وَإنْ أسْلَمَ ثُمَّ قَال: لَمْ أَدرِ مَا قُلْتُ. لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأُجْبِرَ
ــ
عِبادَتِهم، فيكونُ حَدًّا لصِحَّةِ إسْلامِهم. وقال ابنُ أبي شَيبَةَ: إذا أسْلَمَ وهو ابنُ خَمْسِ سِنِينَ، جُعِلَ إسْلامُه إسْلامًا. ولعلَّه يقولُ: إن عليًّا أسْلَمَ (١) وهوٍ ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّه قد قِيلَ: إنَّه قد ماتَ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً. فعلى هذا يكونُ إسْلامُه، وهو ابنُ خَمسٍ؛ لأنَّ مُدَّةَ النبيِّ ﷺ منذُ بُعِثَ إلى أن ماتَ ثلاثٌ وعشرونَ سَنَةً، وعاشَ عليٌّ بعدَه ثلاثين سنةً؛ فذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً (٢)، فإذا ضَمَمْنا إليها خَمْسًا، كانت ثمانيًا وخمْسين. وقال أبو أيُّوبَ: أُجِيزَ إسْلامُ ابنِ ثلاثِ سِنِينَ، مَن أصابَ الحقَّ من صَغِيرٍ أو (٣) كبِيرٍ أجَزْناه. وهذا لا يَكادُ يَعْقِلُ الإِسْلامَ، ولا يَدْرِي ما يقولُ، ولا يَثْبُتُ لقولِه حُكْمٌ، فإن وُجِدَ ذلك منه ودَلَّتْ أحْوالُه وأقوالُه على مَعرِفَةِ الإِسْلامِ، وعَقْلِه إيَّاهُ، صَحَّ منه كغيرِه.
٤٥٨٧ - مسألة: (وإن أسْلَمَ، ثم قال: لم أدْرِ ما قُلْتُ. لم يُلْتَفَتْ
стр. 13302
عَلَى الإسْلَامِ.
ــ
إلى قولِه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ) متى حَكَمْنا بصِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ، لمعرِفَتِنا بعَقْلِه (١) بأدِلَّتِه، فرَجَعَ، وقال: لم أدْرِ ما قلتُ. لم يُقْبَلْ قولُه، ولم يَبْطُلْ إسْلامُه الأوَّلُ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلام. قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ مُحْتَمِلٌ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ في مَظِنَّةِ النَّقْصِ، فيجوزُ أن يكونَ صادِقًا. قال: والعملُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه قد ثَبَت عَقْلُه للإِسْلامِ، ومعرفتُه به بإفْعالِه أفعال العُقَلاءِ، وتَصرُّفاتِه تَصَرُّفاتِهم، وتَكَلُّمِه بكلامِهم، وهذا يَحْصُلُ به معرِفَةُ عَقْلِه؛ ولهذا اعْتَبَرْنا رُشْدَه بعدَ بُلُوغِه بأفْعالِه وتَصرُّفاتِه، وعَرَفْنا جُنونَ المجْنُونِ وعَقْلَ العاقلِ بما يَصْدُرُ عنه من أقْوالِه وأفْعالِه وأحْوالِه، فلا يَزولُ ما عَرَفْناه بمُجَرَّدِ دَعْوَاه. وهكذا كلُّ مَن تَلَفَّظَ بالإِسْلامِ، أو أخْبَرَ عن نفْسِه، ثم أنْكَرَ معرفتَه بما قال، لم يُقْبَلْ إنْكارُه، وكان مُرْتَدًّا. نَصَّ عليه أحمدُ في مَواضِعَ.
стр. 13303
وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُجَاوزَ ثَلَاثَةَ أَيامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ.
ــ
فعلى هذا، إذا ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُه، وأُجْبِرَ على الإِسْلامِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. والظاهرُ مِن مذهبِ مالكٍ. وعندَ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ إسْلامُه ولا رِدَّتُه. وقد رُوِيَ أنَّه يَصِحُّ إسْلامُه، ولا تَصِحُّ رِدَّتُه، لقولِه ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (١). وهذا يَقْتَضِي أنَّه لا يُكْتَبُ عليه ذَنْبٌ ولا شَيءٌ، ولو صَحَّتْ رِدَّتُه، لكُتِبَتْ. وأمَّا الإِسْلامُ فلا يُكْتَبُ عليه، إنَّما يُكْتَبُ له، ولأنَّ الرِّدَّةَ أمرٌ يُوجِبُ القَتْلَ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه في حَقِّ الصَّبِيِّ كالزِّنَى، ولأنَّ الإِسْلامَ إنَّما صَحَّ منه، لأنَّه تَمَحَّضَ مصلحةً، فأشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّدْبِيرَ، والرِّدَّةُ تَمَحَّضَت مَضَرَّةً ومَفْسَدَةً، فلم يَلْزَمْ صِحَّتُها منه. فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَرْتَدَّ، فإذا بَلَغ، فإن أصَرَّ على الكُفْرِ كان مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ.
٤٥٨٨ - مسألة: (ولا يُقْتَلُ حتى يَبْلُغَ، ويُجاوزَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِن وَقْتِ بُلُوغِه، فإن ثَبَت على كُفْرِه قُتِلَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ
стр. 13304
وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وَتَتِمَّ لَهُ ثَلَاثةُ أيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ في سُكْرِهِ، مَاتَ كَافِرًا. وَعَنْهُ، لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ.
ــ
إذا ارْتَدَّ، سَواءْ قُلْنا بصِحَّةِ رِدَّتِه أو لا؛ لأنَّ الغُلامَ لا يجبُ عليه عُقُوبَةٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حُكمُ الزِّنَى والسَّرِقَةِ وسائرِ الحُدُودِ، ولا يُقْتَلُ قِصاصًا، فإذا بَلَغ، وثَبَت على رِدَّتِه، ثَبَت حُكمُ الرِّدَّةِ حِينَئذٍ، فيُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّه كان مُرْتَدًّا قبلَ بُلُوغِه أو لم نَقُلْ، وسَواءٌ كان مسلمًا أصْلِيًّا فارْتَدَّ، أو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَبِيًّا ثم ارْتَدَّ.
