وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ. وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إلا ما يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيرِهِ.
ــ
٤٥٧١ - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ) لأنَّهم أخْطَأُوا في [فرعٍ مِن] (١) فُروعِ الإِسْلامِ باجْتِهادِهم، فأشْبَهَ المُجْتَهِدينَ (٢) مِن الفُقَهاءِ في الأحْكامِ، وإذا لم يكُونوا مِن أهلِ البِدَعِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم، كأهلِ العَدْلِ. وهو قولُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
٤٥٧٢ - مسألة: (ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حَاكمِهمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه) إذا نَصَب أهْلُ البَغْي قاضِيًا يَصْلُحُ للقَضاءِ، فهو كقاضِي أهْلِ العَدْلِ، (يَنْفُذُ مِن أحْكامِه ما يَنْفُذُ مِن أحكامِ قاضِي أهْلِ العَدْلِ) (٣)، ويُرَدُّ منه ما يُرَدُّ. فإن كان (٤) ممَّن يَسْتَحِلُّ دِماءَ أهلِ العَدْلِ
стр. 13267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأمْوالهم، لم يَجُزْ قَضاؤُه، لأنَّه ليس بعَدْلٍ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَضاؤُه بحالٍ، لأنَّ أهْلَ البَغْي يُفَسَّقُونَ بِبَغْيِهم، والفِسْقُ يُنافِي القَضاءَ. ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في الفُروعِ بتَأْويلٍ سائغٍ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ القَضاءِ، ولم يُفَسَّقْ به، كاخْتِلافِ الفقَهاءِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حَكَم بما لا يُخالِفُ نَصًّا ولا إجْماعًا، نَفَذ حُكْمُه، وإن خالفَ ذلك، نُقِضَ حُكْمُه، كقاضي أهْلِ العَدْلِ. فإن حَكَم بسُقُوطِ الضَّمانِ على أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، جازَ حُكْمُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ. وإن كان حُكْمُه فيما أتْلَفُوه قبلَ قيامِ الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ؛ لأنَّه مُخالِفٌ للإِجْماعِ. وإن حَكَم على أهْلِ العَدْلِ بوُجُوبِ الضَّمانِ فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لمخَالفَتِه الإِجْماعَ. وإن حَكَم بوُجُوبِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه في غيرِ حالِ الحربِ، نَفَذ حُكْمُه. وإن كَتَب قاضِيهِم إلى قاضِي أهْلِ العَدْلِ، جازَ قَبُولُ كتابِه؛ لأنَّه قاضٍ ثابِتُ القَضايا، نافِذُ الأحْكامِ. والأوْلَى أنَّه لا يَقْبَلُه، كَسْرًا لقُلُوبِهم.
стр. 13268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يجوزُ. وقد سَبَق الكَلامُ في هذا. فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوا قَاضِيًا، لم يَجُزْ قَضاوه؛ لأنَّ أقَلَّ أحْوالِهم الفِسْقُ، وهو يَمْنَعُ القَضاءَ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ قَضاؤُه، وتَنْفُذ أحْكامُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتَطاوَلُ، وفي القَضاءِ بفَسادِ قَضاياه وعقودِه الأنْكِحَةَ وغيرَها ضَرَرٌ كثيرٌ، فجازَ دَفْعًا للضَّرَرِ، كما لو أقامَ الحُدُود، وأخَذَ الجِزْيَةَ والخَراجَ والزَّكاةَ.
فصل: وإنِ ارْتَكَبَ أهْلُ البَغْي في حالِ امْتِناعِهم ما يُوجِبُ الحَدَّ، ثم قُدِرَ عليهم، أُقِيمَتْ فيهم حُدُودُ الله تعالى، ولا تَسْقُطُ باخْتِلافِ الدَّارِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا امْتَنَعُوا بدَارٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على أحَدٍ منهم، ولا على مَن تاجَرَ أو أُسِرَ؛ لأنَّهم خارِجُون عن دارِ الإِمامِ، فأشْبَهُوا مَن في دارِ الحَرْبِ. ولَنا، عمُومُ الآياتِ والأخْبارِ؛ ولأنَّ كَلَّ مَوْضِع تَجِبُ فيه العِبادَاتُ في أوقاتِها، تجبُ الحُدُودُ فيه عندَ وُجُودِ أسْبابِها، كدارِ أهلِ العَدْلِ؛ ولأنَّه زَانٍ أو سارِقٌ، ولا شُبْهَةَ في زِنَاهُ وسَرِقَتِه، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالذي في دارِ العَدْلِ. وهكذا نقولُ (١) في مَن أتَى حَدًّا في دارِ الحَرْبِ، فإنَّه يجبُ عليه، لكنْ لا يُقامُ إلَّا في دارِ الإسْلامِ، على ما ذَكَرْناه في مَوْضِعِه.
стр. 13269
وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَأعَانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلا أنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.
ــ
٤٥٧٣ - مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهْلِ الذِّمَّةِ، فأعانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلَّا أن يَدَّعُوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يَجِبُ عليهم مَعُونَةُ مَن اسْتَعَانَ بهم مِن المسلمين، ونحوَ ذلكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ) إذا اسْتعانَ البُغاةُ بأهلِ الذِّمَّةِ في قِتالِ أهلِ العَدْلِ، وقاتلُوا معهم، فقد ذَكَر أبو بكرٍ فيهم وَجْهَين؛ أحدُهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُهم؛ لأنَّهم قاتَلُوا أهْلَ الحَقِّ، فانتَقَضَ عَهْدُهم، كما لو انْفَرَدُوا بقِتالِهمْ. والثاني، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يَعْرِفونَ المُحِقَّ مِن المُبْطِلِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً لهم. وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين. فإن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم. صارُوا كأهْلِ الحَرْبِ فيما نذْكُرُه. وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم. فحُكْمُهُم حُكْمُ أهْلِ البَغْي
стр. 13270
وَيُغَرَّمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
ــ
في قَتْل مُقْبلِهم، والكَفِّ عن أسِيرِهم، ومُدْبِرِهم وجَرِيحِهم. وإن أكْرهَهُم البُغاةُ على مَعُونَتِهم، أو ادَّعَوا ذلك، قُبِلَ قولُهم (١)؛ لأنَّهم تحتَ أيدِيهم وقُدْرَتِهم. وكذلك إن قالوا: ظَنَنَّا أنَّ مَن اسْتَعانَ بنا مِن المسلمين لَزِمَتْنَا مَعُونَتُه. لأنَّ ما ادَّعَوه مُحْتَمَلٌ، فلا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم مع الشُّبْهَةِ.
فصل: (ويُغَرَّمونَ ما أتْلَفُوه، مِن نَفْس ومالٍ) حال القِتالِ وغيره، بخِلافِ أهْلِ البَغْي، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ؛ لأنهم أتْلَفُوه بتأويلٍ سائغٍ، وهؤلاءِ لا تأْويلَ لهم، ولأنَّ سُقوطَ الضَّمانِ عن
стр. 13271
وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ، لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُم، وَأُبِيحَ قَتْلُهُمْ.
