ الشَّرِيكَيْن على فِعْلِ شَرِيكِه، إذا سَرَقَا نِصابًا، فبِنَاءُ فعلِ الواحدِ بعضِه على بعضٍ أَوْلَى.
٤٤٩٩ - مسألة: (والحِرْزُ ما جَرَتِ العادَةُ بحِفْظِ المالِ فيه، ويَخْتَلِفُ باخْتلافِ الأمْوالِ، والبُلْدَانِ، وعَدْلِ السُّلْطَانِ وجَوْرِه، وقُوَّتِه وضَعْفِه) الحِرْزُ ما عُدَّ حِرْزًا في العُرْفِ، فإنَّه لَمَّا ثَبَت اعْتبارُه في الشَّرْعِ من غيرِ تَنْصِيصٍ على بَيانِه، عُلِمَ أنَّه رُدَّ ذلك إلى أهلِ العُرْفِ؛ لأنَّه لا طريقَ إلى مَعْرِفَتِه إلَّا مِن جِهَتِه، فرُجِعَ إليه، كما رَجَعْنا إليه في مَعْرِفَةِ القَبْضِ والفُرْقَةِ في البَيْعِ، وأشْباهِ ذلك.
стр. 13104
فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ وَالْجَوَاهِرِ والْقُمَاشِ فِى الدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ فِى الْعُمْرَانِ، وَرَاءَ الْأَبْوابِ وَالْأَغْلاقِ الْوَثِيقَةِ،
ــ
٤٥٠٠ - مسألة: إذا ثَبَت ذلك (فخِرْزُ الأثْمانِ والجَواهِرِ والقماشِ في الدُّورِ، والدَّكاكينِ العُمْرانِ، وراءَ الأبوابِ والأغْلاقِ الوَثِيقةِ) وحِرْزُ الثِّيابِ وما خفَّ من المتاعِ، كالصُّفْرِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، في الدَّكاكينِ، والبيوتِ المُقْفَلَةِ في العُمْرانِ، أو يكونُ فيها حافِظٌ، فيكونُ حِرْزًا، وإن كانت مَفْتُوحَةً. و (١) إن لم تَكُنْ
стр. 13105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُغْلَقَةً ولا فيها حافِظٌ، فليستْ بحِرْزٍ. وإن كانتْ فيها خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ، فالخَزَائِنُ حِرْزٌ لِما فيها، وما خَرَج عنها فليس بحِرْزٍ. وقد رُوِى عن أحمدَ، في البيتِ الذى ليس عليه غَلْقٌ، فسُرِقَ منه: أرَاهُ سارِقًا. وهذا محمولٌ على أنَّ أهلَه فيه، فأمَّا البيوتُ التى في البساتينِ أو الطُّرُقِ أو الصَّحْراءِ، فإن لم يَكُنْ فيها أحَدٌ، فليستْ حِرْزًا، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفْتُوحَةً؛ لأَنَّ مَن تَرَك مَتاعَه في مكانٍ خالٍ مِن الناسِ والعُمْرانِ، وانْصَرَفَ عنه، لا يُعَدُّ حافِظًا له، وإنْ أغْلَقَ عليه. وإن كان فيها أهْلُها أو حافظٌ (١)، فهى حِرْزٌ، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفْتوحَةً. وإذا كان لابِسًا للثَّوْبِ، أو مُتَوَسِّدًا له (٢)، نائمًا، أو مُسْتَيْقِظًا، أو مُفْتَرِشًا له، أو مُتَّكِئًا عليه، في أىِّ مَوْضِعٍ كان من البلدِ، أو بَرِّيَّةٍ، فهو مُحْرَزٌ؛ بدليلِ رِدَاءِ صَفْوانَ سُرِقَ وهو مُتَوَسِّدُه، فقَطَعَ النبىُّ ﷺ سارِقَه (٣). وإن تَدَحْرَجَ عن الثَّوْبِ، زالَ الحِرْزُ إن كان نائمًا، وإن كان الثَّوْبُ بينَ يَدَيْه، أو غيرُه من المتاعِ، كَبَزِّ (٤) البَزَّازِين، وقُماشِ الباعَةِ، وخُبْزِ الخَبَّازِينَ، بحيثُ يُشاهِدُه،
стр. 13106
وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَالْبَاقِلَّاءِ، وَنَحْوِهِ، وَقُدُورِهِ وَرَاءَ الشَّرَائِجِ، إِذَا كَانَ فِى السُّوقِ حَارِسٌ.
ــ
ويَنْظُرُ إليه، فهو مُحْرَزٌ، وإن نامَ، أو كان غائِبًا عن مَوْضِعِ مُشاهَدَتِه، فليس بمُحْرَزٍ. وإن جَعَل المَتاعَ في الغَرائرِ (١)، وعَكَم (٢) عليها، ومعها حافِطٌ يُشاهِدُها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإلَّا فلا.
