وَإنْ نَحَرَهُ، أَجْزَأَ، وَهُوَ أَنْ يَطْعَنَهُ بِمُحَدَّدٍ في لُبَّتِهِ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ، وَيَذْبَحَ مَا سِوَاهُ.
ــ
٤٦٣١ - مسألة: (وإن نَحَرَه، أجْزَأ، وهو أن يَطْعَنَه بمُحَدَّدٍ فِي لَبَّتِهِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْحَرَ البَعِيرَ، ويَذْبَحَ مَا سِواهُ) ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ نَحْرِ الإِبِلِ، وذبْحِ ما سِواها، قال اللهُ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢). قال مُجاهِدٌ: أمَرَنا بالنَّحْرِ، وأَمَر بني إسرائيلَ بالذَّبْحِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ بُعِثَ في قَومٍ ماشِيَتُهم الإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وكانت (٣) بنو إسْرائِيلَ ماشِيَتُهم البَقَرُ، فأُمِرُوا بالذَّبْحِ (٤). وثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ بَدَنةً، وضَحَّى بكَبْشَين أَقْرَنين، ذَبَحَهما بيَدِه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). والنَّحْرُ أن يَطْعَنَها بحَرْبَةٍ أو نحوها في الوَهْدَةِ التي بينَ عُنُقِها وصَدْرِها.
стр. 13477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن ذَبَحَ الإِبِلَ، ونَحَرَ ما سِواها، أجْزَأَه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وحُكِيَ عن داودَ، أنَّ الإِبلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. والأمرُ يَقْتَضِي الوجوبَ. وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ولأنَّ النبيَّ ﷺ نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما نَأْخُذُ الأحْكامَ مِن جِهَتِه. وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يُجْزِئُ في الإبِلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعْناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه. وحَكى ابنُ أبي موسَى، عن أحمدَ، أنَّه توَقَّفَ عن أكْلَ البَعِيرِ إذا ذُبحَ ولم يُنْحَرْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إنَّما كَرِهَه ولم يُحَرمْه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ». وقالتْ أسماءُ: نَحَرْنا فرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ. [مُتَّفَقٌ عليه] (١). وعن عائشةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بَقَرَةً واحدةً (٢). ولأنَّه ذَكَّاهُ في محَلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ.
стр. 13478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وتَصِحُّ ذَبِيحَةُ المرأةِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، إذا أطاقَتِ الذَّبْحَ، ووُجِدَتِ الشُّرُوطُ. وكذلك ذَبْحُ الصَّبِيِّ العاقِلِ، إذا أطاقَ، حُرًّا كان أو عَبْدًا، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَعَ كُلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على إباحَةِ ذَبِيحَةِ المرأةِ والصَّبِيِّ. وقد رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لكعبِ بنِ مالكٍ، كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ (٢)، فأُصِيبَتْ شاةٌ منها، فأدْرَكَتْها، فذَكَّتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، فقال: «كُلُوها (٣)». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفي هذا الحديثِ فوائِدُ سبعٌ، أحدُها، إباحَةُ ذَبِيحَةِ المرأةِ. والثانيةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الأمَةِ. الثالثةُ، إباحَةُ ذَبِيحَةِ الحائِضِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يسْتَفْصِلْ. الرابعةُ، إباحةُ الذَّبْحِ بالحَجَرِ. الخامسةُ، إباحَةُ ذَبْحِ ما خِيفَ عليه الموتُ. السّادِسةُ، حِلُّ ما يذْبَحُه
стр. 13479
فَإِنْ عَجَزَ عِنْ ذَلِكَ، مِثْلَ أَن يَنِدَّ الْبَعِيرُ، أَوْ يَتَرَدَّى في بِئْرٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ، صَارَ كَالصَّيدِ، إِذَا جَرَحَهُ في أَيِّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَهُ فَقَتَلَهُ، حَلَّ أَكْلُهُ، إلا أَنْ يَمُوتَ بِغَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ في الْمَاءِ، فَلَا يُبَاحُ.
ــ
غيرُ مالِكِه بغيرِ إذْنِه. السابعةُ، إباحَةُ ذبْحِه لغيرِ مالِكِه، [بغيرِ إذنِه عندَ الخوفِ عليه] (١).
٤٦٣٢ - مسألة: (فإن عَجَز عن ذلك) أي عَنْ قَطْعِ الحُلْقُوم والْمَرِئِ (مِثْلَ أن يَنِدَّ البَعِيرُ، أو يَتَرَدَّى في بِئرٍ، فلا يَقدِرُ على ذَبْحِهِ، صارَ كالصَّيدِ، إذا جَرَحَهُ في أيِّ مَوْضِعٍ أمْكَنَهُ فقَتَلَهُ، حَلَّ أكلُهُ، إلَّا أن يَمُوتَ بغيرِهِ، مِثْلَ أن يكونَ رَأسُهُ فِي الماءِ، فلا يُباحُ) هذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ، ﵃. وبه قال مَسْرُوقٌ، والحسَنُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاقُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ،
стр. 13480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أكْلُه إلَّا أنْ يُذَكَّى. وهو قولُ رِبيعَةَ، واللَّيثِ. قال أحمدُ: لعَلَّ مالِكًا لم يسْمَعْ حديثَ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ. واحْتَجَّ مالِكٌ بأنَّ الحيوانَ الإِنْسيَّ إذا تَوَحَّشَ لم يَثْبُتْ له حكمُ الوَحْشِيِّ، بدَليلِ أنَّه لا يجبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِه، ولا يصِيرُ الحِمارُ الأهْلِيُّ مُباحًا إذا تَوَحَّشَ. ولَنا، ما رَوَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ قال: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ فَنَدَّ بَعِيرٌ، وكان في القوْمِ خَيلٌ يَسِيرَةٌ، فطَلَبُوه فأعْياهُم، فأهْوَى إليه رجلٌ بسَهْمٍ، فحَبَسَه اللهُ، فقال النبيُّ ﷺ : «إنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ (١) كَأوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فاصْنَعُوا بِه هَكَذا». وفي لفظٍ: «فَمَا نَدَّ عَلَيكُمْ فَاصنَعُوا بِهِ هَكَذَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وحَرِبَ (٣) ثَوْرٌ في بعض دُورِ الأنْصارِ، فضرَبَه رَجُلٌ بالسَّيفِ، وذَكَرَ اسْمَ اللهِ عليه، فسُئِلَ عنه عليٌّ، فقال: ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ (٤). فأمَرَ بأكْلِه (٥). وتَرَدَّى بعيرٌ في بئرٍ،
стр. 13481
وَإنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَأ وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتِ السِّكِّينُ عَلَى
ــ
فذُكِّيَ مِن قِبَلِ شاكِلَتِه (١)، فبِيعَ بعِشْرِين دِرْهَمًا، فأخَذَ ابنُ عمرَ عُشْرَهُ بدِرْهَمَين (٢). ولأنَّ الاعْتِبارَ في الذَّكاةِ بحالِ الحيوانِ وقْتَ ذَبْحِه، لا بأصْلِها، بدَلِيلِ الوَحْشِيِّ إذا قُدِرَ عليه، وجَبَتْ تَذْكِيَتُه في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، فكذلك الأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ اعْتُبِرَ بحالِه. وبهذا فارَقَ ما ذَكَرُوه (٣)، فإذا تَرَدَّى فلم يُقْدَرْ على تَذْكِيَته، فهو مَعْجُوزٌ عن تَذْكِيَته، فأَشْبَهَ الوَحْشِيَّ، فأمّا إن كان رأسُ المُتَرَدِّي في الماءِ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتْلِه، فيحْصُلُ قَتْلُه بمُبِيحٍ وحاظِرٍ، فيَحْرُمُ، كما لو جَرَحَه مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ.