ــ
المسلمين كيلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الطَّاعةِ، وأهلُ الذِّمَّةِ لا حاجةَ بنا إلى ذلك فيهم.
٤٥٧٤ - مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهلِ الحَرْبِ وأمَّنُوهُمْ، لم يَصِحَّ أمانُهُم، وأُبِيحَ قَتْلُهم) إذا اسْتَعانَ أهْلُ البَغي بالكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أصْنافٍ؛ أحدُها، أهلُ الذِّمَّةِ. وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم. الثاني، أهلُ الحَرْبِ، فإذا اسْتَعانُوا بهم، وأمَّنُوهم، أو (١) عَقَدُوا لهم ذِمَّةً، لم يَصِحَّ واحدٌ منهما؛ لأنَّ الأمانَ مِن شَرْطِ صِحَّتِه الْتِزامُ كَفِّهم عن المسلمين،
стр. 13272
وَإنْ أظْهَرَ قَوْمٌ رَأيَ الْخوَارِجِ، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ.
ــ
وهؤلاءِ يَشْتَرِطُونَ عليهم قِتال المسلمينَ، فلا يَصِحُّ. ولأهلِ العَدْلِ قَتْلُهم، كمَن لم يُؤَمِّنُوه. سَواءً. وحُكْمُ أسِيرِهم حُكْمُ أسِيرِ سائرِ أهِلِ الحَرْبِ قبلَ الاسْتِعانةِ بهم، فأمَّا البُغاةُ، فلا يجوزُ لهم قَتْلُهم؛ لأنَّهم آمَنُوهم، فلا يجوزُ لهم الْغَدْرُ بهم. الثالثُ، المُسْتَأْمِنُونَ، فمتى اسْتَعانُوا بهم فأعانُوهُم، نَقَضُوا عَهْدَهم، وصاروا كأهْلِ الحَرْبِ؛ لأنَّهم تَرَكُوا الشَّرْطَ، وهو كَفُّهم عن المسلمين، فإن فَعَلُوا ذلك مُكْرَهِين، لم يَنْتَقِضْ أمَانُهم؛ لأنَّ لهم عُذْرًا، وإنِ ادَّعَوا الإِكْرَاهَ، لم يُقْبَلْ قولُهم (١) إلَّا ببَيَّنَةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. فإنِ ادَّعَوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يجبُ عليهم مَعُونةُ مَن اسْتَعانَ بهم مِن المسلمين، انْتَقَضَ عَهْدُهم، ولم يَكُنْ ذلك عُذْرًا لهم، والفَرْقُ بينَهم وبينَ أهلِ الذِّمَّةِ، أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ أقْوَى حُكْمًا؛ لأنَّ عَهْدَهم مُؤَبَّدٌ، ولا يجوزُ نَقْضُه بخَوْفِ الخِيانةِ منهم، ويَلْزَمُ الإِمامَ الدَّفْعُ عنهم، والمُسْتَأمِنُونَ بخِلافِ ذلك.
٤٥٧٥ - مسألة: (وإن أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ، ولَم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، لم يُتَعَرَّضْ لهم) مثلَ تكْفِيرِ مَن ارْتَكَبَ كبيرةً، وتَرْكِ الجماعةِ، واسْتِحْلالِ دِماءِ المسلمينَ وأمْوالِهم، إلَّا أنَّهم لم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، ولم
стр. 13273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَخْرُجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ولم يَسْفِكُوا الدَّمَ الحَرامَ، فحَكَى القاضِي عن أبي بكرٍ، أنَّه لا يَحِلُّ بذلك قَتْلُهم ولا قِتالُهم. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهُورِ أهلِ الفِقْهِ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. فعلى هذا، حُكْمُهم في ضَمانِ النَّفْسِ [والمالِ حُكْمُ] (١) المسلمين.
стр. 13274
فَإِنْ سَبُّوا الإمَامَ عَزَّرَهُمْ.
ــ
٤٥٧٦ - مسألة: (فإن سَبُّوا الإِمامَ، عَزَّرَهُم) وكذلكَ إن سَبُّوا غَيرَهُ مِن أهلِ العَدْلِ، لأنَّهم ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه. وإن عَرَّضُوا بالسَّبِّ (١)، فهل يُعَزَّرُونَ؟ على وَجْهَين. وقال مالكٌ في الإِباضِيَّةِ، وسائرِ أهْلِ البِدَعِ: يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا ضُرِبَتْ أعْناقُهُم. قال إسماعيلُ بنُ إسْحاقَ: رَأَى مالكٌ قَتْلَ الخَوارِجِ وأهلِ القَدَرِ، مِن أجْلِ الفَسادِ الدَّاخلِ في الدِّينِ، كقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم. وأمَّا مَن رَأَى تَكْفِيرَهم، فمُقتَضَى قولِه، أنَّهم يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا لكُفْرِهم، يُقتَلُ المُرْتَدُّ، وحُجَّتُهم قولُ النبيِّ ﷺ [«فَأينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» (٢). وقولُه ﵊: «لَئِنْ أدْرَكْتُهُمْ لأقتُلَنَّهُمْ قَتلَ عَادٍ» (٣). وقولُه ﵇] (٤) في الذي أنْكَرَ عليه، وقال: إنَّها قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها
стр. 13275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجْهُ اللهِ. لأبي بكرِ: «اذْهَبْ فَاقْتُلْه». ثم قال لعمرَ مثلَ ذلك (١)، فأمَرَ بقَتْلِه قبلَ قِتالِه. وهو الذي قال: «يَخْرُجُ مِن ضِئْضِئِ (٢) هَذَا قَوْمٌ» (٣). يعْني الخَوارِجَ. وقولُ عمرَ لصَبِيغٍ: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لَضَرَبْتُ الذي فيه عَيناكَ بالسَّيفِ (٤). يَعْني لقَتَلْتُكَ. وإنَّما يَقْتُلُه لكَوْنِه مِن الخَوارِجِ؛
стр. 13276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ» (١). يعْني حَلْقَ رُءُوسِهِم. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بفِعْلِ عليٍّ، ﵁، فرُوِيَ عنه، أنَّه كان يَخْطُبُ يومًا، فقال رجلٌ ببابِ المسجدِ: لا حُكْمَ إلَّا للهِ. فقال عليٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ (٢) أُرِيدَ بها باطِلٌ. ثم قال: لكم علينا ثلاثٌ؛ لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ اللهِ أن تَذْكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمْنَعُكُم الْفَىْءَ ما دامَتْ أيدِيكم معنا، ولا نَبْدؤُكُمْ بقِتالٍ (٣). وروَى أبو تِحْيَى (٤)، قال: صَلَّى عليٌّ، رَضِيَ اللهُ
стр. 13277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه، صلاةً، فناداهُ رجلٌ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). فأجابَه عليٌّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). وكَتَب عديُّ (٣) بنُ أرْطاةَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: إنَّ الخوارجِ يسُبُّونَك. فكَتَبَ إليه: إن سَبُّونِي فسُبُّوهم، أو اعْفُوا عنهم، وإن شهَرُوا السِّلاحَ فاشْهِرُوا عليهم (٤)، وإنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوا (٥) ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَتَعَرَّضْ للمنافقين الذين معه في المدينةِ، فلئلا (٦) يُتَعَرَّضَ لغيرِهم أوْلَى. وقد رُوِيَ في خبرِ الخارِجِيِّ الذي أنْكَرَ
стр. 13278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، أنَّ خالدًا قال: يا رسولَ اللهِ، ألَا أضْرِبُ عُنُقَه؟ قال: «لَا، لعَلَّه يُصلِّي؟». قال: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه. قال: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قلُوبِ النَّاسِ» (١).
