فَصْلٌ: الْخَامِسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ؛ فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَبُ
ــ
عليه، أو أهْدَى إليه.
فصل: وإذا أحْرَزَ المُضارِبُ مالَ المُضارَبَةِ، أو الوَدِيعَةِ أو العارِيَّةِ، أو المالَ الذى وُكِّلَ فيه، فسَرَقَه أجْنَبِىٌّ، فعليه القَطْعُ، لا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يَنُوبُ مَنابَ المالِكِ في حِفْظِ المالِ وإحْرازِه، ويَدُه كيَدِه. وإن غَصَب عَيْنًا وأحْرَزَها، أو سَرَقَها وأحْرَزَها، فسَرَقَها سارِقٌ، فلا قَطْعَ عليه. وقال مالكٌ: عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَقَ نِصابًا مِن حِرْزِ مِثْلِه، لا شُبْهَةَ له فيه. وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن. وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في السَّارِقِ، وكقَوْلِ مالكٍ في الغاصِبِ. ولَنا، أنَّه لم يَسْرِقِ المالَ من مالِكِه، ولا ممَّن يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَه ضائِعًا فأخَذَه، وفارَقَ السَّارِقَ من المالِكِ أو نائِبِه، فإنَّه أزالَ يَدَه الشَّرْعِيَّةَ، وسَرَق من حِرْزِه.
فصل: فإن غَصَب بيتًا (١)، فأحْرَزَ فيه مالَه، فسَرَقَه منه أجْنَبِىٌّ، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لحِرْزِه إذ (٢) كان مُتَعَدِّيًا به ظالمًا فيه.
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (الخامسُ، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَلا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مالِ ابنِه وإن سَفَلَ، ولا الولدُ من مالِ أبِيه وإن عَلا،
стр. 13127
وَالْأُمُّ في هَذَا سَوَاءٌ.
ــ
والأبُ والأُمُّ في ذلك سَواءٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوالِدَ لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من مال ولدِه وإن سَفَلَ، وسَواءٌ في ذلك الأبُ والأمُّ، والابنُ والبنتُ، والجَدُّ والجَدَّةُ، من قِبَلِ الأبِ والأُمِّ. هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ (١): القَطْعُ على كلِّ سارِقٍ، بظاهرِ الكِتابِ، إلَّا أن يُجْمِعُوا على شئٍ فيُسْتَثْنَى. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ» (٢). وقولُ النبىِّ ﷺ : «إِنَّ أَطيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» (٣). وفى لفظٍ: «فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَولَادِكُمْ». ولا يجوزُ قَطْعُ الإِنْسانِ بأخْذِ (٤) ما أَمَرَ النبىُّ ﷺ بأخْذِهِ، ولا أخْذِ ما جَعَلَه النبىُّ ﷺ مالًا له مُضافًا إليه، ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وأعظمُ الشُّبُهاتِ أخْذُ الإِنْسانِ من مالٍ جَعَلَه الشَّرْعُ له، وأمَرَه بأخْذِه وأكْلِه.
стр. 13128
وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ.
ــ
فصل: ولا يُقْطَعُ الابنُ وإن سَفَلَ، بسَرِقَةِ مالِ والدِه، وإن عَلَا. وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه في مَن لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لظاهرِ الكِتابِ، ولأنَّه يُقادُ بقَتْلِه، ويُحَدُّ بالزِّنَى بجارِيَتِه، فيُقْطَعُ بسَرِقَتِه مالَه، كالأجْنَبِىِّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ بينَهما قَرابَةً، تَمْنَعُ قَبولَ شَهادةِ أحَدِهما لصاحِبِه، فلم يُقْطَعْ بسَرقَةِ مالِه، كالأبِ، ولأَنَّ نفَقَتَه (١) تجبُ في مالِ الأبِ لابْنِه حِفْظًا له، فلا يجوزُ إتْلافُه حِفْظًا للمالِ. وأمَّا الزِّنَى بجارَيَتِه، ففيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ فإنَّما وَجَب عليه الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها.
٤٥١٤ - مسألة: (ولا يُقْطَعُ العَبْدُ بالسَّرِقَةِ مِن مالِ سَيِّدِه) في قولِ الجميعِ، ووافَقَهم أبو ثَوْرٍ فيه. وحُكِىَ عن داودَ، أنَّه يُقْطَعُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ. ولَنا، ما روَى السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ، قال: شَهِدْتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قد جاءَه عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو الحَضْرَمِىُّ بغُلَامٍ له، فقال: إنَّ غُلَامِى هذا سَرَق، فاقْطَعْ يَدَه. فقال عمرُ: ما سَرَق؟ قال: سَرَقَ مِرآةَ
стр. 13129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
امْرَأتِى، ثمنُها ستُّون دِرْهمًا فقال: أرْسِلْه، لا قطْعَ عليه، خادِمُكم (١) أخَذَ مَتَاعَكم (٢). ولكنَّه لو سَرَقَ من غيرِه قُطِعَ. وفى لَفظٍ قال: مالُكم سَرَقَ بعضُه بعضًا، لا قَطْعَ عليه. رَواه سعيدٌ. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ رجلًا جاءَه، فقال: عبدٌ لى سَرَق قَباءً لعبدٍ لى آخَرَ. فقال: لا قَطْعَ، مالُكَ سَرَقَ مالَكَ (٣). وهذه قَضايا تُشْتَهَرُ، ولم يُخالِفْها أحَدٌ، فتكونُ إجْماعًا، وهذا يَخصُّ عُمومَ الآيةِ، ولأَنَّ هذا إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّه قولُ من سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ، ولم يُخالِفْهم في عَصْرِهم أحَدٌ، فلا يجوزُ خِلافُه بقَوْلِ مَن بعدَهم، كما لا يجوزُ تَرْكُ إجْماعِ الصَّحابةِ بقولِ واحدٍ من التَّابِعِين.
فصل: وأُمُّ الولَدِ، والمُدَبَّرُ، والمُكاَتبُ، كالقِنِّ في هذا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. ولا يُقْطَعُ سَيِّدُ المُكاتَبِ بسرقةِ مالِه؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ. وكلُّ مَن لا يُقْطَعُ الإِنْسانُ بسرقَةِ مالِه، لا يُقْطَعُ عبْدُه بسرقةِ مالِه، كآبائِه، وأولادِه،
стр. 13130
وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
ــ
وغيرِهم. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مَن عَدَا سَيِّدِه. ونحوُه قولُ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ولَنا، حديثُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ مالَهم يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مالِه في قَطْعِه، فكذلك في قَطْعِ عبدِه.
٤٥١٥ - مسألة: (ولا) يُقْطَعُ (مُسْلِمٌ بالسَّرِقَةِ من بَيْتِ المالِ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال حَمَّادٌ، ومالكٌ، وابنُ المُنْذِرِ (١): يُقْطَعُ؛ لظاهرِ الكِتابِ. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجَه (٢) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عبدًا من رَقِيقِ الخُمْسِ، سَرَق من الخُمْسَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبىِّ ﷺ ، فلم يَقْطَعْه، وقال: «مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا». ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وسألَ ابنُ مسعودٍ عمرَ عمَّن سَرَق من بيتِ المالِ، فقال: أرْسِلْه، فما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ (٣). وقال سعيدٌ: ثَنا هُشَيْمٌ، ثنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِىِّ (٤)، عن علىٍّ، أنَّه كان يقولُ: ليس على مَن سَرَق من بيتِ المالِ
стр. 13131
وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، أَو لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ.
ــ
قَطْعٌ (١)، ولأَنَّ له في المالِ حَقًّا، فيكونُ شُبْهَةً تَمْنَعُ وُجوبَ القَطْعِ، كما لو سَرَقَ من مالٍ له فيه شَرِكَةٌ.
٤٥١٦ - مسألة: (ولا) يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ (من مَالٍ له فيه شِرْكٌ، أو لأحَدٍ ممَّن لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منه) كالأبِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ ابْنِه، والعبدِ لا يُقْطَعُ بسرقةِ مالِ سَيِّدِه، فكذلك إذا سَرَق من مالٍ لإبْنِه فيه شَرِكَةٌ أو لسَيِّدِه، فلا قَطْعَ عليه لذلك.