٤٦٣٣ - مسألة: (وإن ذَبَحَها مِن قَفَاها وهو مُخْطِئٌ، فأتَتِ
стр. 13482
مَوْضِعِ ذَبْحِهَا وَهِيَ في الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ، وَإنْ فَعَلَهُ عَمْدًا، فَعَلَى وَجْهَين.
ــ
السِّكِّينُ على مَوْضِعِ ذَبْحِها وهي في الحياةِ، أُكِلَتْ، وإن فَعَلَهُ عَمْدًا، فعلى وَجْهَينِ) قال القاضي: معنى الخطأ أن تَلْتَوىَ الذَّبِيحَةُ عليه، فتَأْتِيَ السِّكِّينُ على القَفَا؛ لأنَّها مع الْتِوائِها مَعْجُوزٌ عن ذَبْحِها في محَلِّ الذَّبْحِ، فسَقَطَ اعْتِبارُ المَحَلِّ، كالمُتَرَدِّيةِ في بئْرِ، فأمّا مع عَدَمِ الْتِوائِها، فلا تُباحُ بذلك؛ لأنَّ الجَرْحَ في القَفا (١) سبَبٌ للزُّهوقِ، وهو في غيرِ مَحَلِّ الذَّبْحِ، فإذا اجْتَمَعَ مع الذَّبْحِ، مَنَعَ حِلَّه، كما لو بَقَرَ بطْنَها. وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا المعْنَى، فإنَّ الفَضْلَ بنَ زِيادٍ قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عمَّن ذَبَحَ في القَفا؟ فقال: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ قلتُ: عامِدًا. قال: لا تُؤكَلُ، فإذا كان غيرَ عامِدٍ، كأنَّه (٢) الْتَوَى عليه، فلا بَأسَ.
стр. 13483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها اخْتِيارًا، فقد ذكَرْنا عن أحمدَ أنَّها لا تُؤكَلُ. وهو مفْهومُ كلامِ الْخِرَقِيِّ. وحُكِيَ هذا عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ. قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: تُسَمَّى هذه الذَّبِيحَةُ القَفِينَةُ. وقال القاضي: إنْ بقِيَت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ حَلَّتْ، وإلَّا فلا، ويُعْتَبَرُ ذلك بالحَرَكَةِ القَويَّةِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وهذا أصَحُّ، لأنَّ الذَّبْحَ إذا أتَى على ما فيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، أحَلَّه، كأكِيلَةِ السَّبُعِ، والمُتَرَدِّيَةِ، والنَّطِيحَةِ. وعنه ما يَدُلُّ على إباحَتِها مُطْلَقًا. ولو ضَرَبَ عُنُقَها (١) بالسَّيفِ فأطارَ رَأسَها، حَلَّتْ بذلك، فإنَّ أحمدَ قال: لو أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأسَ بَطَّةٍ أو شَاةٍ بالسَّيفِ، يُرِيدُ بذلك الذَّبِيحَةَ، كان له أن يَأكُلَ (٢). ورُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قال: تلك ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ (٣). وأَفْتَى بأَكْلِها عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ. وقال أبو بكرِ: لأبي عبدِ اللهِ فيها
стр. 13484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلان، الصَّحِيحُ أنَّها مُباحَةٌ، لأنَّه اجْتَمَعَ قَطْعُ ما لا تَبْقَى الحياةُ معه مع الذَّبْحِ، فأُبِيحَ، كما ذكَرْنا، مع قولِ مَن ذكَرْنا قوْلَه مِن الصحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ.
فصل: فإن ذَبَحَها مِن قَفاها، فلم يَعْلَمْ هل كانت فيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قبلَ قَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِئِ أم لا؟ نَظَرْتَ؛ فإن كان الغالِبُ بقاءَ ذلك، لحِدَّةِ الآلةِ، وسُرْعَةِ القَطْعِ، فالأوْلَى إباحَتُه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ ما قُطِعَتْ عُنُقُه بضَرْبَةٍ بالسَّيفِ، وإن كانتِ الآلةُ كالَّةً، وأبْطَأَ قَطْعُه،
стр. 13485
وكُلُّ، مَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبُ الْمَوْتِ؛ كَالْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ، وَالنَّطيحَةِ، وَأَكيلَةِ السَّبُعِ، إِذَا أدْرَكَ ذَكَاتَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ
ــ
وطال تَعْذِيبُه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ في وُجُودِ ما يُحِلُّه، فيَحْرُمُ، كما لو أرْسَلَ كَلْبَه (١) على الصَّيدِ، فوَجَدَ معه كلْبًا آخَرَ لا يَعْرِفُه.