٤٥٨٩ - مسألة: (ومَن ارْتَدَّ وهو سَكْرانُ، لم يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ، وتَتِمَّ له ثَلاثَةُ أيَّام مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإن ماتَ في سُكْرِه، ماتَ كَافِرًا. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في رِدَّةِ السَّكْرانِ؛ فرُوىَ عنه أنَّها تصِحُّ. قال أبو الخَطَّابِ: وهو أظهرُ الرِّوايَتَين عنه. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وعنه، لا تَصِحُّ رِدَّتُه (١). وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ
стр. 13305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك يتعَلَّقُ بالاعْتِقادِ والقَصْدِ، والسَّكْرانُ لا يَصِحُّ عقدُه، فأشْبَهَ المَعْتُوهَ، ولأنَّه زائِلُ العَقْلِ، فلم تَصِحَّ رِدَّتُه كالنَّائمِ والمَجْنُونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ المَجْنُونَ. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى أنَّ الصحابةَ قالوا في السَّكْرانِ: إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، فَحُدُّوه حَدَّ المُفْتَرِي (١). وأوْجَبُوا عليه حَدَّ الفِرْيَةِ التي يأْتِي بها في سُكْرِه، وأقامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَها، ولأنَّه يَقَعُ طَلاقُه، فصَحَّتْ رِدَّتُه كالصَّاحِي. وقولُهم: ليس بمُكَلَّفٍ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ عليه، وكذلك سائِرُ أرْكانِ الإِسْلامِ، ويَأْثَمُ بفِعْلِ المُحَرَّماتِ. وهذا معنى التَّكْلِيفِ، ولأنَّ السَّكْرانَ لا يَزُولُ عقلُه بالكُلِّيَّةِ، ولهذا يَتَّقِي المُحْذُورَاتِ، ويَفْرَحُ بما يَسُرُّه، ويُساءُ بما يَضُرُّه، ويزولُ سُكْرُه عن قَرِيبٍ مِن الزَّمانِ، فأشبَهَ النَّاعِسَ، بخِلافِ المجْنُونِ، وأمَّا اسْتِتابَتُه فتُؤَخَّرُ إلى حينِ صَحْوه، فيَكْمُلُ عَقْلُه، ويَفْهَمُ ما يُقالُ له، وتَزُولُ شُبْهَتُه أنْ كان قد قال الكُفْرَ مُعْتَقِدًا له، كما تُؤَخَّرُ اسْتِتابَتُه إلى حينِ زَوالِ شِدَّةِ عَطَشِه وجُوعِه، ويُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلى حينِ بُلُوغِه وكمالِ عَقْلِه، ولأنَّ القَتْلَ جُعِلَ للزَّجْرِ، ولا يَحْصُلُ الزجرُ
стр. 13306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في حالِ سُكْرِه. وإن قَتَلَه قاتِلٌ في حالِ سُكْرِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ عِصْمَتَه زالتْ. برِدَّتِه. وإن ماتَ أو قُتِلَ، [مات كافِرًا و] (١) لم يَرِثْه ورَثَتُه، ولا يُقْتَلُ حتى يَتِمَّ له ثلاثةُ أيَّامٍ مِن وَقْتِ رِدَّتِه، فإنِ اسْتَمَرَّ سُكْرُه أكثرَ مِن ثلاثٍ، لم يُقْتَلْ حتى يَصْحُوَ، ثم يُسْتَتابَ عَقِيبَ صَحْوه، فإن تابَ، وإلَّا قُتِلَ في الحالِ.
فصل: فإن أسْلَمَ في سُكْرِه، صَحَّ إسْلامُه كما صَحَّتْ رِدَّتُه، ثم يُسْألُ بعدَ صَحْوه، فإن ثَبَت على إسْلامِه، فهو مسلمٌ مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأنَّ إسْلامَه صَحَّ، وإنَّما يُسْألُ اسْتِظْهارًا، فإن ماتَ بعدَ إسْلامِه في سُكْرِه، مات مُسْلِمًا. ويَصِحُّ إسْلامُه في سُكْرِه؛ سَواءٌ كان كافِرًا (٢) أصْلِيًّا أو مُرْتَدًّا، لأنَّه إذا صَحَّتْ رِدَّتُه مع أنَّها مَحْضُ مَضَرَّةٍ، وقولُ باطلٍ، فلأنْ يَصِحَّ إسْلامُه، الذي هو مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، أوْلَى. ويَتَخرَّجُ أن لا يَصِحَّ [إسْلامُه في حالِ سُكْرِه، بِناءً على القولِ بأنَّ رِدَّتَه لا تَصِحُّ] (١)، فإنَّ مَن لا تَصِحُّ رِدَّتُه، لا يَصِحُّ إسْلامُه، كالمَجْنُونِ.
стр. 13307
وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أوْ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالى أوْ رَسُولَهُ، وَالسَّاحِرِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ؛ إِحْدَاهُمَا، لَا تقْبَل تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ. وَالأخْرَى، تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، كَغَيرِهِ.
ــ
فصل: ولا تَصِحُّ رِدَّةُ المجنونِ ولا إسْلامُه، لأنَّه لا قولَ له. فإنِ ارْتَدَّ في صِحَّتِه، ثم جُنَّ، لم يُقْتَل في حالِ جُنونِه؛ لأنَّه يُقْتَلُ بالإِصْرارِ على الرِّدَّةِ، والمجنونُ لا يُوصَفُ بالإصْرارِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِتابَتُه. ولو وَجَب عليه القِصاصُ فجُنَّ، قُتِل؛ لأنَّ القِصاصَ لا يَسْقُطُ عنه بسَبَبٍ من جِهَتِه، وههُنا يَسْقُطُ برُجُوعِه، ولأنَّ القِصاصَ إنَّما يَسْقُطُ بسَبَبٍ من جِهَةِ المُسْتَحِقِّ له، فَنَظِيرُ مَسْألَتِنا أن يُجَنَّ المُسْتَحِقُّ للقِصاصِ، فإنَّه لا (١) يَسْتَوْفِي في حالِ جُنُونِه.
٤٥٩٠ - مسألة: (وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، أو مَن يسبَّ اللهَ تَعَالى أو رسولَه، أو السَّاحِرِ؟ على روَايَتَين؛ إحْدَاهُما، لا تُقْبَلُ تَوْبَتُه، ويُقتَلُ بِكُلِّ حالٍ. والأُخْرَى، تُقْبَلُ توْبَتُه كغيرِه) مفهومُ كلامِ الشيخِ، ﵀، أنَّ المُرْتَدَّ إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، ولم يُقْتَلْ،
стр. 13308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيَّ كُفْرٍ (١) كان. وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، سَواءٌ كان زِنْدِيقًا، أو لم يَكُنْ. وهذا مذهبُ الشافعَيِّ، وَالعَنْبَرِيِّ. ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، واختيارُ أبي بكرٍ الخَلَّالِ، وقال: إنَّه أَوْلَى على مذهبِ أبي عبدِ اللهِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه. وهو قولُ مالكٍ، واللَّيثِ، وإسْحاق. وعن أبي حنيفةَ رِوايَتان، كهاتَين. واخْتيارُ أبي بكرٍ أنَّها لا تُقْبَلُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٢). والزِّنْدِيقُ لا يَظْهَرُ منه ما يُبَيِّنُ به رُجُوعَه وتَوْبَتَه؛ لأنَّه كان مُظْهِرًا للإِسْلامِ، مُسِرًّا للكُفْرِ، فإذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ، لم يَزِدْ على ما كان منه قبلَها، وهو إظْهارُ الإِسْلامِ، وأمَّا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (٣). وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ (٤) بنِ عُمارَةَ، أنَّ رَجلًا مِن بني سَعْدٍ مَرَّ على مسجدِ بني حَنِيفَةَ، فإذا هم يَقْرَأْونَ