стр. 13279
وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً، أوْ أتَوْا حَدًّا، أقامَهُ عَلَيهِمْ.
ــ
٤٥٧٧ - مسألة: (وإن جَنَوْا جنَايَةً، أو أتَوْا حَدًّا، أقامَه عليهم) لأنَّ ابنَ مُلْجَمٍ جَرَح عليًّا، ﵁ فقال: أطْعِمُوه، واسْقُوه، واحْبِسُوه، فإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي، أعْفُو إن شِئْتُ، وإن شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وإن مِتُّ فاقْتُلوه ولا تُمَثِّلُوا به (١).
стр. 13280
وَإنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أوْ طَلَب رِيَاسَةٍ، فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أتْلَفَتْ عَلَى الأخْرَى.
ــ
٤٥٧٨ - مسألة: (وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتان لعَصَبِيَّةٍ، أو طَلَبِ رِياسَةٍ، فهما ظالِمَتَان، وتَضْمَنُ كلُّ واحِدَةٍ) منهما (ما أتْلَفَتْ غلى الأخْرَى) لأنَّها أتْلَفَتْ نفْسًا مَعْصومةً، أو مالًا معصومًا، هذا إذا لم تَكُنْ واحدَةٌ منهما في طاعةِ الإِمامِ، فإن كانت إحْداهما في طاعةِ الإِمامِ، تُقاتِلُ بأَمْرِه، فهي مُحِقَّةٌ، وحُكمُ الأخْرَى حُكْمُ مَن يُقاتِلُ الإِمامَ، لأنَّهم يُقاتِلونَ مَن أذِنَ له الإِمامُ في قِتالِهم، فأشْبَهَ المُقاتِلَ لجَيشِ الإمامِ، فيكونُ حُكْمُهم حُكْمَ البُغاةِ.
стр. 13281
بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ
وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِنْ
ــ
بابُ حكمَ المُرْتَدِّ
المُرْتَدُّ (هو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسْلامِه) قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (١). وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّين. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، ومُعاذٍ، وأبي موسى، [وعبدِ الله] (٣) بنِ عباسٍ، وخالدٍ، ﵃، وغيرهم، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.
٤٥٧٩ - مسألة: (فَمَن أشْرَكَ باللهِ تَعالى، أو جَحَد رُبُوبِيته، أو
стр. 13282
صِفَاتِهِ، أو اتَّخَذَ للهِ صَاحِبَةً، أَوْ وَلَدًا، أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الله تِعَالى، أَوْ شَيئًا مِنْهُ، أوْ سَبَّ اللهَ تعالى، أوْ رَسُولَهُ، كَفَرَ.
ــ
وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِن صِفَاتِه، أو اتَّخَذَ للهِ صاحِبَةً، أو وَلَدًا، أو جَحَد نَبيًّا، أو كِتابًا مِن كُتُبِ اللهِ، أو شيئًا منه، أو سَبَّ اللهَ) سُبْحَانَهُ و (تَعالى، أوَ رسولَهُ، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّ المُرْتَدَّ هو الرَّاجِعُ عن دينِ الإِسلامِ إلى الكُفْرِ، فمَن أقَرَّ بالإِسْلامِ، ثم أنْكَرَه وأنْكَرَ الشَّهَادَتَين، أو إحْدَاهما، كَفَر بغيرِ خِلافٍ.
стр. 13283
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ أوْ شَيئًا مِنْهَا، أوْ أَحَلَّ الزِّنَى، أَو الْخَمْرَ، أو شَيئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيهَا لِجَهْلٍ، عُرِّفَ ذَلِكَ، وَإنْ كَانَ مِمَّن لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَفَرَ.
ــ
٤٥٨٠ - مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَ العِبادَاتِ الخَمْسِ، أو شَيئًا منها، أو أحَلَّ الزِّنَى، أو الخَمْرَ، أو شَيئًا مِن المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ المُجْمَعِ) على تَحْرِيمِها (لجَهْلٍ، عُرِّفَ ذلِكَ، فإن كان مِمَّن لا يَجْهَلُ
стр. 13284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، كَفَر) وجملةُ ذلك، أنَّه قد مَضَى شَرْحُ حُكمِ جاحِدِ (١) وُجُوبِ الصلاةِ وغيرِها مِن العِباداتِ الخَمْسِ في كِتابِ الصلاةِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في كُفْرِ مَن تَرَك الصلاةَ جاحِدًا لوُجُوبِها، إذا كان مِمَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، فإن كان مِمَّن لا يَعْرِفُ الوُجُوبَ، كحديثِ الإِسْلامِ، والنَّاشِئ بغيرِ دارِ الإسْلامِ، أو بادِيَةٍ بعيدةٍ عن الأمْصارِ، وأهْلِ العلمِ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه، وعُرِّفَ ذلك، وثَبَتَتْ له أدِلَّةُ وُجُوبِها، فإن جَحَدَها بعدَ ذلك كَفَر. وأمَّا إذا كان الجاحِدُ لها ناشِئًا بينَ المُسْلِمِينَ في الأَمْصارِ، بينَ أهلِ العلمِ، فإنَّه يَكْفُرُ بمُجرَّدِ جَحْدِها، وكذلك الحكْمُ في مباني الإِسْلامِ كُلِّها، وهي الزَّكاةُ، والصِّيامُ، والحَجُّ، لأنَّها مباني الإِسْلامٍ، وأدِلَّةُ وجُوبِهَا لا تَكادُ تَخْفَى إذ كان الكتابُ والسُّنَّةُ مَشْحُونين بأدِلَّتِها (٢)، والإِجْماعُ مُنْعَقِدٌ عليها، فلا يَجْحَدُها إلَّا مُعانِدٌ للاسْلامِ، مُمْتَنِعٌ مِن الْتِزامِ الأحْكامِ، غيرُ قابلٍ لكتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رسولِه، وإجْماعِ الأمَّةِ. وكذلك مَن اعْتَقَدَ حِلَّ شيءٍ أجْمَعَ المسلمونَ على تَحْرِيمِه، وظَهَرَ حُكْمُه بينَ المسلمينَ، وزَالتِ الشُّبْهَةُ فيه للنُّصوصِ الوارِدَةِ فيه، كلَحْمِ الخِنْزيرِ، والزَّنَى، والخَمْرِ، وأشْباهِ هذا ممَّا لا خِلافَ فيه، كَفَر إذا كان قد نَشَأ بينَ المسلمينَ، وهو ممَّن لا يَجْهَلُ مثلُه ذلك، وقد ذَكَرْناه في تاركِ الصلاةِ.