فصل: ومَنْ سَرَق مِن الوَقْفِ، أو من غَلَّتِه، وكان من المَوْقُوفِ عليهم، كالمِسْكِينِ يَسْرِقُ من (٢) وَقْفِ المساكينِ، أو من قوم مُعَيِّنِين عليهم وَقْفٌ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّه شَرِيكٌ. وإن كان من غيرِهم، قُطِعَ؛ لأنَّه
стр. 13132
وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، أَو لِوَلَدِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ.
ــ
لا حَقَّ له فيه. فإن قيل: فقد قلتُمِ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ منِ بيتِ المالِ من غيرِ تَفْريقٍ بينَ غَنِىٍّ وفقيرٍ، فَلِمَ فرَّقْتُمْ ههُنا؟ قُلْنا: لأَنَّ للغَنِىِّ في بيتِ المالِ حَقًّا، بدليلِ قولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ما من أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ. بخِلافِ وَقْفِ المساكينِ، فإنَّه لا حَقَّ للغَنِىِّ فيه.
٤٥١٧ - مسألة: (ومَن سَرَق من الغَنِيمَةِ مِمَّن له فيها حَقٌّ، أو لوَلَدِه، أو لسَيِّدِه، لم يُقْطَعْ) لِما ذَكَرْنا من المسألةِ قبلَها. وحَكَى (١) ابنُ أبى موسى، أنَّه يُحَرَّقُ رَحْلُه، كالغَالِّ. وإن لم يَكُنْ من الغانِمِينَ،
стр. 13133
وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
ولا أحدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فسَرَقَ منها قبلَ إخْراجِ الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ له في الخُمْسِ حَقًّا، وإن أُخْرِجَ الخُمْسُ، فسَرَق مِن أرْبَعَةِ الأخْماسِ، قُطِعَ. وإن سَرَق من الخُمْسِ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ له فيه شَرِكَةً، فإنْ قُسِّمَ الخُمْسُ خَمْسَةَ أقْسامٍ، فسَرَقَ من خُمْسِ اللَّهِ ورسولِه، لم يُقْطَعْ، وإن سَرَق من غيرِه، قُطِعَ إلَّا أن يكونَ مِن أَهْلِ ذلك الخمْسِ.
٤٥١٨ - مسألة: (وهل يُقْطَعُ أحَدُ الزَّوْجَيْن بالسَّرِقَةِ من مالِ الآخَرِ المُحْرَزِ عنه؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا قَطْعَ عليه. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو الحَضْرَمِىِّ، حينَ قال له: إنَّ غُلامِى سَرَق مِرآةَ امْرَأتِى: أرْسِلْه، لا قَطْعَ عليه، خادِمُكُمْ أخَذَ مَتاعَكم. وإذا لم يُقْطَعْ عبدُه بسرقَةِ مالِهَا،
стр. 13134
وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ.
ــ
فهو أَوْلَى، ولأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرِثُ صاحِبَه بغيرِ حَجْبٍ، ويَتَبَسَّطُ (١) في مالِ الآخَرِ عادَةً، فأشْبَهَ الوالِدَ والولَدَ. والثانيةُ، يُقْطَعُ. وهو مذهبُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّه سَرَق مالًا مُحْرَزًا عنه، لا شُبْهَةَ له فيه، فأَشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ. وللشّافعىِّ كالرِّوايَتَيْن. وقولٌ ثالثٌ، أنَّ الزَّوْجَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، ولا تُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه؛ لأَنَّ لها النَّفَقَةَ فيه. فأمَّا إن لم يَكُنْ مالُ أحَدِهما مُحْرَزًا عن الآخَرِ، لم يُقْطَعْ رِوَايَةً واحدةً؛ لأنَّه لم يَسْرِق من حِرْزٍ.
٤٥١٩ - مسألة: (ويُقْطَعُ سائِرُ الأقارِبِ بالسَّرِقَةِ من مالِ أقارِبِهمْ) كالإِخْوَةِ والأخَواتِ، ومَنْ عَدَاهم. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ من ذِى رَحِمٍ. وحَكَاه ابنُ أبى موسى في «الإِرْشَادِ» مذهبًا لأحمدَ؛ لأنَّها قَرَابَةٌ تَمْنَعُ النِّكاحَ، وتُبِيحُ النَّظَرَ،
стр. 13135
وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّىِّ وَالْمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ.
ــ
وتُوجِبُ النَّفَقَةَ، أشْبَهَ قَرابةَ الوِلادَةِ. ولَنا، أنَّها قَرَابةٌ لا تَمْنَعُ الشَّهادَةَ، فلا تَمْنَعُ القَطْعَ كغيرِ (١) ذِى الرَّحِمِ، وبهذا فارَقَ قَرابةَ الوِلادةِ.
٤٥٢٠ - مسألة: (ويُقْطَعُ المُسْلِمُ بالسَّرِقَةِ من مالِ الذِّمِّىِّ والمُسْتَأْمِنِ، ويُقْطَعَان بسَرِقَةِ مالِه) أمَّا قَطْعُ المسلمِ بالسرقةِ من مالِ الذِّمِّىِّ، وقَطْعُ الذِّمِّىِّ بالسَّرقةِ من مالِ مسلمٍ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وأمَّا الحَرْبِىُّ إذا دَخَل إلينا مُسْتأمِنًا، فسَرَقَ، فإنَّه يُقْطَعُ أيضًا. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْطَعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ تعالى، فلا يُقامُ [عليه، كحدِّ] (٢) الزِّنى. ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنى. وللشافعىِّ قَوْلان، كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنَّه حَدٌّ يُطالَبُ به، فوَجَبَ عليه (٣)، كحَدِّ القَذْفِ، يُحَقِّقُه أنَّ القَطْعَ يَجِبُ صِيانةً للأمْوالِ، وحَدُّ القَذْفِ يَجِبُ صِيانةً للأعْراضِ، فإذا
стр. 13136
وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا، وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، لَمْ يُقْطَعْ. وَعَنْهُ، يُقْطَعُ. وَعَنْهُ، لَا يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ.
ــ
وَجَب في حَقِّه أحدُهما وَجَب الآخَرُ، فأمَّا حَدُّ (١) الزِّنَى فإنَّما لم يجبْ؛ لأنَّه يجبُ به قتلُه لنَقْضِ العهدِ، ولا يجبُ مع القتلِ حَدٌّ سِوَاه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المسلمَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه. وعندَ أبى حنيفةَ: لا يجبُ. ولَنا، أنَّه سَرَقَ مالًا مَعْصومًا، لا شُبْهَةَ له فيه، من حِرْزِ (٢) مِثْلِه، فوَجَبَ قَطْعُه، كسَرِقَةِ مالِ الذِّمِّىِّ، ويُقْطَعُ المُرْتَدُّ إذا سَرَق، فإنَّ أحْكامَ الإِسْلامِ جارِيَةٌ عليه.