فصل: والخَيْمَةُ والخَرْكاهُ (٣) إن نُصِبَتْ، وكانه فيها أحَدٌ نائِمًا أو مُنْتَبِهًا، فهى مُحْرَزَةٌ وما فيها، لأنَّها هكذا تُحْرَزُ في العادَةِ، وإن لم يكُنْ فيها أحَدٌ، ولا عندَها حافِظٌ، فلا قَطْعَ على سارِقِها. وممَّن أوْجَبَ القَطْعَ في السَّرِقَةِ من الفُسْطاطِ؛ الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، [إلَّا أنَّ أصحابَ الرَّأْى] (٤) قالوا: يُقْطَعُ السَّارِقُ من الفُسْطاطِ، دُونَ سارِقِ الفُسْطاطِ. ولَنا، [أنَّه مُحْرَزٌ] (٥) بما جَرَتْ به العادَةُ، أشْبَهَ ما فيه.
٤٥٠١ - مسألة: (وحِرْزُ البَقْلِ، والبَاقِلَّاءِ، ونَحْوِه، وقُدُورِه
стр. 13107
وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ الْحَظَائِرُ. وَحِرْزُ الْمَوَاشِى الصِّيَرُ، وَحِرْزُهَا فِى الْمَرْعَى بالرَّاعِى، وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا.
ــ
وَراءَ الشَّرَائِجِ (١)، إذا كان في السُّوقِ حارِسٌ) والشَّرائِجُ تكونُ من القَصَبِ والخَشَبِ.
٤٥٠٢ - مسألة: (وحِرْزُ الخَشَبِ والحَطَبِ الحَظَائِرُ) وكذلك القَصَبُ، وتَعْبِئَةُ بعضِه على بعضٍ، وتَقْييدُه بقَيْدٍ، بحيثُ يَعْسُرُ أخْذُ شئٍ منه، على ما جَرَتِ العادَةُ، إلَّا أن يكونَ في فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عليه، فيكونُ مُحْرَزًا وإن لم يُقَيَّدْ.
٤٥٠٣ - مسألة: (وحِرْزُ المَوَاشِى الصِّيَرُ (٢)، وحِرْزُها في المَرْعَى بالرَّاعِى، ونَظَرِه إليها) فما غابَ منها عن مُشاهَدَتِه، فقد خَرَج عن الحِرْزِ؛ لأَنَّ الرَّاعِيَةَ هكذا تُجْرَزُ.
стр. 13108
وَحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبِلِ بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا، إِذَا كَانَ يَرَاهَا،
ــ
٤٥٠٤ - مسألة: (وحِرْزُ حَمُولَةِ الإِبلِ بتَقْطِيرِها، وقائِدِها وسائِقِها، إذا كان يَرَاها) الإِبلُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ بارِكَةٌ، وراعِيَةٌ، وسائِرَةٌ، فأمَّا البارِكَةُ، فإن كان معها حافِظٌ لها، وهى معقولَةٌ، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن لم (١) تَكُنْ معْقولَةً، وكان الحافِظُ ناظِرًا إليها، أو مُسْتَيْقِظًا بحيثُ يَراها، فهى مُحْرَزَةٌ، وإن كان نائِمًا، أو مَشْغُولًا عنها، فليستْ مُحْرَزَةً؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الرُّعَاةَ إذا أرادُوا النَّوْمَ عَقَلُوا إبلَهم؛ ولأَنَّ المعْقُولَةَ تُنَبِّهُ النَّائِمَ والمُشْتَغِلَ. وإن لم يَكُنْ معها أحَدٌ، فهى غيرُ مُحْرَزَةٍ، سواءٌ كانت معقولَةً أو لم تَكُنْ. وأمَّا الرَّاعِيَةُ فحِرْزُها بنَظَرِ الرَّاعِى إليها، فما غابَ عن نَظَرِه، أو نامَ عنه، فليس بمُحْرَزٍ؛ لأَنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّما تُحْرَزُ بالرَّاعِى ونَظَرِه. وأمَّا السَّائِرَةُ، فإن كان معها مَن يُسوقُها، فحِرْزُها بنَظَرِه إليها، سَواءٌ كانتْ مُقَطَّرَةً أو غيرَ مُقَطَّرَةٍ، فما كان منها بحيثُ لا يَراه، فليس بمُحْرَزٍ. وإن كان معها قائِدٌ، فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالْتِفاتَ إليها، والمُراعاةَ لها، وتكونُ بحيثُ يَراها إذا الْتَفَتَ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُحْرِزُ القائِدُ إلَّا التى زِمَامُها بيَدِه؛ لأنَّه يُولِيها ظهرَه، ولا
стр. 13109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَراها إلَّا نادِرًا، فيُمْكِنُ أخْذُها من حيثُ لا يَشْعُرُ. ولَنا، أنَّ العادَةَ في حِفْظِ الإِبلِ المُقَطَّرَةِ، بمُراعاتِها بالالْتِفاتِ، وإمْساكِ زِمام الأَوَّلِ، فكان ذلك حِرْزًا لها، كالتى زمامُها في يَدِه. فإن سَرَق من أَحْمالِ (١) الجمالِ السائِرَةِ المُحْرَزَةِ مَتاعًا قيمتُه نِصابٌ، قُطِعَ، وكذلك [إن سَرَقَ الحِمْلَ] (٢)، وإن سَرَق الجملَ بما عليه، وصاحِبُه نائِمٌ عليه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه في يَدِ صاحِبِه، وإن لم يَكُنْ صاحِبُه عليه، قُطِعَ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه، لأَنَّ ما في الحِمْلِ مُحْرَزٌ به، فإذا أخَذَ جميعَه، لم يَهْتِكْ حِرْزَ المَتاعِ، فصارَ كما لو سَرَقَ أجْزاءَ الحِرْزِ. ولَنا، أنَّ الجملَ مُحْرَزٌ بصاحِبِه، ولهذا لو لم يَكُنْ معه، لم يَكُنْ مُحْرَزًا، فقد سَرَقَه من حِرْزِ مثلِه، فأشْبَهَ ما لو سَرَق المَتاعَ. ولا نُسَلِّمُ (٣) أنَّ سَرِقَةَ الحِرْزِ من حِرْزِه لا تُوجِبُ القَطْعَ، فإنَّه لو سَرَق الصُّنْدُوقَ بما فيه من بَيْتٍ هو مُحْرَزٌ فيه، وَجَب قَطْعُه. وهذا التَّفْصِيلُ في الإِبلِ التى في الصحْراءِ، فأمَّا التى في البيوتِ والمكانِ المُحْصَنِ، على الوَجْهِ الذى ذَكَرْناه في الثِّيابِ، فهى مُحْرَزَةٌ. والحُكْمُ في سائرِ المَواشِى كالحُكْمِ في الإِبلِ، على ما ذَكَرْنا من التَّفصيلِ فيها.