٤٦٣٤ - مسألة: (وكُلُّ مَا وُجِدَ فيه سَبَبُ المَوْتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ) والمَوقُوذَةِ (والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ، وأَكِيلَةِ السَّبُعِ، إذا أدركَ ذَكاتَها
стр. 13486
أكْثَرُ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وَإنْ صَارَتْ حَرَكَتُها كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ.
ــ
وفيها حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أكْثَرُ مِن حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، حَلَّتْ، وإن صارت حَرَكَتُها كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُنْخَنِقَةَ، والموْقُوذَةَ، وسائِرَ ما ذُكِرَ في هذه المسألةِ، وما أصابَها مَرَضٌ فماتَتْ بذلك، فهي مُحَرَّمَةٌ، إلَّا أن تُدْرَكَ ذَكاتُها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا مَا ذَكَّيتُمْ﴾. وفي حديثِ جارِيَةِ كَعْبِ [بنِ مالكٍ] (١)، أنَّها [كانت تَرْعَى غَنَمًا بسَلْعٍ، فأُصِيبتْ] (٢) شاةٌ مِن غَنَمِها، فأدركَتْها، فذَبَحَتْها بحَجَرٍ، فسُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: «كُلُوهَا» (٣). فإن كانت لم يَبْقَ مِن حَياتِها إلَّا مثلُ حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، لم تُبَحِ الذَّكاةُ؛ لأنَّه لو ذَبَحَ ما ذَبَحَه المَجُوسِيُّ، لم يُبَحْ، وإن أدركها وفيها حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بحيثُ يُمْكِنُه ذَبْحُها، حَلَّتْ؛ لعُموم الآيةِ والخبَرِ. [وسواءٌ كانت قد انْتَهت إلى حالِ يَعْلَمُ أنَّها لا تعيشُ معه أَو تعيشُ؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ] (٤)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ
стр. 13487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يَسألْ، ولم يَسْتَفْصِلْ. وقد قال ابنُ عباسٍ، في ذِئْب عَدَا على شاةٍ، فعَقَرَها، فوَقَعَ (١) قُصْبُها (٢) بالأرضِ، فأدركها، فذبَحَها بحَجرٍ، قال: يُلْقِي ما أصابَ الأرْضَ، ويَأْكُلُ سائِرَها (٣). قال أحمدُ في بهيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً، حتى تَبَيَّنَ فيها آثارُ الموتِ، إلَّا أنَّ فيها الرُّوحَ -يعني فذُبِحَتْ- فقال: إذا مَصَعَتْ (٤) بذَنَبها، وطَرَفَتْ بعَينِها، وسالَ الدَّمُ، فأرْجُو، إن شاءَ اللهُ، أن لا يكونَ بأكلِها بَأسٌ. ورَوَى ذلك بإسنادِه (٥) عن عُبَيدِ (٦) بنِ عُمَيرٍ، وطاوُسٍ، وقالا: تَحَرَّكَت. ولم يَقُولا: سال الدَّمُ. وهذا على (٧) مذْهبِ أبي حنيفةَ. وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ:
стр. 13488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سألتُ أحمدَ عن شاةٍ مَرِيضَةٍ، خافُوا عليها الموتَ، فذَبَحُوها، فلم يُعْلَمْ منها أكْثَرُ مِن أنَّها طَرَفَتْ بعَينِها، أو حَرَّكَتْ يَدَها أو رِجْلَها أو ذَنَبَها بضَعْفٍ، فنَهَرَ الدَّمُ؟ قال: لا بَأْسَ. وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا انْتَهَتْ إلى حَدٍّ لا تَعِيشُ معه، لم تُبَحْ بالذَّكاةِ. ونصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا شَقَّ الذِّئْبُ بطْنَها، وخَرَجَ قُصْبُها، فذَبَحَها، لا تُؤكَلُ. وقال: إن كان يَعْلَمُ أنَّها تموتُ مِن عَقْرِ السَّبُعِ، فلا تُؤْكَلُ وإن ذَكَّاها، وقد يَخافُ (١) على الشاةِ الموتَ مِن العِلَّةِ والشيءِ يُصِيبُها، [فَيُبادِرُها، فيَذْبَحُها، فيأكُلُها] (٢)، وليس هذا مثلَ هذه، لا يَدْرِي لعَلَّها تَعِيشُ، والتي قد خَرَجَتْ أمْعاؤُها، يَعْلَمُ أنَّها لا تَعِيشُ. وهذا قولُ أبي يوسفَ. والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ عمرَ، ﵁، انْتَهَى به الجُرْحُ إلى حَدٍّ عَلِمَ أنَّه لا يَعِيشُ معه، فوَصَّى، فقُبِلَتْ وَصاياهُ (٣)، ووَجَبَتِ العِبادَةُ عليه، وفيما ذكَرْنا مِن عُمُوم الآيةِ والخبرِ، وكونِ النبيِّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ في حديثِ (٤) جاريَةِ كَعْبٍ ما يَرُدُّ هذا، وتُحْمَلُ نُصوصُ أحمدَ على
стр. 13489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شاةٍ خَرَجَت أمْعاؤُها، وبانَتْ منها، فَتِلْك لا تَحِلُّ بالذَّكاةِ؛ لأنَّها في حُكْمِ المَيِّتِ، ولا تَبْقَى حَرَكَتُها إلَّا كحَرَكَةِ المذْبُوحِ، فأمّا ما خَرَجَتْ أمعاؤُها، [ولم تَبِنْ] (١) منها، فهي في حُكْمِ الحياةِ تُباحُ بالذَّبْحِ، ولهذا قال الخِرَقِيُّ، في مَن شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ، [فأخْرَجَ حِشْوَتَه، فقَطَعَها فأبانَها، ثم ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ: فالقاتِلُ هو الأوَّلُ، ولو شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ] (٢)، وضَرَبَ عُنُقَه آخرُ، فالقاتِلُ هو الثانِي. وقال بعضُ أصحابِنا: إذا كانت تَعِيشُ مُعْظَمَ اليومِ، حَلَّتْ بالذَّكاةِ. وهذا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ،
стр. 13490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُخالِفُ ظواهِرَ النُّصوصِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه. وقولُه في حديثِ جارِيَةِ كَعْبٍ: فذَكَّتْها بحَجَرٍ. يَدُلُّ على أنَّها بادَرَتْها بالذَّكاةِ حينَ خافَتْ مَوْتَها في ساعَتِها. والصَّحِيحُ أنَّها إذا كانت تَعِيشُ زَمَنًا يكونُ الموتُ بالذَّبْحِ أسرعَ منه، حَلَّتْ بالذَّبْحِ، وأنَّها متى كانت ممّا لا يُتَيَقَّنُ مَوْتُها، كالمَرِيضَةِ، أنَّها متى تحَرَّكَتْ، وسال دَمُها، حَلَّتْ. واللهُ أعْلَمُ.