٤٥٢١ - مسألة: (ومَن سَرَق عَيْنًا، وادَّعَى أنَّها مِلْكُهُ، لم يُقْطَعْ. وعنه، يُقْطَعُ. وعنه، لا يُقْطَعُ، إلَّا أن يَكونَ مَعْرُوفًا بالسَّرِقَةِ) مَن ثَبَتَتْ عليه السرقةُ ببَيِّنَةٍ، فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنْكارُه. وإن قال: أحْلِفُوه لى أنِّى سَرَقْتُ منه. لم يُحْلَفْ؛ لأَنَّ السَّرِقَةَ قد ثَبَتَتْ بالبَيِّنَةِ، وفى
стр. 13137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إحْلافِه عليها قَدْحٌ في (١) الشَّهادَةِ. فإن قال: الذى أخَذْتُه مِلْكِى، كان لى عندَه وَدِيعَةً. أو: رَهْنًا. أو: ابْتَعْتُه منه. أو: وَهَبَه (٢) لى. أو: أذِنَ لى في أخْذِه. أو: غَصَبَه منِّى. أو: مِن أبى. أو: بَعضُه لى. فالقولُ قولُ المَسْرُوقِ منه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ اليَدَ ثَبَتَت له، فإن حَلَف سَقَطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، ولا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ صِدْقَه مُحْتَمَلٌ، ولهذا أحْلَفْنا المَسْروقَ منه، وإن نَكَل، قَضَيْنا عليه بنُكُولِه. وهذا إحْدَى الرِّواياتِ عن أحمدَ، وهو منْصُوصُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأَنَّ سُقُوطَ القَطْعِ بدَعْوَاه يُؤَدِّى إلى أن لا يجبَ قَطعُ سارِقٍ، فتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ. وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه إن كان معروفًا بالسَّرِقَةِ، قُطِعَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه، وإلَّا سَقَط عنه القَطْعُ. والأُولَى أوْلَى؛ لأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،
стр. 13138
وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَال السَّارِقِ، أَو الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الَّذِى فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، قُطِعَ، إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ، فَيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّهِ، فَلَا يُقْطَعُ. وَقَالَ الْقَاضِى: يُقْطَعُ.
ــ
وإفْضاؤُه إلى سُقُوطِ القَطْعِ لا يَمْنَعُ اعْتِبارَه، كما أنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ في شَهَادَةِ الزِّنَى شُرُوطًا لا يَكادُ يَقَعُ معها إقامَةُ حَدٍّ بَيَّيَنةٍ أبدًا، على أنَّه لا يُفْضِى إليه لازمًا، فإنَّ السُّرَّاقَ لا يعْلَمُونَ هذا (١)، ولا يَهْتَدُونَ إليه في الغالبِ، وإنَّما يَخْتَصُّ بعلمِ هذا الفُقَهاءُ الذين لا يَسْرِقُونَ غالِبًا. فإن لم يَحْلِفِ المسْرُوقُ منه، سَقَطَ القَطْعُ (١)، وجْهًا واحدًا؛ لأنَّه يُقْضَى عليه بالنُّكُولِ.
٤٥٢٢ - مسألة: (وإذا سَرَق المَسْرُوقُ منه مالَ السارِقِ، أو المَغْصُوبُ منه مالَ الغاصِبِ من الحِرْزِ الذى فيه العَيْنُ المَسْرُوقَةُ أو المَغْصُوبَةُ، لم يُقْطَعْ، وإن سَرَق من غيرِ ذلكَ، أو سَرَق مِن مالِ مَن له عليه دَيْنٌ، قُطِعَ، إلَّا أن يَعْجِزَ عن أخْذِه منه، فيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّه، فلا
стр. 13139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُقْطَعُ. وقال القاضى: يُقْطَعُ) إذا سَرَق مِن (١) مالِ إنْسانٍ، أو غَصَبَه فأحْرَزَه، فجاءَ المالِكُ فَهَتَكَ الحِرْزَ، وأخَذَ مالَه، فلا قَطْعَ فيه عندَ أحدٍ، سَواءٌ أخَذَه سَرِقَةً أو غيرَها؛ لأنَّه أخَذَ مالَه. وإن سَرَق غيرَه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ له شُبْهَةً في هَتْكِ الحِرْزِ، وأخْذِ مالِه، فصارَ كالسَّارِقِ من غيرِ حِرْزٍ، ولأَنَّ له شُبْهَةً في أخْذِ قَدْرِ مالِه؛ لذَهابِ بعضِ أهلِ العلمِ إلى جَوازِ أخْذِ الإِنْسانِ قَدْرَ دَيْنِه من مال مَن هو عليه: والثانى، عليه القَطْعُ؛ لأنَّه سَرَق نِصابًا من حِرْزِه، لا شُبْهَةَ له فيه، وإنَّما يجوزُ له أخْذُ قَدْرِ مالِه؛ إذا عَجَز عن أخْذِ مالِه، وهذا أمْكَنَه أخْذُ مالِه، فلم يَجُزْ له أخْذُ غيرِه. وكذلك الحكْمُ إذا أخَذَ مالَه، وأخَذَ نِصابًا مِن غيرِه مُتَمَيِّزًا عن مالِه، فإن كان مُخْتَلِطًا بمالِه غيرَ مُتَمَيِّزٍ منه، فلا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَه الذى له أخْذُه، وحَصَّلَ غيرَه مَأْخُوذًا ضَرُورَةَ
стр. 13140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخْذِه، فيَجِبُ أن لا يُقْطَعَ (١) فيه، ولأَنَّ له في أخْذِه شُبْهَةً، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. فأمَّا إن سَرَق منه مالًا من غيرِ الحِرْزِ الذى فيه مالُه، أو كان له دَيْنٌ على إنْسانٍ، فسَرَقَ من مالِه قَدْرَ دَيْنِه من حِرْزِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان الغاضِبُ أو الغَرِيمُ باذِلًا لِما عليه، غيرَ مُمْتَنِعٍ من أدائِه، أو قَدَرَ المالِكُ على أخْذِ مالِه فَتَرَكَه وسَرَق مالَ الغاصِبِ أو الغَرِيمِ، فعليه القَطْعُ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، وإن عَجَز عن اسْتِيفاءِ دَيْنه، أو أَرْشِ جِنايَتِه، فسَرَق قَدْرَ دَيْنِه، أو حَقِّه، فلا قَطْعَ عليه. وقال القاضى: عليه القَطْعُ، بِناءً على أصْلِنا في أنَّه ليس له أخْذُ قَدْرِ دَيْنِه. ولَنا، أنَّ هذا مُخْتَلَفٌ في حِلِّه، فلم يَجِبِ الحَدُّ به كالوَطْءِ في نِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه، وتَحْرِيمُ الأخْذِ لايَمْنَعُ الشُّبْهَةَ الناشِئَةَ عن الاخْتِلافِ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. فإن سَرَق أكثرَ من دَيْنِه، فهو كالمَغْصُوبِ منه إذا سَرَق أكثرَ من مَالِه (٢)، على ما مَضَى.
стр. 13141
وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا، قُطِعَ.
ــ
فصل: (ومَن قُطِعَ بسَرِقَةِ عَيْنٍ، فعادَ فسَرَقَها، قُطِعَ) إذا سَرَق سارِقٌ، فقُطِعَ، ثم سَرَقَ ثانيًا، قُطِعَ ثانيًا، سَواءٌ سَرَق من الذى سَرَق منه، أو من غيرِه، وسَواءٌ سَرَق تلك العَيْنَ التى قُطِعَ بسَرِقَتِها أو غيرَها. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قُطِعَ بسَرِقَةِ عين مَرَّةً، لم يُقْطَعْ بسَرِقَتِها مَرَّةً ثانيةً، إلَّا أن يكونَ قد قُطِعَ بسَرِقَةِ غَزْلٍ، ثم سَرَقَه مَنْسُوجًا، أو قُطِعَ بسَرِقَةِ رُطَبٍ، ثم سَرَقَه تَمْرًا. واحْتَجَّ بأنَّ هذا يَتَعَلَّقُ اسْتِيفاؤُه بمُطالَبَةِ آدَمِىٍّ، فإذا تَكَرَّرَ سَبَبُه في العينِ الواحدةِ، لم يَتَكَرَّرْ، كحَدِّ القَذْفِ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ يَجِبُ بفِعْلٍ في عينٍ، فتَكَرُّرُه في عينٍ واحدةٍ كتَكَرُّرِه في الأعْيانِ، كالزِّنَى، وما ذَكَرَه (١) يَبْطُلُ بالغَزْلِ إذا نُسِجَ، وبالرُّطَبِ إذا أتْمَرَ، ولا نُسَلِّمُ حَدَّ القَذْفِ؛ فإنَّه متى قَذَفَه بغيرِ ذلك الزِّنى حُدَّ (٢)، وإن قَذَفَه بذلك الزِّنَى عَقِيبَ حَدِّه، لم يُحَدَّ؛ لأَنَّ الغَرَضَ إظْهارُ كَذِبِه وقد ظَهَر، وههُنا الغَرَضُ رَدْعُه عن السَّرِقَةِ، ولم يَرْتَدِعْ، فيُرْدَعُ بالثانى، كما لو سَرَق عينًا أُخْرَى.