стр. 13285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن سَبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه، كَفَر، سَواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا، وكذلك مَن اسْتَهْزَأ باللهِ ، أو بآياتِه أو برُسُلِه أو كُتُبه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١). ويَنْبَغِي أن لا يُكْتَفَى مِن الهازِئِ بذلك بمُجَرَّدِ الإِسْلامِ حتى يُؤَدَّبَ أدَبًا يَزْجُرُه عن ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُكْتَفَ ممَّن سِبَّ رسولَ اللهِ ﷺ بالتَّوْبةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: فإنِ اسْتَحَلَّ قتلَ المَعْصُومِين، وأخْذَ أمْوالِهم، بغيرِ شُبْهَةٍ ولا تأْويلٍ، كَفَر؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كان بتأويلٍ، كالخَوارِجِ، فقد ذَكَرْنا أنَّ كثيرًا مِن العُلَماءِ لم يَحْكُموا بكُفْرِهم مع اسْتِحْلالِهم دِماءَ المسلمِين وأمْوالهم، وفِعْلِهم ذلك مُتَقَرِّبِين به إلى اللهِ تعالى، وكذلك لم يُحْكَمْ بكُفْرِ ابنِ مُلْجَم مع قَتْلِه أفضلَ الخَلْقِ في زمنِه، ولا يَكْفُرُ المادِحُ له على ذلك أيضًا، المُتَمَنِّي مثلَ فِعْلِه، وهو عِمْرانُ بنُ حِطَّانَ، قال يَمْدَحُه لقَتْلَ عليٍّ (٢):
يا ضَرْبةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بها ... إلَّا لِيَبْلُغَ [مِن ذي العَرْشِ] (٣) رِضوانًا
إنِّي لأذْكُرُه يومًا فأحْسَبُه ... أوْفَى البَرِيَّةِ عندَ اللهِ مِيزَانًا
стр. 13286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد عُرِفَ مِن مذهبِ الخَوارجِ تَكْفِيرُ كثيرٍ مِن الصحابةِ، ومَن بعدَهم، واستِحْلالُ دِمائِهم وأمْوالِهم، واعتِقادُهم التَّقَرُّبَ إلى رَبِّهم بقَتْلِهم، ومع هذا لم يَحْكُمْ أكثرُ الفُقَهاءِ بِكُفْرِهم؛ لتأْويلهم. وكذلك يُخَرَّجُ في كُلِّ مُحَرَّم اسْتُحِلَّ بتَأْويلٍ مِثلِ هذا. فقد رُوِيَ أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ شَرِب الخَمْرَ مُسْتَحِلًّا، [فأقامَ عمرُ عليه الحَدَّ، ولم يُكَفِّرْه. وكذلك أبو جَنْدَلِ بنُ سُهَيل، وجماعةٌ، شَرِبُوا الخَمْرَ بالشَّامِ مُسْتَحِلِّينَ] (١) لها، مُسْتَدِلِّين بقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٢) الآية (٣). فلم يُكَفَّرُوا، وعُرِّفُوا تَحْريمَها، فتابُوا، وأُقِيمَ عليهم (٤) الحَدُّ (٥) فيُخَرَّجُ في مَن كان مثلَهم مثلُ حُكْمِهم. وكذلك كُلُّ جاهلٍ بشيءٍ يُمْكِنُ أن يَجْهَلَه، لا يُحْكَمُ بكُفْرِه حتى يَعْرِفَ ذلك، وتَزُولَ عَنه الشُّبْهَةُ، ويَسْتَحِلَّه بعدَ ذلك. وقد قال أحمدُ، ﵀: مَن قال: الخمرُ حَلالٌ. فهو كافرٌ يُسْتَتَابُ، فإن تابَ، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه. وهذا مَحْمُولٌ على مَن لا يَخْفَى على مثلِه تحْريمُه؛ لِما ذَكَرْنا. فأمَّا إن أكَلَ لحمَ الخِنْزيرِ، أو مَيتَةً، أو شَرِب خَمْرًا، لم يُحْكَمْ برِدَّتِه بمُجَرَّدِ ذلك، سَواءٌ فَعَلَه في دارِ الحربِ أو دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ فَعَلَه مُعْتَقِدًا تَحْريمَه، يفعلُ غيرَ
стр. 13287
وَإنْ تَرَكَ شَيئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الخَمْسِ تَهَاوُنًا، لَمْ يَكْفُرْ. وَعَنْهُ،
ــ
ذلك مِن المُحَرَّماتِ.
فصل: والإِسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامُ الصَّلَواتِ الخمسِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحَجُّ البيتِ، فمَن أقَرَّ بهذا فهو مسلمٌ وتَجْرِي عليه أحكامُ الإِسلامِ، ومَن أنْكَرَ هذا أو شيئًا منه كَفَر، لأنَّ الإِقْرارَ بالجميعِ واجبٌ بالاتِّفاقِ، ولا يكونُ مسلمًا إلَّا بذلك، فَمن أنْكرَ ذلك (١) لم يَكُنْ مسلمًا، ومَن أنكرَ البعضَ، كان كمَن أنكرَ الجميعَ، لأنَّه إذا أنكرَ البعضَ كان البعضُ الآخرُ كالمعْدومِ، والدليلُ على ذلك أنَّ مَن تَرَك رُكْنًا مِن أركانِ الصلاةِ عامدًا، بَطَلَتْ، وكان وجودُ باقي الأركانِ كالمعدومِ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ للمسئِ في صلاتِه: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (٢). فجَعَلَ وجودَ صلاتِه كعدمِها حيثُ تَرَك بعضَ أركانِها. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ (٣). وإنَّما كَذَّبُوا نوحًا وحدَه، فكان تكذيبُهم إياه كتَكْذِيبِهم جميعَ المرسلِين. وعلى هذا لو جَحَد حُكْمًا مِن أحكامِ الإِسلامِ مُجْمَعًا عليه، كان كمَن جَحَدَه جميعَه.
٤٥٨١ - مسألة: (ومَن ترَك شَيئًا مِن العِباداتِ الخَمْسِ تَهاوُنًا ،
стр. 13288
يَكْفُرُ إلا الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ.
فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ،
ــ
لم يَكْفُرْ. وعنه، يَكْفُرُ) وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ الرِّوايَتَين في بابِ مَن ترَك الصلاةَ. فأمَّا (الحَجُّ، فلا يَكْفُرُ بتَأْخِيرِه بحالٍ) لأنَّ في وَجُوبِه على الفَوْرِ خِلافًا بينَ العلماءِ، على ما ذُكِر في مَوْضِعِه.
٤٥٨٢ - مسألة: (ومَن ارْتَدَّ عن الإِسلامِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ ،
стр. 13289
دُعِيَ إِلَيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَضُيِّقَ عَلَيهِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ، قُتِلَ.
