← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13441–13480 · переход к 13446.

стр. 13441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا يَقْروننا. قال: «إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيفِ، فَاقْبَلُوا (١)، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنْبَغِي

стр. 13442

وَتُسْتَحَبُّ ضِيَافَتُهُ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ. ــ لَهُمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ٤٦٢٣ - مسألة: (وتُسْتَحَبُّ ضِيافَتُه ثَلاثَةَ أيّام، فما زاد فهو صَدَقَةٌ) [ لما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي شُرَيحٍ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّام، وَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»] (٢). وعن أحمدَ، أنَّ الضِّيافَةَ على أهلِ القُرَى دونَ أهلِ الأمْصارِ. قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْئَلُ إلى أيِّ شيءٍ تَذْهَبُ فيها؟ قال: هي مُؤكَّدَةٌ، وكأنَّها على أهلِ الطُرُّقِ والقُرَى الذين يَمُرُّ بهم الناسُ أوْكَدُ، فأمّا مِثْلُنا الآنَ، فكأنَّه ليس مِثْلَ أولئك. وذلك لأنَّ أهلَ القُرَى، واللهُ أعلمُ، ليس عادَتُهم بَيعَ القُوتِ، فلو لم تَلْزَمْهم الضِّيافَةُ، بَقِيَ المُسافِرُ ليس له ما يَقْتاتُ، بخِلافِ أهلِ الأمْصارِ، فإنَّ عادَتَهم ذلك، فيَجِدُ المسافِرُ ما يَشْتَرِي ويَقْتاتُ، فلا تَلْزَمُهُم الضِّيافَةُ.

стр. 13443

وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ إِنْزَالُهُ في بَيتِهِ، إلا أنْ لَا يَجِدَ مَسْجِدًا، أوْ رِبَاطًا يَبِيتُ فِيهِ. ــ ٤٦٢٤ - مسألة: (وليس عليه إنْزالُ الضَّيفِ في بيته) لِما فِيه مِن الحَرَجِ (إلَّا أن لا يَجدَ مسجدًا أو رِباطًا يَبِيتُ فيه) فيَبِيتُ عندَه للضَّرورَةِ، ولأنَّ الخبرَ إنَّما وَرَد في الضِّيافَةِ لا غيرُ، فكان خاصًّا فيها دونَ غيرِها. فصل: قال المَرُّوذِيُّ: سألتُ أبا عبدِ الله، قلتُ: تَكْرَهُ الخُبْزَ الكِبارَ؟ قال: نعم أكرهُه، ليس فيه بَرَكَةٌ، إنَّما البَرَكَةُ في الصِّغارِ. وقال: مُرْهُم أن لا يَخْبِزوا كبارًا. قال: ورأيتُ أبا عبدِ اللهِ يغسلُ يدَيه قبلَ الطعامِ وبعدَه، وإن كان على وُضوءٍ. وقال مُهَنّا: ذكَرْت ليحيى بنِ مَعِينٍ حدِيثَ قَيسِ بنِ الرَّبِيعِ، عن أبي هاشِم، عن زاذانَ، عن سَلْمانَ،

стр. 13444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن النبيِّ ﷺ قال (١): «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ» (٢). فقال له يحيى: ما أحسنَ الوضوءَ قبلَه وبعدَه. وذكَرْتُ الحدِيثَ لأحمدَ، قال: ما حَدَّثَ به إلَّا قَيسُ بنُ الرَّبِيعِ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ. قُلْتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ قال: كان سفيانُ يَكْرَهُ غسلَ اليدِ عندَ الطعامِ، لِمَ كَرِهَ سُفيانُ ذلك؟ قال: لأنَّه مِن زِيِّ العَجَمِ. قلتُ: بَلَغَنِي عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: كان سفيانُ يَكرَهُ أن يكونَ تحتَ القَصْعَةِ الرَّغيفُ، لِمَ كَرِهَهُ سُفيانُ؟ قال: كَرِهَ أن يُسْتَعْمَلَ الطعامُ. قلت: تَكْرَهُه أنتَ؟ قال: نعم. ورُوِيَ عن (٣) عُقَيلٍ، قال: حَضَرْتُ مع ابنِ شِهابٍ وَلِيمَةً، ففَرَشُوا المائِدَةَ بالخُبْزِ، فقال: لا تَتَّخِذُوا الخُبْزَ بِساطًا. وقال المَرُّوذِيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ أبا مَعْمَرٍ قالً: إنَّ أبا أُسامَةَ قَدَّمَ إليهم خُبْزًا، فكَسَرَهُ. فقال: هذا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كم تأْكلون. قيل لأبي عبدِ اللهِ: يُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؟

стр. 13445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: أليس قال النبيُّ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». روَاه أبو داودَ (١). و (٢) عن شُعَيبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، عن أبِيه، قال: ما رُئِيَ رسولُ اللهِ ﷺ يأكلُ مُتَّكِئًا قَطُّ. روَاه أبو داودَ (٣). وعن ابنِ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يأكلَ الرَّجُلُ [وهو مُنْبَطِحٌ] (٤). رواه أبو داودَ (٥). فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الطعامِ، وحَمْدُ الله تعالى عندَ آخِرِه؛ لِما روَى عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أكلتُ مع النبيِّ ﷺ ، فقال: «سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». فما زالت أكلَتِي بعدُ (٦). مُتَّفَقٌ عليه (٧). وروَى الإِمامُ أحمدُ (٨)، بإسنادِه عن أبي هُرَيرَةَ، قال: لا أعْلَمُه

стр. 13446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا عنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا (١) لِلصَّائِم الصَّابِرِ». قال: مَعْناهُ إذا أكلَ وشَرِبَ، يَشْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه على ما رَزَقَه. وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فإن نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ [اسْمَ الله] (٢) فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ». رَواه أبو داودَ (٣). وعن مُعاذِ بنِ أنَسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أكَلَ طَعَامًا، فَقَال: الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غيرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٤). وعن أبي سعيدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أكلَ طعامًا، قال: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أطْعَمَنَا، وسَقَانَا، وجَعَلَنا مُسْلِمِينَ» (٥). وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رُفِعَ طعامُه، أو ما بَينِ يَدَيه، قال: «الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، غيرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ». رواهُنَّ ابنُ ماجَه (٦). فصل: ويأكلُ بيَمينِه، ويَشْرَبُ بها؛ لِمَا (١) روَى ابنُ عمرَ، عن