فصل: فإن سَرَقَ مرَّاتٍ قبلَ القَطْعِ، أجْزَأ حَدٌّ واحدٌ عن جميعِها، وتَداخَلَتْ حُدُودُها؛ لأنَّه حَدٌّ من حُدودِ اللَّهِ، فإذا اجتمعَتْ أسْبابُه تَداخَلَ، كحَدِّ الزِّنى، وذَكَرَ القاضى فيما إذا سَرَق من جماعةٍ، وجاءوا
стр. 13142
وَمَنْ أَجَرَ دَارَهُ، أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتأْجِرِ، قُطِعَ.
ــ
مُتَفَرِّقِينَ، رِوايةً أُخْرَى، أنَّها لا تَتَداخَلُ. ولعلَّه يَقِيسُ ذلكْ على حَدِّ القَذْفِ، والصَّحِيحُ أنَّها تَتَداخَلُ؛ لأَنَّ القَطْعَ خالِصُ حَقٍّ للَّهِ تعالى فيتَدَاخَلُ، كحَدِّ الزِّنى والشُّرْبِ، وفارَقَ حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لآدَمِىٍّ، ولهذا يَتَوَقَّفُ على المُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، ويَسْقُطُ بالعَفْوِ عنه.
٤٥٢٣ - مسألة: (ومَن أجَرَ دارَه، أو أعارَها، ثم سَرَق منها مالَ المُسْتَعِيرِ أو المُسْتَأْجِرِ، قُطِعَ) إذا سَرَق المُؤْجِرُ (١) مالَ المُسْتَأْجِرِ من العينِ المُسْتَأْجَرَةِ، فعليه القَطْعُ. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال صاحِباه: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ تَحْدُثُ في مِلْكِ المُؤْجِرِ، ثم تَنْتَقِلُ إلى المُسْتَأْجِرِ. ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزًا، وسَرَق منه نِصابًا لا شبْهَةَ له فيه، فوَجَبَ القَطْعُ، كما لو سَرَق من مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ. وما قالاه غيرُ مُسَلَّمٍ.
٤٥٢٤ - مسألة: وإنِ اسْتَعارَ دارًا فنَقَبَهَا المُعِيرُ، وسَرَق مالَ المُسْتَعِيرِ منها، قُطِعَ أيضًا . وبهذا قال الشافعىُّ في أحَدِ
стр. 13143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَجْهَيْن. وقال أبو حنيفةَ: لا قَطْعَ عليه؛ لأَنَّ المَنْفَعَةَ مِلْكٌ له، فما هَتَك حِرْزَ غيرِه، ولأَنَّ له الرُّجوعَ متى شاءَ، وهذا يكونُ رُجُوعًا. ولَنا، ما تَقَدَّمَ في التى قبلَها، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه؛ لأَنَّ هذا قد صارَ حِرْزًا لمالِ غيرِه، فلا يجوزُ له الدُّخولُ إليه، وإنَّما يجوزُ له الرُّجوعُ في العارِيَّةِ والمُطالَبَةُ برَدِّه إليه.
فصل: قال أحمدُ، ﵀: لا قَطْعَ في المَجَاعَةِ. يَعْنِى أنَّ المُحْتاجَ إذا سَرَق ما يَأْكُلُه، لا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه كالمُضْطَرِّ، وروَى الجُوزْجَانِىُّ (١)، عن عمر، أنَّه قال: لا قَطْعَ في عَامِ سَنَةٍ. وقال: سألتُ أحمدَ عنه، فقلتُ: تقولُ به؟ فقال: إى لَعَمْرِى، إذا حَمَلَتْه الحاجَةُ، والنَّاسُ في شِدَّةٍ ومَجاعَةٍ. وعن الأوْزاعِىِّ مثلُ ذلك. وهذا محمولٌ على مَن لا يجدُ [ما يَشْتَرِيه، أو لا يَجِدُ ما يَشْتَرِى به، فإنَّ له شُبْهَةً في أخْذِ ما يَأْكُلُه، أو] (٢) ما يَشْتَرِى به ما يَأْكُلُه. وقد رُوِى عن [عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه] (٣)، أنَّ غِلْمانَ حاطِبِ بنِ أبى بَلْتَعَةَ انْتَحَرُوا ناقَةً للمُزَنِىِّ، فأمَرَ عمرُ بقَطْعِهِم، ثم قال لحاطِبٍ: إنِّى أراكَ تُجِيعُهم (٤).
стр. 13144
فَصْلٌ: السَّادِسُ، ثُبُوتُ السَّرِقَةِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ.
ــ
فدَرَأَ عنهم القَطْعَ (١) لَمَّا ظَنَّه يُجيعُهم. فأمَّا الواجِدُ لِما يَأْكُلُه، والواجدُ لِما يَشْتَرِى به [ما يَأْكُلُه] (٢) فعليه القَطْعُ، وإن كان بالثَّمَنِ الغالِى. ذَكَرَه القاضى. وهو مذهبُ الشافعىِّ.
فصل: ولا قَطْعَ على المرأةِ إذا مَنَعَها الزَّوْجُ قَدْرَ كِفايَتها، أو كِفايَةِ وَلَدِها، إذا أخَذَتْ من مالِه، سَواءٌ أخَذَتْ قَدْرَ ذلك أو أكثرَ منه، لأنَّها تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذلك، فالزّائِدُ يكونُ مُشْتَرَكًا بما تَسْتَحِقُّ أخْذَه [ولا على الضَّيْفِ إذا مُنِعَ قِراه، وأخَذَ من مالِ المُضِيفِ، لذلك] (٣).
فصل: قال ﵀: (السَّادسُ، ثُبوتُ السَّرِقَةِ بشَهادَةِ عَدْلَيْن، أو إقْرارٍ مَرَّتَيْن، ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتى يُقْطَعَ) وجملةُ ذلك، أنَّ القَطْعَ إنَّما يجبُ بأحَدِ شَيْئَيْن، بَيَنةٍ، أو إقْرارٍ، لا غيرُ، فأمَّا البَيِّنَةُ، فَيُشْتَرَطُ فيها أن يكونا (٤) رجلَيْن مُسْلِمَيْن حُرَّيْن عَدْلَيْن، سَواءٌ كان السَّارِقُ مسلمًا
стр. 13145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو ذِمِّيًّا. وقد ذَكَرْنا ذلك في شُهُودِ الزِّنَى بما يُغْنِى عن إعادَتِه ههُنا، ويُشْتَرَطُ أن يَصِفَا السَّرِقَةَ والحِرْزَ، وجِنْسَ النِّصَابِ، وقَدْرَه؛ ليَزُولَ الاخْتِلافُ فيه، فيقولانِ: نشْهَدُ أنَّ هذا سَرَق كَذا، قِيمَتُه كذا، من حِرْزٍ. ويَصِفَا الحِرْزَ. فإن كان المسروقُ منه غائِبًا، فحَضَرَ وكيلُه، وطالَبَ بالسَّرِقَةِ، احْتاجَ الشَّاهِدانِ أَنْ يَرْفَعَا في نَسَبِه، فيقولان: من حِرْزِ فُلانِ ابنِ فلانِ [ابنِ فلانٍ] (١). بحيثُ يَتَمَيَّزُ عن غيرِه، فإذا اجتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، وَجَب القَطْعُ في قولِ عامَّتِهم. وقال ابنُ المُنْذِرِ (٢): أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ قَطْعَ السارِقِ يجبُ، إذا شَهِد بالسَّرِقَةِ شاهدان حُرَّان مُسْلِمان، ووَصَفا ما يُوجِبُ القَطْعَ. وإذا وَجَب القَطْعُ بشَهادَتِهما، لم يَسْقُطْ بغَيْبَتِهما، ولا مَوْتِهما، على ما مَضَى في الشَّهادَةِ بالزِّنَى. وإذا شَهِدا (٣) بسَرِقَةِ مالِ غائبٍ، فإن كان له وكيلٌ حاضِرٌ، فطالَبَ به، قُطِعَ السَّارِقُ، وإلَّا قلا. وقال القاضى: يُحْبَسُ ولا يُقْطَعُ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ.