стр. 13110
وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِى الْحَمَّامِ بِالْحَافِظِ،
ــ
٤٥٠٥ - مسألة: (وحِرْزُ الثِّيَابِ في الحَمَّامِ بالْحافِظِ) فإن سَرَق من الحَمَّامِ، ولا حافِظَ فيه، فلا قَطْعَ عليه، في قولِ عامَّتِهم. وإن كان ثَمَّ حافِظٌ، فقال أحمدُ: ليس على سارِقِ الحَمَّامِ قَطْعٌ. وقال في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: [لا يُقْطَعُ] (١) سارِقُ الحَمَّامِ، إلَّا أن يكونَ على المَتاعِ قاعِدٌ، مثلَ ما صُنِعَ بصَفْوانَ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مأْذُونٌ للنَّاسِ في دُخُولِه، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ من البيتِ المأْذُونِ له في دُخولَه، ولأَنَّ دُخولَ الناسِ إليه يَكْثُرُ، فلا يَتَمَكَّنُ الحافِظُ من حِفْظِ ما فيه. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ القَطْعُ إذا كان فيه حافِظٌ. حَكَاها القاضى. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه مَتاعٌ له حافِظٌ، فيجِبُ قَطْعُ سارِقِه، كما لو كان في البيتِ. قال شيخُنا (٢): والصحِيحُ الأَوَّلُ. وهذا يُفارِقُ [ما في] (٣) البيتِ من
стр. 13111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَجْهَيْنَ اللَّذَيْن ذَكَرْناهما. فأمَّا إن كان صاحِبُ الثِّيابِ قاعِدًا عليها، أو مُتَوَسِّدًا لها، أو جالِسًا (١) وهى بينَ يَدَيْه يَحْفَظُها، قُطِعَ سارِقُها بكلِّ حالٍ، كما قُطِعَ سارِقُ رِداءِ صَفْوانَ من المسجدِ، وهو مُتَوَسِّدٌ له. وكذلك إن كان نائِبُ (٢) صاحِبِ الثِّيابِ، إمَّا الحَمَّامِىُّ وإمَّا غيرُه، حافِظًا لها على هذا (٣) الوَجْهِ، قُطِعَ سارِقُها؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ. وإن لم تَكُنْ كذلك، فقال القاضى: إن نَزَعَ (٤) الدَّاخِلُ ثِيابَه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، ولم يَسْتَحْفِظْها لأحَدٍ، فلا قَطْعَ على سارِقِها، ولا غُرْمَ على الحَمَّامِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُودَعٍ فيَضْمَنَ (٥)، ولا هى مُحْرَزَةٌ فيُقْطَعَ سارِقُها، وإن اسْتَحْفَظَها الحَمَّامِىَّ، فهو مُودَعٌ تَلْزَمُه مُراعاتُها بالنَّظرَ والحِفْظِ، فإن تَشاغَلَ عنها، أو (٦) تَرَك النَّظَرَ إليها، فسُرِقَتْ، فعليه الغُرْمُ؛ لتَفْرِيطِه، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ؛ لأنَّه لم يَسْرِقْ من حِرْزٍ، وإن تَعاهَدَها الحَمَّامِىُّ بالحِفْظِ
стр. 13112
وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِى الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا وَأَخَذَ الْكَفَنَ، قُطِعَ.