стр. 13447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيِّ ﷺ ، قال: «إذَا أَكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيَمِينِه، وَإذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإنَّ الشَّيطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، ويَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». رواه مسلمٌ، وأبو داودَ (١). ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ بثلاثِ أصابعَ، لِما روَى كعبُ بنُ مالكٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يأْكلُ بثلاثِ أصابعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتى يَلْعَقَها. رواه الإِمامُ أحمدُ (٢). وذُكِرَ له حديثٌ ترْويه ابنة (٣) الزُّهْرِيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأْكلُ بكَفِّه كلِّها (٤)، فلم يُصحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه أكَلَ خَبيصًا (٥) بكَفِّه كُلِّها. ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ، أنَّه كان يَنْهَى بَناتِه أنَّ يَأْكُلْنَ بثلاثِ أصابعَ، وقال: لا تَشَبَّهْنَ بالرِّجالِ. فصل: قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ، عن حديثِ عائشةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، قال: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكينِ، فَإنَّ ذَلِكَ صَنِيعُ الأعَاجِمِ» (٦). فقال: ليس بصَحِيحٍ، لا يُعْرَفُ هذا. وقال: حديث عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ خِلافُ هذا، كان النبي ﷺ يَحْتَزُّ (٧) مِن لَحْمِ

стр. 13448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّاةِ، فقام إلى الصلاةِ، وطَرَحَ السِّكِّينَ (١). وحديثُ مِسْعَرٍ، عن جامِعِ بنِ شَدَّادٍ، عن المُغِيرَةِ اليَشْكُرِيِّ، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: ضِفْتُ برسولِ اللهِ ﷺ ذاتَ لَيلَةٍ، فأمَرَ بجَنْبٍ فشُوِيَ، ثم أخَذَ الشَّفْرَةَ، فجَعَلَ يحُزُّ، فجاءَ بلالٌ يُؤذِنُه بالصلاةِ، فألْقَى الشَّفْرَةَ (٢). قال: وسألْتُ أحمدَ عن حديثِ أبي جُحَيفَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «اكْفُفْ جُشَاءَكَ يَا أبَا جُحَيفَةَ، فَإنَّ أكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (٣). فقال هو ويحيى جميعًا: ليس بصحيحٍ. فصل: ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: لم يكُنِ النبيُّ ﷺ ينْفُخُ في طعامٍ ولا شَرابٍ، ولا يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ (٤). وعن أَنَسٍ، قال: ما أكلَ النَّبيُّ ﷺ على خِوانٍ ولا في سُكُرَّجَةٍ (٥). قال قَتادَةُ: فعلامَ كانوا يأكلُون؟ قال: على السُّفَرِ (٦). حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وعن عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يُقامَ عن الطعامِ حتى يُرْفَعَ. وعن نُبَيشَةَ، قال: قال رسولُ

стр. 13449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، فَلَحَسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ القَصْعَةُ». وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَمْسَحْ أحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا؛ فإنَّه لَا يَدْرِي فِي أيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ». رواهُنَّ ابنُ ماجَه (١). فصل: وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ عن غَسْلِ اليَدِ بالنُّخالةِ، قال: لا بأْسَ به، نحنُ نَفْعَلُه. وسُئِلَ عنِ الرَّجُلِ يأْتي القومَ، وهم على طَعامٍ، فَجْأةً، لم يُدْعَ إليه، فلمّا دخَلَ إليهم دَعَوْه، هل (٢) يَأْكُلُ؟ قال: نعم، وما بأسٌ. وسُئِلَ عن حديثِ النبيِّ ﷺ ، أنَّه ادَّخَرَ لأهْلِه قُوتَ سَنَةٍ (٣). هو صَحِيحٌ؟ قال: نعم، ولكِنَّهم يخْتَلِفُون في لَفْظِه. فصل: روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ جاءَ إلى سعدِ بنِ عُبادَةَ، فجاءَ بخُبْزٍ وزَيتٍ، فأكلَ، ثم قال النبيُّ ﷺ : «أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ

стр. 13450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طَعَامَكُمُ الأبْرارُ، وصَلَّتْ عَلَيكُمُ الْمَلائِكَةُ». وعن جابرٍ، قال: صَنَعَ أبو الهَيثَمَ بنُ التَّيِّهَانِ (١) للنبيِّ ﷺ طَعامًا، فَدَعا النبيَّ ﷺ وأصْحابَه، فلمّا فَرَغُوا قال: «أَثِيبُوا أخَاكُمْ». قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما إثَابَتُه؟ قال: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيتُهُ، وأُكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرابُهُ، فَدَعَوْا لَه، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ». رواهما أبو داودَ (٢).

стр. 13451

بَابُ الذَّكَاةِ وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيهِ بِغَيرِ ذَكَاةٍ إلا الْجَرَادَ وَشِبْهَهُ، وَالسَّمَكَ، وَسَائِرَ مَا لَا يَعِيشُ إلا في الْمَاءِ، فَلَا ذَكَاةَ لَهُ. ــ بابُ الذَّكاةِ ٤٦٢٥ - مسألة: (ولا يُباحُ شيءٌ مِن الحَيَوانِ المقْدورِ عليه بغيرِ ذَكاةٍ إلَّا الجَرادَ وشِبْهَه، والسَّمكَ، وسائِرَ ما لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فلا