ــ
وهو بالِغٌ عاقِلٌ، دُعِيَ إليه ثَلاثَةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عليه، فإن لم يتُبْ قُتِلَ) الكلامُ في هذه المسألةِ في خمسةِ فُصولٍ، أحدُها: أنَّه لا فَرْقَ بينَ الرِّجال والنِّساءِ في وُجوبِ القتلِ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ (١)، ﵄. وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تُسْتَرَقُّ ولا تُقْتَل؛ لأنَّ أبا بكرٍ اسْتَرَقَّ نِساءَ بني حنيفةَ، وذَرَارِيَّهم، وأعْطَى عليًّا امرأةً منهم، فوَلَدَت له محمدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ (٢)، وكان (٣) هذا بمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. وقال أبو حنيفةَ: تُجْبَرُ على الإسْلامِ بالحَبْسِ والضَّرْبِ، ولا تُقتَلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً» (٤). ولأنَّها لا تُقْتَلُ بالكُفْرِ الأصْلِيِّ، فلا تُقْتَلُ بالطَّارِئ، كالصَّبِيِّ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
стр. 13290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَواه البخاريُّ، وأبو داودَ (١). وقال ﵊: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ المُفَارِقُ للْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، أنَّ امرأةً يُقالُ لها: أُمُّ مَرْوانَ، ارْتَدَّتْ عن الإِسْلامِ، فبَلَغَ امْرُها إلى النبيِّ ﷺ . فأمَرَ أن تُسْتَتابَ، فإن تابَتْ، وإلَّا قُتِلَتْ. ولأنَّها شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الحَقِّ بالباطلِ، فتُقْتَلُ كالرجُلِ. وأمَّا نَهْيُ النبيِّ ﷺ عن قَتْلِ المرأةِ، فالمُرادُ به الأصلِيَّةُ، فإنَّه (٤) قال ذلك حينَ رَأى امرأةً مَقْتُولَةً، وكانت كافِرَةً أصْلِيَّةً، وكذلك نَهَى النبيُّ ﷺ الذين بَعَثَهم إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ (٥) عن قتلِ النِّساءِ (٦)، ولم يَكُنْ فيهم مُرْتَدٌّ. ويُخالِفُ الكُفْرُ الأصْلِيُّ الطارِئَ، بدليلِ أنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقْتَلُ الشُّيوخُ، ولا المَكافِيفُ، ولا تُجْبَرُ المرأةُ على تَرْكِه بضَرْبٍ ولا حَبْسٍ، والكُفْرُ
стр. 13291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطارئُ (١) بخِلافِه، والصَّبِيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ، بخِلافِ المرأةِ. وأمَّا بنو حنيفةَ، فلم يَثْبُتْ أنَّ مَن اسْتُرِقَّ منهم تَقَدَّمَ له إسْلامٌ، ولم يَكُنْ بنو حنيفةَ أسْلَمُوا كلُّهم، وإنَّما أسْلَمَ بعضُهم، والظَّاهِرُ أنَّ الذين أسْلَمُوا كانوا رِجالًا، فمنهم مَن ثَبَت على إسْلامِه، منهم ثُمامةُ بنُ أُثالٍ، ومنهم مَن ارْتَدَّ، منهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ. الفصلُ الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ لا تَصِحُّ إلَّا من عاقلٍ، فأمَّا الطِّفْلُ الذي لا يَعْقِلُ، والمجْنونُ، ومَن زال عَقْلُه بنَوْمٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دَواءٍ مُباحٍ شُرْبُه، فلا تَصِحُّ رِدَّتُه، ولا حُكْمَ لكَلامِه، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ (٢): أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ المجنونَ إذا ارْتَدَّ في حالِ جُنونِه، أنَّه (٣) مسلمٌ على ما كان عليه قبلَ ذلك، ولو قَتَلَه قاتِلٌ عَمْدًا، كان عليه القَوَدُ، إذا طَلَب أوْلِياؤُه. وقد قال النبيُّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ». أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يُؤاخَذْ بكَلامِه، كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه، ولا طَلاقِه، ولا عَتاقِه. وأمَّا السَّكْرانُ، والصَّبِيُّ العاقلُ، فيُذْكَرُ حُكْمُهُمَا فيما بعدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الفصلُ الثالثُ: أنَّه لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ
стр. 13292
وَعَنْهُ، لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ في الْحَالِ.
ــ
العلمِ؛ منهم عمرُ وعليٌّ (١) وعَطاءٌ، والنَّخَعِيّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى (٢) (لا تجبُ اسْتِتَابَتُه، بل تُسْتَحَبُّ) وهو القولُ الثاني للشافعيِّ. وبه قال عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ، وطاوُسٌ. ويُرْوَى ذلك (١) عن الحسنِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً. ورُوِيَ أنَّ مُعاذًا قَدِمَ على أبي موسى، فوَجَدَ عندَه رجلًا مُوثَقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يَهُودِيًّا فأسْلَمَ، ثم راجَعَ دِينَه دينَ السَّوْءِ فتَهَوَّد. فقال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قَضاءُ اللهِ ورسولِه (٣). ثلاثَ مَرَّاتٍ، [فأمَرَ به] (٤) فقُتِلَ. مُتَّفَق عليه (٥). ولم يَذْكُرِ اسْتِتابَةً؛
стр. 13293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه يُقْتَلُ لكُفْرِه، فلم تَجِبِ اسْتِتابَتُه كالأصْلِيِّ، ولأنَّه لو قُتِلَ قبلَ الاسْتِتابَةِ، لم يُضْمَنْ، ولو حَرُمَ قَتْلُه قبلَه (١) ضُمِنَ. وقال عطاءٌ: إن كان مسلمًا أصْلِيًّا، لم يُسْتَتَبْ، وإن كان أسْلَمَ ثمَّ ارْتَدَّ اسْتُتِيبَ. ولَنا، حديثُ أُمِّ مَرْوانَ، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أن تُسْتَتابَ. وروَى مالكٌ، في «المُوطَّأ» (٢) عن عبدِ الرحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدٍ القارِيِّ، عن أبِيه، أنَّه قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فقال له عمرُ: هل كان مِن مُغَرِّبةِ خَبَرٍ (٣)؟ قال: نعم، رجلٌ كَفَر بعدَ إسْلامِه. فقال: ما فَعَلْتُم به؟ قال: قَرَّبْناه، فَضَرَبْنا عُنُقَه. فقال عمرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوه ثلاثًا، فأطْعَمْتُمُوه كلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، واسْتَتَبْتُمُوه، لعلَّه يَتُوبُ، أو (٤) يُرَاجِعُ أمْرَ اللهِ؟ اللَّهُمَّ إنِّي (٥) لم أحْضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أرْضَ إذْ بَلَغَنِي. ولو لم تَجِبِ اسْتِتابَتُه لَمَا بَرِئَ من فِعْلِهم. ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِصْلاحُه، فلم يَجُزْ إتْلافُه قبلَ اسْتِصْلاحِه، كالثَّوْبِ النَّجِسِ. وأمَّا الأمْرُ بقَتْلِه، فالمُرادُ