ــ
والنَّظَرِ، فسُرِقَتْ، فلا غُرْمَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّها مُحْرَزَةٌ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، أنَّه لا قَطعَ عليه أيضًا في هذه الصُّورَةِ؛ لِما تَقَدَّمَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: قال أحمدُ: أرجو أن لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه مَأْذُونٌ للنَّاسِ في دُخولِه. ولو اسْتَحْفَظَ رجلٌ آخَرَ مَتاعَه في المسجدِ، فسُرِقَ، فإن كان قد فَرَّطَ في مُراعاتِه ونَظَرِه إليه، فعليه الغُرْمُ إذا كان الْتَزَمَ حِفْظَه، وأجابَه إلى ما سألَه، وإن لم يُجِبْه، لكنْ سَكَت، لم يَلْزَمْه غُرْمٌ؛ لأنَّه ما قَبِلَ الاسْتِيداعَ، ولا قَبَض المَتاعَ، ولا قَطْعَ على السَّارِقِ في المَوْضِعَيْن؛ لأنَّه غيرُ مُحْرَزٍ. وإن حَفِظَ المَتاعَ بنَظَرِه إليه، وقُرْبِه منه، فسُرِقَ، فلا غُرْمَ عليه، وعلى السَّارِقِ القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَق من حِرْزٍ. ويُفارِقُ المَتاعَ في الحَمَّامِ، فإنَّ الحِفْظَ فيه (١) غيرُ مُمْكِنٍ؛ لأَنَّ النَّاسَ يَضَعُ بعضُهم ثِيابَه عندَ ثِيابِ بعضٍ، ويَشْتَبِهُ على الحَمَّامِىِّ صاحبُ الثِّيابِ، فلا يُمْكِنُه مَنْعُ أخْذِها (٢)؛ لعَدَمِ علْمِه بمالِكِها.
٤٥٠٦ - مسألة: (وحِرْزُ الكَفَنِ في القَبْرِ على المَيِّتِ، فلو نَبَش
стр. 13113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَبْرًا، وأخَذَ الكَفَنَ، قُطِعَ) رُوِى عن ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه قَطَع نَبَّاشًا (١). وبه قال الحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وقَتادةُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ القَبْرَ ليس بحِرْزٍ، لأَنَّ الحِرْزَ ما يُوضَعُ فيه المَتاعُ للحِفْظِ، والكَفَنُ لا يُوضَعُ في القَبْرِ لذلك، ولأنَّه ليس بحِرْزٍ لغيرِه، فلا يكونُ حِرْزًا له (٢)؛ ولأَنَّ الكَفَنَ لا مالكَ له، لأنَّه (٣) لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ مِلْكًا للمَيِّتِ أو لوارِثِه، وليس ملكًا لواحدٍ منهما؛ لأَنَّ الميِّتَ لا يَمْلِكُ شيئًا، ولم يَبْقَ أهلًا للمِلْكِ، والوارِثُ إنَّما يَمْلِكُ ما فَضَل عن حاجةِ المَيِّتِ، ولأنَّه لا يجبُ القَطْعُ إلَّا بمُطالَبَةِ المالكِ أو نائِبه، ولم يُوجَدْ ذلك. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). وهذا سارِقٌ؛ فإنَّ
стр. 13114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: سارِقُ أمْواتِنا كسارِقِ أحْيائِنَا (١). وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّ الكَفَنَ يُحْتاجُ إلى تَرْكِه في القَبْرِ دُونَ غيرِه، ويُكْتَفَى به في حِرْزِه، ألا تَرَى أنَّه لا يُتْرَكُ المَيِّتُ في غيرِ القبرِ من غيرِ أن يُحْفَظَ كَفَنُه، ويُتْرَكُ في القَبْرِ ويُنْصَرَفُ عنه. وقولُهم: إنَّه لا مالكَ له. مَمْنُوعٌ، بل هو مَمْلُوكٌ للمَيِّتِ؛ لأنَّه كان مالِكًا له في حَياتِه، ولا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا عمَّا لا حاجَةَ به إليه، ووَلِيُّه يقومُ مَقامَه في المُطالَبَةِ، كقيامِ وَلِىِّ الصَّبِىِّ في الطَلَبِ بمالِه. إذا ثَبَت هذا، فلا بُدَّ من إخْراجِ الكَفَنِ من القَبْرِ؛ لأنَّه الحِرْزُ، فإن أخْرَجَه من اللَّحْدِ ووَضَعَه في القَبْرِ، فلا قَطْعَ عليه (٢) فيه؛ لأنَّه لم يُخْرِجْه من الحِرْزِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَل المَتاعَ في البيتِ من جانبٍ إلى جانبٍ، فإنَّ النبىَّ ﷺ سَمَّى القَبْرَ بَيْتًا.
стр. 13115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والكفَنُ الذى يُقْطَعُ بسَرِقَتِه ما كان مشروعًا، فإن كُفِّنَ الرجلُ في أكثرَ من ثلاثِ لفائِفَ، أو المرأةُ في أكثرَ من خمسٍ، فسُرِقَ الزَّائِدُ عن ذلك، أو تُرِكَ في تابُوتٍ، فسُرِقَ التَّابوتُ، أو تَرَك معه طِيبًا مَجْمُوعًا، أو ذَهبًا، أو فِضَّةً، أو جَوْهرًا، لم يُقْطَعْ بأخْذِ شئٍ من ذلك؛ لأنَّه ليس بكَفَنٍ مشروعٍ، فتَرْكُه فيه سَفَهٌ وتَضْييعٌ، فلا يكونُ مُحْرَزًا، ولا يُقْطَعُ سارِقُه.