стр. 13146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا اخْتَلَفَ الشاهدان في المكانِ (١) أو الزَّمانِ، أو المَسْروقِ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه سَرَق يومَ الخميسِ، وشَهِد (٢) الآخَرُ أنَّه سَرَق يومَ الجُمُعة، أو (٣) شهِد أحدُهما أنَّه سَرَق من هذا البيتِ، والآخَرُ أنَّه سَرَق من هذا البيتِ الآخَرِ، أو قال أحدُهما: سَرَق ثَوْرًا. وقال الآخَرُ: سَرَق بَقَرَةً. أو قال الآخَرُ: سَرَق حمارًا. لم يُقْطَعْ. في قولِهم جميعًا. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وإن قال أحدُهما: سَرَق ثَوْبًا أبْيَضَ. وقال الآخَرُ: أسودَ. أو قال أحدُهما: سَرَق هَرَوِيًّا. وقال الآخَرُ: سَرَقَ مَرْوِيًّا. لم يُقْطَعْ أيضًا. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّهما لم يَتَّفِقَا على الشَّهادةِ بشئٍ واحدٍ، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَفَا في الذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْطَعُ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ لم يَرْجِعْ إلى نفسِ الشَّهادة، فيَحْتَمِلُ أنَّ أحدَهما غَلَب على ظَنِّه أنَّه هَرَوِىٌّ، والآخرَ أنَّه مَرْوِىٌّ، أوَ كان الثوبُ فيه سَوادٌ وبَياضٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ (٤): اللونُ أقربُ إلى الظُّهورِ من الذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّة، فإذا كان اخْتِلافُهما (٥) فيما يَخْفَى يُبْطِلُ شَهادَتَهما، ففيما
стр. 13147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَظْهَرُ أوْلَى. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحدَهما ظَنَّ المسروقَ ذكَرًا، وظَنَّه الآخَرُ أُنْثَى، وقد أوْجَبَ هذا رَدَّ شهادَتِهما، فكذلك ههنا. الأمرُ الثانى، الاعْتِرافُ، ويُشْتَرَطُ فيه أن يَعْتَرِفَ مَرَّتَيْن. رُوِى ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال ابن أبى ليلى، وأبو يوسفَ، وزُفَرُ، وابنُ شُبْرُمَةَ. وقال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُقْطَعُ باعْتِرافِ مَرَّةٍ؛ لأنَّه حَقٌّ يَثْبُتُ بالإِقْرارِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه التَّكْرَارُ، كحَقِّ الآدَمِىِّ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (١)، بإسْنادِه، عن أبى أُمَيَّةَ المَخْزُومِىِّ، أنَّ النبىَّ ﷺ أُتِىَ بلِصٍّ قد اعْتَرَفَ، فقال له: «ما إِحالُكَ سَرَقْتَ». قال: بلى. فأعادَ عليه مَرَّتَيْن أو ثلاثًا، فأمَرَ به، فقُطِعَ. ولو وَجَبَ القَطْعُ بأوَّلِ مَرَّةٍ، لَمَا أخَّرَه. وروَى سعيدٌ، عن هُشَيْمٍ، وسُفْيانَ، وأبى الأحْوَصِ، وأبى مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن [القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ] (٢)، عن أبِيه، قال: شَهِدْتُ عليًّا، وأتاه رجلٌ، فأقَرَّ بالسَّرِقَةِ، فرَدَّه. وفى لفظٍ: فانْتَهرَه. وفى لفظٍ: فسَكَتَ عنه. وقال غيرُ هؤلاءِ: فطَرَدَه. ثم عادَ بعدَ ذلك،
стр. 13148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأقَرَّ، فقال له علىٌّ: شَهِدْتَ على نفْسِكَ مَرَّتَيْن. فأمَرَ به فقُطِعَ. وفى لفظٍ: قد أقْرَرْتَ على نَفْسِكَ مَرَّتَيْن (١). ومثلُ هذا يَشْتَهِرُ، فلم يُنْكَرْ. ولأنَّه يَتَضَمَّنُ إتْلافًا في حَدٍّ، فكان مِن شَرْطِه التَّكْرارُ، كحَدِّ الزِّنى. ولأنَّه أحدُ حُجَّتَى القَطْعِ، فيُعْتَبرُ فيه التَّكْرَارُ، كالشَّهادةِ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بالزِّنى، عندَ مَن اعْتَبَرَ التَّكْرَارَ، ويُفارِقُ حَقَّ الآدَمِىِّ؛ لأَنَّ حَقَّه مَبْنِىٌّ على الشِّحِّ، والضِّيقِ، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، بخِلافِ مَسْألتِنا.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَذْكُرَ في إقْرارِه شُروطَ السَّرِقَةِ، مِن النِّصابِ والحِرْزِ، وإخْراجِه منه. والحُرُّ والعبدُ في هذا سَواءٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، لعُمومِ النَّصِّ فيهما، ولِما روَى الأعْمَشُ، عن القاسمِ، عن أبِيه، أنَّ عليًّا قَطع عبدًا أقَرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ. وفى روايةٍ، قال: كان عبدًا. يعنى الذى قَطَعَه علىٌّ. ويُعْتَبَرُ أَنْ يُقِرَّ مَرَّتَيْن. وروَى مُهَنَّا، عن أحمدَ: إذا أقَرَّ العبدُ أنَّه سَرَق أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قُطِعَ. فظاهِرُ هذا أنَّه اعْتَبَرَ إقْرارَه أربعَ مَرَّاتٍ؛ ليكونَ على النِّصْفِ مِن الحُرِّ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لخبَرِ على، ولأنه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاسْتَوَى فيه الحُرُّ والعبدُ، كسائرِ الحُدودِ.
стр. 13149
وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ.
ــ
٤٥٢٥ - مسألة: (ولا يَنْزِعُ عن إقْرارِه حتى يُقْطَعَ) هذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ. وقال ابنُ أبى ليلى، وداودُ: لا يُقْبَلُ رجوعُه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لآدَمِىٍّ بحَدِّ قِصاصٍ، لم يُقْبَلْ رُجوعُه عنه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ للسَّارِقِ: «مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ» (١). عَرَضَ له ليَرْجِعَ، [ولأنَّه حَدٌّ للَّهِ] (٢)، ثَبَت بالاعْترافِ، فقُبِل رُجوعُه عنه، كحَدِّ الزِّنى، ولأَنَّ الحُدودَ تُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، ورُجوعُه شُبْهَةٌ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ كَذَب على نفْسِه في اعْتِرافِه، ولأنَّه أحَدُ حُجَّتَى القَطْعِ، فيَبْطُلُ بالرُّجوعِ عنه، كالشَّهادَةِ، ولأَنَّ حُجَّةَ القَطْعِ زالَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، فسَقَط كما لو رَجَع الشُّهودُ. وفارَقَ حَقَّ الآدَمِىِّ؛ لأنَّه مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ولو رَجَع الشُّهودُ عن الشَّهادَةِ بعدَ الحُكْمِ في حَقِّ الآدَمِىِّ، لم يَبْطُلْ برُجوعِهم، ولم يَمْنَعِ اسْتِيفاءَها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا رَجَع قبلَ القَطْعِ، سَقَط القَطْعُ، ولم يَسْقُطْ غُرْمُ المسْرُوقِ، لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولو أتر مَرَّة واحدةً، لَزِمَه غَرامة المسْروقِ دُونَ القَطْعِ. وإن كان رُجوعُه وقد قُطِعَ بعضُ المَفْصِلِ، لم يُتْمِمْه إن كان يُرْجَى بُرْؤه؛ لكَوْنِه قَطَع الأقَلَّ، وإن كان قَطَع الأكْثَرَ، فالمقطوعُ بالخِيارِ، إن شاءَ قَطَعَه، ليَسْتَريحَ (٣) مِن تعْليقِ
стр. 13150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَفِّه، [وإن شاءَ تَرَكَه] (١)، ولا يَلْزَمُ القاطِعَ قَطْعُه؛ لأَنَّ قَطْعَه تَداوٍ، وليس بحَدٍّ.