стр. 13294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به بعدَ الاسْتِتابَةِ، بدَليلِ ما ذَكَرْناه. وأمَّا حديثُ مُعاذٍ فإنَّه قد جاءَ فيه: وكان قد اسْتُتِيبَ (١). ويُرْوَى أنَّ أبا موسى اسْتَتابَه شَهْرَين قَبْلَ قُدومِ مُعاذٍ عليه، وفي رِوايةٍ: فدَعاهُ عِشْرِينَ لَيلَةً أو قَرِيبًا من ذلك، فجاءَ مُعاذٌ، فدَعاه فأبَى، فضُرِبَتْ عُنُقُه. رواهنَّ أبو داودَ (١). ولا يَلْزَمُ من تحْريم القَتْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ، بدليلِ نِساءِ أهلِ الحَرْبِ وصِبْيانِهِم. إذا ثَبَت وُجُوبُ الاسْتِتابَةِ، فمُدَّتُها ثلاثةُ أيَّامٍ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، ﵁. وبه قال مالكٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: إن تابَ [في الحال] (٢) وإلَّا قُتِلَ مَكانَه. وهذا أصَحُّ قَوْلَيه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لحَدِيثِ أُمِّ مَرْوانَ [ومُعاذٍ] (٢)؛ لأنَّه مُصِرٌّ على كُفْرِه، أشْبَهَ بعدَ الثَّلاثِ، وقال الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإن أبي، ضُرِبَتْ عُنُقُه. وهذا يُشْبِهُ قَوْلَ الشافعيِّ. وقال النَّخَعِيُّ: يُسْتَتابُ أبَدًا. وهذا يُفْضِي إلى أنَّه لا يُقْتَلُ أَبدًا، وهو مُخالِفٌ للسُّنَّةِ والإِجْماعِ. وعن عليٍّ، أنَّه استتاب رجلًا شَهْرًا (٣). ولَنا، حديثُ
стр. 13295
وَيُقْتَلُ بِالسَّيفِ
ــ
عمرَ (١)، ولأنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تكونُ لشُبْهَةٍ، ولا تَزُولُ في الحالِ، فوَجَبَ أن يُنْظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فيها، وأَوْلَى (٢) ذلك ثلاثة أَيَّامٍ؛ للأَثَرِ فيها، وأنَّها مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ. ويَنْبَغِي أن يُضيَّقَ عليه في مُدَّةِ الاسْتِتابَةِ، ويُحْبَسَ؛ لقولِ عمرَ ﵁: هَلَّا حَبَسْتُمُوه، وأطْعَمْتُموهُ كلَّ يومٍ رَغِيفًا. ويُكَرِّرَ دِعايتَه، لَعَلَّهُ يَنْعَطِفُ قَلْبُه، فيُرَاجِعَ دِينَه. الفصلُ الرابعُ: إن لم يَتُبْ قُتِلَ؛ لِما قَدَّمْنا ذِكْرَه. وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
٤٥٨٣ - مسألة: (ويُقْتَلُ بالسَّيفِ) لأنَّه آلةُ القَتْلِ ولا يُحْرَقُ بالنَّارِ. ورُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، أنَّه أمَرَ بتَحْرِيقِ المُرْتَدِّينَ (٣)، وفعَلَ ذلك بهم خالِدٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبِّي ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ». يَعْنِي النَّارَ، أخْرَجَه البخارِيُّ (٤). وقال ﵊: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فإِذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» (٥). الفصلُ الخامسُ: أنَّ مَفْهُومَ كلامِ المُصَنِّفِ، ﵀، في هذه المسألةِ، إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 13296
وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا الإمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَإنْ قَتَلَهُ غَيرُهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أسَاءَ، وَعُزِّرَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ، سَواءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الْاسْتِتَابَةِ أوْ بَعْدَهَا.
ــ
٤٥٨٤ - مسألة: (ولا يَقْتُلُه إلَّا الإمامُ أو نائِبُه) حُرًّا كان المُرْتَدُّ أو عَبْدًا. وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الشافعيَّ، في أحَدِ الوَجْهَين في العَبْدِ، أنَّ لسَيِّدِه قَتلَه. وعن أحمدَ، ﵀، أنَّ لَه قَتْلَه في الرِّدَّةِ، وقَطْعَه في السَّرِقَةِ؟ لقولِ النبيّ ﷺ : «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ» (١). ولأنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً سَحَرَتْها (٢)، وابنَ عمرَ قَطَع عَبْدًا سَرَق (٣). ولأنَّه حَدٌّ للهِ تعالى، فَمَلَك السَّيِّدُ إقَامَتَه، كحَدِّ الزَّانِي. ولَنا، أنَّه قَتْل لحَقِّ اللهِ تعالى، فكان إلى الإِمامِ، كقَتْلِ الحُرِّ، فأمَّا قولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ». فلا يَتَناوَلُ القَتْلَ في الرِّدَّةِ، فإنَّه قَتْلٌ لكُفْرِه، لا حَدَّا في حَقِّه. وأمَّا خبَرُ حَفْصَةَ، ﵂، فإنَّ عُثمانَ، ﵁، تَغَيَّظَ عليها، وشَقَّ عليه (٤). فأمَّا الجَلْدُ في الزِّنى، فإنَّه تَأْدِيبُ عَبْدِهِ، بخِلافِ القَتْلِ، وقد ذَكَرْنا. ذلك في كتابِ (٥) الحُدُودِ.
٤٥٨٥ - مسألة: (فإن قَتَلَه غيرُه بغيرِ إذْنِه، أسَاءَ، وعُزِّرَ)
стр. 13297
وَإنْ عَقَلَ الصَّبِيُّ الإسْلَامَ، صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ. وَالْمَذْهَبُ الْأوَّلُ.
ــ
لإساءَتِه وافْتِيَاتِه على الإمامِ (ولا ضَمانَ عليه) لأنَّه مَحَلٌّ غيرُ مَعْصُومٍ، و (سَواءٌ قَتَلَه قبلَ الاسْتِتابَةِ أو بعدَها) لذلك.