стр. 13452

وَعَنْهُ، في السَّرَطَانِ وَسَائِرِ الْبَحْرِيِّ أنَّه يَحِلُّ بِلَا ذَكَاةٍ. وَعَنْهُ، فِي الْجَرَادِ لَا يُؤْكَلُ إلا أنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ كَكَبْسِهِ وَتَغْرِيقِهِ. ــ ذَكاةَ له. وعنه فِي السَّرَطانِ وسائِرِ البحريِّ، أنَّه يُباحُ بلا ذكاةٍ. وعنه، في الجرادِ، لا يُؤكلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسبحب ككَبْسِه وتغْرِيقِه) أمَّا الحيوانُ المقْدورُ عليه (١) مِن الصيدِ والأنْعام، فلا يُباحُ إلَّا بالذَّكاةِ، بغيرِ خلافٍ بينَ أهلَ العلمَ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾. إلى قولِه. ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾ (٢). فأمّا السَّمكُ وشِبْهُه ممّا لا يعيشُ إلَّا في الماء، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذكاةٍ، لا نعلمُ في هذا خلافًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ» (٣). وقد صَحَّ أنَّ أبا عُبَيدَةَ وأصحابَه وجَدُوا على ساحِلِ البحرِ دابَّةً، يقالُ لها العَنْبَرُ، فأكَلُوا منها شَهْرًا، حتى سَمِنُوا وادَّهَنُوا، فلَمّا قَدِمُوا على النبيِّ ﷺ أخْبَرُوه، فقال: «هُوَ رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا؟». مُتَّفَقٌ عليه (٤).

стр. 13453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما مات بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ما مات بسَبَبٍ؛ مِثْلَ أن صادَه إنسانٌ، أو نَبَذَه البحرُ، أو جَزَرَ (١) عنه، وكذلك ما حُبِسَ في الماءِ بحَظِيرَةٍ حتى يموتَ، فإنَّه يَحِلُّ. قال أحمدُ (٢): الطّافِي يُؤكَلُ، وما جَزَر عنه الماءُ أجودُ، والسَّمَكُ الذي نَبَذَه البحرُ لم يُخْتَلَفْ فيه، وإنّما اخْتَلَفُوا في الطّافِي، وليس به بَأسٌ. وممَّن أباح الطّافِيَ مِن السَّمَكِ أبو بكرٍ الصديقُ، وأبو أيُّوبَ، ﵄. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ. ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ. وكَرهَ الطّافِيَ جابِر، وطاوسٌ، وابنُ سِيرِينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لِما رُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَلْقَى البَحْرُ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ، فَكُلُوهُ، ومَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا، فَلا تَأكلُوهُ». رَواه أبو داودَ (٣). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٤). قال ابنُ عباسٍ: طعامُه ما مات فيه (٥). وأيضًا ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين. وقال أبو بكرٍ الصديقُ، ﵁: الطّافِي

стр. 13454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَلالٌ (١). ولأنَّه لو مات في البَرِّ، أُبِيحَ، فإذا ماتَ في البحرِ أُبِيحَ، كالجَرادِ. فأمّا حديثُ جابِرٍ، فإنَّما هو مَوْقُوفٌ عليه، كذلك قال أبو داودَ: رَواه الثِّقاتُ فأوْقَفُوه على جابرٍ، وقد أُسْنِدَ مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ (٢). وإن صَحَّ فنَحْمِلُه على نَهْيِ الكَراهَةِ؛ لأنَّه إذا مات رَسب (٣) في أسْفَلِه، فإذا أنْتَنَ طَفا، فكرِهَه لنَتْنِه، لا لتَحْرِيمِه. ٤٦٢٦ - مسألة: (وعنه، في السَّرَطانِ وسَائِرِ البحريِّ، أنَّه يَحِلُّ بلا ذكاةٍ) قال أحمدُ: السَّرَطانُ لا بَأْسَ به. قيل له: يُذْبَحُ؟ قال: لا. وذلك أنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّما هو إخْراجُ الدَّمِ منه، وتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه، لا حاجَةَ إلى ذَبْحِه، فإن قُلْنا: يُذَكَّى. فذَكاتُه أن يُفْعَلَ به ما يموتُ به (٤). فأمّا ما كان مأْواهُ البحرَ، وهو يعيشُ في البَرِّ مِن دَوابِّ البحرِ؛ كطيرِ الماءِ، والسُّلَحْفاةِ، وكَلْبِ الماءِ، فلا يَحِلُّ إلَّا أنْ

стр. 13455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُذْبَحَ. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ. قال أحمدُ: كَلْبُ الماءِ يَذْبَحُه، ولا أَرَى (١) بَأْسًا بالسُّلَحْفاةِ إذا ذُبِحَ، [والرَّقُّ يَذْبَحُه] (٢). وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بغيرِ ذَكاةٍ. وذهبَ إليه قَوْمٌ مِن أهلِ العلمِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّه مِن حيوانِ الاءِ، فأُبِيحَ بغيرِ ذَكاةٍ، كالسَّمَكِ والسَّرَطانِ. وقال أبو بكرٍ الصديقُ، ﵁: كُلُّ ما في البحرِ قد ذَكّاه اللهُ لكم (٣). ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، عن شُرَيحٍ، رجلٍ أدْرَكَ النبيَّ ﷺ ، قال: كُلُّ شَيءٍ في البحرِ مَذْبُوحٌ (٤). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ذبَح كُلَّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ لِابنِ آدَمَ» (٥). والأُولَى أصَحُّ فيما سِوَى السَّرَطانِ، لأنَّه حيوانٌ يعيشُ في البَرِّ، له نَفْسٌ سائِلَةٌ، فلم يُبَحْ بغيرِ ذكاةٍ، كالطيرِ. قال شَيخُنا (٦):

стр. 13456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا خِلافَ فيما عَلِمْناه في الطيرِ، والأخْبارُ مَحْمُولَةٌ على ما لا يَعِيشُ إلَّا في البحرِ، كالسَّمَكِ وشِبْهِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِن تَذْكِيَتِه، لأنَّه لا يُذبَحُ إلَّا بعدَ إخْراجِه مِن الماءِ، ومتى خَرَجَ ماتَ. ٤٦٢٧ - مسألة: (وعنه، في الجَرادِ، لَا يُؤْكَلُ إلَّا أن يَمُوتَ بسَبَبٍ، ككَبْسِه وتَغْرِيقِه) لا خِلافَ في إباحَةِ الجرادِ، وقد رَوَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى، قال: غَزَوْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نأْكُلُ الجرادَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولا فَرْقَ بينَ أن يمُوتَ بسَبَبٍ أو بغيرِ سَبَبٍ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافعيُّ، وأصْحابُ الحديثِ، وأصْحابُ الرَّأْي، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، إذا قَتَلَه البردُ، لم يُؤْكَلْ. وعنه، لا يُؤكَلُ إذا ماتَ بغيرِ سَبَبٍ. وهو قولُ مالِكٍ. ويُرْوَى عن سعيدِ بنِ