فصل: وهل يَفْتَقِرُ في قَطْعِ (١) النَّبَّاشِ إلى المُطالَبَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَفْتَقِرُ إلى المُطالَبَةِ، كسائرِ المسروقاتِ. فعلى هذا المُطالِبُ الوارِثُ؛ لأنَّه يقومُ مَقامَ المَيِّتِ في حُقُوقِه، وهذا من حُقوقِه.
стр. 13116
وَحِرْزُ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ فِى مَوْضِعِهِ،
ــ
والثانى، لا يَفْتَقِرُ إلى طَلَبٍ؛ لأَنَّ الطَّلبَ في السَّرِقةِ من الأحْياءِ شَرْطٌ، لئلَّا يكونَ المسروقُ مملوكًا للسَّارِقِ. وقد يُئِسَ من ذلك ههُنا.
فصل: وحِرْزُ جدارِ الدَّارِ كَوْنُه مَبْنِيًّا فيها، إذا كانت في العُمْرانِ، أو كانت في الصحراءِ وفيها حافِظٌ، فإن أخَذَ من أجْزاء الجدارِ، أو [خَشَبِه ما يَبْلُغُ] (١) نِصابًا في هذه الحالِ، وَجَب قَطْعُه؛ لأَنَّ الحائِطَ حِرْزٌ لغيرِه، فيكونُ حِرْزًا لنفْسِه. وإن هَدَم الحائِطَ ولم يَأْخُذْه، فلا قَطْعَ فيه، كما لو أتْلَفَ (٢) المَتاعَ في الحِرْزِ ولم يَسْرِقْه. وإن كانتِ الدَّارُ بحيثُ لا تكونُ حِرْزًا لما فيها، كدارٍ في الصَّحْراءِ، لا حافِظَ (٣) لها، فلا قَطْعَ على من أخَذَ مِن جدارِها شيئًا؛ لأنَّها إذا لم تَكُنْ حِرْزًا لِما فيها، فلنَفْسِها أوْلَى.
٤٥٠٧ - مسألة: (وحِرْزُ البابِ تَرْكِيبُه في مَوْضِعِه) سَواءٌ كان مُغْلَقًا أو مَفْتُوحًا؛ لأنَّه هكذا يُحْفَظُ، وعلى سارِقِه القَطْعُ، إذا
стр. 13117
فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ، قُطِعَ.
ــ
كانتِ الدَّارُ مُحْرَزَةً بما ذَكَرْناه. وأمَّا أبْوابُ الخَزائنِ في الدَّارٍ، فإن كان بابُ الدارِ مُغْلَقًا، فهى مُحْرَزَةٌ، سَواءٌ كانت مُغْلَقَةً أو مَفتُوحَةً، وإن كان مَفْتُوحًا، لم تَكُنْ مُحْرَزَةً، إلَّا أن تكونَ مُغْلَقَةً، أو (١) يكونَ في الدَّارِ حافِظٌ. والفَرْقُ بينَ بابِ (٢) الدَّارِ وبابِ الخِزَانَةِ، أنَّ أَبْوابَ الخَزَائِنِ تُحْرَزُ ببابِ الدَّارِ، وبابَ الدَّارِ لا يُحْرَزُ إلَّا بنَصْبِه، ولا يُحْرَزُ بغيرِه. وأمَّا حَلْقَةُ البابِ، فإن كانتْ مَسْمُورَةً، فهى مُحْرَزَةٌ (٣)، وإلَّا فلا؛ لأنَّها تُحْرَزُ بتَسْمِيرِها.
٤٥٠٨ - مسألة: (فلو سَرَق رِتاجَ الكَعْبَةِ، أو بابَ مَسْجِدٍ، أو تَأْزِيرَه (٤)، قُطِعَ) إذا سَرَق بابَ مَسْجدٍ منصوبًا، أو بابَ الكعبةِ المَنْصُوبَ، أو سَرَق مِن سَقْفِه شيئًا، أو تَأَزِيرَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، عليه القَطْعُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وابنِ القاسمِ صاحبِ مالكٍ، وأبى
стр. 13118
وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا، وَقَالَ الْقَاضِى: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْمَخِيطَةِ عَلَيْهَا.
ــ
ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مثلُه، لا شُبْهَةَ له فيه، فلَزِمَه القَطْعُ، كبابِ بيتِ الآدَمِىِّ. والثانى، لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه لا مالكَ له مِن المخْلُوقين، فلا يُقْطَعُ، كحُصرِ المسجدِ وقَنَادِيلِه، فإنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ ذلك، وَجْهًا واحدًا، ولأنَّه ممَّا يَنْتَفِعُ به النَّاسُ، فيكونُ له فيه شُبْهَةٌ، فلم يُقْطَعْ به، كالسَّرِقَةِ مِن بيتِ المالِ. وقال أحمدُ: (لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ سِتارَةِ الكعبةِ) الخارجةِ منها. قال القاضى: هذا محمولٌ على ما ليستْ بمَخِيطَةٍ؛ لأنَّها إنَّما تُحْرَزُ بخِياطَتِها. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ فيها بحالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في البابِ.