стр. 13309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
برَجَزِ مُسَيلَمَةَ، فرَجَعَ إلى ابنِ مسعودٍ، فذَكَرَ ذلك له، فبَعَث إليهم، فأُتِيَ بهم، فاسْتَتابَهُم، فتابُوا، فخَلَّى سَبِيلَهم، إلَّا رجُلًا منهم يُقالُ له: ابنُ النَّوَّاحَةِ. قال: قد أُتِيتُ بك مَرَّةً، فزَعَمْتَ أنَّك قد تُبْت، وأرَاكَ قد عُدْتَ. فقَتَلَه (١). ووَجْهُ الرَّوايةِ الأولى، قولُ اللهِ تعالى: ﴿قُل للَّذِينَ كَفَروا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). ورُوِيَ أنَّ رجلًا سَارَّ رسولَ اللهِ ﷺ فلم يُدْرَ ما سَارَّه به، فإذا هو يَسْتَأْذِنُه في قَتْلِ رَجُلٍ من المُنافِقين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ «أَليسَ يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟». قال: بلى، ولا شَهادةَ له. قال: «أليسَ يُصَلِّي؟». قال: بلى، ولَا صلاةَ له. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِيَ اللهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» (٣). وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٤). ورُوِيَ أنَّ مَخشِيَّ (٥)
стр. 13310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنَ حُمَيِّرٍ كان في النَّفَرِ الذين أنْزَلَ اللهُ فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (١). فأتَى النبيَّ ﷺ وتابَ إلى اللهِ تعالى، فقَبِلَ اللهُ توْبَتَه (٢)، وهو الطَّائِفَةُ التي عَفا اللهُ عنها بقولِه سبحانه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (٣). ورُوِيَ أنَّه سألَ اللهَ تعالى أن يُقْتَلَ شَهِيدًا في سَبيلِه، ولا يُعْلَمَ بمكانِه، فقُتِلَ يومَ اليَمامَةِ، ولم يُعْلَمْ مَوْضِعُه. ولأنَّ النبيَّ ﷺ كَفَّ عن المُنافِقِين بما أظْهَرُوا مِن الشَّهادةِ، مع إخْبارِ الله تعالى له بباطِنِهم، بقولِه تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٤) وغيرِها مِن الآياتِ. وحديثُ ابن مسعودٍ حُجَّةُ في قَبُولِ تَوْبَتِهم، مع إسْرارِهِم بكُفْرِهم. فأمَّا قَتْلُ ابنِ النَّوَّاحَةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لظُهُورِ كَذبِه في تَوْبَتِه؛ لأنَّه أظْهَرَها، وتَبَيَّنَ أنَّه ما زال عمَّا كان عليه مِن كُفْرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه (٥) قَتَلَه؛ لقولِ النبيِّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل تُقْبَلُ تَوْبَةُ السَّاحِرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحدَاهُما، لا يُسْتَتابُ. وهو ظاهِرُ ما نُقِلَ عن الصحابةِ، ﵃، فإنَّه لم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه اسْتَتابَ ساحِرًا، وفي الحديثِ الذي رَواه هشامُ بنُ (١) عُرْوَةَ، عن عائشةَ، أنَّ امرأةً جاءَتْها، فقالت: يا أُمَّ المُؤْمِنينَ، إنَّ عَجُوزًا ذَهَبتْ بي إلى هاروتَ وماروتَ، فقلتُ: عَلِّمانيَ السِّحْرَ. فقالا: اتَّقِي اللهَ ولا تَكْفُرِي، فإنَّكِ على رأسِ أمْرِكِ. فقلتُ: عَلِّمانِيَ السِّحْرَ. فقالا: اذْهَبِي إلى ذلك التَّنُّورِ، فبُولِي فيه. ففعَلْتُ، فرأيتُ كأنَّ فارِسًا مُقَنَّعًا في الحديدِ خرَج مِنِّي حتى طارَ، فغابَ في السَّماءِ، فرَجَعْتُ إليهما، فأخْبَرْتُهما، فقالا: ذلك إيمانُكِ. فذكَرتْ باقِيَ القِصَّةِ، إلى أن قالتْ: واللهِ يا أمَّ (٢) المؤمِنين ما صنعتُ شيئًا غيرَ هذا، ولا أصْنَعُه أبدًا، فهل لي مِن تَوْبَةٍ؟ قالت عائشةُ: ورأيتُها تَبْكِي بُكاءً شديدًا، فطَافَتْ (٣) في أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهم مُتوافِرُون تسْألُهم، هل لها مِن تَوْبةٍ؟
стр. 13314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فما أفْتاها أحدٌ، إلَّا ابنَ عَبَّاسٍ قال: إن كان أحَدٌ مِن أُبوَيكِ حَيًّا، فبَرِّيه، وأكْثِري مِن عملِ (١) البِرِّ ما اسْتَطَعْتِ (٢). ولأنَّ السِّحْرَ مَعْنًى في قلبِه لا يزولُ بالتَّوْبَةِ، فيُشْبهُ مَن لم يَتُبْ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يُسْتَتابُ، فإن تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، فإنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِه في ساعةٍ، ولأنَّ السَّاحِرَ لو كان كافِرًا فأسْلَمَ صَحَّ إسْلامُه وتَوْبَتُه، فإذا صَحَّتِ التَّوْبَةُ منهما؛ صَحَّتْ من أحَدِهما، كالكُفْرِ، ولأنَّ الكُفْرَ والقتلَ ما هو إلَّا بعَمَلِه بالسِّحْرِ، [لا بعِلْمِه] (٣)، بدَليلِ السَّاحِرِ إذا أسْلَمَ، والعملُ به تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، وكذلك اعْتِقادُ ما يَكْفُرُ باعْتِقادِه، تُمْكِنُ التَّوْبَةُ منه، كالشِّرْكِ.
فصل: والخِلافُ بينَ الأئِمَّةِ في قَبُولِ تَوْبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِرِ مِن
стр. 13315
وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. إلا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ أو جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ انْتَقَلَ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
ــ
أحْكام الدُّنْيا؛ مِن تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبُوتِ أحْكامِ الإِسْلامِ في حَقِّهِم؛ فأمَّا قَبُولُ اللَّهِ تعالى لها في الباطِنِ، وغُفْرَانُ ذُنُوبِهم لِمَن تابَ وأقْلَعَ ظاهِرًا وباطِنًا، فلا خِلافَ فيه، فإنَّ اللهَ تَعالى قال في المُنافِقِين: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
٤٥٩١ - مسألة: (وتَوْبَةُ المُرْتَدِّ إسْلامُه، وهو أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه. إلَّا أن تكونَ رِدَّتُه بإنْكارِ فَرْضٍ، أو إحْلالِ مُحَرَّمٍ، أو جَحْدِ نَبِيٍّ أو كِتابٍ، أو إلى دِينِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ مُحَمَّدًا
стр. 13316
- ﷺ بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ، وَيَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إِلَى الْعَالمِينَ، أَوْ يَقُولَ: أنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الإسْلَامِ.