٤٥٨٦ - مسألة: (وإن عَقَل الصَّبِيّ الإِسْلامَ، صَحَّ إسْلامُه ورِدَّتُهُ. وعنه، يَصِحُّ إسْلامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ. وعنه، لا يَصِحُّ شيءٌ منهما حَتَّى يَبْلُغَ. والمذهبُ الأوَّلُ) يَصِحُّ إسْلامُ الصَّبِيِّ في الجملةِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وابنُ أبي شَيبَةَ، وأبو أيُّوبَ. وقال الشافعيُّ، وزُفَرُ: لا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يَبْلُغَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (١). حديثٌ حسنٌ. ولأنَّه قَوْلٌ تَثْبُتُ به الأحْكامُ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِيِّ، كالهِبَةِ والعِتْقِ، ولأنَّه أحَدُ مَن رُفِعَ عنه القَلَمُ، فلم يَصِحَّ إسْلامُه، كالنَّائِمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵊: «مَنْ قَال: لَا الهَ إلَّا اللهُ. دَخَلَ الجَنَّةَ» (٢). وقولِه: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا:
стр. 13298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (١). وقال ﵊: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، ويُنَصِّرَانِه، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا» (٢). وهذه الأخْبارُ يَدْخُلُ في عُمُومِها الصَّبِيُّ، ولأنَّ الإِسْلامَ عِبادَة مَحْضَة، فصَحَّتْ من الصَّبِيِّ العاقلِ، كالصلاةِ والحَجِّ، ولأنَّ اللهَ تعالى دَعا عبادَه إلى دارِ السَّلامِ (٣)، وجَعَل طريقَها الإِسْلامَ، وجَعَل مَن لم يُجِبْ دَعْوتَه في الجحيمِ والعَذابِ الأليمِ، فلا يجوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ من إجابَةِ دَعْوَةِ اللهِ تعالى، مع إجابتِه إليها، وسُلوكِه طَرِيقَها، ولا إلْزامُه بعذاب اللهِ، والحكمُ عليه بالنَّارِ، وسَدُّ طريقِ النَّجاةِ عليه مع هَرَبِه منها، ولأنَّ ما ذَكَرناه إجْماعٌ، فإنَّ عليًّا، ﵁، أسْلَم صَبِيًّا، وقال (٤):
سَبَقْتُكُمُ إلى الإِسْلامِ طُرًّا ... صَبيًّا ما بَلَغْتُ أوانَ حُلْمِي
ولهذا قِيلَ: أوَّلُ مَن أسْلَمَ من الرِّجالِ أَبو بكرٍ، ومن الصِّبْيانِ عليٌّ،
стр. 13299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن النِّساءِ خَدِيجَةُ، ومن العَبِيدِ بلالٌ (١). وقال عُرْوَةُ: أسْلَمَ على والزُّبَيرُ، وهما ابنا ثمانِ سنينَ، وبايعَ النبيَّ ﷺ ابنُ الزُّبَيرِ لسَبْعِ أو ثمانِ سِنِينَ، ولم يَرُدَّ النبيُّ ﷺ على أحَدٍ إسْلَامَه، من صَغِيرٍ أو (٢) كبيرٍ. فأمَّا قولُه ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ». فلا حُجَّةَ لهم فيه، فإنَّه يَقْتَضِي (٣) أنْ لا يُكْتَب عليه ذَنْبٌ، والإِسْلامُ يُكْتَبُ له لا عليه، ويَسْعَدُ به في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فهو كالصلاةِ تَصِحُّ منه وتُكْتَبُ له وإن لم تَجِبْ عليه، وكذلك غيرُها من العباداتِ المَحْضَةِ، فإن قِيلَ: فالإِسْلامُ يُوجِبُ عليه الزَّكاةَ [في مالِه، ونَفَقَةَ قَرِيبِه المُسْلِمِ، ويَحْرِمُه مِيرَاثَ قَرِيبِه الكَافِرِ، ويَفسَخُ نِكاحَه. قُلْنا: أمَّا الزَّكاةُ] (٤) فإنَّها نَفعٌ؛ لأنَّها سَبَبُ الزِّيادَةِ والنَّماءِ، وتَحْصِينِ المالِ، والثَّوابِ، وأمَّا المِيراثُ والنَّفَقَةُ، فأمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، وهو مَجْبُورٌ بمِيرَاثِه من أقارِبِه المسلمينَ، وسُقوطِ نَفَقَةِ أقارِبِه الكُفَّارِ، ثم إنَّ هذا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ في جَنبِ ما يَحْصُلُ له من سعادةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وخَلاصِه من شَقاءِ الدَّارَين والخُلودِ في الجحيمِ فيُنَزَّلُ (٥) منْزِلَةَ الضَّرَرِ في أكْلِ القُوتِ، المُتضمِّنِ افَوْتَ ما يَأْكُلُه وكُلْفَةَ
стр. 13300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْريكِ فِيه لمَّا كان بَقاؤُه به (١) لم يُعَدَّ ضَرَرًا، والضَّرَرُ في مسألتِنا في جَنْبِ ما يَحْصُلُ من النَّفْعِ، أدْنَى من ذلك بكثيرٍ.
فصل: واشْتَرَطَ الخِرَقِيُّ لصِحَّةِ إسْلامِه، أن يكونَ له عشرُ سِنِينَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بضَرْبِه على الصلاةِ لعَشْرٍ (٢). وأن يكونَ ممَّن يَعْقِلُ الإِسْلامَ. ومعناه أن يَعْلَمَ أنَّ اللهَ تَعالى ربُّه لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبْدُه ورسولُه. وهذا لا خِلافَ في اشْتِراطِه. فإنَّ الطِّفْلَ الذي لا يَعْقِلُ، لا يَتَحَقَّقُ منه اعْتِقادُ الإِسْلام، وإنَّما كلامُه لَقْلَقَةٌ بلسانِه، لا يَدُلُّ على شيءٍ. فأمَّا اشْتِراطُ العَشْرِ، فإنًّ أكثرَ المُصَحِّحِينَ لإِسْلامِه لم يَشْتَرِطُوا ذلك، ولم يَحُدُّوا له حَدًّا من السِّنينَ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ متى حَصَل، لم يَحْتَجْ إلى زِيادةٍ عليه. ورُوِيَ عن أحمدَ، ﵀، إذا كانَ ابنَ سَبْعِ سِنينَ، فإسْلامُه إسْلامٌ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» (٢). فدَلَّ على أنَّ ذلك حَدٌّ لأمْرهم، وصِحَّةِ
стр. 13301
وَإنْ أسْلَمَ ثُمَّ قَال: لَمْ أَدرِ مَا قُلْتُ. لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأُجْبِرَ
ــ
عِبادَتِهم، فيكونُ حَدًّا لصِحَّةِ إسْلامِهم. وقال ابنُ أبي شَيبَةَ: إذا أسْلَمَ وهو ابنُ خَمْسِ سِنِينَ، جُعِلَ إسْلامُه إسْلامًا. ولعلَّه يقولُ: إن عليًّا أسْلَمَ (١) وهوٍ ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّه قد قِيلَ: إنَّه قد ماتَ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً. فعلى هذا يكونُ إسْلامُه، وهو ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ النبيِّ ﷺ منذُ بُعِثَ إلى أن ماتَ ثلاثٌ وعشرونَ سَنَةً، وعاشَ عليٌّ بعدَه ثلاثين سنةً؛ فذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً (٢)، فإذا ضَمَمْنا إليها خَمْسًا، كانت ثمانيًا وخمْسين. وقال أبو أيُّوبَ: أُجِيزَ إسْلامُ ابنِ ثلاثِ سِنِينَ، مَن أصابَ الحقَّ من صَغِيرٍ أو (٣) كبِيرٍ أجَزْناه. وهذا لا يَكادُ يَعْقِلُ الإِسْلامَ، ولا يَدْرِي ما يقولُ، ولا يَثْبُتُ لقولِه حُكْمٌ، فإن وُجِدَ ذلك منه ودَلَّتْ أحْوالُه وأقوالُه على مَعرِفَةِ الإِسْلامِ، وعَقْلِه إيَّاهُ، صَحَّ منه كغيرِه.