فصل: قال أحمدُ: لا بأْسَ بتَلْقِينِ السَّارِقِ ليَرْجِعَ عن إقْرارِه. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. رُوِى عن عمرَ، أنَّه أتِىَ برجل (٢)، فسألَه: أسَرَقْتَ؟ [قُلْ: لا] (١). فقال: لا. فَتَرَكَه (٣). ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ مسعودٍ، وأبى الدَّرْدَاءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال إسْحاقُ، وأيو ثَوْرٍ. وقد رَوَيْنا أنَّ النبىَّ ﷺ قال للسَّارِقِ: «ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ». وقال لماعِزِ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو لَمَسْتَ» (٤). وعن علىٍّ، أنَّ رَجلًا أقَرَّ عندَه بالسَّرِقَةِ، فانْتَهَرَه (٥). ولا بأْسَ بالشَّفَاعَةِ في السَّارِقِ إذا لم يَبْلُغِ الإِمامَ، فإنَّه رُوِى عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «تَعافَوُا الحُدُودَ (٦) [فِيمَا بَيْنَكُمْ] (٧)، فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدِّ وَجَبَ» (٨). وقال الزُّبيرُ بنُ
стр. 13151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العوَّامِ في الشَّفاعَةِ في الحَدِّ: يَفْعَلُ ذلكَ دونَ السُّلْطَانِ، فإذا بَلَغ الإِمامَ، فلا أعْفَاه اللَّهُ إنْ أعفاه (١). وممَّن رَأى ذلك عَمَّارٌ، وابنُ عباس، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ. وقال مالكٌ: إن لم يُعْرَفْ بشَرٍّ، فلا بأْسَ أن يشْفَعَ له، ما لم يَبْلُغِ الإِمامَ، وأمَّا مَن عُرِفَ بشَرٍّ وفَسادٍ، فلا أحِبُّ أن يَشْفعَ له أحَدٌ (٢)، ولكن يُتْرَكُ حتى يُقامَ عليه الحَدُّ. وأجمعُوا على أنَّه إذا بَلَغ الإِمامَ لم تَجُزِ الشَّفَاعَةُ فيه؛ لأَنَّ ذلك إسْقاطُ حَقٍّ وَجَب للَّه تِعالى، وقد غَضِب النبىُّ ﷺ حينَ شَفَع أُسامَةُ في المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وقال: «أتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تعالى!» (٣). وقال ابنُ عمرَ: مَن حالَتْ شَفاعتُه دونَ حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّهِ، فقد ضادَّ اللَّهَ في حُكْمِه (٤).
стр. 13152
السَّابعُ، مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ. وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَيْس ذَلِكَ بِشَرْطٍ.
ــ
فصل: قال ﵀: (السابعُ، مُطالَبَةُ المَسْرُوقِ منه بمالِه. وقال أبو بكرٍ: ليس ذلك بشَرْطٍ) وجملةُ ذلك، أنَّ السَّارِقَ لا يُقْطَعُ وإنِ اعْتَرَفَ أو قامَتْ بَيِّنَةٌ، حتى يَأتِىَ مالِكُ المسروقِ يَدَّعِيه. ويهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال أبو بكرٍ: لا يَفْتَقِرُ إلى دَعْوَى ولا مُطالَبَةٍ. وهذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأَنَّ مُوجِبَ القَطْعِ ثَبَت، فوَجَبَ مِن غيرِ مُطالَبَةٍ، كحَدِّ الزِّنى. ولَنا، أنَّ المالَ يُبَاحُ بالبَذْلِ والإِباحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ مالِكَه أباحَه إيَّاه، أو وَقَفَه على المسلمين، أو على طائِفَةٍ السَّارِقُ منهم، أو أذِنَ له في دُخوِلِ حِرْزِه، فاعْتُبِرَتِ المُطالَبَةُ؛ لتَزُولَ هذه الشُّبْهَةُ، وعلى هذا يَخْرُجُ الزِّنَى، فإنَّه لا يُباحُ بالإِباحَةِ، ولأَنَّ القَطْعَ أوْسَعُ في الإِسْقاطِ، ألا تَرَى أنَّه إذا سَرَق مالَ أبِيه لم يُقْطَعْ، ولو زَنَى بجَارِيَتِه حُدَّ، ولأَنَّ القَطْعَ شُرِعَ لصِيانَةِ مالِ الآدَمِىِّ، فله به تَعَلُّقٌ،
стр. 13153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يُسْتَوْفَ مِن غيرِ حُضورِ مُطالِبٍ به، والزنَى حَقٌّ للَّهِ تعالى مَحْضٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى طَلَبٍ به. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ وَكِيلَ الغائبِ يقومُ مَقامَه في الطَّلَبِ. وقال القاضى: إذا أقَرَّ بسَرِقَةِ مالِ غائب، حُبسَ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أباحَه، ولو أقَرَّ بحَقٍّ مُطْلَقٍ لغائبٍ لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا حَقَّ عليه لغيرِ الغائبِ ولم يأمُرْ بحَبْسِه، فلم يُحْبَسْ. وفى مسألتِنا تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تعالى، وحَقُّ الآدَمِىِّ، فحُبِسَ؛ لِما عليه مِن حَقِّ اللَّهِ تعالى، فإن كانتِ العَيْنُ في يدِه، أخَذَها الحاكمُ، وحَفِظَها للغائبِ، وإن لم يَكُنْ في يدِه شئٌ، فإذا جاء الغائِبُ كان الخَصْمَ فيها.
فصل: ولو أقَرَّ بسَرِقَةٍ لرجلٍ، فقال المالكُ: لم تَسْرِقْ مِنِّى، ولكنْ غَصَبْتَنِى. أو: كان لى قِبَلَك وَدِيعَةٌ فجَحَدْتَنِى. لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ إقْرارَه لم يُوافِقْ دَعْوَى المُدَّعِى. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وإن أقَرَّ أنَّه سَرَق نِصابًا مِن رجلَيْن، فصَدَّقَه أحدُهما دُونَ الآخَرِ، أو قال الآخرُ: بل غَصَبْتَنِيه أو جَحَدْتَنِيه. لم يُقْطَعْ. وبه قال أصحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ. ولَنا، أنَّه لم يُوافِقْ على سَرِقَةِ نِصابٍ، فلم يُقْطَعْ،
стр. 13154
فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ، قُطعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمتْ؛ وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ في زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فَإِنْ عَاَد،
ــ
كالتى قَبلَها، وِإن وَافَقاه جميعًا، قُطِعَ. وإن حَضَر أحدُهما، فطالَبَ، ولم يَحْضُرِ الآخرُ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ ما حَصَلَتِ المُطالَبَةُ به لا يُوجِبُ القَطْعَ بمُفْرَدِه. وإن أقَرَّ أنَّه سَرَق مِن رجلٍ شيئًا، فقال الرجلُ: قد فَقدْتُه مِن مالِى. فيَنْبَغِى أن يُقْطَعَ؛ لِما رُوِى عن عبدِ الرحمنِ (١) بنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصارِىِّ، عن أبيه، أنَّ عمرَو بنَ سَمُرَةَ بنِ حَبِيبِ (٢) بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّه إنِّى سَرَقْتُ جَمَلًا لبَنِى فُلانٍ، فطَهِّرْنِى. فأرسَلَ إليهم النبىُّ ﷺ ، فقالوا: إنَّا افْتَقَدْنا جملًا لنا. فأمَرَ به النبىُّ ﷺ ، فقُطِعَتْ يَدُه. قال ثَعْلَبَةُ: أنا أنْظُرُ إليه حين وَقَعَتْ يدُه، وهو يقولُ: الحمدُ للَّه الذى طَهَّرَنِى منكِ، أردتِ أن تدْخِلِى جَسَدِىَ النَّارَ. رَواه ابنُ ماجَه (٣).