стр. 13491
فَصلٌ: الرَّابعُ، أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالى عِنْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ. لَا يَقُومُ غَيرُهَا مَقَامَهَا.
ــ
فصل: الشَّرْطُ (الرابعُ، أن يذْكُرَ اسْمَ اللهِ تعالى عندَ الذَّبْحِ، وهو أن يقولَ: باسْمِ اللهِ. لا يقومُ غيرُها مَقامَها) فهذه التَّسْمِيَةُ المُعْتَبَرَةُ عندَ الذَّبْحِ، لأَنَّ إطْلاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إليها، وقد ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا ذَبَحَ قال: «بِاسْمِ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ» (١). وكانَ ابنُ عمرَ يقولُه. ولا خِلافَ أنَّ قولَ (٢): بِاسْمِ اللهِ. يُجْزِئُه. وإن قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي.
стр. 13492
إلا الأَخْرَسَ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى السَّمَاءِ.
ــ
لم يَكْفِ؛ لأنَّ ذلك طَلَبُ حاجَةٍ. وإن هَلَّلَ، أو سَبَّحَ، أو كَبَّرَ اللهَ، أو حَمِدَ اللهَ، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لأنَّه ذَكَرَ اسْمَ الله تعالى على وَجْهِ التَّعْظِيمِ، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ إطْلاقَ التَّسْمِيَةِ لا يَتَناوَلُه. وإن ذَكَرَ اسْمَ اللهِ بغيرِ العَرَبِيَّةِ، أجْزَأه. [وقيل: لا يُجْزِئُه] (١)، وإنْ أحْسَنَ العربِيَّةَ؛ لأنَّ المقْصُودَ ذِكْرُ اسْم اللهِ، وهو يحْصُلُ بجميعِ اللُغاتِ، بخلافِ التَّكْبِيرِ والسَّلام، فإنَّ المقَصُودَ لَفْظُه.
٤٦٣٥ - مسألة: (إلَّا الأَخْرَسَ، فإنَّهُ يُومِئُ برَأْسِهِ إلى السَّماءِ)
стр. 13493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهل العلمِ، على إباحَةِ ذَبيحَةِ الأخْرَسِ، منهم اللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والحسَنِ بنِ صالحٍ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشِيرُ إلى السَّماءِ برَأسِه، لأنَّ إشارَتَه تقُومُ مَقامَ نُطْقِ النّاطِقِ، وإشارَته إلى السَّماءِ تَدُلُّ على قَصْدِه (٢) تَسْمِيَةَ الذي في السماء. ونحوَ هذا قال الشَّعْبِيُّ. وقد دَلَّ على هذا حديثُ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رَجُلًا أَتَى النبيَّ ﷺ بجارِيَةٍ أعْجَمِيَّةٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عليَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : «أينَ اللهُ؟». فأشارَتْ إلى السماءِ، فقال: «مَنْ أنا؟». فأشَارت بإصْبَعِها إلى رسولِ اللهِ ﷺ وإلى السَّماءِ، أي أنتَ رسولُ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أعْتِقْهَا، فإنَّها مُؤمِنَةٌ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، والقاضِى البِرْتِيُّ (٣)، في «مُسْنَدَيهِما» (٤). فحَكَمَ رسولُ اللهِ ﷺ
стр. 13494
فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لَمْ تُبَحْ، وَإنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، أُبِيحَتْ. وَعَنْهُ، تُبَاحُ في الْحَالينِ. وَعَنْهُ، لَا تُبَاحُ فِيهمَا.
ــ
بإيمانِها بإشارَتِها إلى السَّماءِ، تُرِيدُ أنَّ اللهَ سبحانَه فيها، فأَوْلَى أن يُكْتَفَى بذلك عَلَمًا على التَّسْمِيَةِ. ولو أنَّه أشارَ إشارَةً تدُلُّ على التَّسْمِيَةِ، وعُلِمَ ذلك، كان ذلك (١) كافِيًا.
فصل: وإن كان المُذَكِّي جُنُبًا، جازَتْ له التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه إنَّما مُنِعَ مِن (٤) القُرْآنِ، لا مِن الذِّكْرِ، ولهذا تُشْرَعُ له (٢) التَّسْمِيَةُ عندَ الاغْتِسالِ، وليستِ الجنابَةُ أعْظَمَ مِن الكُفْرِ، والكافِرُ يَذْبَحُ ويُسَمِّي. وممَّن رَخَّصَ في ذَبْحِ الجُنُبِ؛ الحسنُ، واللَّيث، والحَكَمُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحَدًا كَرِهَ ذلك، ولا مَنَعَ منه. وتباحُ ذَبِيحَةُ الحائِضِ؛ لأنَّها في مَعْنَى الجُنُبِ.