ــ
بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، فلا يَصِحُّ إسْلامُه حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويَشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إلى العَالمِينَ، أو يَقُولَ: أنا بَرِئٌ مِن كلِّ دِينٍ يُخالِفُ دينَ الإسْلام) مَن ثَبَتَتْ رِدَّتُه بإقْرارٍ أو بَيِّنَةٍ، فتَوْبَتُه أن يَشْهَدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، [وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ] (١)، ولا يُكْشَفُ عن صِحَّةِ ما شُهِدَ به عليه، ويُخَلَّى سَبِيلُه، ولا يُكَلَّفُ الإقْرارَ بما نُسِبَ إليه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا الهَ إلَّا اللهُ. فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَموَالهمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّ هذا يَثْبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذلك إسْلامُ المُرْتَدِّ، ولا حاجَةَ مع ثُبُوتِ إسْلامِه إلى الكَشْفِ عن صِحَّةِ رِدَّتِه. وهذا يَكْفِي في مَن كانت رِدَّتُه بجَحْدِ الوَحْدانِيَّةِ، أو جَحْدِ رسالةِ محمدٍ ﷺ ، أو جَحْدِهما معًا، فأمَّا مَن كَفَر بغيرِ هذا، فلا يَحْصُلُ إسْلامُه إلَّا بالإقْرارِ بما جَحَده.
стр. 13317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فمَن أقَرَّ برسالةِ محمدٍ ﷺ ، وأنْكَرَ أنَّه مَبْعُوثٌ إلى العَالمِينَ، فلا يَثْبُتُ إسْلامُه حتى يَشْهَدَ أنَّ محمدًا [رسولُ اللهِ] (١) بُعِثَ إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ، أو يَتَبَرَّأَ مع الشَّهادَتَين مِن كلِّ دِين يُخالِفُ الاسْلامَ. فإن زَعَم أنَّ محمدًا رسول مَبْعُوثٌ بَعْدُ (٢) غيرَ هذا، لَزِمَه الإقْرارُ بأنَّ هذا المبعوثَ هو رسولُ اللهِ، لأنَّه إذا اقْتَصَر على الشَّهادَتَينِ، احْتَمَلَ أنَّه أرادَ ما اعْتَقَدَه. وإنِ ارْتَدَّ بجُحودِ فَرْضٍ، لم يُسْلِمْ حتى يُقِرَّ بما جَحَدَه، ويُعِيدَ الشَّهادَتَين؛ لأنَّه كَذَّبَ اللهَ ورسولَه بما اعْتَقَده. وكذلك إن جَحَد نَبِيًّا، أو آيَةً مِن كتابِ الله تعالى، أو كتابًا من كُتُبِه، أو مَلَكًا مِن مَلائِكَتِه الذين ثَبَت أنَّهم مَلائِكَةُ اللهِ، أو اسْتَباحَ مُحَرَّمًا، فلا بُدَّ في إسْلامِه مِن الإِقْرارِ بما جَحَده. وأمَّا
стр. 13318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكافِرُ بجَحْدِ الدِّينِ مِن أصْلِه، إذا شَهِدَ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ واقْتَصَر على ذلك، ففيه رِوايَتان، إحداهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، لأنَّه رُوِيَ أنَّ يَهُودِيًّا قال: أشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. ثم ماتَ. فقال النبيُّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (١). ولأنَّه لا (٢) يُقِرُّ برِسالةِ محمدٍ إلَّا وهو مُقِرٌّ بمَن أرسَلَه وبتَوحِيدِه، لأنَّه صَدَّقَ النبيَّ (٣) ﷺ فيما جاءَ به، وقد جاءَ بتَوْحِيدِه. والثانيةُ، إن كان مُقِرًّا بالتَّوْحِيدِ كاليهودِ، حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّ تَوْحيدَ اللهِ ثابتٌ في حَقِّه، وقد ضَمَّ إليه الإِقْرارَ برسالةِ محمدٍ ﷺ فكَمَلَ إسْلامُه. وإن كان غيرَ مُوَحِّدٍ، كالنَّصارَى والمَجُوسِ وعَبَدَةِ الأوْثانِ، لم يُحْكَمْ بإسْلامِه حتى يشهدَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ. وبهذا جاءتْ أكثرُ الأخْبارِ، وهو الصَّحِيحُ، لأنَّ مَن يَجْحَدُ شَيئَين لا يزولُ جَحْدُهما إلَّا [بإقْرارِه بهما] (٤) جميعًا. وإن قال: أشْهَدُ أنَّ النبيَّ رسولُ اللهِ. لم يُحْكَمْ بإسْلامِه، لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه يُريدُ غيرَ نَبِيِّنا. وإن قال: أنا مؤمنٌ.
стр. 13319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو: أنا مسلمٌ. فقال القاضي: يُحْكَمْ بإسْلامِه بهذا، وإن لم يَأْتِ بلَفْظِ الشَّهادَتينِ؛ لأنَّهما اسمان لشيءٍ مَعْلومٍ معروفٍ وهو الشَّهادَتان، فإذا أخْبَرَ عن نفْسِه بما تَضَمَّنَ الشَّهادَتين، كان مُخْبِرًا بهما. ورَوَى المِقْدَادُ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ (١) إن لَقِيتُ رجلًا من الكُفَّارِ، فقاتَلَنِي، فضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيفِ، فقَطَعَها (٢)، ثم لاذَ مِنِّي بشَجَرَةٍ، فقال: أسْلَمْتُ. أفأقْتُلُه يا رسولَ اللهِ بعدَ أن قالها؟ قال: «لَا تَقْتُلْه، فَإنْ قَتَلْتَهُ، فَإنَّه بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَه، وإنَّكَ بمَنْزِلَتِه قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالها». وعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: أَصابَ المسلمون رجلًا مِن بَني عُقيلٍ، فأتَوْا به النبيَّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، إنِّي مسلمٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وأنْتَ تَمْلِكُ أمْرَكَ، أفْلَحْتَ كُلَّ الفَلَاحِ». رَواهُما مسلمٌ (٣). ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا في الكافرِ الأصْلِيِّ، أو مَن جَحَد الوَحْدانِيَّةَ،
стр. 13320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمَّا مَن كَفَر بجَحْدِ نَبِيٍّ أو كتابٍ أو فَرِيضَةٍ أو نحو هذا، فإنَّه لا يَصِيرُ مسْلِمًا بذلك؛ لأنَّه رُبَّما اعْتَقَد أنَّ الإِسْلامَ ما هو عليه، فإنَّ أهلَ البِدَعِ كلَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم هم المسلمون، ومنهم مَن هو كافِرٌ.
стр. 13321
وَإذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
ــ
٤٥٩٢ - مسألة: وإذا أتَى الكافِرُ بالشَّهَادَتَينِ، ثم قال: لم أُرِدِ الإِسْلامَ. صارَ بذلك مُرْتَدًّا، ويُجْبَرُ على الإِسْلامِ. نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ جماعةٍ، ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَل منه، ولا يُجْبَرُ على الإِسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فلا يُرَاقُ دَمُه بالشُّبْهَةِ (١)، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه قد حُكِمَ بإسْلامِه، فلم يُقْبَلْ إذا رَجَع، كما لو طالتْ مُدَّته.