٤٥٢٦ - مسألة: (وإذا وَجَب القَطْعُ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وحُسِمَتْ؛ وهو أن تُغْمَسَ فِى زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فإن عاد ،
стр. 13155
قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ،
ــ
قُطِعَتْ رِجْلُه الْيُسْرَى مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ، وحُسِمْت) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكُوعُ. وفى قِراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: (فَاقْطَعُوَاْ أَيْمانَهُمَا) (١). وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تَفْسِيرٌ. وقد رُوِى عن أبى بكر، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قالا: إذا سَرَقَ السَّارِقُ فاقْطَعُوا يَمِينَه مِن الكوعِ (٢). ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأَنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانتِ البَداءَةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ غالبًا (٣)، فناسَبَتْ عُقُوبَته بإعْدامِ آلَتِها. وإذا سَرَق ثانيًا، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى. وبذلك قال الجماعةُ إلَّا عطاءً، حُكِىَ عنه، أنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُسْرَى؛ لقَوْلِه سبحانَه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤). ولأنَّها آلةُ السَّرقَةِ والبَطْشِ، فكانتِ العُقُوبةُ بقَطْعِها أوْلَى. ورُوِىَ ذلك عن رَبِيعَةَ، وداودَ. وهذا شُذُوذٌ يخالِفُ قولَ (٥) جماعةِ [فُقَهاءِ الأمصارِ مِن أهلِ الفِقْهِ والأثَرِ] (٦)، مِن الصَّحابةِ
стр. 13156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتابِعِين، ومَن بعدَهم، وقولَ أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال في السَّارِقِ: «إِذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه» (١). ولأنَّه في المُحارَبَةِ المُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّما تُقْطَعُ يَدُه ورِجْلُه، ولا تُقْطَعُ يَداه، فنقولُ: جنايةٌ أوْجَبَت قَطْعَ عُضْوَيْن، فكانا يَدًا ورِجْلًا، كالمُحارَبَةِ، ولأَنَّ قَطْعَ يَدَيْه يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ، فلا تَبْقَى له يدٌ يَأْكُلُ بها، ولا يتوضَّأ، ولا يَسْتَطِيبُ، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه، فيصيرُ كالهالِكِ، فكان قَطْعُ الرِّجْلِ الذى لا يَشْتَمِلُ على هذه المَفْسَدَةِ أوْلَى. وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قَطْعُ يَدِ كل واحدٍ منهما؛ بدليلِ أنَّه لا تُقْطَعُ اليدَان في المَرَّةِ الأُولَى. وفى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فَاقْطَعُوَا أَيْمانَهُمَا). وإنَّما ذُكِرَ بلفظِ الجمعِ، لأَنَّ المُثَنَّى إذا أضِيفَ إلى المُثَنَّى ذُكِرَ بلفظِ الجمع، كقولِه تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢). إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٣). ولأَنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أرْفقُ به، لأنَّه يُمْكِنُه المَشْىُ على خَشَبَةٍ، ولو قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى
стр. 13157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يُمْكِنْه المَشْىُ بحالٍ. وتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وفَعَل ذلك عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (١). وكان علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَقْطَعُ مِن نصفِ القَدَمِ مِن مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، ويَدَعُ له عَقِبًا يَمْشِى عليها (٢). وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. ولَنا، أنَّه أحَدُ العُضْوَيْن المَقْطُوعَيْن في السَّرِقَةِ، فيُقْطَعُ مِن المَفْصِلِ كاليَدِ، وإذا قُطِعَ حُسِمَ، وهو أن يُغْلَى الزَّيت، فإذا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُه في الزَّيت؛ لتَنْسَدَّ أفْواهُ العُروقِ؛ لئلا يَنْزِفَ الدمُ فيَمُوت. وقد رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ أتِىَ بسارِقٍ سَرَق شَمْلَةً، فقال: «اقْطَعُوهُ، واحْسِمُوهُ» (٣). وهو حديثٌ فيه (٤) مَقالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ (٥). وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك الشافعىٌّ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهما مِن أهلِ
العلمَ.
فصل: ويُقْطَعُ السارِقُ (٤) بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ، فيُجْلَس ويُضْبَطُ؛ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فيَجْنِىَ على نَفْسِه، وتُشَدُّ يَدُه بحَبْلٍ، ويُجَرُّ حتى يَبِينَ مَفْصِلُ
стр. 13158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكَفِّ مِن مَفْصِلِ الذِّراعِ، ثم تُوضَعُ بينَهما سِكِّينٌ حَادَّةٌ، ويُدَقُّ فوقَها بقُوَّةٍ ليُقْطَعَ في مَرَّةٍ واحدةٍ، أو تُوضَعُ (١) السِّكِّينُ على المَفْصِلِ وتُمَدُّ مدَّةً واحدةً. وإن عُلِمَ قَطْعٌ أوْحَى مِن هذا، قُطِعَ به.
فصل: ويُسَنُّ تَعْلِيقُ اليَدِ في عُنُقِه؛ لِما روَى فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ أتِىَ بسارِقٍ، فقُطِعَتْ يدُه، ثم أَمَرَ بها فعُلِّقَتْ في عُنُقِه. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٢). وفَعَل ذلك علىٌّ (٣)، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ فيه رَدْعًا وزَجْرًا.
فصل: ولا يُقطَعُ في شِدَّةِ حَر، ولا بَرْدٍ؛ لأَنَّ الزَّمانَ رُبَّما أعانَ على قَتْلِه، والغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ القَتْلِ. ولا يُقْطَعُ مَرِيض في مَرَضِه؛ لِئلَّا يَأتِىَ ذلك على نَفْسِه. ولو سَرَق فقُطِعَتْ يدُه، ثم سَرَق قبلَ انْدِمالِ يدِه، لم يُقْطَعْ ثانِيًا حتى يَنْدَمِلَ القَطْعُ الأَوَّلُ. وكذلك لو قُطِعَتْ رِجْلُه قِصاصًا، لم تُقْطَعِ اليَدُ في السَّرِقَةِ حتى تَبْرَأ الرِّجْلُ. فإن قِيلَ: أليس لو وَجَب عليه قِصاصٌ في اليدِ الأُخْرَى لَقُطِعَتْ قبلَ الانْدِمالِ، والمُحارِبُ تُقْطَعُ يدُه
стр. 13159
فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَمْ يُقْطَعْ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى في الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى في الرَّابِعَةِ.
ــ
ورِجْلُه دَفْعَةً واحدةً، وقد قُلْتُمْ في المريضِ الذى وَجَب عليه الحَدُّ: لا يُنْتَظَرُ بُرْؤُه. فلِمَ خَالَفْتُمْ ذلك ههُنا؟ قُلْنا: القِصاصُ حَقُّ آدَمِىٍّ، يُخافُ فَوْتُه، وهو مَبْنِىٌّ على الضِّيقِ لحاجَتِه إليه، ولأَنَّ القِصاصَ قد يَجِبُ في يَدٍ، ويجب في يَدَيْن وأكثرَ في حالةٍ واحِدَةٍ، فلهذا جازَ أن يُوالَى بينَ قِصاصَيْن، بخِلافِ الحَدِّ، فإنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ لها حَدٌّ مقَدَّر، لا تجوز الزِّيادَةُ عليه، فإذا والَى بينَ حَدَّيْن، صارَ كالزِّيادَةِ على الحَدِّ، فلم يَجُزْ. فأمَّا قطَّاع الطَّريقِ، فإنَّ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ حَدٌّ واحِدٌ، بخِلافِ ما نحن فيه. وأمَّا تأخير الحَدِّ للمَرَضِ، فمَمْنوع، وإن سلِّمَ، فإنَّ الجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُه، فيَأتِى به في المرَضِ على وَجْهٍ يُؤْمَن معه التَّلَفُ، والقَطْع لا يُمْكِن تخْفِيفُه.