٤٦٣٦ - مسألة: (فإن تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تُبَحْ، وإن تَرَكَها ساهِيًا، أُبِيحَتْ. وعنه، تباحُ فِي الحالينِ. وعنه، لَا تباحُ فيهما) المشْهُورُ مِن مذهبِ أحمدَ أنَّ التَّسْمِيَةَ على الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ في إباحَةِ أكلِها مع الذِّكْرِ، وتَسْقط بالسَّهْو. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ. وممَّن أباحَ ما نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ
стр. 13495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه؛ عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيلَى، وجعفرُ بنُ محمدٍ (١)، ورَبِيعَةُ. وعن أحمدَ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ، وليست شَرْطًا في عَمْدٍ ولا سَهْوٍ. وبه قال الشافعيُّ؛ لأنَّ البَراءَ رَوَى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللهِ، سَمَّى أوْ لَمْ يُسَمِّ» (٢). وعن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ، فقيل. أرَأيتَ الرَّجُلَ منّا يَذْبَحُ، ويَنْسَى أن يُسَمِّيَ (٣) اللهَ؟ فقال: «اسْمُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» (٤). قال الإِمامُ أحمدُ: إنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ (٥). يعني المَيتَةَ. وذُكِرَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ
стр. 13496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثالثةٌ، أنَّها تَجبُ في العَمْدِ والسَّهْو؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾. وهو عامٌّ في العَمْدِ والسَّهْو. ودَلِيلُ الرِّوايةِ الأُولىَ، ما روَى راشِدُ بنُ سعدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَال وإنْ لَمْ يُسَمِّ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ». أخْرَجَه سعيدٌ (١). فأمّا الآيةُ فمَحْمُولَةٌ على ما إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢). والأكْلُ ممّا نُسِيَتِ التَّسْمِيَةُ عليه ليس بفِسْقٍ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» (٣). إذا ثَبَتَ هذا، فالتَّسْمِيَةُ مع العَمْدِ شَرْطٌ، سواء كان الذَّابِحُ مُسْلِمًا أو كِتابِيًّا، فإن تَرَكَ الكِتابِيُّ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، وذَكَرَ اسْمَ غيرِ اللهِ، لم تُبَحْ ذَبِيحَتُه. رُوِيَ ذلك عن (٤) عليٍّ. وبه قال الشافعيُّ، والنَّخَعِيُّ، وحَمَّاد، وإسحاقُ،
стр. 13497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصْحابُ الرَّأْي. وقال عَطاءٌ، ومَكْحُولٌ: إذا ذَبَحَ الكِتابِيُّ باسْمِ المسيحِ حَلَّ؛ لَأنَّ اللهَ تعالى أحَلَّ لنا ذَبِيحَتَهُم، وقد عَلِمَ أنَّهم يقُولُون ذلك. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾. وقولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). والآيَةُ أُرِيدَ بها ما ذَبَحُوه بشَرْطِه كالمُسْلِمِ. وإن لم يُعْلَمْ أسَمَّى (٢) الذَّابِحُ أم لا؟ أو ذَكَر اسْمَ غيرِ اللهِ أو لا؟ فَذَبِيحَتُه حَلالٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباحَ لنا أكلَ ما ذَبَحَه المسلمُ والكِتابِيُّ، وقد عَلِم أنَّنا لا نَقِفُ على كُل ذابِحٍ. وقد رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّهم قالُوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثَ (٣) عَهْدٍ بشِرْكٍ، يَأْتُونَنا بلَحْم لا نَدْرِي أذَكَرُوا اسْمَ اللهِ أم لم يذْكُرُوا؟ قال: «سَمُّوا أنْتُمْ وكُلُوا». أخْرَجَه البُخَارِيُّ (٤).
стр. 13498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والتَّسْمِيَةُ على الذَّبيحَةِ مُعْتبرَةٌ حال الذَّبْحِ، أو قَرِيبًا منه، كما تُعْتَبَرُ على (١) الطَّهارَةِ. وإن سَمَّى على شاةٍ، ثم أخَذَ أُخْرَى فَذَبَحَها بتلك التَّسْمِيَةِ، لم يَجُزْ، سواءٌ أرْسَلَ الأُولَى أو ذَبَحَها، لأنَّه لم يقْصِدِ الثانيةَ بهذه التَّسْمِيَةِ. فإن رأى قَطِيعًا مِن الغَنَمِ، فقال: باسْمِ اللهِ. ثمَّ أخَذَ شاةً فذَبَحَها بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم تَحِلَّ. فإن جَهِلَ كونَ ذلك لا يُجْزِئُ، لم يَجْرِ مَجْرَى النِّسْيانِ، لأنَّ النِّسْيانَ يُسْقِطُ المُؤاخَذَةَ، والجاهِلُ مُؤاخَذٌ، ولذلك يُفْطِرُ الجاهِلُ بالأكْلِ في الصَّوْمِ دونَ النّاسِي. وإن أضْجَعَ شاةً ليَذْبَحَها، وسَمَّى، ثم ألْقَى السِّكِّينَ، وأخَذَ أُخْرَى، أو رَدَّ سَلامًا، أو كَلَّمَ إنْسانًا، أو اسْتَسْقَى ماء [وذَبَح] (٢)، حَلَّ، لأنَّه سَمَّى على تلك الشّاةِ
стр. 13499
وَتَحْصُلُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا، أَوْ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَإنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ إلا بِذَبْحِهِ، وسَوَاءٌ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ.
ــ
بعَينِها، ولم يَفْصِلْ بينَهما إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ، فأشْبَهَ ما لو لم يتَكَلَّمْ.