стр. 13119
وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حُصُرَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
٤٥٠٩ - مسألة: (وإن سَرَق قَنادِيلَ المسجدِ، أو حُصُرَه، فعلى وَجَهَيْن) أحدُهما، يُقْطعُ؛ لأَنَّ المَسْجِدَ حِرْزٌ لها، فَقُطِعَ بسَرِقَتِها، كالبابِ. والثَّانى، لا يُقْطَعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ له فيها (١) حَقًّا وشُبْهَةً، فأشْبَهَ السَّرِقَةَ مِن بيتِ المالِ، ولأنَّه لا مالكَ له مِن المخلُوقِين. وهذا أصَحُّ، إن شاء اللَّهُ تعالى. وذَكَر شيْخُنا (٢) في كتاب «المُغْنِى»، أنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ ذلك، وَجْهًا واحدًا.
وَمَنْ سَرَقَ مِنَ النَّخْلِ، أَوِ الشَّجَرِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا مَرَّتَيْنِ.
ــ
٤٥١٢ - مسألة: (ومَن سَرَقَ مِن النَّخْلِ أو الشَّجَرِ مِن غيرِ حِرْزٍ، فلا قَطْعَ عليه، ويَضْمَنُ عِوَضَها مَرَّتَيْن) يعنى بذلك الثَّمَرَ في البُسْتانِ قبلَ إدْخالِه الحِرْزَ. وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ. وكذلك جُمَّارُ النَّخْلِ، ويُسَمَّى الكَثَرَ، ورُوِىَ معنى هذا القولِ عن ابنِ عمرَ (١). وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: إن كان مِن بُسْتانٍ مُحْرَزٍ، ففيه القَطْعُ. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ (٢) إذا لم يَصِحَّ خَبَرُ رافِعٍ. قال (٣): ولا أحْسَبُه ثابِتًا. واحْتَجَّا بظاهِرِ الآيةِ، وبقياسِه على سائرِ المُحْرَزاتِ. ولَنا، ما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، عنَ النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا قَطْعَ فِى ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ». أخْرَجَه أبو داودَ، [وابنُ ماجَه] (٤). وعن عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه سُئِلَ عن الثَّمرِ المُعَلَّقِ، فقال: «مَنْ
стр. 13122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصَابَ بفِيهِ مِنْ ذِى حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً (١)، فلا شَئَ عَلَيْهِ، ومَنْ خَرَجَ بشَىْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مثلَيْه (٢) والْعُقُوبَةُ، ومَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أن يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ» (٣). وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ البُسْتانَ ليس بحِرْزٍ لغيرِ الثَّمَرِ، فلم يَكُنْ حِرْزًا له، كما لو لم يَكُنْ مَحُوطًا (٤)، فأمَّا إن كانت شجرةٌ في دارٍ مُحْرَزَةٍ، فسَرَقَ منها نِصابًا، فعليه القَطْعُ. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 13123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا سَرَق مِن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فعليه غَرامَةُ مِثْلَيْه. وبه قال إسْحاقُ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. قال أحمدُ: لا أعلمُ شيئًا يَدْفَعُه. وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا يَجِبُ أكثرُ مِن مِثْلِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): لا أعلمُ أحدًا مِن الفُقَهاءِ قال بوُجُوبِ غَرامِةِ مِثْلَيْه. واعْتَذَرَ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ عن هذا الخَبَرِ، بأنَّه كان حبنَ كانتِ العُقوبَةُ في الأمْوالِ، ثم نُسِخَ ذلك. ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ ﷺ حُجَّةٌ لا تجوزُ مُخالَفَتُه، إلَّا بمُعارَضَةِ مِثْلِه أو أقْوَى منه، وهذا الذى اعْتَذَرَ به هذا القائِلُ دَعْوَى للنَّسْخِ بالاحْتِمالِ مِن غيرِ دليلٍ عليه، وهو فاسِدٌ بالإِجْماعَ، ثم هو فاسِدٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ؛ لقولِه ﷺ : «وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ». فقد بَيَّنَ وُجوبَ القَطْعِ مع إيجابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْه، وِهذا يُبْطِلُ ما قالَه. وقد احْتَجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ أغْرَمَ حاطِبَ بنَ أبى بَلْتعَةَ حينَ نحَرَ غلْمانُه
стр. 13124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ناقةَ رجلٍ مِن مُزَيْنَةَ مِثْلَىْ قِيمَتِها (١). وروَى الأَثْرَمُ الحديثَيْن في «سُنَنِه». قال أصحابُنا: وفى الماشيةِ تُسْرَقُ مِن المَرْعَى، من غيرِ أن تكونَ مُحْرَزَةً، مِثْلا قِيمَتِها؛ لأَنَّ في سِياقِ حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ السائِلَ قال: الشَّاةُ الحَرِيسةُ (٢) مِنْهُنَّ يا نَبِىَّ اللَّهِ؟ قال: «ثَمَنُهَا ومِثْلُهُ مَعَهُ، والنَّكالُ (٣)، وَمَا كَانَ مِنَ المُرَاحِ (٤)، ففِيهِ القَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذلكَ ثَمَنَ المِجَنِّ». هذا لفظُ رِوايةِ ابنِ ماجَه. وما عَدَا هذَيْنِ لا يُضْمَنُ بأكثرَ من قِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا. هذا قولُ أصحابِنا وغيرِهم، إلَّا أبا بكرٍ، فإنَّه ذَهَب إلى [غَرامَةِ المسْرُوقِ] (٥) من غيرِ حِرْزٍ بمثلَيْه (٦) قياسًا على الثَّمَرِ المُعَلَّقِ وحَرِيسَةِ الجبلِ، واسْتدلالًا بحديثِ حاطِبٍ. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ وُجوبُ غَرامَةِ المِثْلِىِّ بمِثْلِه، والمُتَقَوَّمِ بقِيمَتِه؛ بدليلِ المُتْلَفِ والمَغْصُوبِ، والمُنْتَهَبِ والمُخْتَلَسِ، وسائرِ ما تجبُ غَرامتُه، خُولِفَ في هذين الموْضِعَيْن؛ للأثَرِ، ففيما عَداهما (٧) يَبْقَى على الأَصْلِ.