٤٥٩٣ - مسألة: (وإذا مات المُرْتَدُّ، فأقام وارِثُهَ بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ الردَّةِ، حُكِمَ بإسْلامِه) متى صَلَّى الكافِرُ، حُكِمَ بإسْلامِه، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، جماعةً أو فُرَادَى، في دارِ الحربِ أو في دارِ الإسْلام. وقال الشافعيُّ: يُحْكَمُ بإسْلامِه إذا صَلَّى في دارِ الحرب، ولا نَحْكُمُ بَإسْلامِه [إذا صَلَّى] (٢) في دارِ الإسْلامِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنه صَلَّى رِياءً وتَقِيَّةً. ولَنا، أنَّ ما كان إسلامًا في دارِ الحربِ، كان إسلامًا في دارِ الإسلام، كالشَّهَادَتَين، واحْتِمالُ التَّقِيَّةِ والرِّياءِ يَبْطُلُ بالشَّهادَتَين. وأمَّا سائِرُ أرْكانِ
стр. 13322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِسْلامِ، مِن الزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، فلا يُحْكَمُ بإسْلامِه به، فإنَّ المُشْرِكِينَ كانوا يَحُجُّون في عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى مَنَعهم، فقال: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ» (١). والزَّكاةُ صَدَقَة، وهم يَتَصَدَّقُونَ، وقد فُرِضَ على نَصَارَى بني تَغْلِبَ مِن الزَّكاةِ مِثْلا (٢) ما يُؤْخَذ مِن المسلمينَ، فلم يَصِيرُوا بذلك مسلمين، وأمَّا الصِّيامُ فلكلِّ أهْلِ دِينٍ صِيامٌ، ولأنَّ الصِّيامَ ليس بفِعْلٍ، إنَّما هو إمْساكٌ عن (٣) أفعالٍ مَخْصوصَةٍ، وقد يَتَّفِقُ هذا مِن الكافرِ، كاتِّفاقِه مِن المسلمِ، ولا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ؛ لأنَّها أمْرٌ باطِنٌ، لا عِلْمَ به، بخِلافِ الصلاةِ، فإنَّها أفْعالٌ تَتَمَيَّزُ عن أفْعالِ الكُفَّارِ، ويَخْتَصُّ بها أهْلُ الإسلامِ، ولا يَثْبُتُ بها الإِسلامُ حتى يَأْتِيَ بصلاةٍ يَتَمَيَّزُ بها عن صلاةِ الكُفَّارِ، مِن اسْتِقْبالِ قِبْلَتِنا والرُّكُوعَ والسُّجُودِ، ولا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ القِيام؛ لأنَّهم يَقُومُونَ في صلاتِهم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه متى ماتَ المُرْتَدُّ، فأقامَ وارِثُه بَيِّنَةً أنَّه صَلَّى بعدَ رِدَّتِه، حُكِمَ لهم بالمِيرَاثِ، إلَّا أن يَثْبُتَ أنَّه ارْتَدَّ بعدَ صلاته أو تكونَ رِدَّتُهُ بجَحْدِ فَرِيضَةٍ، أو كتابٍ، أو نَبِيٍّ، أو مَلَكٍ، أو نحو ذلك من البِدَعِ التيِ يَنْتَسِبُ (٤) أهْلُها إلى الإِسلامِ، فإنَّه لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بصلاتِه؛ لأنَّه
стр. 13323
وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ، وَلَا عِبَادَاتُهُ الَّتى فَعَلَهَا في إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
ــ
يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصلاةِ، ويَفْعَلُها (١) مع كُفْرِه، فأشْبَهَ فِعْلُه غيرَها.
٤٥٩٤ - مسألة: (ولا يَبْطُلُ إحْصانُ المُسْلمِ برِدَّتِه، ولا عِباداتُه التي فَعَلَها في إسلامِه، إذا عاد إلى الإِسلامِ) يعْني إذا كان (٢) مُحْصَنًا فارْتَدَّ، ثم أسْلَمَ، لم يَصِرْ غيرَ مُحْصَنٍ، بل متى زَنى رُجِمَ؛ لأنَّه يَثْبُتُ له حُكْمُ الإِحْصانِ، والأصْلُ بقاءُ ما كان على ما كان، ولا تَبْطُلُ عباداتُه التي فَعَلَها في إسلامِه إذا عاد إلى الإِسلامِ؛ لأنَّه فعلَها على وَجْهِها، وبَرِئَتْ
стр. 13324
فَصْل: وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ، بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ مَوْقُوفَةً، فَإنْ أسْلَمَ، ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ، وَإلَّا بَطَلَتْ.
ــ
ذِمَّتُه منها، فلم تَعُدْ إلى ذِمَّتِه، كدُيُونِ الآدَمِيِّين. وإن كان قد حَجَّ حجَّةَ الإِسلامِ قبلَ رِدَّتِه، لم يَجِبْ عليه إعادَتُها إذا عادَ إلى الإِسلامِ، لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (ومَن ارْتَدَّ لم يَزُلْ مِلْكُه، بل يكونُ مَوْقوفًا، وتَصَرُّفاتُه مَوْقوفةً، فإن أسْلَمَ، ثَبَت مِلْكُه وتَصَرُّفاتُه، وإلَّا بَطَلَتْ) لا يُحْكَمُ بزَوالِ مِلْكِ المُرْتَدِّ برِدَّتِه، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
стр. 13325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنهم مِن أهلِ العلمِ] (١)(٢). فعلى هذا، إن قُتِلَ أو ماتَ، زال مِلْكُه بمَوْتِه، وإن راجَعَ الإِسلامَ، فمِلْكُه باقٍ له. فعلى هذا، تَصَرُّفاتُه في رِدَّتِه بالبَيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ والتَّدْبيرِ والوَصِيَّةِ ونحو ذلك مَوْقُوفَةٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا أنَّ تصَرُّفَه كان صَحِيحًا، فإن قُتِلَ أو مات، كان باطِلًا. [وهذا الذي قاله الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ عَن أحمدَ. وهو قولُ أبي حَنيفةَ. وأحدُ قَوْلَي الشافِعيِّ] (٣). وقال [أبو بكرٍ] (٤): يزولُ مِلْكُه بِرِدَّتِه، فإن راجَعَ الإِسلامَ رُدَّ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأنَفًا، لأنَّ عِصْمَةَ نَفْسِه ومالِه إنَّما تَثْبُتُ بإسْلامِه، فزَوالُ إسلامِه يُزِيلُ عِصْمَتَهما، كما لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ المسلمين مَلَكُوا إراقَةَ دَمِه برِدَّتِه، فوَجَب أن يَمْلِكُوا أمْواله بها (٥). وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: مالُه مَوْقُوفٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقاءَ مِلْكِه، وإن ماتَ أو قُتِلَ تَبَيَّنَّا زَواله
стр. 13326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن حينَ رِدَّتِه. قال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: هذا ظاهِرُ كلام أحمدَ. وعن الشافعيِّ الأقْوالُ الثَّلاثةُ. ولَنا، أنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَه [فَلم يَزُلْ مِلْكُه به] (١) كزِنَى المُحْصَنِ، وقَتْلِ مَن يُكافِئُه عَمْدًا، لا يَلْزَمُ منه زَوالُ المِلْكِ، بدَليلِ الزَّاني المُحْصَنِ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، [وأهْلِ الحَرْبِ] (١)، فإنَّ مِلْكَهم ثابِتٌ مع عَدَم عِصْمَتِهم، ولو لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحَرْبِ، لم يَزُلْ مِلْكُه، لكنْ يُباحُ لكَلِّ أحَدٍ قَتْلُه بغيرِ اسْتِتابَةٍ، وأخْذُ مالِه لِمَن قَدَر عليه، لأنَّه صارَ حَرْبِيًّا، حُكْمُه حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ. ولو ارْتَدَّ جماعةٌ وامْتَنَعوا في دَارِهم عن طاعةِ الإِمامِ، زالتْ عِصْمَتُهم في أنْفُسِهم وأموالِهم، لأنَّ الكُفَّارَ الأصْليِّينَ لا عِصْمَةَ لهم في دارِهم، فالمُرْتَدُّونَ أَوْلَى.