стр. 13457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُسَيَّبِ. ولَنا، عُمومُ قولِه ﵊: «أُحِلَّتْ لَنا مَيتَتَانِ ودَمَانِ، فالمَيتَتانِ السَّمَكُ والجَرَادُ». رَواه ابنُ ماجه (١). ولم يُفصِّلْ. ولأنَّه تُباحُ مَيتَتُه، فلم يُعْتَبَرْ له سبَبٌ، كالسَّمَكِ، ولأنَّه لو افْتَقَرَ إلى سببَبٍ، لافْتَقَرَ إلى ذَبْحٍ وآلةٍ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ. فصل: [ويُباحُ] (٢) أكْلُ الجرادِ بما فيه، وكذلك السَّمَكُ، يجوزُ أنْ يُقْلَى مِن غيرِ أن يُشقَّ جَوْفُه. وقال أصْحابُ الشافعيِّ في السَّمَكِ: لا يجوزُ، لأنَّ رَجِيعَه نَجِسٌ. ولَنا، عُمومُ النَّصِّ في إباحَتِه، وما ذكَرُوه غيرُ مُسَلَّم. وإن بَلَعَ إنْسانٌ منه شيئًا وهو حَيٌّ، كُرِهَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبَ الحيوانِ. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن السَّمَكِ يُلْقَى في النّارِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي.

стр. 13458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجرادِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِي، والجرادُ أسْهَلُ، فإنَّ هذا له دَمٌ. ولم يَكْرَهْ أكْلَ السَّمَكِ إذا أُلقِيَ في النّارِ، إنَّما كَرِهَ تَعْذِيبَه بالنّارِ. وأمّا الجَرادُ [فسَهَّلَ في إلْقائِه؛ لأنَّه لا دَمَ له، ولأنَّ السَّمَكَ لا حاجَةَ إلى إلْقائِه في النّارِ، لإِمْكانِ تَرْكِه حتى يموتَ بسُرْعَةٍ، والجرادَ] (١) لا يموتُ في الحالِ، بل يَبْقَى مُدَّةً طويلةً. وفي «مُسْنَدِ الشافعيِّ» (٢) أنَّ كَعْبًا كان مُحْرِمًا، فمَرَّت به رَجْلٌ (٣) من جَرَادٍ، فنَسِيَ، وأخَذَ جَرادَتَين، فألْقاهُما في النّارِ، فشَواهُما، وذكَرَ ذلك لعُمَرَ، فلم يُنْكِر عمرُ تَرْكَهُما في النّارِ. وذُكِرَ له حَدِيثُ ابنِ عمرَ: كان الجرادُ يُقْلَى له (٤). فقال: إنَّما يُؤْخَذُ الجرادُ فتُقْطَعُ أجْنِحَتُه، فيُلْقَى في الزَّيتِ وهو حَيٌّ.

стр. 13459

وَيُشْتَرَطُ للِذَّكَاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ عَاقِلًا، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَتُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَعَنْهُ، لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ، وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبوَيهِ غَيرُ كِتَابِيٍّ. ــ ٤٦٢٨ - مسألة: (ويُشْتَرَطُ للذّكاةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أهْلِيَّةُ الذَّابِحِ، وهو أن يكُونَ عاقِلًا، مُسْلمًا أو كِتابِيًّا، فَتُباحُ ذَبِيحَتُه، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى. وعنه، لَا تُباحُ ذَبِيحَةُ نَصارَى بَنِي تَغْلِبَ، ولَا مَن أحدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتابِيٍّ) أجمعَ أهلُ العلمِ على إباحَةِ ذَبائِحِ أهلِ الكتابِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١). يعني ذَبائِحَهُم. قال البُخارِيُّ (٢): قال ابنُ عباسٍ: طَعامُهم ذَبائِحُهم. وكذلك قال قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ. ورُوِيَ مَعْناه عن ابنِ مسعودٍ. وهذا قولُ مالِكٍ،

стр. 13460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي. ولا فَرْقَ بين العَدْلِ والفاسِقِ مِن المسلمين وأهْلِ الكتابِ. وعن أحمدَ، لا تُؤكلُ (١) ذَبِيحَةُ الأقْلَفِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ (٢). والصَّحِيحُ إباحَتُه، فإنَّه مُسْلمٌ، أشْبَهَ سائِرَ المسلمين، وإذا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ القاذِفِ والزّانِي وشارِبِ الخَمْرِ، مع تحَقُّقِ فِسْقِه، وذَبِيحَةُ النَّصْرانِيِّ وهو كافِرٌ أقْلَفُ، فالمسلمُ أوْلَى. فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَرْبِيِّ والذِّمِّيِّ في إباحَةِ ذَبِيحَةِ الكِتابِيِّ منهم، وتَحْريمِ ذَبِيحَةِ مَن سِواه. وسُئِلَ أحمدُ عن ذبائِحِ نَصارَى أهلِ الحربِ،

стр. 13461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: لا بَأْسَ بها، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ [في الشَّحْمِ] (١). قال إسحاقُ: أجادَ. وقَال ابنُ المُنْذِرِ (٢): أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم مُجاهِدٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا فَرْقَ بينَ الكِتابِيِّ العَرَبِي وغيرِه، إلَّا أنَّ في نَصارَى العَرَبِ اخْتلافًا ذكَرْناه في بابِ الجِزْيَةِ. وسُئِلَ مكْحُولٌ عن ذَبائِحِ نَصارَى العَرَبِ (٣)؟ فقال أمّا بَهْرَا وتَنُوخُ، فلا بَأْسَ، وأمّا بنو تَغْلِبَ، فلا خَيرَ في ذَبائِحِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، ﵁. وهو مذهَبُ الشافعيِّ. ولا ذَبائِح العربِ مِن أهْلِ الكتابِ كلِّهم. والصحيحُ