٤٦٣٧ - مسألة: (وتَحْصُلُ ذَكاةُ الجَنِينِ بذَكاةِ أُمِّهِ إذا خَرَجَ مَيِّتًا، أو مُتَحَرِّكًا كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ، وإن كانت فيه حياة مُسْتَقِرَّةٌ، لم يُبِحْ إلَّا بذَبْحِه، وسواءٌ أشْعَرَ أو لم يُشْعِرْ) وجملةُ ذلك، أنَّ الجَنِينَ إذا خرَجَ مَيِّتًا مِن بَطْنِ أُمِّه بعدَ ذَبْحِها، أو وُجِدَ مَيِّتًا في بَطْنِها، أو كانت حَرَكَتُه بعدَ خُرُوجِه كحَرَكَةِ المذْبُوحِ، فهو حَلالٌ. رُوِيَ هذا عن عليٍّ، وعمرَ، وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِي، والشافعيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ عمرَ: ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّه إذا أشْعَرَ (١). ورُوِيَ ذلك عن طاوس، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، والحسَنِ، وقَتادَةَ،
стр. 13500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومالِكٍ، واللَّيثِ، والحسَنِ بنِ صالحٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ عبدَ الله بِنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، قال: كان أصْحابُ رسولِ الله ﷺ يقولون: إذا أشْعَرَ الجَنِينُ فذَكاتُه ذكاةُ أُمِّه (١). وهذا إشارَةٌ إلى جميعِهِم، فكان إجْماعًا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِل إلَّا أن يخْرُجَ حَيًّا فيُذَكَّى؛ لأنَّه حيوانٌ ينْفَرِدُ بحَياتِه، فلا يتَذَكَّى بذَكاةِ غيرِه، كما بعدَ الوَضْعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وكان الناسُ على إباحَتِه، لا نَعْلَمُ أحدًا منهم خالفَ ما قالوا، إلى أن جاءَ النُّعْمان، فقال: لا يَحِل، لأنَّ ذَكاةَ نفسٍ لا تكونُ ذَكاةً لنَفْسَين. ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أحَدَنا يَنْحَرُ النّاقَةَ، ويَذْبَحُ البَقَرَةَ والشّاةَ، فيَجِدُ في بطْنِها الجَنِينَ، أيَأكُلُه أم يُلْقِيه؟ قال: «كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ، فَإنَّ ذَكَاتَهُ فيَ ذَكَاةُ أُمِّهِ». وعن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ». رواهما (٢) أبو داودَ (٣). ولأنَّ هذا إجْماعٌ مِن
стр. 13501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهُم، فلا يُعَوَّلُ على ما خالفَه، ولأنَّ الجَنِينَ مُتَّصِلٌ بها اتِّصال خِلْقَةٍ، يَتَغَذَّى بغِذائِها، فتكونُ ذَكاتُه ذَكَاتَها، كأعْضائِها، ولأنَّ الذَّكاةَ في الحيوانِ تخْتَلِفُ على حَسَبِ الإِمْكانِ فيه والقُدْرَةِ، بدَليلِ الصيدِ المُمْتَنِعِ والمَقْدُورِ عليه والمُتَرَدِّيَةِ، والجَنِينُ لا يُتَوَصَّلُ إلى ذَبْحِه بأكْثَرَ مِن ذبْحِ أُمِّه، فيكونُ ذَكاةً له.
فأمّا إن خَرَجَ حَيًّا حياةً مُسْتَقِرَّةً يُمْكِنُ أن يُذَكَّى، فلم يُذَكِّه حتى ماتَ، فليس بذَكِيٍّ. قال أحمدُ: إن خَرَجَ حَيًّا فلا بُدَّ مِن ذَكاتِه، لأنَّه نَفْسٌ أُخْرَى.
فصل: واسْتَحَبَّ أبو عبدِ الله أن يَذْبَحَه وإن خَرَج مَيِّتًا، ليَخْرُجَ الدَّمُ الذي في جَوْفِه، ولأنَّ ابنَ عمرَ كان يُعْجِبُه أن يُرِيقَ مِن دَمِه وإن كان مَيِّتًا.
стр. 13502
فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ تَوْجيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى غَيرِ الْقِبْلَةِ، وَالذَّبْحُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ، وَأنْ يُحِدَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوانُ يُبْصِرُهُ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (ويُكْرَهُ توْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلى غيرِ القِبْلَةِ، وأن يَذْبَحَ بآلَةٍ كالَّةٍ، وأن يُحِدَّ السِّكِّينَ والحيوانُ يُبْصِرُه) وجملةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يسْتَقْبِلَ بها القِبْلَةَ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وكَرِهَ ابنُ عمرَ، وابنُ سِيرِينَ، أكْلَ ما ذُبِحَ لغيرِ القِبْلَةِ. والأكْثَرُون على أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ أهلَ الكِتابِ يَذْبَحُون لغيرِ القِبْلَةِ، وقد أحَلَّ الله سُبحانه ذَبائِحَهُم. [ويُكْرَهُ أن يَذْبَحَ] (١) بآلَةٍ كالَّةٍ؛ لِما روَى أبو داودَ بإسْنادِه (٢)، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: خَصْلَتان سَمِعْتُهما مِن رسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَه، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». ويُكْرَهُ أنْ يُحِدَّ
стр. 13503
وَأَنْ يَكْسِرَ عُنُقَ الْحَيَوانِ، أَوْ يَسْلُخَهُ حَتَّى يَبْرُدَ.
ــ
السِّكِّينَ والحيوانُ يُبْصرُه. ورَأى عمرُ رَجُلًا قد وَضَعَ رِجْلَيه على شاةٍ، وهو يُحِدُّ السِّكِّينَ، فضَرَبَه حتى أفْلَتَ الشّاةَ. ويُكْرَهُ أن يَذْبَحَ شاةً والأُخْرَى تَنْظُرُ إليه؛ لذلك (١).
٤٦٣٨ - مسألة: (و) يُكْرَهُ (أن يَكْسِرَ عُنَقَ الحيوانِ، أو يَسْلُخَه حتى يَبْرُدَ) أي حتى تَزْهَقَ نَفْسُه. وقد قال عمرُ، ﵁: لا تَعْجَلُوا الأنْفُسَ حتى تَزْهَقَ (٢). ولأنَّ في ذلك تَعْذِيبَ الحيوانِ، فأشْبَهَ قَطْعَ عُضْوٍ منه. وممَّن كَرِهَ قَطْعَ عُضْو منه قبلَ الزُّهُوقِ؛ عطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، ومالِكٌ، والشافعيُّ. ولا نعلمُ لهم مُخالِفًا.
стр. 13504
فَإنْ فَعَلَ، أَسَاءَ، وَأُكِلَتْ.
ــ
٤٦٣٩ - مسألة: (فإن فَعَلَ، أساءَ، وأُكِلَتْ) لأنَّ ذلِك حَصَلَ بَعْدَ ذَبْحِهَا وحِلِّها. وقد سُئِلَ أحمدُ عن رَجُلٍ ذَبَحَ دجاجَةً، فأبانَ رَأسَها؟ فقال: يَأكُلُها. قيل له: والذي بانَ منها أيضًا؟ قال: نعم. قال البُخَارِيُّ (١): قال ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ: إذا قَطَعَ الرَّأسَ فلا بَأسَ به. وهو قولُ الحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ وذلك لأنَّ قَطْعَ ذلك العُضْو بعدَ حُصُولِ الذَّكاةِ، فأشبَهَ ما لو قَطَعَه بعدَ الموْتِ. فأمّا إن قطِعَ مِن الحيوانِ شيءٌ وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فهو مَيتَةٌ؛ لِما روَى أبو وَاقِدٍ الليثيُّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ، وهِيَ حَيَّةٌ، فهُوَ مَيتَةٌ». رواه أبو داودَ (٢). ولأنَّ إباحَتَه إنَّما تحْصُلُ بالذَّبْحِ، وليس هذا بِذَبْحٍ.