٤٥٢٧ - مسألة: (فإن عاد، حُبِسَ، ولم يقْطَعْ. وعنه، أنَّه تقْطَع يَده اليُسْرَى في الثالِثَةِ والرِّجل اليُمْنَى في الرّابِعَةِ) وجملة ذلك، أنَّه إذا سَرَق بعدَ قَطْعِ [يَدِه ورِجْلِه] (١)، لم يُقْطَعْ منه شئٌ آخَر وحُبِسَ.
стр. 13160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِى، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ، أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يَدُه اليُسْرَى، وفى الرّابعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَطَعا يَدَ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ (١). وهو قولُ قَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه تُقْطَعُ يدُه السرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأَنَّ جابِرًا قال: جئَ إلى النبىِّ ﷺ بسارِقٍ، فقال: «اقْتُلُوهُ». فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنما سَرَقَ. فقال: «اقْطَعُوهُ». قال: فَقُطِعَ، ثم جِئَ به الثَّانِيَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ». فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق. فقال: «اقْطَعُوهُ». قال: فقُطِعَ، ثم جِئَ به الثالثَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ». فقالوا: يارَسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق. قال: «اقْطَعُوهُ». قال: ثم أتِىَ به الرَّابِعَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ». قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق.
стр. 13161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: «اقْطَعُوهُ». ثم أتِىَ به الخامِسَةَ، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال: فانْطَلَقْنا به، فَقَتَلْناه، ثم اجْتَرَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ. رَواه أبو داودَ، والنَّسَائىُّ (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال في السَّارِقِ: «إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ (٢)، [ثمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إن سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ] (٣)» (٤). ولأَنَّ اليَسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قَطْعُها في السَّرقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فِعْلُ أبى بكرٍ، وعمرَ (٥)، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وقد قال النبىُّ ﷺ : «اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ» (٦). ولَنا، ما روَى سعيدٌ، ثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أتِىَ بِرَجُل مَقْطُوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق،
стр. 13162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال لأصحابِه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقْطَعْهُ يا أميرَ المُؤْمِنين. قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأىِّ شئٍ يَأْكُلُ الطَّعامَ؟ بأىِّ شئٍ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ؟ بأىِّ شئٍ يَغْتَسِلُ مِن جَنابَتِه؟ بأىِّ شئٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخْرَجَه فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مثلَ قولِهم الأَوَّلِ، وقال مثلَ ما قالَ أوَّلَ مَرَّةٍ (١)، فجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه (٢). ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّى لأسْتَحِى مِن اللَّه أِن لا أدَعَ له يَدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشِى عليها (٢). ولأَنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفوِيتَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فلم يُشْرَعْ في حَدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثَّانيةِ (٣)، لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنَّما لم تُقْطَعْ للمَفْسَدَةِ في قَطْعِها، لأَنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأ، ولا يَغْتَسِلِ، ولا يَسْتَنْجِى، ولا يَحْتَرِزَ مِن نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفَعَ عن نفْسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ. فأمَّا حديثُ جابرٍ، ففى حَقِّ رجل اسْتَحَقَّ القَتْلَ،
стр. 13163
وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ سَرَقَ
ــ
بدليلِ أنَّ النبىَّ ﷺ أَمَرَ به في أوَّلِ مَرِّةٍ، وفى كُلِّ مَرَّةٍ. وقال النَّسائِىُّ فيه: حديثٌ مُنْكَرٌ. وأمَّا الحديثُ الآخرُ، فلم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، ولم نَعْلَمْ صحَّتَه، وفعلُ أبى بكرٍ وعمرَ، قد عارَضَه قولُ علىٍّ. ورُوِىَ عن عمرَ أنَّه رَجَع إلى قَولِ علىٍّ، فرَوَى سعيدٌ، حدَّثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عائذٍ (١)، قال: أتِىَ عمرُ بِرجلٍ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق، فأمَرَ به عمرُ أن تُقْطَعَ رِجْلُه، فقال علىٌّ: إنَّما قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) -إلى آخرِ الآيةِ- وقد قَطَعْتَ يدَ هذا ورِجْلَه، فلا يَنْبَغِى أن تَقْطَعَ رِجْلَه فَتَدَعَه ليس له قائمةٌ يَمْشِى عليها، إمَّا أن تُعَزِّرَه، أو تَسْتَوْدِعَه السِّجْنَ. فاستوْدَعه السِّجْنَ (٣).
٤٥٢٨ - مسألة: (ومَن سَرَق وليس له يَد يُمْنَى، قُطِعَتْ رِجْلُه
стр. 13164
وَلَهُ يُمْنَى فَذَهَبَتْ، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى، عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَتُقْطعُ عَلَى الأُخرَى.
ــ
اليُسْرَى، وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ، وإن ذَهَبَتْ يَدُه اليُسْرَى، لم تُقْطَعِ اليُمْنَى، على الرِّوايَةِ الأُولَى، وتُقْطَعُ على الأُخرَى) إذا سَرَق ولا يُمْنَى له، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى، كما تُقْطَعُ في السَّرِقَةِ الثَّانيةِ، فإن كانت يُمْناه شَلَّاءَ، ففيه رِوايَتان، إحداهما، تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى، لأَنَّ الشَّلَّاءَ لا نَفْعَ فيها ولا جَمالَ، فأشْبَهَتْ كَفًّا لا أصابع عليه. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمدَ، في مَن سَرَق ويُمْناه جافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُه. والثانيةُ، أنَّه يُسْألُ أهلُ الخِبْرَةِ، فإن قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُها، وانْحَسَمَتْ عُرُوقُها. قُطِعَتْ؛ لأنَّه أمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِه فوَجَب، كما لو كانت صحيحةً. وإن قالوا: لا يَرْقَأ دَمُها. لم تُقْطَعْ؛ لأنَّه يُخافُ (١) تَلَفُه، وتُقْطَعُ رِجْلُه.
стр. 13165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا مذهبُ الشافعىِّ. فإن كانت أصابع اليُمْنَى كلُّها ذاهِبَةً، ففيها وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْطَعُ، وتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لأَنَّ الكَفَّ لا يجبُ فيه دِيَةُ اليَدِ، فأشْبَهَ الذِّرَاعَ. والثانى، تُقْطَعُ؛ لأَنَّ الرَّاحَةَ بعضُ ما يُقْطَعُ في السَّرِقَةِ، فإذا كان مَوْجُودًا قُطِعَ، كما لو ذَهَب الخِنْصَرُ أو (١) البِنْصَرُ. وإن ذَهَب بعضُ الأصابعِ، وكان الذَّاهِبُ الخِنْصَرَ أو البِنْصَرَ، أو واحدةً سِوَاهما، قُطِعَتْ؛ لأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِها باقٍ، وإن لم يَبْقَ إلَّا واحِدَة، فهى كالتى ذَهَب جميعُ أصابِعِها، وإن بَقِىَ اثْنَتان، فهل تُلْحَقُ بالصَّحِيحَةِ، أو بما قُطِعَ جميعُ أصابِعِها؟ على وَجْهَيْن. والأَوْلَى قَطْعُها؛ لأَنَّ نَفْعَها لم يَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ.
٤٥٢٩ - مسألة: (وإن سَرَق وله يُمْنَى، فذَهَبَتْ، سَقَط القَطْعُ) أمَّا إذا سَرَق وله يُمْنَى فقُطِعَتْ في قِصاصٍ، أو ذَهَبَتْ بأكِلَةٍ (٢)، أو تَعَدَّى عليها مُتَعَدٍّ فقَطَعَها، سَقَط القَطْعُ، ولا شئَ على العادِى إلَّا الأدَبُ.