стр. 13462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إباحَتُه؛ لعُمومِ الآيةِ فيهم. فأمّا مَن أحَدُ أبَوَيهِ غيرُ كِتَابِيٍّ ممَّن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، فقال أصحابُنا: لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُه. وبه قال الشافعيُّ إذا (١) كانَ الأبُ [غيرَ كِتابِيٍّ، وإن كانَ الأبُ] (٢) كِتابِيًّا ففيه قَوْلان، أحدُهما، تُباحُ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ. والشافعي، لا تُباحُ؛ لأنَّه وُجِدَ ما يَقْتَضِي الإِباحَةَ والتَّحْرِيمَ، فغُلِّبَ ما يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ، وبيانُ وُجودِ ما يَقْتَضِي التَّحْريمَ، أنَّ كونَه ابنَ مَجُوسِيٍّ أو وَثَنِيٍّ يقْتَضِي تَحْريمَ ذَبيحَتِه. وعنه، تُباحُ ذَبِيحَتُه مُطْلَقًا. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمومِ النَّصِّ، ولأنَّه كِتابِيٌّ يُقَرُّ على دِينِه، فتَحِلُّ ذَبِيحَتُه،

стр. 13463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما لو كان ابْنَ كِتابِيَّين. فإن كان ابنَ وَثَنِيَّين أو مَجُوسِيَّين، فمُقْتَضَى قولِ أصْحابِنا، والشافعيِّ، ومالِكٍ، تحريمُه، ومُقْتَضَى قولِ أبي حنيفةَ حِلُّه،

стр. 13464

وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ مَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ، وَلَا طِفْلٍ غَيرِ مُمَيِّزِ، وَلَا وَثَنِيٍّ، وَلَا مَجُوسِيٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ. ــ لأنَّ الاعْتِبارَ بدِينِ الذّابحِ لا بدِينِ أبيهِ، بدَلِيلِ أنَّ الاعْتِبارَ في قَبُولِ الجِزْيَةِ بذلك، ولعُمومِ النَّصِّ والقِياسِ. ٤٦٢٩ - مسألة: (ولا تُباحُ ذكاةُ مَجْنُونٍ، ولَا سَكْرانَ، ولا طِفْلٍ غيرِ مُمَيِّزٍ، ولَا مَجُوسِيٍّ، ولَا وَثَنِيٍّ، ولَا مُرْتَدٍّ) أمّا المجنونُ والطِّفْلُ والسكرانُ، فلا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم؛ لأنَّه لا يصِحُّ منهم (١) القَصْدُ، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَ إنْسانًا بالسَّيفِ فقَطَعَ عُنُقَ شاةٍ، ولأنَّه أمْرٌ يُعْتَبَرُ له الدِّينُ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالغُسْلِ. وبهذا قال مالِكٌ. وقال الشافعيُّ: لا يُعْتَبَرُ العَقْلُ. والأوَّلُ أَولَى؛ لأنَّ الذَّكاةَ يُعْتَبَرُ لها [القَصدُ، فيُعْتَبَرُ لها] (٢) العَقْلُ، كالعِبادَةِ، ومَن لا عَقْلَ له لا يَصِحُّ منه القَصْدُ، فيصيرُ ذَبْحُه كما لو وقَعَتِ الحديدَةُ بنَفْسِها على حَلْقِ شاةٍ فذبَحَتْها.

стр. 13465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا ذَكاةُ المَجُوسِيِّ، فلا تَحِلُّ في قولِ أهلِ العلمِ، وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فأباحَ صَيدَه وذَبِيحَتَه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» (١). ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فتباحُ ذَبِيحَتُهم وصَيدُهم، كاليَهُودِ والنَّصارَى. وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به. قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: خَرَقَ أبو ثَوْرٍ الإِجْماعَ. قال أحمدُ: ههُنا قَوْمٌ لا يَرَون بذَبائِحِ المَجُوسِ بَأْسًا، ما أعْجَبَ هذا! يُعَرِّضُ بأبي ثَوْرٍ. وممَّن كَرِهَ ذَبائِحَهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعليٌّ، وجابِرٌ، وأبو بُرْدَةَ (٢)، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعِكْرِمَةُ، والحسَنُ بنُ محمدٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى، وسعيدُ بنُ جُبَيرِ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. قال أحمدُ: ولا أعْلَمُ [أحدًا يقولُ] (٣) بخِلافِه، إلَّا أن يكونَ صاحِبَ بدْعَةٍ. ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤). فمَفْهُومُه تحْرِيمُ طَعامِ غيرِهم مِن

стр. 13466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكُفّارِ، ولأنَّهم لا كتابَ لهم، فلم تَحِلَّ ذَبائِحُهم، كأهْلِ الأوْثانِ. وقد روَى الإِمامُ أحمدُ (١)، بإسْنادِه عن قَيسِ بنِ سَكَن الأسَدِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّكُمْ قَدْ نَزَلْتُمْ (٢) بفَارِسَ مِنَ النَّبَطَ، فإذَا اشْتَريتُمْ لَحْمًا، فإنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وإنْ كانَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ فلَا تَأْكُلُوا». ولأنَّ كُفْرَهم مع كونِهم غيرَ أهلِ كتابٍ، يقْتَضِي تحْريم ذَبائِحِهم ونِسائِهم، بدليلِ سائِرِ الكُفّارِ مِن غيرِ أهْلِ الكتابِ، وإنَّما أُخِذَتْ منهم الجِزْيَةُ، لأنَّ شُبْهَةَ الكِتاب تَقتَضِي التَّحْريمَ لدِمائِهم، فلَمَّا غُلِّبَتْ في التَّحْريمِ لدمائِهِم، وَجَب (٣) أَن يُغَلَّبَ عَدَمُ الكتابِ في تَحْريمِ الذَّبائِحِ والنِّساءِ، احْتِياطًا للتَّحْريمِ في الموْضِعَين، ولأنَّه إجْماعٌ، فإنَّه قولُ مَن سَمَّينا، ولا مُخالِفَ لهم في عَصْرِهم، ولا في مَن بعدَهُم، إلَّا رِوايَةً عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، رُوِيَ عنه خِلافُها. فصل: وسائِرُ الكُفّارِ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ والزَّنادِقَةِ وغيرِهم، حُكْمُهم حُكْمُ المَجُوسِ، في تحْريمِ ذَبائِحِهم، قِياسًا عليهم، بل هم شَرٌّ مِن