стр. 13505
وَإذَا ذَبَحَ الْحَيَوانَ، ثُمَّ غَرِقَ في مَاءٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ على رَوَايَتَينِ.
ــ
٤٦٤٠ - مسألة: (وإذا ذَبَح الحيَوانَ، ثُمَّ غَرِقَ في ماءٍ، أو وَطِئَ عليه شَيءٌ يَقْتُلُه مِثلُه، فهل يَحِلُّ؟ على رِوايَتَينِ) إحداهما، لا يَحِلُّ. وهو الذي ذكَرَه الخِرَقِيُّ. ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عَدِيِّ بِن حاتِمٍ، في الصَّيدِ: «وإنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ» (١). وقال ابنُ مسعودٍ: مَن رَمَى طائِرًا فوقَعَ. في ماءٍ، فغرِقَ فيه، فلا تأْكُلْه (٢). ولأنَّ الغَرَقَ سَبَبٌ يقْتُلُ، فإذا اجْتَمَعَ مع الذَّبْحِ، فقد
стр. 13506
وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا يَحْرُمُ عَلَيهِ، كَذِي الظُّفْرِ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَينَا،
ــ
اجْتَمَعَ ما يُبِيحُ ويُحَرِّمُ، فيُغَلَّبُ الحَظْرُ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يُعِينَ على خُروجِ الرُّوحِ، فيكونَ قد خَرَجَتْ بفِعْلَين مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، فأشْبَهَ ما لو وُجِدَ الأمْرانِ في حالٍ واحدةٍ، أو رَماه مُسْلِمٌ ومَجُوسِيٌّ فماتَ. والثانيةُ، لا يَحْرُمُ. وبه قال أكثرُ أصْحابنا المُتأخِّرِين. وهو قولُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها إذا ذُبِحَتْ فقد صارَتْ في حُكْمِ الميِّتِ، وكذلك لو أُبِين رأسُها بعدَ (١) الذَّبْحِ، لم تَحْرُمْ. نصَّ عليه أحمدُ. ولأنَّه لو ذُبِح إنْسانٌ ثم ضَرَبَه آخَرُ أو غرَّقَه، لم يلْزَمْه قِصاصٌ ولا دِيَةٌ.
٤٦٤١ - مسألة: (وإذا ذَبَح الكِتابِيُّ ما يَحْرُمُ عليه، كذِي الظُّفْرِ، لم يَحْرُمْ علينا) وذو الظُّفْرِ، قال قَتادَةُ: هي الإِبلُ والنعامُ (٢)
стр. 13507
وَإِنْ ذَبَحَ حَيَوانًا غَيرَهُ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَينَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيهِمْ؛
ــ
والبَطُّ، وما ليس بمَشْقُوقِ الأصابِعِ (١) (وإذا ذَبَح حيوانًا غيرَه، لم
стр. 13508
وَهُوَ شَحْمُ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَينِ، في ظَاهرِ كَلَامِ أحْمَدَ، ﵀. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَحَكَاهُ عنِ الْخِرَقِيِّ في كَلَام مُفْرَدٍ. وَاخْتَارَ أَبوْ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ.
ــ
تَحْرُمْ علينا الشُّحُومُ المُحَرَّمَةُ عليهم؛ وهو شَحْمُ الثَّرْبِ (١) والكُلْيَتَينِ، في ظاهِر كلامِ أحمدَ، ﵀. واخْتارَه ابنُ حامِدٍ) فإنَّ أحمدَ حَكَى عن مالِكٍ، في اليَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشّاةَ، قال: لا تأكُلْ مِن شَحْمِها. قال أحمدُ: هذا مذهبٌ دَقِيقٌ. وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَرَهُ صَحِيحًا. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ، وأبي الخَطّابِ. وذهَبَ أبو الحسَنِ التَّمِيمِيُّ، والقاضِي، إلى تَحْرِيمِها. وحَكاه التَّمِيمِيُّ عن الضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ. وهوْ قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
стр. 13509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وليس هذا مِن طَعامِهِم. ولأنَّه جُزْءٌ مِن البَهِيمَةِ لم يُبَحْ لذابِحِها، فلم يُبَحْ لغيرِه، كالدَّمِ. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِنِ شَحْمٍ يومَ خَيبَرَ، فنَزَوْتُ لآخُذَه، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ يَتَبسَّمُ إليَّ. مُتَّفقٌ عليه (١). ولأنَّها ذَكاةٌ أباحَتِ اللَّحْمَ، [والجِلْدَ] (٢)، فأباحَتِ الشَّحْمَ، كذَكاةِ المسلمِ. والآيَةُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّ مَعْنَى طعامِهم ذبائِحُهُم، كذلك فَسَّرَه العُلَماءُ، وقياسُهم يَنْتَقِضُ بما ذَبَحَه الغاصِبُ.
وإن ذَبَح شيئًا يَزْعُمُ أنَّه يَحْرُمُ عليه، ولم يثبُتْ أنَّه مُحَرَّمٌ عليه، حَلَّ؛ لعُمومِ الآيَةِ. وقولُه: إنَّه حَرامٌ. غيرُ مقبولٍ (٣).
стр. 13510
وَإنْ ذَبَحَ لِعِيدِهِ، أَوْ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى شَيءٍ مِمَّا يُعَظِّمُونَهُ، لَمْ يَحْرُمْ. نَصَّ عَلَيهِ.