стр. 13125
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزًا لِمَالٍ، فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ.
ــ
٤٥١٣ - مسألة: (وقال أبو بكرٍ: ما كان حِرْزًا لمالٍ، فهو حِرْزٌ لمالٍ آخَرَ) قياسًا لأحدِهما على الآخَرِ. والصَّحِيحُ خِلافُ ذلك؛ لأنَّا إنَّما رَجَعْنا في الحِرْزِ إلى العُرْفِ، والعادَة أنَّ الجَواهِرَ، والدَّراهِمَ، والدَّنانِيرَ لا تُحْرَزُ في الصِّيَرِ والحَظائِرِ، ومَن أحْرَزَها أو نحوَها في ذلك، عُدَّ مُفَرِّطًا، فكان العملُ بالمعروفِ أوْلَى.
فصل: وإذا سَرَق الضَّيْفُ من مالِ مُضِيفِه شيئًا، نَظرتَ؛ فإن كان من الموْضِعِ الذى أنْزَلَه (١) فيه، أو مَوْضِعٍ لم يُحْرِزْه عنه، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه لم يَسْرِق من حِرْزٍ، وإن سَرَق من مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دُونَه، فإن كان مَنَعَه قِرَاه (٢)، فسَرَقَ بقَدْرِه، فلا قَطْعَ عليه أيضًا، وإن لم يَمْنَعْه قِراه (٢)، فعليه القَطْعُ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه لا قَطْعَ على الضَّيْفِ. وهو محمولٌ على إحْدَى الحالَتَيْن الأولَيَيْن. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه بحالٍ؛ لأَنَّ المُضِيفَ (٣) بَسَطَه في بيتِه ومالِه، فأشْبَهَ ابنَه. ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فلَزِمَه القَطْعُ، كالأجْنَبِىِّ. وقولُه: إنَّه بَسَطَه فيه. لا يَصِحُّ، فإنَّه أحْرَزَ عنه هذا المالَ، ولم يَبْسُطْه فيه، وبَسْطُه في غيرِه لا يُوجِبُ بَسْطَه فيه، كما لو تَصَدَّقَ على مِسْكِينٍ بصَدَقَةٍ، أو أهْدَى إلى صَدِيقِه هَدِيَّةً، فإنَّه لا يَسْقُطُ عنه القَطْعُ بالسَّرِقَةِ من غيرِ ما تَصَدَّقَ به
стр. 13126
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ؛ فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَبُ
ــ
عليه، أو أهْدَى إليه.
فصل: وإذا أحْرَزَ المُضارِبُ مالَ المُضارَبَةِ، أو الوَدِيعَةِ أو العارِيَّةِ، أو المالَ الذى وُكِّلَ فيه، فسَرَقَه أجْنَبِىٌّ، فعليه القَطْعُ، لا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يَنُوبُ مَنابَ المالِكِ في حِفْظِ المالِ وإحْرازِه، ويَدُه كيَدِه. وإن غَصَب عَيْنًا وأحْرَزَها، أو سَرَقَها وأحْرَزَها، فسَرَقَها سارِقٌ، فلا قَطْعَ عليه. وقال مالكٌ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا مِن حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه. وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن. وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في السَّارِقِ، وكقَوْلِ مالكٍ في الغاصِبِ. ولَنا، أنَّه لم يَسْرِقِ المالَ من مالِكِه، ولا ممَّن يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَه ضائِعًا فأخَذَه، وفارَقَ السَّارِقَ من المالِكِ أو نائِبِه، فإنَّه أزالَ يَدَه الشَّرْعِيَّةَ، وسَرَق من حِرْزِه.
فصل: فإن غَصَب بيتًا (١)، فأحْرَزَ فيه مالَه، فسَرَقَه منه أجْنَبِىٌّ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لحِرْزِه إذ (٢) كان مُتَعَدِّيًا به ظالمًا فيه.
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (الخامسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَلا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مالِ ابنِه وإن سَفَلَ، ولا الولدُ من مالِ أبِيه وإن عَلا،
стр. 13127
وَالْأُمُّ في هَذَا سَوَاءٌ.