стр. 13327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمَّا على قولِ أبي بكرٍ، فتَصرُّفُ المُرْتَدِّ باطِلٌ؛ لأنَّ مِلْكَه قد زَال برِدَّتِه. وهذا أحَدُ أقوالِ الشافعيِّ. وعن الشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّه إن تَصَرَّفَ قبلَ الحَجْرِ عليه، انْبَنَى على الأقْوالِ الثلاثةِ، وإن تَصَرَّفَ بعدَ الحَجْرِ عليه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه كالسَّفِيهِ. ولَنا، أنَّ مِلْكَه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه مع بَقاءِ مِلْكِه فيه، فكان تَصَرُّفُه مَوْقُوفًا، كتَبَرُّعِ (١) المريضِ.
فصل: وإن تَزَوَّجَ، لم يَصِحَّ تَزَوُّجُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على النِّكاحِ، وما مَنَع الإِقْرارَ على النِّكاحِ، مَنَع انعِقادَه، كنِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ. وإن زَوَّجَ مُولِّيَتَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ولَايتَه على مُولِّيَتِه قد زالتْ برِدَّتِه، وكذلك إن زَوَّجَ أمَتَه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ مَوْقُوفًا، ولأنَّ النِّكاحَ وإن كان في الأمَةِ فلا بُدَّ في عَقْدِه من ولَايةٍ صَحِيحَةٍ، بدَليلِ أنَّ المرأةَ لا يجوزُ أن تُزَوِّجَ
стр. 13328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمَتَها، وكذلك الفاسِقُ، والمُرْتَدُّ لا ولايَةَ له، فإنَّه أدْنَى حالًا من الفاسِقِ الكافِرِ (١).
فصل: ويُؤْخَذُ مَالُ المُرْتَدِّ، فيُتْرَكُ عندَ ثِقَةٍ مِن المسلمين، فإن كان له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امْرأةٍ ثِقَةٍ؛ لأنَّهُنَّ مُحَرَّماتٌ عليه، فلا يُمَكَّنُ منهنَّ. وذَكَرَ القاضي أنَّه يُؤْجَرُ عَقارُه، وعَبِيدُه، وإماؤُه. قال شيخُنا (٢): والأوْلَى أن لا يُفْعَلَ ذلك؛ لأنَّ مُدَّةَ انْتِظارِه قَريبَةٌ، ليس في انْتِظارِه فيها ضَررٌ، فلا يُفَوَّتُ عليه مَنافِعُ مِلْكِه فيما لا يَرْضَاه من أجْلِها، فإنَّه رُبَّما
стр. 13329
وَتُقْضَى دُيُونُهُ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُه.
ــ
راجَعَ الإِسلامَ، فيَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في مالِه بإجارَةِ الحاكِمِ له. وإن لَحِقَ بدَارِ الحَرْبِ، أو تَعَذَّرَ قَتْلُه مُدُّةً طَويلَةً، فَعَلَ الحَاكِمُ (١) ما يَرَى الحَظَّ فيه، مِن بَيعِ الحَيَوانِ الذي يَحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ وغيرِه، وإجارَةِ ما يَرَى إبْقَاءَه، والمُكاتَبُ يُؤَدِّي إلى الحاكمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّه نائِبٌ
عنه.
٤٥٩٥ - مسألة: (وَتُقْضَى دُيُونُه وأُرُوشُ جِناياتِه، ويُنْفَقُ على مَن تَلْزَمُه مؤْنَتُه) يعني إذا مات أو قُتِلَ، فإنَّه يُبْدَأُ بقَضاء دُيونِه، وأَرْشِ
стр. 13330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جِنايَتِه، ونَفَقَةِ زَوْجَتِه وأقارِبهِ الذين تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم؛ لأَنَّ هذه الحُقوقَ لا يجوزُ تَعْطِيلُها، وأُولَى ما يُؤْخَذُ من مالِه، [وما بَقِي مِن مالِه فهو فَىْءٌ] (١). في الصَّحِيحِ من المذهبِ. وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه من المسلمين. وعنه، أنَّه لوَرَثَتِه من أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَ إليه، وقد ذَكَرْنا ذَلكَ في الفَرائِضِ.
فصل: وإذا وُجدَ من المُرْتَدِّ سَبَبٌ يَقْتَضِي المِلْكَ؛ كالصَّيدِ، والاحْتِشاشِ، والاتِّهابِ، والشِّراءِ، وإيجارِ نَفْسِه إجارَةً خاصَّةً، أو مُشْتَرَكَةً، ثَبَتَ المِلْكُ له؛ لأنَّه أهْل للمِلْكِ، وكذلك (٢) بَقِيَتْ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ له. ومن قال: إنَّ مِلْكَه يَزُولُ. لم يُثْبِتْ له مِلْكًا؛ لأنَّه ليس بأهْلٍ للمِلْكِ، ولهذا زالتْ أمْلاكُه الثَّابِتَةُ، فإن أسْلَمَ، احْتَملَ أن لا يَثْبُتَ له شيءٌ أيضًا؛ لأنَّ السَّبَبَ لم يَثْبُتْ حُكْمُه. واحْتَمَلَ أن يَثْبُتَ المِلْكُ له حِينَئِذٍ؛ لأنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ، وإنَّما امْتَنَع ثُبوتُ حُكْمِه؛ لعَدَمِ أهْلِيَّتِه، فإذا وُجِدَتْ، تَحَقَّقَ الشَّرْطُ، فيَثْبُتُ المِلْكُ حينَئِذٍ، كما تَعُودُ إليه أمْلاكُه التي زالتْ عنه عندَ عَوْدِ أهْلِيَّتِه. فعلى هذا، إن ماتَ، أو قُتِلَ، انْتَقَلَ المِلْكُ لمَن يَنْتَقِلُ إليه مالُه؛ لأنَّ هذا في مَعْناه.
فصل: وإن لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحَرْبِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ مَن هو في دارِ الإِسْلامِ، إلَّا أنَّ ما كانَ معه من مالِه، يَصِيرُ مُباحًا لمَن قَدَرَ عليه؛
стр. 13331
وَمَا أَتْلَفَ مِنْ شَيْءٍ، ضَمِنَهُ، وَيَتَخَرَّجُ في الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ أَنْ لَا تَضْمَنَ مَا أَتْلَفَتْهُ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَإنْ أَسْلَمَ رُدَّ إِلَيهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا.