٤٥٨٧ - مسألة: (وإن أسْلَمَ، ثم قال: لم أدْرِ ما قُلْتُ. لم يُلْتَفَتْ
стр. 13302
عَلَى الإسْلَامِ.
ــ
إلى قولِه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ) متى حَكَمْنا بصِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ، لمعرِفَتِنا بعَقْلِه (١) بأدِلَّتِه، فرَجَعَ، وقال: لم أدْرِ ما قلتُ. لم يُقْبَلْ قولُه، ولم يَبْطُلْ إسْلامُه الأوَّلُ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلام. قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ مُحْتَمِلٌ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ في مَظِنَّةِ النَّقْصِ، فيجوزُ أن يكونَ صادِقًا. قال: والعملُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه قد ثَبَت عَقْلُه للإِسْلامِ، ومعرفتُه به بإفْعالِه أفعال العُقَلاءِ، وتَصرُّفاتِه تَصَرُّفاتِهم، وتَكَلُّمِه بكلامِهم، وهذا يَحْصُلُ به معرِفَةُ عَقْلِه؛ ولهذا اعْتَبَرْنا رُشْدَه بعدَ بُلُوغِه بأفْعالِه وتَصرُّفاتِه، وعَرَفْنا جُنونَ المجْنُونِ وعَقْلَ العاقلِ بما يَصْدُرُ عنه من أقْوالِه وأفْعالِه وأحْوالِه، فلا يَزولُ ما عَرَفْناه بمُجَرَّدِ دَعْوَاه. وهكذا كلُّ مَن تَلَفَّظَ بالإِسْلامِ، أو أخْبَرَ عن نفْسِه، ثم أنْكَرَ معرفتَه بما قال، لم يُقْبَلْ إنْكارُه، وكان مُرْتَدًّا. نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ.
стр. 13303
وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُجَاوزَ ثَلَاثَةَ أَيامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ.
ــ
فعلى هذا، إذا ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. والظاهرُ مِن مذهبِ مالكٍ. وعندَ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ إسْلامُه ولا رِدَّتُه. وقد رُوِيَ أنَّه يَصِحُّ إسْلامُه، ولا تَصِحُّ رِدَّتُه، لقولِه ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (١). وهذا يَقْتَضِي أنَّه لا يُكْتَبُ عليه ذَنْبٌ ولا شَيءٌ، ولو صَحَّتْ رِدَّتُه، لكُتِبَتْ. وأمَّا الإِسْلامُ فلا يُكْتَبُ عليه، إنَّما يُكْتَبُ له، ولأنَّ الرِّدَّةَ أمرٌ يُوجِبُ القَتْلَ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّ الصَّبِيِّ كالزِّنَى، ولأنَّ الإِسْلامَ إنَّما صَحَّ منه، لأنَّه تَمَحَّضَ مصلحةً، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّدْبِيرَ، والرِّدَّةُ تَمَحَّضَت مَضَرَّةً ومَفْسَدَةً، فلم يَلْزَمْ صِحَّتُها منه. فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَرْتَدَّ، فإذا بَلَغ، فإن أصَرَّ على الكُفْرِ كان مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ.
٤٥٨٨ - مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يَبْلُغَ، ويُجاوزَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِن وَقْتِ بُلُوغِه، فإن ثَبَت على كُفْرِه قُتِلَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ
стр. 13304
وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وَتَتِمَّ لَهُ ثَلَاثةُ أيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ في سُكْرِهِ، مَاتَ كَافِرًا. وَعَنْهُ، لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
ــ
إذا ارْتَدَّ، سَواءْ قُلْنا بصِحَّةِ رِدَّتِه أو لا؛ لأنَّ الغُلامَ لا يجبُ عليه عُقُوبَةٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حُكمُ الزِّنَى والسَّرِقَةِ وسائرِ الحُدُودِ، ولا يُقْتَلُ قِصاصًا، فإذا بَلَغ، وثَبَت على رِدَّتِه، ثَبَت حُكمُ الرِّدَّةِ حِينَئذٍ، فيُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّه كان مُرْتَدًّا قبلَ بُلُوغِه أو لم نَقُلْ، وسَواءٌ كان مسلمًا أصْلِيًّا فارْتَدَّ، أو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَبِيًّا ثم ارْتَدَّ.
٤٥٨٩ - مسألة: (ومَن ارْتَدَّ وهو سَكْرانُ، لم يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وتَتِمَّ له ثَلاثَةُ أيَّام مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإن ماتَ في سُكْرِه، ماتَ كَافِرًا. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في رِدَّةِ السَّكْرانِ؛ فرُوىَ عنه أنَّها تصِحُّ. قال أبو الخَطَّابِ: وهو أظهرُ الرِّوايَتَين عنه. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه (١). وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ
стр. 13305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك يتعَلَّقُ بالاعْتِقادِ والقَصْدِ، والسَّكْرانُ لا يَصِحُّ عقدُه، فأشْبَهَ المَعْتُوهَ، ولأنَّه زائِلُ العَقْلِ، فلم تَصِحَّ رِدَّتُه كالنَّائمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المَجْنُونَ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى أنَّ الصحابةَ قالوا في السَّكْرانِ: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِي (١). وأوْجَبُوا عليه حَدَّ الفِرْيَةِ التي يأْتِي بها في سُكْرِه، وأقامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَها، ولأنَّه يَقَعُ طَلاقُه، فصَحَّتْ رِدَّتُه كالصَّاحِي. وقولُهم: ليس بمُكَلَّفٍ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ عليه، وكذلك سائِرُ أرْكانِ الإِسْلامِ، ويَأْثَمُ بفِعْلِ المُحَرَّماتِ. وهذا معنى التَّكْلِيفِ، ولأنَّ السَّكْرانَ لا يَزُولُ عقلُه بالكُلِّيَّةِ، ولهذا يَتَّقِي المُحْذُورَاتِ، ويَفْرَحُ بما يَسُرُّه، ويُساءُ بما يَضُرُّه، ويزولُ سُكْرُه عن قَرِيبٍ مِن الزَّمانِ، فأشبَهَ النَّاعِسَ، بخِلافِ المجْنُونِ، وأمَّا اسْتِتابَتُه فتُؤَخَّرُ إلى حينِ صَحْوه، فيَكْمُلُ عَقْلُه، ويَفْهَمُ ما يُقالُ له، وتَزُولُ شُبْهَتُه أنْ كان قد قال الكُفْرَ مُعْتَقِدًا له، كما تُؤَخَّرُ اسْتِتابَتُه إلى حينِ زَوالِ شِدَّةِ عَطَشِه وجُوعِه، ويُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلى حينِ بُلُوغِه وكمالِ عَقْلِه، ولأنَّ القَتْلَ جُعِلَ للزَّجْرِ، ولا يَحْصُلُ الزجرُ