ــ
والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوالِدَ لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مال ولدِه وإن سَفَلَ، وسَواءٌ في ذلك الأبُ والأمُّ، والابنُ والبنتُ، والجَدُّ والجَدَّةُ، من قِبَلِ الأبِ والأُمِّ. هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ (١): القَطْعُ على كلِّ سارِقٍ، بظاهرِ الكِتابِ، إلَّا أن يُجْمِعُوا على شئٍ فيُسْتَثْنَى. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ» (٢). وقولُ النبىِّ ﷺ : «إِنَّ أَطيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» (٣). وفى لفظٍ: «فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَولَادِكُمْ». ولا يجوزُ قَطْعُ الإِنْسانِ بأخْذِ (٤) ما أَمَرَ النبىُّ ﷺ بأخْذِهِ، ولا أخْذِ ما جَعَلَه النبىُّ ﷺ مالًا له مُضافًا إليه، ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وأعظمُ الشُّبُهاتِ أخْذُ الإِنْسانِ من مالٍ جَعَلَه الشَّرْعُ له، وأمَرَه بأخْذِه وأكْلِه.
стр. 13128
وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ.
ــ
فصل: ولا يُقْطَعُ الابنُ وإن سَفَلَ، بسَرِقَةِ مالِ والدِه، وإن عَلَا. وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه في مَن لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكِتابِ، ولأنَّه يُقادُ بقَتْلِه، ويُحَدُّ بالزِّنَى بجارِيَتِه، فيُقْطَعُ بسَرِقَتِه مالَه، كالأجْنَبِىِّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ بينَهما قَرابَةً، تَمْنَعُ قَبولَ شَهادةِ أحَدِهما لصاحِبِه، فلم يُقْطَعْ بسَرقَةِ مالِه، كالأبِ، ولأَنَّ نفَقَتَه (١) تجبُ في مالِ الأبِ لابْنِه حِفْظًا له، فلا يجوزُ إتْلافُه حِفْظًا للمالِ. وأمَّا الزِّنَى بجارَيَتِه، ففيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ فإنَّما وَجَب عليه الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها.
٤٥١٤ - مسألة: (ولا يُقْطَعُ العَبْدُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ سَيِّدِه) في قولِ الجميعِ، ووافَقَهم أبو ثَوْرٍ فيه. وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ. ولَنا، ما روَى السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ، قال: شَهِدْتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قد جاءَه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو الحَضْرَمِىُّ بغُلَامٍ له، فقال: إنَّ غُلَامِى هذا سَرَق، فاقْطَعْ يَدَه. فقال عمرُ: ما سَرَق؟ قال: سَرَقَ مِرآةَ
стр. 13129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
امْرَأتِى، ثمنُها ستُّون دِرْهمًا فقال: أرْسِلْه، لا قطْعَ عليه، خادِمُكم (١) أخَذَ مَتَاعَكم (٢). ولكنَّه لو سَرَقَ من غيرِه قُطِعَ. وفى لَفظٍ قال: مالُكم سَرَقَ بعضُه بعضًا، لا قَطْعَ عليه. رَواه سعيدٌ. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ رجلًا جاءَه، فقال: عبدٌ لى سَرَق قَباءً لعبدٍ لى آخَرَ. فقال: لا قَطْعَ، مالُكَ سَرَقَ مالَكَ (٣). وهذه قَضايا تُشْتَهَرُ، ولم يُخالِفْها أحَدٌ، فتكونُ إجْماعًا، وهذا يَخصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ هذا إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ، ولم يُخالِفْهم في عَصْرِهم أحَدٌ، فلا يجوزُ خِلافُه بقَوْلِ مَن بعدَهم، كما لا يجوزُ تَرْكُ إجْماعِ الصَّحابةِ بقولِ واحدٍ من التَّابِعِين.
فصل: وأُمُّ الولَدِ، والمُدَبَّرُ، والمُكاَتبُ، كالقِنِّ في هذا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. ولا يُقْطَعُ سَيِّدُ المُكاتَبِ بسرقةِ مالِه؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. وكلُّ مَن لا يُقْطَعُ الإِنْسانُ بسرقَةِ مالِه، لا يُقْطَعُ عبْدُه بسرقةِ مالِه، كآبائِه، وأولادِه،
стр. 13130
وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
ــ
وغيرِهم. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مَن عَدَا سَيِّدِه. ونحوُه قولُ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ولَنا، حديثُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ مالَهم يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مالِه في قَطْعِه، فكذلك في قَطْعِ عبدِه.
٤٥١٥ - مسألة: (ولا) يُقْطَعُ (مُسْلِمٌ بالسَّرِقَةِ من بَيْتِ المالِ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال حَمَّادٌ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ (١): يُقْطَعُ؛ لظاهرِ الكِتابِ. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجَه (٢) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عبدًا من رَقِيقِ الخُمْسِ، سَرَق من الخُمْسَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبىِّ ﷺ ، فلم يَقْطَعْه، وقال: «مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا». ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وسألَ ابنُ مسعودٍ عمرَ عمَّن سَرَق من بيتِ المالِ، فقال: أرْسِلْه، فما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ (٣). وقال سعيدٌ: ثَنا هُشَيْمٌ، ثنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِىِّ (٤)، عن علىٍّ، أنَّه كان يقولُ: ليس على مَن سَرَق من بيتِ المالِ