стр. 13467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَجُوسِ؛ لأنَّ المَجُوسَ لهم شُبْهَةُ كتابٍ، بخلافِ هؤلاء. قال أحمدُ: وطعامُ المَجُوسِ ليس به بَأْسٌ أن يُؤْكَلَ، وإذا أُهْدِيَ إليه أَن يُقْبَلَ، إنَّما تُكْرَهُ (١) ذَبائِحُهم، أو شَيْءٌ (٢) فيه دَسَمٌ. يعني مِن اللَّحْمِ. ولم يَرَ بالسَّمْنِ والجُبْنِ (٣) بأسًا. وسُئِلَ عمّا تَصْنَعُ المجُوسُ لأمْواتِهم، ويُزَمْزِمُون (٤) عليهم إيّامًا عَشْرًا، ثم يَقْسِمُون ذلك في الجِيرانِ؟ قال: لا بَأْسَ بذلك. وعن الشَّعْبِي، قال: كُلْ مع المَجُوسِيِّ وإنْ زَمْزَمَ. وروَى أحمدُ، أنَّ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ كان يأكُلُ مِن كَوامِيخِ (٥) المَجُوسِ، فأعْجَبَه ذلك. ورَوَى هِشامٌ، عن الحسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا بطَعامِ المَجُوسِ في المِصْرِ، ولا [بشَوارِيزِهم، ولا بكَوامِيخِهم] (٦). فصل: ولا تُباحُ ذَبِيحَةُ المُرْتَدِّ، وإن كانت رِدَّتُه إلى دِينِ أهْلِ الكتابِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي. وقال إسحاقُ: إن تدَيَّنَ بدِينِ أهلِ الكتابِ، حَلَّتْ ذَبِيحَتُه. ويُحْكَى ذلك

стр. 13468

فَصْلٌ: الثَّاني، الْآلةُ، وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ بِمُحَدَّدٍ، سَواءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ حَجَرٍ، أوْ قَصَبٍ، أَوْ غَيرِهِ، إلا السِّنَّ وَالظُّفُرَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيسَ السِّنَّ والظّفُرَ». ــ عن الأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ عليًّا، ﵁، قال: مَن تَوَلَّى قَوْمًا، فهو منهم. ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ على دِينِه، فلم تَحِلَّ ذَبِيحَتُه، كالوَثَنِيِّ، ولأنَّه لا تَثْبُتُ له أحْكامُ أهلِ الكتابِ إذا تدَيَّنَ بدِينهم، فإنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، ولا يُسْتَرقُّ، ولا يَحِلُّ له نِكاحُ المُرْتَدَّةِ. وأمَّا قولُ عليٍّ: فهو منهم. لم يُرِدْ به (١) أنَّه منهم في جميعِ الأحْكام، بدَليلِ ما ذكَرْنا، ولأنَّه لم يكُنْ يَرَى حِلَّ ذَبائِحِ نَصارَى بني تَغْلِبَ، ولا نِكاحِ نِسائِهم، مع توَلِّيهم للنَّصارَى، ودُخُولِهم في دِينِهم، ومع إقْرارِهم على ما صُولِحوا عليه، فلا يُعْتَقَدُ ذلك في المُرْتَدِّينَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا ذَبَحَ حيوانًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه؛ ضَمِنَه بقِيمَتِه حَيًّا؛ لأنَّه أتْلَفَه وحَرَّمَه، ولا يَضْمَنُه إذا كان بإذْنِه؛ لأنَّه أذِنَ في إتْلافِه. فصل: قال ﵀: (الثاني، الآلةُ، وهو أن يَذْبَحَ بمُحَدَّدٍ، سواءٌ كان مِن حَديدٍ، أو حَجَرٍ، أو قَصَبٍ أو غيرِه، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ) الآلةُ لها شَرْطان؛ أحدُهما، أن تكونَ مُحَدَّدَةً، تقْطَعُ أو تَخْرِق بحَدِّها، لا بثِقْلِها. والثاني، أن (٢) لا تكونَ سِنًّا ولا ظُفُرًا، فإذا اجْتَمَعَ هذان

стр. 13469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْطان في شيءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ به، حدِيدًا كان أو حجَرًا أو خَشَبًا أو قَصَبًا، لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوه، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنْ أحدُنا صادَ صَيدًا، وليسَ معه سِكِّينٌ، أيذْبَحُ بالمَرْوَةِ وشَقَّةِ العَصا؟ فقال: «أَمرِرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ عليهِ (٢)». والمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ. وعن رَجُلٍ مِن بني حارِثَةَ، أنَّه كان يَرْعَى لِقْحَةً (٣)، فأخَذَها الموتُ، فلم يَجِدْ شيئًا ينْحَرُها به، فوَجَدَ وَتِدًا، فوَجَأَهَا به في لَبَّتِها حتى أُهَرِيقَ دَمُها، ثم جاءَ إلى (٤) النبيِّ ﷺ ، فأمَرَه بأكْلِها. رَواهما أبو داودَ (٥). وبهذا قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ونحوُه قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا في السِّنِّ والظُّفُرِ، فإنَّه قال: إذا كانَا مُتَّصِلَين، لم يَجُزِ الذَّبْحُ بهما،