ــ
كما أُبِيحَ دَمُه، وأمَّا أمْلاكُه ومالُه الذي في دارِ الإِسلامِ، فمِلْكُه ثابِتٌ فيه، ويَتَصرَّفُ فيه الحاكِمُ بما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه. وقال أبو حنيفةَ: يُورَثُ مالُه، كما لو ماتَ؛ لأنَّه قد صارَ في حُكْمِ المَوْتَى؛ بدَلِيلِ حِل دَمِه ومالِه الذي معه لكلِّ مَن قَدَر عليه. ولَنا، أنَّه حَيٌّ فلم يُورَثْ، كالحَرْبِيِّ الأصْلِيِّ، وحِلُّ دَمِه لا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مالِه؛ بدليلِ الحَرْبِيِّ الأصْلِيِّ، وإنَّما حَلَّ مالُه الذي معه؛ لأنَّه زَال العاصِمُ (١) له، فأشْبَهَ مالَ الحَرْبِيِّ الذي في دارِ الحَرْبِ، وأمَّا الذي في دارِ الإِسلامِ، فهو باقٍ على العِصْمَةِ، كمالِ الحَرْبِيِّ الذي مع مُضارَبِه في دارِ الإِسْلامِ، أو عندَ مُودَعِه.
٤٥٩٦ - مسألة: (وما أتْلَفَ من شيءٍ، ضَمِنَه، ويَتَخَرَّجُ في الجماعَةِ المُمْتَنِعَةِ أن لا تَضْمَنَ ما أَتْلَفَتْه) إذا ارْتَدَّ قَوْمٌ، فأتْلَفُوا مالًا للمسلمين، لَزِمَهُم ضَمانُ ما أتْلَفُوه، سَواءٌ تَحَيَّزُوا (٢) أو صارُوا في
стр. 13332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنَعَةٍ، أو لم يَصِيرُوا. ذَكَرَه أبو بكرٍ. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال الشافعيُّ (١): حُكْمُهم حُكْمُ أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه، من الأنْفُسِ والأمْوالِ؛ لأنَّ تَضْمِينَهم يُؤَدِّي إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الإِسلامِ، فأشْبَهُوا أهْلَ البَغْي. ولَنا، ما رُوِيَ عن أبي بكرٍ، ﵁، أنَّه قال لأهْلِ الرِّدَّةِ حينَ رَجَعُوا: تَرُدُّونَ علينا ما أخَذْتُم منَّا، ولا نَرُدُّ عليكم ما أخَذْنا منكم، وأن تَدُوا قَتْلانَا، ولا نَدِي قَتْلاكُم. قالوا: نعم يا خليفةَ رسولِ اللهِ. قال عمرُ: كُلُّ ما قُلْتَ كما قُلْتَ، إلَّا أن يَدُوا ما قُتِلَ مِنَّا، فَلا؛ لأنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ واسْتُشْهِدُوا (٢). ولأنَّهم أتْلَفُوه بغيرِ تَأْويل، فأشْبَهُوا أهْلَ الذِّمَّةِ. فأمَّا القَتْلَى فحُكْمُهم حُكْمُ أهلِ البَغْي؛ لِما ذَكَرْنا من خَبَرِ أبي بكرٍ وعُمرَ، ولأنَّ طُلَيحَةَ (٣) الأسَدِيَّ قَتَل عُكَّاشَةَ بنَ مِحْصَنٍ، وثابتَ بنَ أقْرَمَ (٤)
стр. 13333
وَإذَا أسْلَمَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
الأسَدِيَّيْن، فلم يَغْرَمْهما (١)، وبنو حنيفةَ قَتَلُوا مَن قَتَلُوا من المسلمين يومَ اليَمَامَةِ، فلم يَغْرَمُوا شيئًا. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ قولُ أحمدَ، وكَلامُه في المالِ، على وُجُوبِ رَدِّ ما هو في أيدِيهم دُونَ ما أتْلَفُوه، وعلى مَن أتْلَفَ من غيرِ أن تكونَ له مَنَعَةٌ، أو أتْلَفَ في غيرِ الحَرْبِ. وما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، فلا ضَمانَ عليهم فيه؛ لأنَّه إذا سَقَط ذلك عن أهْلِ البَغْي، كيلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجوعَ إلى الطَّاعةِ، فلأنْ يَسْقُطَ ذلك كيلا يُؤَدِّيَ إلى التَّنْفِيرِ عن الإِسلامِ أوْلَى، ولأنَّهم إذا امْتَنَعُوا صارُوا كُفَّارًا مُمْتَنِعِين بدارِهِم، فأشْبَهُوا أهْلَ الحَرْبِ. ويُحْمَلُ قولُ أبي بكرٍ على ما بَقِيَ في أيدِيهم مِن المالِ، فيكونُ مذهبُ أحمدَ، والشافعيِّ في هذا سَواءً. وهذا أعْدَلُ وأصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى. فأمَّا مَن لا مَنَعَةَ له فيَضْمَنُ ما أتْلَفَ مِن نَفْسٍ ومالٍ، كالواحدِ مِن المسلمينَ، أو أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه لا مَنَعَةَ له، ولا يَكْثُرُ ذلك منه، فَبَقِيَ المالُ والنَّفْسُ بالنِّسْبَةِ إليه على عِصْمَتِه، ووُجُوبِ ضَمانِه. واللهُ أعلمُ.
٤٥٩٧ - مسألة: (وإذا أسْلَمَ، فهل يَلْزَمُه قَضاءُ ما تَرَك من العباداتِ؟ على رِوايَتَين) إحداهما، عليه القَضاءُ؛ لأنَّها عِبادةٌ واجِبَةٌ الْتَزَم
стр. 13334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بوُجوبِها، واعْتَرَف بها في زَمَنِ إسْلامِه، فلَزِمَ قَضاءُها عندَ فَواتِها كغيرِ المُرْتَدِّ. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه قَضاءُها؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). ولأَنَّه كافرٌ أسْلَمَ، فلم يَلْزَمْه قَضاءُ العِباداتِ التي كانت في كُفْرِه، كالحَرْبِيِّ، ولأنَ أبا بكرٍ لم يَأْمُرِ المُرْتَدِّينَ حينَ أسْلَمُوا بقَضاءِ ما فاتَهم.