ــ
٤٦٤٢ - مسألة: (وإن ذَبَحَ لعِيدِه، أو ليَتَقَرَّبَ به إلى شيءٍ مِمّا يُعَظِّمُونَهُ، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه) لأنَّه مِن طَعامِهم، لْيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الآيَةِ. وجملةُ ذلك، أنَّ ما ذَبَحُوه لكَنائِسِهم [وأعْيادِهم] (١) يُنْظَرُ فيه؛ فإن ذَبَحَه مُسْلِمٌ، فهو مُباحٌ. نَصَّ عليه. وقال أحمدُ، وسُفْيان، في المَجُوسِيِّ يَذْبَحُ لآلهَتِه، ويدْفَعُ الشاةَ إلى المسلمِ فيَذْبَحُها فيُسَمِّي: يجوزُ الأكْلُ منها. وقال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألْتُ أحمدَ عمّا يُقَرَّبُ لآلهَتِهِم، يَذْبَحُه رجُلٌ مسلمٌ، قال: لا بَأسَ به. وإن ذَبَحَها الكِتابِيُّ، وسَمَّى الله وحدَه، حَلَّتْ أيضًا؛ لأنَّ شَرْطَ الحِلِّ وُجِدَ. وإن عُلِمَ أنَّه ذَكَرَ [اسْمَ غيرِ] (٢) الله عليها، أو تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لم تَحِلَّ. قال حَنْبَلٌ: سمِعْت أبا عبدِ اللهِ قال: لا تُؤْكَلُ. يعني ما ذُبِحَ لأعْيادِهم وكنائِسِهم؛ لأنَّه أُهِلَّ
стр. 13511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لغيرِ اللهِ به. وقال في موضِع: يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ [على عَمْدٍ بما] (١) يَذْبَحُونَ للمَسِيحِ. فأمّا ما سِوَى ذلك، فرُويَتْ عن أحمدَ الكراهَةُ فيما ذُبِحَ لكنَائِسِهم وأعيادِهم، [قال: لا يُؤْكَلُ. يَعْنِي: ما ذُبِح لأعْيادِهم] (٢) مُطلَقًا. وهو قولُ مَيمُونِ بنِ مِهْرانَ؛ لأنَّه ذُبِحَ لغيرِ اللهِ. ورُوِيَ عن أحمدَ إباحَتُه. وسُئِلَ عنه العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، فقال: كُلُوا، وأطعِمُونِي. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، وأبي مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيِّ (٣). وأكلَه أبو الدَّرْدَاءِ، وجُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ (٤). ورَخَّصَ فيه عمرُو (٥) بنُ الأسْودِ، ومكحولٌ، وضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٦). وهذا مِن طعامِهِم. قال
стр. 13512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاضي: ما ذَبَحَه الكِتابِيُّ لعِيدِه أو نَجْم أو صَنَمٍ أو نَبِيٍّ، فسَمّاه على ذَبِيحَتِه، حَرُمَ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). وإن سَمَّى اللهَ وحْدَه، حَلَّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ (٢). لكنَّه يُكْرَهُ؛ لقَصدِه بقلبِه (٣) الذَّبْحَ لغيرِ اللهِ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا تُؤكَلُ المَصْبُورَةُ، ولا المُجَثَّمَةُ. وبه قال إسْحاقُ. [والمُجَثَّمَةُ] (٤) هي الطائِرُ والأرْنبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى حتى يُقْتَلَ. والمَصبُورَةُ مثلُه، إلَّا أنَّ المُجَثَّمَةَ لا تكونُ إلَّا في الطائِرِ أو الأرْنَبِ وأشْباهِها، والمَصْبُورةُ كُلُّ حَيوانٍ. وأصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ. والأصْلُ في تَحْرِيمِه، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن صَبْرِ البهائِمِ (٥)، ومَال: «لَا تَتَّخِذُوا
стр. 13513
وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا، فَوَجَدَ في بَطْنِهِ جَرَادًا، أَوْ طَائِرًا، فَوَجَدَ في
ــ
شَيئًا فِيهِ (١) الرُّوحُ غَرَضًا» (٢). وروَى سعيدٌ بإسْنادِه [عن أبي الدَّرداءِ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ مُجَثَّمَةٍ (٣). وبإسْنادِه] (٤) قال: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن المُجَثَّمَةِ، وعن أكْلِها، [ونَهَى عن المَصبُورةِ وعن أكْلِها] (٥). ولأنَّه حيوانٌ مَقْدورٌ عليه، فلم يُبَحْ بغيرِ الذَّكاةِ، كالبَعِيرِ والبَقَرَةِ.
٤٦٤٣ - مسألة: (ومَن ذَبَحَ حيوانًا، فوَجَدَ في بَطنِه جَرادًا، أو
стр. 13514
حَوْصَلَتِهِ حَبًّا، أَوْ وَجَدَ الْحَبَّ في بَعْرِ الْجَمَلِ، لَمْ يَحْرُمْ. وَعَنْهُ، يَحْرُمُ.
ــ
طائرًا، فوَجَدَ فِي حَوْصَلَتِه حَبًّا، أو وَجَد الحَبَّ في بَعْرِ الجَمَلِ، لم يَحْرُمْ. وعنه، يَحْرُمُ) قال أحمدُ في السمكَةِ تُوجَدُ في بطنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى، أو حَوْصَلَةِ طائِرٍ، أو يُوجَدُ في حَوْصَلَتِه جَرادٌ، فقال في مَوْضِع: كُلُّ شيءٍ أكِلَ مَرَّةً لا يُؤْكَلُ؛ لأنَّه مُسْتَخْبَثٌ. وقال في مَوْضِعٍ: الطّافِي أشَدُّ مِن هذا، وقد رَخَّصَ فيه أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، ﵁ (١). قال شيخُنا (٢): وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو مذهب الشافعيِّ فيما في بَطْنِ السَّمَكَةِ، دونَ ما في حَوْصَلَةِ الطائِرِ؛ لأنَّه كالرَّجِيعِ، ورَجِيعُ الطائِرِ عندَه نَجِسٌ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ ودَمَانِ» (٣). ولأنَّه حيوانٌ طاهِر في مَحَلٍّ طاهِرٍ، لا تُعْتَبَرُ له ذَكاةٌ، فأُبِيحَ، كالطّافِي مِن السَّمَكِ. وهكذا يُخَرَّجُ في الشَّعِيرِ يُوجَدُ في بَعْرِ الجملِ، أو خِثْي الْجَوامِيسِ (٤)، ونحوها.