стр. 13470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنْ كانا مُنْفَصِلَين، جازَ. ولَنا، عُمومُ قولِ النبيِّ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، [وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا] (١)، إلَّا السِّنَّ والظُّفُرَ». ولأنَّ ما لم تَجُزِ الذكاةُ به مُتَّصِلًا، لم تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كغيرِ المُحَدَّدِ. فصل: فأمّا العَظْمُ غيرُ السِّنِّ، فمُقْتَضَى إطْلاقِ قولِ أحمدَ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، إباحَةُ الذَّبْحِ به. وهو قولُ مالِكٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وأصْحابِ الرَّأْي. وقال ابنُ جُرَيجٍ: يُذَكَّى بعَظْمِ الحِمارِ، ولا يُذَكَّى بعَظْمِ القِرْدِ؛ لأَنَّكَ تُصَلِّي على الحمارِ وتَسْقِيه في جَفْنَتِك. وعن أحمدَ، لا يُذَكَّى بعَظْمٍ ولا ظُفُرٍ. وقال النَّخَعِيُّ: لا يُذَكَّى بالعَظْمِ والقَرْنِ. وَوَجْهُه قولُ النبيِّ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلُوا، لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أمّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ». فعَلَّلَه بكونِه عَظْمًا، فكُلُّ عَظْمٍ فقد وُجِدَتْ فيه العِلَّةُ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى. قاله شيخُنا (٢)؛ لأنَّ العَظْمَ دخَلَ في عُمُومِ اللَّفْظِ المُبِيحِ، ثم اسْتُثْنِيَ السِّنُّ والظُّفُرُ خاصَّةً، فَتَبْقَى سائِرُ العِظام دَاخِلَةً فيما يُباحُ الذَّبْحُ به، والمنطوقُ مُقَدَّمٌ على التَّعْلِيلِ، ولهذا عَلَّلَ الظُّفُرَ بكَونِه مِن مُدَى الحَبَشَةِ، ولا يَحْرُمُ الذَّبْحُ بالسِّكِّينِ وإن كانت مُدْيَةً لهم، ولأنَّ العِظامَ يتَناوَلُها سائِرُ الأحادِيثِ العامَّةِ، ويحْصُلُ بها المقْصُودُ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الآلاتِ.

стр. 13471

فَإِنْ ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ، في أَصَحِّ الْوَجْهَينِ. ــ ٤٦٣٠ - مسألة: (فإن ذَبَحَ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، حَلَّ في أصَحِّ الوَجْهَينِ) لأنَّ الذكاةَ وُجِدَتْ ممَّن له أهْلِيَّةُ الذَّبْحِ، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَ شاةَ مغْصُوبَة. والثاني، لا يَحِلُّ (١)؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، لأنَّ الآلةَ مُحَرَّمَة، فلم يحْصلْ مقْصُودُها، كما لو اسْتَجْمَرَ بالرَّوْث والرِّمَّةِ.

стр. 13472

فَصْلٌ. الثَّالِثُ، أَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِئَ. ــ فصل: قال ﵀: (الثالثُ، أنْ يَقْطَعَ الحُلْقُومَ والمَرِئَ.

стр. 13473

وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ قَطْعُ الْوَدَجَينِ. ــ وعنه، يُشْتَرَطُ مع ذلك قَطْعُ الوَدَجَين) وجملةُ ذلك، أنَّ مَحَلَّ الذَّبْح الحَلْقُ واللَّبَّةَ، وهي الوَهْدَةُ التي بين أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ. ولا يجوزُ الذَّبْحُ في غيرِ هذا المَحَلِّ بالإِجْماعِ، وقد رُوِيَ [في حديثٍ] (١) عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «الذَّكَاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ» (٢). [وقال أحمدُ: الذكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ. واحْتَجَّ بحديثِ عمرَ، وهو ما رَوَى سعيدٌ والأثْرَمُ (٣) بإسْنادِهما عن الفُرافِصَةِ، قال: كنَّا عندَ عمرَ، فنادَى: إنَّ النَّحْرَ في اللَّبَّةِ والحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ. وإنَّما نَرَى أنَّ الذَّكاةَ اخْتَصَّتْ بهذا المحَلِّ] (٤)؛ لأنَّه مَجْمَعُ العُرُوقِ، فيَنْسَفِحُ الدَّمُ بالذَّبْحِ فيه، ويُسْرِعُ زُهوقُ النَّفْسِ، فيكونُ أطْيَبَ للَّحْمِ، وأخَفَّ على الحيوانِ. قال أحمدُ:

стр. 13474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لو كان حديثُ أبي العُشَراءِ حَدِيثًا. يَعْنِي ما روَى أبو العُشَراءِ، عن أبِيه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ: أمَّا تكونُ الذكاةُ إلَّا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا، أجْزَأ عَنْكَ» (١). قال أحمدُ: أبو العُشَراءِ هذا ليس بمَعْرُوفٍ. إذا ثَبَتَ ذلك، فيُشْتَرَطُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى أنَّه (٢) يُشْتَرَطُ مع هذا (٣) قَطْعُ الوَدَجَين. وبه قال مالِكٌ، وأبو يوسفَ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: نَهَى النبيُّ ﷺ عن شَرِيطَةِ الشَّيطانِ. وهي التي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الجِلْدُ ولا تُفْرَى الأوْداجُ، ثم تُتْرَكُ حتى تَمُوتَ. رَواه أبو داودَ (٤). وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ وأحَدِ

стр. 13475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَدَجَين. ولا خِلافَ في أنَّ الأكْمَلَ قَطْعُ الأربعةِ؛ الحُلْقُومِ والمَرِئِ والوَدَجَين، فالحُلقومُ مَجْرَى النَّفَسِ، والمَرِئُ مَجْرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدَجان هما عِرْقانِ مُحِيطان (١) بالحُلْقُومِ؛ لأنَّه أسْرَعُ لخُرُوجِ رُوحِ الحيوانِ، فيَخِفُّ عليه، ويخرجُ مِن الخلافِ، فيكون أوْلَى. والأوَّلُ يُجْزِئُ؛ لأنَّه قَطْعٌ في محلِّ الذَّبْحِ ما لا تَبْقَى الحَياةُ مع قَطْعِه، فأشْبَهَ ما لو قطَعَ الأرْبَعَةَ، والحديثُ محْمُولٌ على ما (٢) لم يقْطَع المَرِئَ.