стр. 13335
وَإذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ، وَلَحِقَا بدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيهِمَا، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمَا، وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَولَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا في دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ قُتِلَ. وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَهَلْ يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٤٥٩٨ - مسألة: (وإذا ارْتَدَّ الزَّوْجانِ، ولَحِقَا بدارِ الحَرْبِ، ثم قُدِرَ عليهما، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهما، ولا اسْتِرْقاقُ أوْلادِهما الَّذِينَ وُلِدُوا في الإِسْلامِ، ومَن لم يُسْلِمْ منهم قُتِلَ. ويَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَن وُلِدَ بعدَ الرِّدَّةِ، وهل يُقَرُّونَ على كُفْرِهم؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّ الرِّقَّ لا يَجْرِي على المُرْتَد، سَواءٌ كان رجلًا أو امرأةً، وسَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ أو أقامَ بدارِ الإِسْلامِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا لَحِقَتِ المُرْتَدَّةُ بدارِ الحَرْبِ، جازَ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّ أبا بكرٍ سَبَى بني حنيفةَ، واسْتَرَقَّ
стр. 13336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نساءَهم، وأمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ [من سَبْيِهم] (١). ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَن بَدَّلَ دِينَه فَاقْتُلُوهُ» (٢). ولأنَّه لا يجوزُ إقْرارُها (٣) على كُفْرِها (٤)، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُها (٥) كالرَّجلِ، ولم يُنْقَلْ أنَّ الذين سَباهُم أبو بكرٍ، ﵁، كانوا أسْلَمُوا، ولا ثَبَت لهمِ حُكْمُ الرِّدَّةِ. فإن قِيل: فقد رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّ المُرْتدَّةَ تُسْبَى (٦). قُلْنا: هذا الحديث ضَعَّفَه أحمدُ. فأمَّا أوْلادُ المُرْتَدِّينَ، فإن كانُوا وُلِدُوا قبلَ الردَّةِ، فإنَّهم مَحْكومٌ بإسْلامِهم تَبَعًا لآبائِهم، ولا يتْبَعُونَهم في الرِّدَّةِ؛ لأنَّ الإِسلامَ يَعْلُو، وقد تَبِعُوهم فيه، فلا يَتْبَعُونهم في الكُفْرِ، فلا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم صِغارًا؛ لأنَّهم مسلمون، ولا كِبارًا؛ لأنَّهم إن ثَبَتُوا على إسْلامِهم بعدَ كُفْرِهم فهم مسلمون، وإن كَفَرُوا فهم مُرْتَدُّون، حُكْمهُم حُكْمُ آبَائِهم في الاسْتِتَابَةِ، وتَحْرِيمِ الاسْتِرْقاقِ. وأمَّا مَن حَدَث بعدَ الرِّدَّةِ، فهو محكومٌ بكُفْرِه؛ لأنَّه وُلِدَ بينَ أبَوَين كافِرَين، ويجوزُ اسْتِرْقاقُه؛
стр. 13337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه ليس بمُرْتَدٍّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّ آباءَهم لا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، ولأنَّهم لا يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فلا يُقَرُّونَ بالاسْتِرْقاقِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن وُلِدُوا في دارِ الإِسلامِ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، وإن وُلِدُوا في دارِ الحَرْبِ، جازَ اسْتِرْقاقُهم. [ولَنا، أنَّه لم يَثْبُت لهم حكمُ الإِسلامِ، فجازَ اسْترْقاقُهم] (١)، كوَلَدِ الحَرْبِيَّين، بخِلافِ آبائِهم. فعلى هذا، إذا وَقَع في الأسْرِ بعدَ لُحُوقِه بدارِ الحربِ، فحُكْمُه حُكْمُ سائرِ أهلِ الحربِ، وإن كان في دارِ الإِسْلام، لم يُقَرَّ بالجِزْيَةِ، وكذلك لو بَذَل الجِزْيَةَ بعدَ لُحُوقِه بدارِ الحَرْبِ، لمَ يُقَرَّ بها، لأنَّه انْتَقَل إلى الكُفْرِ بعدَ نزولِ القُرْآنِ. فأمَّا مَن كان حَمْلًا حال رِدَّتِه، فظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ أنَّه كالحادِثِ بعدَ كُفْرِه. وعندَ الشافعيِّ، هو كالمَوْلُودِ، [لأَنَّه موجودٌ] (١)، ولهذا
стр. 13338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَرِثُ. ولَنا، أنَّ أكثرَ الأحْكامِ إنَّما تَتَعَلَّقُ به (١) بعدَ الوَضْعِ، فكذلك هذا الحكمُ. وهل يُقَر مَن وُلِدَ بعدَ الرِّدَّةِ على كُفْرِه؛ فيه رِوايتان؛ إحداهما، يُقرُّ، كأوْلادِ أهْلِ الحربِ. والثانيةُ، لا يُقَرُّونَ، فإذا أسْلَمُوا رُقُّوا؛ لأنَّهم أوْلادُ مَن لا يُقَرُّ على كُفْرِه، فلا يُقَرونَ على كُفْرِهم، كالمَوْجودِين قبلَ رِدَّتِهِم.
فصل: ومَن لم يُسْلِمْ من الذين كانوا مَوْجُودِين قبلَ الرِّدَّةِ، فقُدِرَ عليهم، أو على آبَائِهم، اسْتُتِيبَ منهم مَن كان بالغًا عاقِلًا، فمَن لم يَتُبْ قُتِلَ، ومَن لم يَبْلُغِ انْتُظِرَ بُلُوغُه، فإن لم يَتُبْ، قُتِلَ إذا اسْتُتِيبَ، ويَنْبَغِي أن يحْبَسَ حتى لا يَهْرُبَ.
стр. 13339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومتى ارْتَدَّ أهلُ بلدٍ، وجَرَتْ فيهم أحْكامُهم، صارُوا دارَ حَرْبٍ في اغْتِنامِ أمْوالِهم، وسَبْي ذَرارِيِّهم الحادِثِين بعدَ الرِّدَّةِ، وعلى الإِمامِ قِتالُهم، فإنَّ أبا بكرٍ، ﵁، قاتَلَ أهْلَ الرِّدَّةِ بجمَاعَةِ (١) الصحابةِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قد أمَرَ بقِتالِ الكُفَّارِ في مَواضِعَ من كِتابِه، وهؤلاءِ أحَقُّهم بالقِتالِ؛ لأنَّ تَرْكَهم ربَّما أغْرَى أمْثالهم بالتَّشَبُّهِ بهم، والارْتِدَادِ معهم، فيَكْثُرُ الضَّرَرُ بهم. وإذا قَاتَلَهم، قَتَلَ مَن قَدَر عليه، ويُتْبَعُ مُدْبِرُهم، ويُجَازُ على جَرِيحِهم، وتُغْنَمُ أمْوالُهم. وبهذا قال
стр. 13340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِيرُ دارَ حربٍ حتى يَجْتَمِعَ فيها ثلاثةُ أشْياءَ؛ أن تكونَ مُتاخِمَةً لدارِ الحربِ، لا شيءَ بينَهما من دارِ الإِسلامِ. الثاني، أن لا يَبْقَى فيها مُسْلِمٌ ولا ذِمِّيٌّ آمِن. الثالثُ، أن تَجْرِي فيها أحْكامُهم. ولَنا، أنَّها دارُ كُفَّارٍ، فيها أحْكامُهم، فكانتْ دارَ حَرْبٍ، كما لو اجْتَمَعَ فيها هذه الخِصالُ، أو دارَ الكَفَرَةِ الأصْلِيِّين.
فصل: وإن قَتَلَ المُرتَدُّ مَن يُكافِئَه عَمْدًا، فعليه القِصاصُ. نَصَّ عليه أحمدُ. والوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بينَ قَتْلِه والعَفو عنه، فإن اخْتارَ القِصاصَ، قُدِّمَ على قَتْلِ الرِّدَّةِ، سَواءٌ تَقَدَّمَتِ الرِّدَّةُ أو تَأْخَّرَتْ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمي، وإن عَفَا على مالٍ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في مالِه. وكذلك إن كان القَتْلُ خَطَأً، تَجِبُ الدِّيَةُ في مالِه أيضًا؛ لأنَّه لا عاقلةَ له. قال القاضي: وتُؤْخَذُ منه الدِّيَةُ في ثلاثِ