стр. 13476

وَإنْ نَحَرَهُ، أَجْزَأَ، وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدَّدٍ في لُبَّتِهِ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ، وَيَذْبَحَ مَا سِوَاهُ. ــ ٤٦٣١ - مسألة: (وإن نَحَرَه، أجْزَأ، وهو أن يَطْعَنَه بمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْحَرَ البَعِيرَ، ويَذْبَحَ مَا سِواهُ) ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ نَحْرِ الإِبِلِ، وذبْحِ ما سِواها، قال اللهُ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢). قال مُجاهِدٌ: أمَرَنا بالنَّحْرِ، وأَمَر بني إسرائيلَ بالذَّبْحِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ بُعِثَ في قَومٍ ماشِيَتُهم الإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وكانت (٣) بنو إسْرائِيلَ ماشِيَتُهم البَقَرُ، فأُمِرُوا بالذَّبْحِ (٤). وثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ بَدَنةً، وضَحَّى بكَبْشَين أَقْرَنين، ذَبَحَهما بيَدِه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). والنَّحْرُ أن يَطْعَنَها بحَرْبَةٍ أو نحوها في الوَهْدَةِ التي بينَ عُنُقِها وصَدْرِها.

стр. 13477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن ذَبَحَ الإِبِلَ، ونَحَرَ ما سِواها، أجْزَأَه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وحُكِيَ عن داودَ، أنَّ الإِبلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. والأمرُ يَقْتَضِي الوجوبَ. وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ولأنَّ النبيَّ ﷺ نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما نَأْخُذُ الأحْكامَ مِن جِهَتِه. وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ في الإبِلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعْناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه. وحَكى ابنُ أبي موسَى، عن أحمدَ، أنَّه توَقَّفَ عن أكْلَ البَعِيرِ إذا ذُبحَ ولم يُنْحَرْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إنَّما كَرِهَه ولم يُحَرمْه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ». وقالتْ أسماءُ: نَحَرْنا فرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ. [مُتَّفَقٌ عليه] (١). وعن عائشةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بَقَرَةً واحدةً (٢). ولأنَّه ذَكَّاهُ في محَلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ.

стр. 13478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وتَصِحُّ ذَبِيحَةُ المرأةِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، إذا أطاقَتِ الذَّبْحَ، ووُجِدَتِ الشُّرُوطُ. وكذلك ذَبْحُ الصَّبِيِّ العاقِلِ، إذا أطاقَ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَعَ كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على إباحَةِ ذَبِيحَةِ المرأةِ والصَّبِيِّ. وقد رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لكعبِ بنِ مالكٍ، كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ (٢)، فأُصِيبَتْ شاةٌ منها، فأدْرَكَتْها، فذَكَّتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، فقال: «كُلُوها (٣)». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفي هذا الحديثِ فوائِدُ سبعٌ، أحدُها، إباحَةُ ذَبِيحَةِ المرأةِ. والثانيةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الأمَةِ. الثالثةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الحائِضِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يسْتَفْصِلْ. الرابعةُ، إباحةُ الذَّبْحِ بالحَجَرِ. الخامسةُ، إباحَةُ ذَبْحِ ما خِيفَ عليه الموتُ. السّادِسةُ، حِلُّ ما يذْبَحُه

стр. 13479

فَإِنْ عَجَزَ عِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ أَن يَنِدَّ الْبَعِيرُ، أَوْ يَتَرَدَّى في بِئْرٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيدِ، إِذَا جَرَحَهُ في أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ، حَلَّ أَكْلُهُ، إلا أَنْ يَمُوتَ بِغَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ في الْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ. ــ غيرُ مالِكِه بغيرِ إذْنِه. السابعةُ، إباحَةُ ذبْحِه لغيرِ مالِكِه، [بغيرِ إذنِه عندَ الخوفِ عليه] (١). ٤٦٣٢ - مسألة: (فإن عَجَز عن ذلك) أي عَنْ قَطْعِ الحُلْقُوم والْمَرِئِ (مِثْلَ أن يَنِدَّ البَعِيرُ، أو يَتَرَدَّى في بِئرٍ، فلا يَقدِرُ على ذَبْحِهِ، صارَ كالصَّيدِ، إذا جَرَحَهُ في أيِّ مَوْضِعٍ أمْكَنَهُ فقَتَلَهُ، حَلَّ أكلُهُ، إلَّا أن يَمُوتَ بغيرِهِ، مِثْلَ أن يكونَ رَأسُهُ فِي الماءِ، فلا يُباحُ) هذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، ﵃. وبه قال مَسْرُوقٌ، والحسَنُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاقُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ،

стр. 13480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أكْلُه إلَّا أنْ يُذَكَّى. وهو قولُ رِبيعَةَ، واللَّيثِ. قال أحمدُ: لعَلَّ مالِكًا لم يسْمَعْ حديثَ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ. واحْتَجَّ مالِكٌ بأنَّ الحيوانَ الإِنْسيَّ إذا تَوَحَّشَ لم يَثْبُتْ له حكمُ الوَحْشِيِّ، بدَليلِ أنَّه لا يجبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِه، ولا يصِيرُ الحِمارُ الأهْلِيُّ مُباحًا إذا تَوَحَّشَ. ولَنا، ما رَوَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ فَنَدَّ بَعِيرٌ، وكان في القوْمِ خَيلٌ يَسِيرَةٌ، فطَلَبُوه فأعْياهُم، فأهْوَى إليه رجلٌ بسَهْمٍ، فحَبَسَه اللهُ، فقال النبيُّ ﷺ : «إنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ (١) كَأوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فاصْنَعُوا بِه هَكَذا». وفي لفظٍ: «فَمَا نَدَّ عَلَيكُمْ فَاصنَعُوا بِهِ هَكَذَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وحَرِبَ (٣) ثَوْرٌ في بعض دُورِ الأنْصارِ، فضرَبَه رَجُلٌ بالسَّيفِ، وذَكَرَ اسْمَ اللهِ عليه، فسُئِلَ عنه عليٌّ، فقال: ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ (٤). فأمَرَ بأكْلِه (٥). وتَرَدَّى بعيرٌ في بئرٍ،
следующие страницы →